Arb

الغلاف الأول للرواية

1/ وضعية الكاتب:

يقول الراوي :"... فلست لا بطلا ولا شجاعا. أنا مجرد كاتب" ص (106). وتشديدي على هذا القول يأتي ليبين أننا أمام حالة ووضعية مزريتين تعيشهما الشخصية الروائية، وحالة ووضعية تلخصان الرؤية التي ينطلق منها الحكي ويعود إليها، كما أنهما تبينان الفضاء الروائي الذي يشمل كل المقومات والمكونات الروائية؛ اللغة والزمان والمكان والأفعال.

لقد وجد الكاتب نفسه أمام عالم معرفته لا تقوم على اليقين المطلق، ولا حتى على الحدس. إنه أمام عالم روائي يقوم على الالتباس، وعلى معرفة آنية تتقلب كل حين، وما يسندها في البيداء غير اللايقين. عالم بلا قيمة. عالم فَقَدَ خصوصيته التي تشده كعمود فقري في جسم الإنسان، وأصبح رخوا، وبلا ملامح مميزة.

"أنا مجرد كاتب !" بلا قيمة، وما أقدمه للعالم ليس معرفة يقينية كالتي تقدمها العلوم الحق. ولست سوى رقم محايد في عملية الإنتاج، وفي معاملات السوق الجشعة. هكذا هو الكاتب اليوم بعد الذي تعرض له من التحولات والتغيرات، وبعدما تحولت القيم وأفرغت من محتوياتها.

في هذه العبارة اختزال للتاريخ السري للكتابة والأدب والثقافة عامة. وفيها تحديد لوضعية الكاتب في زمننا المعاصر الذي أصبح فيه الغرب (كموجِه) بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير في مفهوم العقل وفي مفهوم القيم، وبات فيه الشرق في حاجة إلى التفكير عميقا في مفهوم الحرية والأخلاق. عبارةٌ من حيث مضمونها تقول التحول الكبير في الوعي وفي الرؤية إلى الثقافة والأدب والفكر اليوم. ومن حيث أبعادها السردية، فهي عبارة تقول اللاجدوى، وتقول الحقيقة من موقع اللايقين، ومن موقع التردد، والتداخل وألم الذات في عزلتها، وعجز الفكرة أمام الواقع.

كيف عبر الكاتب كتابة عنها؟

لقد وظف السارد للتعبير عن الحالة والوضعية تلك صيغة التساؤل، السؤال الذي تتوالد منه أسئلة أخرى ولا تجد لها أجوبة. وقد استعمل السارد هنا السؤال للإخبار لا بحثا عن الخبر. عملية القلب هذه جاءت مناسبة لحالة الحيرة والقلق لدى الشخصية الروائية، ومناسبة كذلك للا يقين السارد، الذي يحدثنا من قلب الغيبوبة، من لحظة المابين؛ بين الحياة والموت، وهو على محمل العبور نحو العالم الآخر. العالم المنشود، بعدما أصبح الواقع والحياة والعيش بلا أمل. ومن قلب الما بين يسائل السارد الحقيقة؛ ما الحقيقة؟ هل هي تلك التي عشتها، وسأرويها لكم عبر ذاكرة ممزقة، ومنهكة، أم هي تلك الحياة التي كتبتها في "الرواية" – يكتب السارد رواية ضمن الرواية، كمرآة مقعرة؟

يتساءل السارد عن الحقيقة كشيء ثابت ويقيني، وبينها وبين وهم الحقيقة الذي نكتسبه بالعادة، وبالاستكانة لكل سهل بسيط ومسلم به. لكنه ككاتب، أي مجرد كاتب اليوم، فإن الحقيقة لديه تصبح ممكنة، أي أنها كامنة في البحث عن الممكنات. وهذا يجعل قول السارد بين الحقيقة واللا حقيقة، بين الشك واليقين. فالكاتب اليوم، في ظل التحولات الكبرى لم يعد مطالبا بخلق عوالم منسجمة، ونظم صيرورة متناسقة متماسكة، لأن وضعه أصبح محايدا في المعادلات الكبرى، ولأن سوق القيم؛ العقل والأخلاق، قد كسد في ظل هجمة الهجنة، والتمزق، والجشع، والقهر، وانتشار الشعور بالقلق، وبالاضطهاد النفسي والفكري، والاغتراب اللغوي وفقدان مؤشر البوصلة لوجهته الحق.

