couver1couver

محمد معتصم

الناقد الأدبي

الصرخة،،، في وجه النسيان.

1/ أول ما أثارني في رواية فوزية شويش السالم الجديدة عنوانها "رجيم الكلام"، ثم صور غلافيها الأول والرابع. ولم يرد عنوان الرواية إلا في سياق "سيرة الوهم" وفي آخر فصل من الرواية. وضمن التعبير التالي:

" ...دخلت القاعة، ورأيته يجلس في الصدارة..

ما يزال يتكلم في اختيال وعنجهية وفذلكة..وما يزال يردد ادعاءات كذبه المأفون..

ومضيت بذهول الدوي ورجيم الكلام..." ص (265).

ولا يفهم الكلام الرجيم إلا من خلال المشهد الختامي برمته. مشهد يرسم صورة كاتب متبجح يدعي المعرفة وامتلاك الحقيقة. يحيط بكل شيء علما. يزين الكلام ويبهر به المتلقين. وهو الكلام الرجيم. لأنه كلام ادعاء والفذلكة. كلام بعيد عن الحقيقة. ومن ثمة وجب قتله. ورميه بالرصاص. يقول النص:

" ...ومطارق في رأسي وسأم أسدف علي صدأه..

واسوداد يشوش عقلي ببرقعه..

ويدي ترفع المسدس اللصيق بجسدي الخامد في كمونه..

لتنطلق الرصاصة تئز خارج الكمين، ولتثقب صدره..

ويهرع الجميع نحوه..

يطوقونه بفجور المحبة..وهشاشة الكذب المحظور..

وأنسحب في ضجيج الحب الهاجم..

أنسحب خارج خرابة رموز الثقافة..." (267).

إن الكلام الرجيم كلام أدعياء الثقافة. الذين يهاجمون كل مبدع، وكل إبداع جديد ومختلف. والرواية بالتالي تتخذ لها موضوعا ضمنيا هو موضوع فضح ثقافة الكذب والادعاء.

لكن الصورة في الغلاف الأول تذكرنا بلوحة الصرخة. صرخة في وجه الادعاء. والرواية كما تؤكد الصورة صرخة ظلت مكتومة. صورة قوية تحمل وجه امرأة /طفلة على الأرجح. في حال ثورة وغضب. تصرخ من الألم ومن الحمل الذي يثقل الكاهل. ثقل الزمن الذي نعيشه اليوم. زمن بلا ملامح. زمن ملتبس مضغوط في كبسولة قابل للانفجار في أية لحظة. زمن بلا ضوابط. زمن خواء خال من كل ضوابط. زمن أرعن. كل شيء فيه ينمحي بسرعة. عواطفه سطحية ذاكرته قصيرة الأمد.

بينما صورة الغلاف الرابع تحمل علامة "قف" وأجساد عارية معصوبة العينين، مشدودة ومكبلة إلى عمود الشارة، كأنه دعوة إلى وقف التعذيب الجسدي، ودعوة إلى إيقاف الهدر البشري. وأجساد متكومة على ذاتها. أجساد بلا ملامح. بلا غطاء. أي بلا حماية. عارية وسط زوبعة من اللون الرمادي. صورة تكمل معنى الصورة الأولى. وتدخلنا منذ الوهلة الأولى إلى فضاء الرواية. وعوالمها الفجائعية. عوالم الحرب. عوالم الفقد. عوالم التعذيب. عوالم الخوف واللا يقين. والشعور القوي باللا جدوى.

إنها رواية مختلفة. رواية تقطع مع الروايات السابقة لفوزية شويش السالم. ورواية قوية تأتي للحديث عن مخلفات الاجتياح العراقي للكويت. المخلفات النفسية خاصة. 

2/ لا يمكن لمن يقرأ رواية فوزية شويش السالم الجديدة "رجيم الكلام" ورواية هدية حسين "بنت الخان" إلا أن يمقت الحرب. وويلاتها. لقد استطاعت هدية حسين وصف الوجه القبيح للحرب. واستطعت فوزية شويش السالم إبراز تفاهة الحرب، لكن مع الوقوف الحصيف على ويلاتها ومخلفاتها النفسية والاجتماعية، والوقوف على "رصيد الفاجعة" تلك الحمولة من شحنات الغضب والشك والريبة.

