Couverture_2

بدعم من وزارة الثقافة، سيصدر بعد أيام عن دار الأمان بالرباط كتاب جديد بعنوان "بناء الحكاية والشخصية في الخطاب الروائي النسائي العربي" للناقد الأدبي محمد معتصم. وقد وضع تصميم الغلاف ببراعة وفنية عالية الصديق القاص والسينوغراف، رئيس "مسرح أفروديت" عبد المجيد الهواس. وهنا التقديم الذي وضعته للكتاب.

تقــــديم:

1/ في الكتابة النسائية والكتابة النسوية:

في كتاب "المرأة والسرد" حاولت الخروج من الإشكالية المتاهة، هل هناك كتابة نسائية؟ وإذا ما كانت ألا يكون الأمر قائما على نوع من التمييز الجنسي؟ وعمدت مباشرة إلى اختيار واضح يتمثل في وجود كتابة نسائية رغم كل الاعتراضات، وكل التبريرات التي لم تر فيها ما يقنع الدارس عليما وأدبيا.

لأن الدارس في حاجة ماسة إلى المناهج للتحليل، والمناهج في حاجة إلى المفاهيم، والمفاهيم في حاجة إلى تأصيل وإلى ابتكار واخترع وتوليد. لأن الظواهر الأدبية والأسلوبية لا يمكنها أن تتجلى في الذهن إلا عبر الصور الذهنية. وليست المفاهيم غير تلك الصور الذهنية التي تتميز بالشمولية (الإحاطة) والدقة والاختلاف (التنوع).

من ثمة تبين أن هناك كتابة نسائية تكتبها المرأة. تميز أولا من حيث موضوعاتها، والأساليب، والحساسية التي تصاغ بها كل تلك المكونات مجتمعة. ومفهوم الكتابة النسائية مفهوم شمولي. بمعنى أنه يضم أشكالا وأساليب وأنواعا من الكتابة عند المرأة. ولهذا كان من الضروري استخلاص وتوليد مفهوم جديد أدنى منه ويدل عليه ويختلف معه في جزئية مركزية، وهو مفهم "الكتابة النسوية". لن أخوض في مسالة "الاشتقاق" هنا، بل يهمني أكثر الدلالة، والحمولة المعرفية التي سأعطيها لمفهوم الكتابة النسوية.

7ذا كانت الكتابة النسائية تدل على الكتابة التي تبدعها المرأة عموما، فإن الكتبة النسوية ترتبط بنوع خاص من الكتابة، تلك التي تنبع من خلفية إيديولوجية. تنصب المرأة الكاتبة (وقد يكون الرجل أيضا) فيها نفسها مدافعا عن حقوق المرأة، كاشفة عن المواقف المعادية لها في ميادين مختلفة؛ كالميدان الاجتماعي، والسياسي، والحقوقي...وتندرج ضمن هذا النوع من الكتابة، الكتابة السيرية، واليوميات، والتقارير الصحافية، والتحقيقات والاستجوابات، وبعض الروايات التي يكون قصدها ومغزاها مرتبطين بالخلفية الإيديولوجية لحركة نسوية محلية أو دولية.

2/ الحكاية والحياكة:

في كتاب "المرأة والسرد" تناولت بالدرس "السرد" ولم أفصل في الدراسة بين الأنواع السردية؛ السيرة الذاتية، أو اليومية، أو القصة القصيرة، والرواية...لأن الكتاب كان خطوة في التعرف على عالم من الكتابة ظل مبعدا عن الدراسة المستقلة أدبيا ونقدا. كان يدرس ضمن منظومة فكرية، وسياق عام ينظر إلى الأدب كوحدة عضوية لا اختلاف فيما بنياتها ومكوناتها وأساليب تعبيرها. ما دام الأدب تعبيرا جماليا، ويكتب جماليته انطلاقا من المفاهيم المحددة مسبقا من قبل منظري الأدب في العالم، وعلى مدى التاريخ.

والدراسة الاستكشافية لها مزاياها كما لها عيوبها لأنها تبحث في أرض بكر. والناقد الباحث إما أن يختار الانطلاق من فضيات يفكر فيها ثم يخوض في عملية الاستدلال عليها لتأكيده أو دحضها. أو أنه يختار الاستنباط. وهنا عليه أن ينوع من مصادر دراسته، وأن يكون مرتبطا بالنص ارتباطا مباشرا وميما. وهو الاختيار الذي نميل إليه حتى في هذا الكتاب.

