ريحة الكلام. للشاعر أحمد لمسيح

1/ الحديث عن الزجل المغربي حديث في الجذور العميقة للمغرب المتعدد في أبعاده اللغوية والثقافية والتاريخية. فاللسان الدارج المغربي مسكون بأرواح القدماء، يطالعونك في كل أنة، أو آهات. في كل عبارة مسكوكة، وكل مثل مزدحم بالمعاني وبالتجربة. والزجل المغربي يحمل على عاتقه مهمة كبيرة جدا. مهمة أن يقول الروح المغربية المختلفة والمتعددة بتعدد واختلاف ليس لهجاته وثقافاته ولكن بتعدد تضاريس المغرب من السهول المترنحة مع أغاني العيطة، حتى المرتفعات الراقصة على إيقاعات أحواش واحيدوس، والكثبان التي ترجع صدى نقرات الكدرة...

2/ مناسبة هذا الكلام صدور الديوان الزجلي "ريحة الكلام" للشاعر الزجال المغربي أحمد لمسيح الذي أثرى الخزانة الزجلية بعدد من الدواوين الشعرية المتراوحة بين القصيدة الشعرية الفصيحة والقصيدة الشعرية الزجلية. ومن دواوينه تلك "رياح...التي ستأتي.1976م" و "فيضان الثلج.1986م" و "شكون طرز الما؟ 1994م" و "بين الظل والجسد. 1997م" و "ظل الروح.1998م" و "توحشت راسي.1999م" و "حريفات.2000م" و "حال وحوال.2003م" و"في البحر ذاكرتي.2004م" و "زجل.2004م" و "خيال الما.2005م".

والملاحظة الأولى التي يمكن استخلاصها من مدونته الشعرية والزجلية أنه شاعر منتظم حريص على نظم الشعر وقوله ونشره بين الناس. وهي ميزة وفضيلة. ولعل الديوان الجديد يجيب عن هذه المسالة من حيث موضوعته الرئيسة.

3/ يتكون ديوان "ريحة الكلام" من ثلاث قصائد زجلية معنونة ومرتبة كما يلي:

·        هرب له الكلام.

·        ضو الكلام. 

·        بدا يقول الكلام. 

والموضوعة المهيمنة على القصائد الثلاث، هي نظم الكلام. ويتخذ لفظ "الكلام" دلالات متعددة، أكثر ما تبرز في القصيدة الأولى: النداء، اللغو، التمتمة، الصياح، "التبركََيم"، التبرويل، والهتهته. إنها دلالات ومصاحبات كلامية أيضا، تجعل للكلام المنظوم مستويات متنوعة ومتدرجة في النزول والارتقاء. لكن يبقى المقصود بالكلام النظم وقول الشعر والبوح بالمكنون والدفين. البوح بالخفي في الإنسان، ذلك الجوهر الذي يخاف الشاعر الزجال أو الفصيح من فقدانه. والشاعر احمد لمسيح في هذا الديوان يجعل من مسالة الخوف من فقدان الجوهري والأصيل في الشاعر محورا لقصائده. يسائل نفسه، ويبحث عن كلامه الذي كاد أن يضيع منه. بالأحرى كلامه الذي يحاول الآخرون طمسه وإفراغه من معانيه. يقول النص:"

عراوه

قشطوه من ذاتو

حتى لاثر محاوه

ولا شي خلاوه ليه." ص (5).

واضح أن الشاعر يتحدث عن الحالة الصعبة التي يقف فيها شاعر أمام المرآة، ويكتشف أن وجوده الحقيقي ليس إلا في ما ينظمه من كلام، وما يصدر عنه من قول. فهو يقيم في اللغة، في الكلام، ويحيى داخل الكلام. يتنفس ريحه. ولا إقامة له حقيقة إلا داخل الكلام. أي أن الشاعر، وكل كاتب أصيل، يخلص للقصيدة. ويتجلى ذلك في العتبة التي صدر بها ديوانه. وقدمها في أول صفحة من الديوان في صيغة إهداء يقول :" في تمجيد القصيدة/ تمجيدها".

4/ تعتبر العتبات النصية مهمة جدا في جعل القارئ مهيئا لدخول عوالم النص (الكتاب، الديوان). وقول الشاعر" في تمجيد القصيدة" يمنح لفظة "الكلام" الواردة في العنوان دلالتها القريبة. وهي "الشعر/القصيدة". وأن المديح هنا يروم الاقتراب من مزايا القصيدة. ويبحث لها عن رائحة.

وليس غريبا أن نجد الشاعر يتحدث عن رائحة للكلام. عن رائحة للقصيدة الشعرية. فالشاعر مولع بضم المتنافر في عناوين دواوينه. لكن الأهم أنه مولع بالبحث عن الخفي، متجنبا الخوض في السطحي والعرضي. فمرة يجعل للروح ظلا. وليست الروح إلا النقيض للجسد. النقيض للمادة. لا يكون الظل إلا انعكاس الضوء على المادة. وفي ضم المتنافر تكمن شعرية القول واللغة. ومرة أخرى يجعل للماء خيالا. أي ظلا. كما أنه طرز الماء ويوشيه...والمتمعن في هذا التنافر الذي يقابله التصاقب في الألفاظ كما بين ابن جني مثلا، يدرك الهم الشعري لدى أحمد لمسيح، فقول الشعر فصيحا أو زجلا، عنده ينبغي أن يذهب ليس فقط إلى قول الظاهر، الحادثة، والوقائع، بل ينبغي أساسا أن يقول المستحيل، والممتنع عن القول. البعيد عن الإدراك. إن الشعر لديه تفكير. تفكير شعري لا يضحي بالتركيب الشعري للجملة الشعرية. حتى وهو يحكي.

5/ وتتضمن العتبة التركيب الإضافي التالي :"تمجيدها". أي "وفي تمجيدها" لكن الهاء لا تعود على القصيدة هنا بل تعود على صنوها في القول، وفي الحضور. إنها المرأة. لكن الشاعر يجعل منهما وجهين لعملة واحدة. ولا يمكن الحديث عن القصيدة دون الحديث عن المرأة بل الشاعر في قصيدته الأولى بالديوان يقوم بتشخيص القصيدة وتحويلها إلى امرأة، تمتاز بالمرونة والمراوغة، إقبالا وإدبارا. وكذلك فعل في القصيدة الثالثة حيث يقول:"

لسانو بلا لجام.

باغي يطير عند خيالو

والعكس مقيد له لقدام.

بانت له القصيدة امراة

بانت له لمرا قصيدة

       وسط الزحام.

فراشة خاف عليها

اطفى نارو فيه

        بظلو عليها حام.

ثمرة من الجنة قدامها مخطوف

ما فطر ما صام." ص (52).

6/ إذا بدأ الديوان بالحديث عن هروب الكلام فإنه أنهاه بعودة الكلام. وهذا يوحي بأن بناء الديوان كان دائريا. لكن دورته تلك كانت إيجابية. لأن الشاعر سيعود إلى لسانه. سيعود إلى قول الشعر. إلى نظم الكلام. وبالتالي سيعود إلى الإقامة في ذلك الجوهر الذي يسعى نحوه الشعراء عامة.

* ريحة الكلام. أحمد لمسيح. ط1. 2007. البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع.

Odeuredeparole