محمد معتصم

1/ السرد النسائي:

يطرح السرد النسائي العربي إشكاليات عديدة على الدارس الناقد. أولا ،لأنه ميدان جديد لم يتم فيه بعد تحقيق التراكم الكمي حتى يحصل التراكم النوعي الذي من خلاله يمكن الوقوف على "جماليات السرد النسائي". ثانيا، لأنه يعلن عند دراسته وبحثه عن اختلاف في الرؤى التي يصدر عنها. ثالثا، لأن الكتابة النسائية تطرح من خلال خصائصها النوعية والجمالية إشكالية فرعية تتمثل في السؤال التالي: هل يمكن أن تكون كتابة الرجل كتابة نسائية إذا ما اعتمدت على الخصائص الجمالية والأساليب والتقنيات الكتابية التي تتجلى في الاصطلاحات التالية؛ البحث في الذات، البعد التراجيدي، الاعتراف والبوح، الحاجة إلى الانعتاق والتحرر، والتدفق السردي، والتركيز على اليومي، وعلى الأشياء الدقيقة في الحياة، وعلى شدة الملاحظة...؟

1.1/ التراكم النوعي:

في المغرب قليلة هي الدراسات التي تناولت المتن النسائي بالبحث والتمحيص دراسة خاصة. وأستثني هنا الدراسات التي تناولت بعض الأعمال أو بعض الكاتبات دون أخريات ضمن كتاب نقدي عام وشامل. أي تلك الكتب أو الأبحاث التي لا يهمها العمل على استجلاء قضايا الكتابة النسائية، أو الخصائص الفنية والجمالية في الكتابة النسائية. وفي هذا الإطار يمكن اعتبار رشيدة بنمسعود "رائدة" في المجال بالمغرب. لأنها كانت تمتاز بالجرأة وخاضت مغامرة البحث في كتاب صدر سنة 1994م تحت عنوان "المرأة والكتابة: سؤال الخصوصية/ بلاغة الاختلاف". في الوقت الذي كان الهم النسوي متمركزا حول تحقيق خطوات في مجال الحقوق والحقل الاستحقاق السياسي، وفي ميدان الدراسات السوسيولوجية والانتروبولوجية. وكأن المرأة قارة سادسة حديثة الاكتشاف ينبغي دراسة لغتها البدائية وطبائعها المختلفة...بينما تعتمد رشيدة بنمسعود الدراسة النقدية وتحليل النصوص، والمتابعة الكرونولوجية لتشكل وعي ولغة وأدب المرأة العربية منذ "النهضة العربية"، كما تم الاصطلاح على المرحلة.

وفي هذا السياق يصف الدكتور سعيد يقطين في تقديمه الكتاب رشيدة بنمسعود بأنها:" باحثة طليعية ورائدة في الآن نفسه" ص (5)،وهي كذلك. لأن بعدها ظهرت كتب نقدية تبحث في سؤال الخصوصية الفنية للسرد النسائي، وأذكر هنا كتاب الكاتبة زهور كرام " السرد النسائي العربي: مقاربة في المفهوم والخطاب" (2004)، وكتاب محمد معتصم "المرأة والسرد" (2004).

2.1/ وقد تبين من خلال تعدد رؤى الدراسة في حقل المرأة أن هناك توجهين كبيرين في أدب المرأة. وهذا ما يستنتج من كتابَيْ رشيدة بنمسعود: "المرأة والكتابة" و "جمالية السرد النسائي". ففي البداية، كما تبين لي أيضا، بدأت الكاتبة بمفهوم / لفظة "الأنثى" في محور "الأنثى والأدب" لتنتقل بعده إلى مفهوم/ لفظة "المرأة" في محور "إشكالية المرأة في عصر النهضة" ثم لتصل إلى مفهوم "الكتابة النسائية" في محور " مصطلح "الكتابة النسائية" بين الرفض والقبول".