فتنوع مصادر الدراسة يتيح الفرصة أمام الدارس للمقابلة والمقارنة واكتشاف مواطن الائتلاف والاختلاف. لكننا في هذا العمل حاولنا حصر الدراسة النقدية الاستكشافية في مفهوم آخر مرتبط بالمرأة وبالكتابة: إنه مفهوم الحكاية. وقد ترددنا كثيرا في تسمية الكتابة بين؛ الحكاية والحياكة. بين شهرزاد "ألف ليلة وليلة" وبنيلوب "الأوديسا". لقد ارتبطت شهرزاد بالحكاية. وارتبطت بنيلوب بالحياكة. ولا نجد فرقا وظيفيا بين حياكة الحكاية ونسج حكاية. كلا مفهومين مرتبط بالزمان وبالتحول، والانتظار والترقب. تؤجل شهرزاد ضرب عنقها باستمرار الحكاية. وتسوف بنيلوب الطامعين والخطاب بحياكة النسيج وفكه ودا على بدء.

لكن الأهم هنا أن الحياكة والحكاية لابد لهما من نظام، ونسق من العلامات. هذا المستوى من التحليل يهتم به الناقد والباحث في مجال السيميائيات. لكنني اخترت بالبحث في النظام، في البناء. فما دامت بنيلوب قادرة على نسج وفك النسيج، ومادامت شهرزاد قادرة على توليد الحكاية والحفاظ على استمراريتها، فلا شك في أنهما معا تدركان معنى النظام المتحكم في العمليتين معا. أي أنهما لم تتحققا من هذه الكفاءة العالية إلا بفضل ما طورتاه من مقدرة على البناء والتفكيك، وإعادة البناء، وإعادة التفكيك إلى ما لا نهاية.

هذه خصيصة من الخصيصات التي تلتقي حولها الكاتبات العربيات اللائي درست رواياتهن في هذا العمل، روايات مجتمعة أو رواية واحدة كعينة.

3/ بناء الحكاية:

تلتقي الروائيات اللائي درست رواياتهن في هذا الكتاب في القدرة على بناء الحكاية سليمة مقنعة ومؤثرة، مليئة بالمحفزات، خالقة للتوقعات، ومفتحة على آفاق التأويل الرحبة،ولها ارتباط وثيق بمرجعها الثقافي والواقعي. أي أنها تقوم على الإيماء والإحالة في آن.

لقد "تمثلن" موقف شهرزاد في القدرة على توليد وبناء الحكاية/الحكايات (المؤطرة أو المؤطَرة، ضمنية أو حكايات صغرى...) سواء بالتعاقب أو التضمين أو التوازي. كما "تمثلن" موقف بنيلوب في البناء والتفكيك وإعادة البناء وإعادة التفكيك المطردين.

والحكاية في هذا الكتاب ليست "الخرافة" أو قصة تقوم على البعد العجائبي أو الغرائبي، ولكنها إجراء نميز به بين القصة (مادة الحكي) وبين القصة كنوع أدبي له أصوله وفروعه المتعددة والمتنوعة في آن. ونميزه عن "المحكي" (Récit) الذي سيرد في الدراسة كمظهر سردي للقصة (للمادة). وقد بينا هذا الفص جيدا في كتابنا "النص السردي العربي: الصيغ والمقومات".

وإذا كان النص السردي يقوم على المتواليات السردية والحكائية فإن من ركائزه كذلك الحدث الذي يتجلى كمتواليات حدثية. ولابد من وجود الشخصيات الروائية (الشخوص). لأنها مركزية تقع لها أحداث وتوقع أحداثا بغيرها من الشخصيات الروائية. لكن في الدراسات التي يضمها هذا الكتاب وقفت ند مفهوم بناء الشخصية. أي الاهتمام بأبعادها المكونة؛ الفكرية والنفسية والاجتماعية. وفي المستوى البنائي نتحكم أكثر في الخطاب النسائي الإبداعي (الروائي) ونستطيع في الوقت ذاته الابتعاد عن خدر اللغة الشائقة التي تكتب بها الكاتبات العربيات. ونتحكم أيضا في خصوبة الخيال، والقدرة على توليد الحكايات التي تمهر فيها الكاتبة العربية. وربما هذا سيجعلنا بعيدين في هذا العمل عن الحديث عن الكتابة السير ذاتية والبوح والاعتراف...تلك الصفات اللصيقة بأسلوب الكتابة عند المرأة.

4/ الرواية النسائية المغاربية:

يبقى أخيرا، وليس آخرا، أن نفتح هذا المشروع على آفاق جديدة. وقد تبين لي ذلك وأنا أحاول ختم هذا العمل أن أفرد كتابا خاصا بالكاتبات المغاربيات، نظرا للميزات ومتغيرات كتابية ومرجعية كثيرة، ونظرا لتزايد عدد كاتبات الرواية في المغرب العربي، خاصة المغرب والجزائر وتونس، وليبيا. وأن يكون خطوة جديدة في استكشاف مقومات كتابية نسائية جديدة.