2/ الكون الروائي:

ويبرز هذا الوضع سرديا ولغويا في اعتماد الكاتب على صيغة الاعتراف، واستعمال ضمير المتكلم الذي يجعل، كما في جل السرود الذاتية، القول حميميا. لكنه اعتراف ليس من أجل تخليص الروح والعقل من وطأة الماضي، بل هو اعتراف من أجل فهم ما جرى، محاولة إعادة ترميم الذات من الداخل. محاولة لفهم كل تلك المتغيرات الكبرى انطلاقا من التغيرات التي حدثت في الذات المفردة. وتبرزه أيضا الثنائيات التي تشكل لحمة النص الروائي، نص الاعتراف، الذي يقوم به راو ثنائي المظهر والتحقق في النص، فالراوي هو ذاته الشخصية الروائية المتحدث عنها، أي الشخصية الفاعلة في السرد الذاتي. أما الثنائيات البارزة فيمكننا إدراجها كما يلي:

التذكر ≠ النسيان

الحياة ≠ الموت

الحب ≠ وهم الحب

الحقيقة ≠ الوهم

الحركة ≠ التوقف (الثبات/ الجمود)

الإدراك ≠ الشك

الصحو ≠ الغيبوبة

هذه الثنائيات الضدية تضع الحدود لما يسمى الفضاء الروائي. أي الأبعاد الصورية للمكان، مسرح الأحداث، وهي أبعاد هندسية تحدد انغلاق الأمكنة كغرفة الإنعاش التي تتحول إلى غرفة/ زنزانة استنطاق وتعذيب نفسي وبدني، أو عربة قطار، أو حانة "التبان" لصاحبها (مقران)، أو البيت الذي يسكنه الراوي وكريمة، أو بيت ساعد وزهرة...وحتى الأمكنة المنفتحة كالشارع وحي "الثقب" يصبحان ضيقين خانقين بالوجود الدائم لمراقبين. ولا يكتمل معنى الفضاء الروائي إلا بالحديث عن الصيرورة، دورة الزمن. وقد جعل الراوي الزمن منغلقا وارتداديا. منغلقا لأنه كامن في الذات، ومرتدا لأنه محاولة لاستذكار ما مضى، ومحاولة لحث الذاكرة على التذكر، وعلى رتق ما تمزق. وانغلاق الصيرورة الزمنية داخل الذات، أو داخل الفكر يخدم الفكرة التي انطلق منها السرد: سرد ملتبس، غير منسجم، وفاجع، يروي كيف مات الراوي، واللحظة التي ألقت فيها الشخصية الروائية بجسدها أمام السيارة لتضع حدا للألم والحيرة والقلق وسوء وضعية الكاتب، وسوء المسار الذي اتخذته الأحداث، أي سوء مآل الثورة ورجالها.

لذلك كانت النهايات قاسية على الجيل الجديد، جيل واقع بين المطرقة والسندان، جيل لم يعد حرا في اختياراته، جيل أصبح محكوم الوثاق بتاريخ لم يعشه وآمال ليس له فيها نصيب. عليه أن يهتف للثورة ورجالها الأشاوس وليس له الحق في تحيق ثورته هو. هنا مكن القلق، وبؤرة الأزمة التي تحكيها رواية "أشجار القيامة". كيف لي أن أحقق ثورتي ما لم أنسف وهم الثورة السالفة. هل يمكن ذلك في الواقع؟ تجيب الرواية غير ممكن، ولكن لا باس بأن تكون الثورة حلما، مضطهدا، ينمو على الورق. أي تعدو الثورة فكرة جميلة ملتهبة وعصية في آن على صفحات كتاب. الكتاب الذي سيحول الراوي من شخصية بسيطة إلى شخصية متألمة غاضبة وحتى يائسة من كل تغيير.

ما الذي يدل على هذا الاختناق والضيق في الأمكنة والارتداد في الصيرورة الزمنية، أو على هذه الأزمة في الرواية؟

يدل عليه مصير الشخوص الرئيسة في الرواية/ الحكاية. انتحار "ساعد" بزنزانته وهو النموذج الذي كان الراوي يقتدي به، في الصلابة، والثبات على المبدإ والموقف. وهو النموذج الذي كان مثالا للنباهة والذكاء والعزيمة. فإذا سقط المثال والنموذج فليس له من معنى إلا فشل وسقوط الأمل في التحقق، تحيق الذات، وتحقيق الثورة، وتحقيق التغيير الذي ينشده الجيل الجديد.