تحفل الرواية الجديدة لفوزية شويش السالم بالمشاهد الفجائعية، مشاهد قد يتبادر إلى ذهن القارئ أنها مرتبطة بالمصير الفاجع لشخصية "أسرار محمد القبندي". بينما الحقيقة أن الفاجعة ترتبط بضدها شخصية "نارنج العبد الله". والفرق يكمن كما ستوضح الكاتبة في اجتهاد خالص في فهم زمن الشخصية الروائية. فلكل واحد منا زمانه الشخصي الخاص الذي يحدد طباعه ويوجه ميوله ويقوده نحو مصيره الحتمي. وزمن شخصية "أسرار" حاد ومختلف عن زمن شخصية "نارنج". وبالتالي فالطباع ذاتها مختلفة. وهو ما تقف عنده الكاتبة في السياق التالي من الرواية. يقول النص:

" مرآتي..يا مرآتي من فينا الأبهى والأجمل ؟

قالت: أسرار..

قلت: من فينا الأنبل ؟

قالت: أسرار.

قلت: من نال المفازة ؟

قالت: أسرار.

قلت: وأنا ؟

قالت: جحر فيه فأر.". ص (32).

هذا الحوار القصير يشكل الفارق الفارز بين الشخصيتين. شخصية "أسرار" الشهيدة، والتضحية، والفداء، والإيثار. وشخصية "نارنج" الخوف، والعزلة، والغربة. غربة الاسم. وفيه يقول النص:

" اسم علقني على غصن الاختلاف والغربة...

أنا " نارنج" الجدة والأم وتاريخ سلالة الاغتراب كلها المزروعة في.

الاسم ليس مشكلة بحد ذاته.

ولكن حين يضاف إليه الاختلاف في الشكل واللكنة واللغة..

يصبح اختلافا مشارا إليه." ص (37).

3/ تبني فوزية شويش السالم روايتها على التوازي بين حكايتين وتؤشر عليهما باختلاف الخط "الغرافيك" الخط البسيط والخط المضغوط. وذلك عتبة يهتدي بها القارئ للفرز بين حكايتين. بين شخصيتين مختلفتين في الطباع. وبالتالي مختلفتين في المصير. لكن التوازي بين الحكايتين يولد بناء في طبقات النص. بالرغم من أن الحكاية المركزية والمحورية واحدة وهي حكاية/سيرة الشهيدة "أسرار محمد القبندي".

وما يدل على الموضوع الواحد والرواية الثنائية المدخلان التاليان:

المدخل الأول ترويه نارنج العبد الله :

" خرجت من المكتب، ووجدت في صالة الانتظار الكاتبة فوزية شويش السالم".

سلمنا على بعضنا بعضا، وأطلعتها على اختياري وصيدي الثمين.

نظرت إلي بدهشة من فوجئ بالاختيار..

وربما كانت تريد أن تأخذ أسراري لأسرارها..

ربما كانت ستشهد ذات الشهادة..

ربما أوقعتها في حيرة الاختيار.

لم أطرح عليها السؤال المشنوق في سقف حلقي..

أطبقت فمي عليه كالعادة، وابتلعته ليستقر في صندوق آثامي.

خرجت وأنا أحمل على ظهري ثقل نظراتها المتسائلة والغارقة في الحيرة.

أعلم أني أحبها وأحترم كتابتها، ويعجبني دأبها وعوالمها الغائرة في أعماق الإنسانية، والبعيدة عن قيود الالتزام.

كتابتها تشبهها ولا تشبهني..

ولكن أحيانا أشعر بتشابك بعض الخطوط بيننا.

لكنها تبقى بتفردها واحدة أخرى لا تشبه أحدا." ص (13).

هذا المجتزأ عتبة مهمة جدا لأنها تبين الطريقة التي ستنجز بها الرواية. فالموضوع المختار واحد وهو حكاية "أسرار" الشهيدة، لكن الرواية ستنطلق من موقعين مختلفين، ورغم اختلافهما فهناك علاقات متشابكة وروابط موصلة بين الروايتين. مما يبرز معنى طبقات المحكي. طبقات بناء النص الروائي. فالكاتبة تلمح إلى كتاباتها السابقة، وإلى طريقة الكتابة في الروايات التي كتبت قبل الاحتلال. روايات عميقة وموغلة في الذات الإنسانية. مبحرة في العوالم الدفينة للشخوص. يتجلى ذلك في رواياتها " الشمس مذبوحة والليل محبوس" (رواية قصيرة)، و"النواخذة" ( وهما روايتنا توظف فيهما الكاتبة اللهجة الدارجة الكويتية بوفرة، والشعر العامي)، وخاصة روايتيها اللتين سبق لي الكتابة حولهما "حجر على حجر" و"مزون وردة الصحراء".