لكن الإشكال يمكن تداوله في الكتابة عند المرأة على النحو التالي كما بينت في كتاب "المرأة والسرد":

·        الكتابة النسائية.

·        الكتابة النسوية. 

1.2.1/ الكتابة النسائية: كتابة تلجأ فيها المرأة إلى أساليب محض أدبية وجمالية، ولا تتبنى فيها أي موقف مسبق من الرجل سوى تلك المواقف التي يفرضها السياق، ووضعيات الشخوص...

2.2.1/ الكتابة النسوية: كتابة تلجأ فيها المرأة إلى توظيف الأدب كأداة للاحتجاج على أوضاعها الاجتماعية والأسرية والتعليمية والسياسية، وعلى أوضاع المرأة عموما داخل المجتمع الذكوري، وللاحتجاج على الرجل.

ويمكن استخلاص هذا الاختلاف من الاستشهاد التالي، من كتاب زينب جمعة "صورة المرأة في الرواية"، تقول:" والدعوة إلى تحرر المرأة لم يتعد، لدى إملي نصر الله، المطالبة بحقها في التعليم، وبحقها في اختيار زوجها، بعيدا عن سيطرة الأهل وسطوة الجماعة. ولم تذهب بعيدا كما ذهب غيرها من الكاتبات، على صعيد التحرر السلوكي في مجال العلاقة بالرجل. لم تجعل الرجل خصما وحكما كما فعلن، وإنما طرحت مشكلة تحرر الفتاة من خلال صراع الأجيال داخل الأسرة،وفي إطار المحيط الضيق والبيئة القروية المحدودة". ص (21). 

ويعمق أحمد شراك المسألة الخلافية بين الجنسين في كتابه "الخطاب النسائي في المغرب/ نموذج فاطمة المرنيسي" يقول:" يمكن أن نؤكد أن كتابة المرنيسي تتوزع بين خندقين متناقضين: خندق الرجل (العدو، الخصم، القوي، المستبد) وخندق المرأة (الدونية، المضطهدة، المهمشة) ثنائية ثابتة في أعمال في أعمال المرنيسي. تنظر إلى الرجل في معزل عن المرأة في معزل عن السياق التاريخي والمجتمعي. صحيح هناك إشارات خجولة، تحاول من خلالها أن تطرح دينامية الجنسين وربطها بالمناخ المجتمعي (...) إلا أن المنطق المهيمن في خطاب المرنيسي منطق ثنائي: منطق المفارقة والصراع بين الجنسين بعيدا عن تحليل آليات الفضاء الاجتماعي. ومن تم تطغى الغنائية النسائية (خاصة في كتاباتها الأولى)...". ص (56).

2/ بالتأكيد لهذا التقسيم والتمييز تأثيره على طرائق الكتابة، ومنها على الخصوص هذه الملاحظة المثيرة فالكتابة النسوية تصل في بعض الحالات إلى الدرجة الصفر في التعبير الأدبي ويصبح الخطاب فيها خطابيا وتبدو شخصية الرجل مبتورة مهزوزة تعبر عن القسوة والقمع وتختزل كل الصور السالبة للمجتمع، وقهر المرأة.

بينما الكتابة النسائية أو كتابة المرأة لا تتدخل الفكرة والوعي الإيديولوجي لدى الكاتبة في بناء الحكاية أو بناء الشخصية الروائية والقصصية (السردية).

1.2/ رشيدة بنمسعود في كتابها "جمالية السرد النسائي" اشتغلت على متن سردي تراوح بين القصة القصيرة والرواية. وتوزع على خمس دول عربية كالتالي:

·        المغرب

·        الجزائر 

·        لبنان 

·        فلسطين 

·        الإمارات العربية المتحدة 

وقد اشتمل المتن المغربي على كاتبتين، هما: خناثة بنونة وليلى أبو زيد. والمتن الجزائري على زهور ونيسي وأحلام مستغانمي. والمتن اللبناني على رواية ليلى بعلبكي "حين تساقط الثلج". والمتن الفلسطيني على ليانة بدر وسحر خليفة. والمتن الإماراتي على مريم جمعة فرج وفاطمة محمد.