وجنون الراوي، الذي حولته الكتابة من رجل عادي إلى رجل مختلف، لأن الكتابة ترهف الحس، وتجعل الذهن جمرة متوقدة. وفي اعتراف زهرة ذكر للنتيجتين معا؛ الانتحار والجنون، دون تأكيد أو يقين ولكن مع ترك باب التأويل مواربا على المستقبل، تقول في الرسالة/ الاعتراف:" أحببته [الراوي]، أقولها الآن بعد أن لم يعد عندي ما أربحه أو أحسره، وبعد أن غادراني معا، ساعد وهو. الأول انتحر في السجن، وما أخاله فعل ذلك، فالتحقيقات لم تثبت أي شيء، إلا أنه كان يهدي من ألم التعذيب لا غير، والثاني أصيب بالجنون، وذهب بعيدا عني، لا أدري أين، ولكنه كما يقول صديقه المختار، يدخل المستشفى ويخرج، وفي كل مرة يدخل يقول لنا أنه مات، وعاد للحياة". ص (195).

وفاة "كريمة" مقتولة في شقة الراوي. كريمة التي تقلبت بين زواجين بحثا عن منفذ تهرب منه بعيدا عن حب الراوي الذي تعلق قلبه بزهرة في حالة عشق صوفي مستحيل، ولم يلتفت إليها، هي القريبة منه والمقيمة معه. نهاية كريمة تدل على استحالة الحب. وتدل أيضا على الانغلاق والضيق وانسداد الأفق. خاصة إذا كانت الشخصية الروائية "كريمة" هي من يرجو ذلك، ويسعى إليه في رسالتها واعترافها حين تقول مستثيرة غضب إسماعيل:" ... وأنا أرجو منك رجاء صادقا أن تأتي إلي، وتخلصني من نفسي، فليس عندي حظ مع الحياة، أو مع أحد، أترجاك أن تأتي، وتنهي حياتي، فلست بالشجاعة التي تقدم على شيء كهذا، ولو كنت كذلك لفعلتها من غير انتظار، أو تمهل..". ص (204).

دخول عيد السجن في جريمة قتل. يقول الراوي واصفا حدة وقع الخبر عليه:" بعد أيام قليلة فقط زارني مختار، وهو يحمل معه نبأ سيئا للغاية. تصورت كل شيء إلا أن يحدث ذلك، وما إن قال لي: إن "عيد في السجن" حتى أصابني مس من الجنون، مس من الهلوسة، ورحت أصرخ [...] كان يحاول بطيبته المعهودة أن لا يدعني أذهب في هذياني وتخيلاتي إلى أبعد مدى. صرخ في وجهي بالرغم من ذلك عندما لم يلاحظ صدى لكلامه.

-         ماذا. هل ترغب في أن تلحق به أنت أيضا؟

وأضاف ملحا:

-         هيا اسمعني جيدا ؟

وخرجت العبارة الأثيمة من بين شفتيه اليابستين:

-         لقد قتل ابنه، عفوا ابنها." ص (154.153).

ولعيد قصة خاصة، أحب سارة وتزوجها، وهو يعرف أنها قد أنجبت ابنا جراء اغتصابها من قبل مجهول. لكنه لم يلبث أن سقط في حال من اليأس والتعاسة عندما لم تتمكن سارة من تجاوز تجربة الاغتصاب والدخول في سياق حياة نفسية واجتماعية سوية. وكانت النتيجة التخلص من ابنها (اللقيط) كما نعته مرة.

هذا الانحدار الحاد جهة الموت والقتل والسجن والانتحار والجنون ليس له سوى تعبير واحد هو انغلاق الأفق. وانسداد الأفق لدى الجيل الجديد الذي لم يكن من السهل عليه تحقيق ذاته، والارتقاء بطموحه الخاص جراء سلطة الماضي؛ الثورة العارمة لجلاء المستعمر وتحرير البلاد، وهي سلطة لم يعرف لها الجيل الجديد مذاقا لأنها لم تتمثل أمامه كالحقيقة في الواقع المعيش؛ السياسي والفكري والثقافي والاجتماعي. وأيضا جراء الحصار الكبير المضروب حول الطموح الجديد والرؤى المغايرة النابعة من قلب آفاق المستقبل.