والمنطلق الثاني لرواية حكاية "أسرار" يأتي على لسان "نارنج العبد الله". يقول النص المكتوب بخط مضغوط للتمايز والاختلاف:

" تفاجأت باختيار "نارنج العبد الله" الكتابة عن الشهيدة "أسرار القبندي"

كيف اختارت اختياري.." ص (14).

4/ عند استيعاب ثنائية السرد، واختلاف منطلقات الحكاية نكون قد تجاوزنا عقبة كبيرة في دخول عالم الرواية. لكي نتجاوز أيضا الالتباس الذي يتولد عن التداخل في الحكي. واستيعاب طريقة الكتابة في رواية "رجيم الكلام". وهي كتابة اختارت من خلال المؤشر الدال في عناوين الفصول وأقصد طبعا لفظ "السيرة". إلا أن الرواية تظل منفتحة على كل الأنماط في كتابة السيرة، وأهمها في خطاب "رجيم الكلام" السيرة الذاتية والسيرة الغيرية.

لقد كان الصوتان مندمجين في كل سيرة على حدة، يتناوبان على الحكي، ويبني كل صوت سيرته الخاصة. والملاحظة الهامة هنا هي التنامي السريع في تطور الأحداث. والسعي الحثيث من أجل بلوغ المرام. وقد تدرج الحكي عبر السير التالية: سيرة السير، سيرة الكتابة، سيرة الفقد، سيرة الحب، سيرة الخوف، سيرة الوهم.

إذا كان الحكي يتنامى بالتداخل بين الصوتين الراويين، فإنه يتوازى في سيره. ينطلق من مكان وحدث واحد ليصل إلى غاية واحدة لكن تختلف سرعة الوصول. يقول النص:

" تقول إنها تمضي في نهاية روايتها، وإنها تعبر سدة الوهم الكبير..

كيف مضت في هذه السرعة ؟

سرعة تجاوزت سيري بمراحل كبيرة..

سيري الذي ما يزال أمامه مشوار طويل حتى يقترب من نهايته..

تجاوزتني في العبور..

رغم اشتراكنا في نقطة البداية، واستخدامنا الطريق نفسها والموضوع نفسه..

كيف تجاوزتني بهذه السرعة وسارت في دربها إلى خط النهاية..

نهاية سدة الوهم.." ص (251).

فما هي تلك النهاية؟

إنها النهاية التي ولدها الإحساس الكبير بالفاجعة، الإحساس بالخواء الذي خلفته لعبة المقارنة بين شخصيتين، شخصية الشهيدة "أسرار" وبين شخصية "نارنج العبد الله". لعبة خطرة، تنتهي بالخلاصة التالية. يقول النص في حس كاتم للفاجعة مليء بألم ممض:" امرأة في الثلاثين قطفت النجوم..وامرأة في الثلاثين قطفت الخواء..بيدين عاريتين وعمر راجف.." ص (258).

إنه إحساس يسري في أوصال الروايتين. رواية نارنج العبد الله التي تنتهي إلى خلاصة مفادها أن الكتابة باهتة وأن الحياة خضراء نضرة.  الكتابة الزائفة/ ثقافة البهرجة والادعاء. ورواية فيها حضور كبير للكاتبة من خلال كتبها المنشورة، وفيها رواية لآلام سيرة الكتابة، الحواجز والحروب والدسائس. حروب صغيرة تقوم على الغيرة والحقد والحسد. والراوية تقوم هنا بالتخلص من تلك الشوائب بطرحها علنا على القراء، التخلص منها لأجل الاختيار الصعب، اختيار الكتاب من أجل الآخرين، الكتابة التي تمجد الشهداء الذين كتبوا بالدم والألم والإحساس القوي بالتفاني والإيثار والتضحية والفداء من أجل الوطن، من أجل الحرية، ومن أجل الآخرين، أينما كانوا. دون حاجة إلى مقابل.

من خلال لعبة المقارنة يتولد الحس الفجائعي في رواية فوزية شويش السالم "رجيم الكلام"، فيصدر في صورة صرخة مدوية في وجه النسيان وامتهان الإنسان...

* السالم، فوزية شويش؛ رجيم الكلام. رواية. دار أزمنة. ط1. 2007م.