ويمكن إجمال ذلك الاستنتاج في اثنتي عشرة قصة قصيرة ورواية. تتفرد فلسطين وليانة بدر خاصة بالحصة الأكبر. أي بأربعة متون لليانة بدر ومتن واحد لسحر خليفة. وتساوت المتون المدروسة بالنسبة للأقطار العربية التالية: المغرب والجزائر والإمارات العربية المتحدة. وينفرد المتن اللبناني برواية واحدة لأهميتها أو لاشتغالها الرائد على الجسد. وكذلك لأنها الرواية الأولى النسائية التي ستحاكم صاحبتها بتاريخ 15 يونيو 1964م. (هامش الصفحة:36).

وتتراوح تواريخ صدور الأعمال المدروسة بين:

·        1981م-1985م (ليانة بدر وخناثة بنونة)

·        1991م- 1995م (باقي الروايات) 

·        1964م (ليلى بعلبكي) 

أما من حيث الموضوعات التي اشتغلت عليها المتون المدروسة في الكتاب فإنها تصنف إلى ثلاثة محاور حسب التأثيرات الخارجية والتاريخية والاجتماعية للمرأة العربية. وهنا تحديد شامل وعام لا يغني عن قراءة المتون، وقراءة الدراسات النقدية التي اقترحتها علينا رشيدة بنمسعود بمنهجية علمية تم فيها توظيف أدوات نقدية مختلفة حسب الإمكانيات التي يسمح بها أفق كتابة المبدعات العربيات المنتقاة أعمالهن؛ وقد تراوحت بين مصطلح السرديات، ونحو النص، والسيميائيات السردية ثم الموضوعاتية، وهي:

1/ الكتابة في مواجهة سلطة المجتمع، والأب، والزوج عند جل الكاتبات: خناثة بنونة، وليلى أبو زيد، وزهور ونيسي، وأحلام مستغانمي، ومريم جمعة فرج، وفاطمة محمد. وهذا النمط من الكتابة يضع أمامه مسالة المرأة الأساس؛ وهي الحاجة إلى التحرر والانعتاق. انعتاق الذات وبحثها عن إمكانيات التحقق الفعلي والإسهام في البناء والخروج من منطقة الظل. وذلك بالتصدي ولو بالاحتجاج الداخلي، والتعبير الأدبي، لسلط المنع والحجر المتمثلة في المجتمع والأب والزوج (الواقع/الرجل).

2/ الكتابة بالجسد: وتنفرد في الكتاب ليلى بعلبكي بهذا السبق الذي كلفها عقابا آخر اجتماعيا ومؤسسيا من قبل الرقابة بمنع الكتاب من التداول وتقديم الكاتبة للمحاكمة. وقد أبرزت رشيدة بنمسعود في الدراسة القدرة الفائقة لليلى بعلبكي على تحويل "الجسد" برائحته وحركاته وسكناته إلى وسيلة تعبير عن الأفكار والمشاعر والهواجس. وأن الجسد يمكنه أن يكون استعارة كبرى على الوجود والذات الكائنة في الخضم العارم للوجود.

3/ الكتابة والقضايا الكبرى: وقد استغرق هذا المحور حوالي ثلث الكتاب. وتم فيه التطرق إلى القضية الأساس والمحور في الكتابة الفلسطينية، وهي الكتابة لحماية الذاكرة واسترجاعها عبر التأكيد على المكان وملامح الشخصيات وطرائق كلامها وتعبيرها ضدا على كل محاولات الطمس والمحو والتذويب التي يقوم بها المستعمر. وليس المكان وحده المدخل لدراسة المتن الفلسطيني وبالتالي متن ليانة بدر، بل هناك مفهوم الزمن الذي يجتذب حد الاستغراق فالذاكرة الفلسطينية المبدعة تقوم على دعامتي المكان والزمان حتى لا تنسى.