وإمعانا في توضيح حال الانغلاق واللاجدوى والوهم بالحقيقة التي تشكل الكون الروائي في "أشجار القيامة"، تشير إلى مآل "زهرة" التي جعل منها الراوي بؤرة ضوء، كان يشده نحو الأعلى، ويرص أمامه الطريق نحو الأمل. تقول زهرة عن نفسها:" ... كنت فتاة مهذبة، ومربية بطريقة فيها الكثير من النظام والعقل، والكثير من الصرامة والانضباط، ربما لأن هناك عرقا أجنبيا في العائلة من الأم، عرق دساس كما تقول العرب، له تأثيره حتما، والدي كان رجل أعمال، أو هذا ما كنت أعرفه عنه، يسافر كثيرا، وكلما يعود يحضر معه هدايا وتحفا، لم يكن ينقصنا أي شيء، بالرغم من أننا كنا في تلك الفترة في زمن الحرب، الذي لن أتذكره جيدا، كنا نعيش في المناطق المحمية، وكانت ثورة الجزائريين الذين سأستفيق على صدمة أنهم أبناء بلدي، بعيدة عنا..." . ص (180).

فرغم تضحية زهرة بوضعها المادي المريح والتحاقها بساعد، والإقامة معه في حي فقير بائس هو مسرح هذه الرواية، أي حي "الثقب"، والتزامها حرفيا بالقانون الصارم الذي سطره ساعد في باب "زوجة المناضل" كيف ينبغي أن تكون، وكيف ينبغي لها التصرف، إلا أنها في نهاية الأمر ستعود إلى والدها هنالك في سويسرا بعد انتحار ساعد وجنون الراوي. وهذا الموقف لا يختلف عن مواقف الاندحار، والنكوص والسقوط لدى الشخصيات الروائية الأخرى. إنه موقف يشكل النسيج المأساوي للنهايات في هذه الرواية.

3/ المرآة المقعرة أو الحكاية الموازية:

في رواية "أشجار القيامة" نوع من المرآة المقعرة التي تعكس ذاتها في الداخل. وذلك من خلال تعاطي الراوي للكتابة. كتابة رواية تقول الثورة، وتنشد التغيير في حي "الثقب" الهامشي حيث يسكن الراوي وباقي الشخوص الروائية.

إذا كانت رواية "أشجار القيامة" يروي قصص الشخوص بضمير المتكلم، ومن خلال تعدد الأصوات، فإن رواية الراوي الضمنية تروي طموح الجيل الجديد. تروي الثورة التي لم تقم، تروي الثورة المقموعة والمكبوتة.

لذلك فالتقعير المتحدث عنه هنا يختلف عن الذي يعرف في الدراسات النقدية؛ أي رواية الرواية ذاتها. لأن "أشجار القيامة" لم ترو ذاتها بل كانت تروي شيئا آخر. كانت تحاول التعبير عن الكامن في الفكر والنفس. ولم تكن تروي الوقائع. لأن هذه الحكاية تكفل بها الشخوص جميعا من خلال المحكي الذاتي التالي:

·            محكي الراوي: يسرد الراوي وهو في حال بين الغيبوبة والصحو، كيف حاول الانتحار عندما رمى بجسمه أمام السيارة. ويسرد لحظات التحقيق معه حول الرواية التي كتبها، والسؤال عن "فاء" وعن الثورة، وعن باقي أفراد العصابة...

·            محكي كريمة: هو اعتراف تكشف فيه كريمة عن المناطق المظلمة التي لم يتمكن الراوي من ذكرها لجهله بحقيقتها، ومن ذلك قيام كريمة بدس أوراق ممنوعة لساعد والإخبار عنه انتقاما من زهرة، واعترافها أيضا بوضع أقراص الهلوسة في شراب الراوي ... إضافة إلى إعادة التأكيد على الأخبار المنقولة والواردة على لسان الراوي.