أما سحر خليفة في روايتها-السيرة "مذكرات امرأة غير واقعية" فإنها تضيف للكتابة قيمة أخرى، وتنبيها آخر. ويتمثل ذلك في الكتابة عن الذات ضمن التحول الكبير والوضعية الصعبة للإنسان الفلسطيني. فالتحرر والانعتاق لا يكونان بمواجهة الآخر المتسلط في الخارج ومن الخارج، بل ينبغي التغلب على التسلط الكامن الداخلي الذي لا يستطيع أن يفصل بين وضعيته الصعبة وبين سلوكه الخاص. وأعني الرجل والأب الفلسطيني الذي لم يستفد من التحولات التاريخية، ولم يعتبر مما يقع حوله. فإذا هو "تقليدي" حتى النخاع في الداخل منفتح في الخارج. وكأن سحر خليفة في رواياتها تصدح بالمسكوت عنه، وتكشف سلبيته وعيوبه، لكي يكتمل التحرر يجب أن يكون، وأن ينطلق من الذات. تغير سلوك الرجل داخل الأسرة. تغير نمطية العلاقة بين الرجل والمرأة. والمرأة أيضا مطالبة بذلك التغيير.

3/ لقد اعتمدت رشيدة بنمسعود في دراساتها على طريقة اشتغال موحدة ومنظمة رغم حضور مصطلحات من مدارس نقدية متنوعة؛ السرديات، ونحو النص، والسيميائيات العامة والسردية، والموضوعاتية. ومن أهم الخطوات التي تعتمدها الكاتبة في تحليل النصوص ما يلي:

القراءة المنهجية: التي تتطرق فيها إلى دراسة العناوين والإهداءات والأقوال التي تعتمدها الكاتبات كعتبات نصية. وتصوغ على ضوئها فرضيات القراءة التحليلية. ونمثل لذلك بهذا المجتزأ التمهيدي:" إن مدخلنا إلى هذه النصوص القصصية ماء لمريم جمعة، آثار على نافذة لفاطمة محمد، سينطلق مما يسميه بعض النقاد ما قبل النص ( Avant-texte) -حسب تعبير جيرار جنيت- الذي يشمل ما يلي: العنوان، اسم الكاتب، الناشر، العناوين الفرعية، المقدمة/التمهيد، الإهداء. أي كل العناصر الخارجية التي تنتج خطاب النص الأدبي". ص (87). ويطلق على هذه العملية في القراءة المنهجية؛ ما قبل القراءة (القراءة الاستكشافية). عموما ترتبط بالعتبات الخارج نصية التي تستعمل كمؤشرات دلالية وموجهة يمكنها أن تكون مفاتيح لمغاليق النص الأدبي.

ثم تعمد الكاتبة إلى "القراءة" من خلال التحليل والتعليق والشرح والتفسير. وهنا تستفيد من كل الإمكانيات التي يتيحها النقد الأدبي بفروعه. فالغاية من الكتاب الوقوف على جماليات النص السردي النسائي العربي، ومكوناته الخطابية وليست الغاية البحث في مفهوم إجرائي أو اختبار لمنهجية نقدية بعينها.

يبقى كتاب "جمالية السرد النسائي" لبنة مهمة في بناء خطاب نقدي نسائي مغربي وعربي، وخطوة جادة في مسار الكاتبة رشيدة بنمسعود. ويستحق القراءة والدرس لأهميته أولا في مسار النقد النسائي، وثانيا لما يحتوي عليه من أفكار وأحكام لا تخص الأدب أو المرأة بل تخص الفكر والمجتمع.

* بنمسعود، رشيدة: جمالية السرد النسائي. مجموعة المدارس. الدار البيضاء. ط1. 2006م.

* المداخلة التي قدمت بها كتاب الأستاذة رشيدة بنمسعود بالمعرض الدولي للكتاب 13 بالدار البيضاء يوم الثلاثاء 13 فبراير 2007م

 

Benmassoude