·            محكي زهرة: لا يخرج عن صيغة الرسالة والاعتراف. لكنه يضيء أكثر ما لم يكن الراوي قادرا على الوصول إليه كسيرة الشخصية الروائية. وأهم ما فيه اعترافها بحب الراوي بعد يأسها من ساعد الذي طال سجنه. ثم اعترافها بالعودة إلى والدها والعيش الرفيه.

·            محكي القراء: وهو اجتهاد افتراضي من الكاتب، يقدم فيه تعاليق متنوعة ومختلفة لعدد من القراء. طبعا يوضح ذلك تنوع العقليات واختلاف قنوات استقبال العمل الأدبي.

4/ وظائف المحكي الذاتي:

يكون تعدد المحكي الذاتي في الرواية غير ذي جدوى إذا لم تكن له وظائف جمالية وأسلوبية. ومن تلك الوظائف التي ساعدت السرد على التنامي أولا من حيث المضمون، وثانيا من حيث التوسيع في الحكاية وتنضيدها، ما يلي، مختزلا:

·            محكي الراوي: له وظيفتان أساسيتان، هما؛ تنامي الأحداث، والتشكيك في النتائج. لقد اعتمد الراوي في السرد الذي يخصه على تقديم الأحداث مستندا إلى ذاكرته، أو ما تبقى من ذاكرته بعد الاعتقال ومحاولة الانتحار، ليسترجع الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة. أي أن الرواية تبدأ من نقطة النهاية تم تعود القهقرى بحثا عن العلل والأسباب. وما دامت الأحداث التي رواها الراوي مفجعة ومأساوية وما دامت نتائجها موسومة بالفشل، فقد اعتمد على التشويش والتشكيك في الحقائق والنتائج لأن الحقيقة بالنسبة له ليست ثابتة وأزلية، بل الحقيقة الوحيدة الممكنة هي السعي نحو الحقيقة. أي أن الحقيقة تكمن في الطريق إليها. أما هي كجوهر فليست سوى سراب. فعن أية حقيقة نتحدث حقيقة الثورة المغدورة ورجالها؟ حقيقة الواقع المزري لأهل حي الثقب؟ حقيقة ملاحقة الجيل الطموح والنبش في نواياه وأحلامه على الورق؟؟؟

إن محكي الراوي وظف لقول الوقائع صريحة لكن بمنطق اللا يقين. ولقول الفشل الذريع والشامل؛ فشل الثورة في تحقيق أهدافها. فشل الحب في التغيير، وفشل الزواج من رأب الصدع الداخلي (ساعد/زهرة، كريمة/الراوي، الراوي/زهرة، كريمة/إسماعيل، سارة/عيد). ولقول الخيانة والخذلان.

·            محكي كريمة وزهرة: يقوم بالوظائف السردية التالية: إضاءة جوانب غامضة من الذات؛ ذات الشخصية الروائية، ترميم الحكاية المسرودة على لسان الراوي، إضاءة جوانب من ذات الراوي، ليس من اللائق أن تأتي على لسانه أو لم يهيئ لها سياقات سردية ملائمة، المحكي الاسترجاعي والاستذكاري، ويقوم هو أيضا بالإضاءة والترميم والرتق لكن من منطلق التاريخ الشخصي للشخوص الروائية. ويعد محكي زهرة وكريمة تأكيدا على الأحداث والأقوال والأفعال التي ساقها الراوي وهو في حال المابين، في الغيبوبة واللا يقين. إنه محكي مكمل ومنظم للحكاية المركزية.

·            محكي القراءة: ليس محكيا ذاتيا بالمعنى النقدي، ولكنه مجرد تعليق على الكتاب، أو نقد لمضمون الكتاب، أو إسقاط لذات القارئ على محتوى الكتاب، أو رفض غير مبرر، أو تحريف لمدلول الكتاب... لكن وظيفته خارجية، أن أنه يعكس وضعية الكتاب في السوق، حيث تختلف القراءات والتآويل والتفسيرات بحسب الوضعية التعليمية، والوضعية الاجتماعية، والموقف السياسي، والانتماء الطبقي...وهنا يكون الكتاب مشرعا على كل الاحتمالات. أي أن القول/ الخطاب في النهاية لا يحمل حقيقة واحدة ثابتة وإنما هو حقائق متنوعة ومختلفة.

* مفتي، بشير؛ أشجار القيامة. رواية. الدار العربية للعلوم، ومنشورات الاختلاف. ط 1. 2005م.