سألني القاص والصحافي عبد العالي بركات حول قضية النشر والقراءة بالمغرب

وذلك استعدادا لفعاليات المعرض الدولي الرابع عشر الذي سيقام الشهر القادم

بمدينة الدار البيضاء. فكانت هذه الإجابات التي نشرتها جريدة "بيان اليوم" في

صفحتها الأخيرة ليوم الإثنين 21/01/2008م

محمد معتصم

الناقد الأدبي

ماذا يشكل بالنسبة إليك المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء؟

يعتبر المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء العتبة الأساس للدخول الثقافي المغربي، رغم تأخره عن الدخول الثقافي في باقي بلاد العالم الذي يرتبط بالدخول المدرسي والسياسي. وهو أيضا لحظة مميزة للقاء بالكتاب العربي والغربي، والاتصال المباشر ببعض الكتاب من المغرب أو من خارجه وتجديد صلة القرابة الثقافية والفكرية التي تفرضها علينا الشروط الحالية والتي ننتج فيها إبداعا ونقدا. وأقصد طبعا ندرة المجلات الثقافية والأدبية الورقية، وتضاؤل فرص تنظيم اللقاءات والندوات والمهرجانات التي كانت تلم ذلك الشتات، بالرغم من الامتلاء الذي تتيحه حاليا المنتديات والمواقع والمدونات الإلكترونية والبريد الإلكتروني وباقي التقنيات الجديدة. إنه فرصة جيدة للدخول الثقافي بالمغرب.

ماذا تقترح لتطويره؟

لقد تطور تنظيم المعرض الدولي في الفترة الأخيرة، وأصبح بالفعل يستحق اسم المعرض الدولي للكتاب. لأنه في السابق كان ملتبسا وكنا نجد إلى جانب الكتاب آلات صنع الكتاب. وإذا كانت هذه من الحسنات فلا بد من الإشارة إلى الحاجة إلى الكتاب الجديد، الكِتاب الذي يساير التطور في ميدان الإبداع والدراسات النقدية. ويحبذ كذلك تكثيف الحضور المتنوع للضيوف وإعطاء القيمة للكتاب العربي والمغربي خصوصا من أجل فك الحصار عليهما، والمعرض الدولي مناسبة جيدة لذلك. فالمعرض يتطور بالجديد، لا بعرض القديم، ولا أعني هنا أمهات الكتب في جل الاختصاصات فهذه لا تحتاج مني تعزيزا أو تأكيدا لأنها سيدة نفسها وتفرض ذاتها على الجميع. وأحب أن أرى باستمرار الحضور المغربي؛ حضور الكتاب والكاتب والكاتبة من خلال قراءات ولقاءات مباشرة بين الجمهور المغربي والعربي الزائر وبين الكاتب والكاتبة والكتاب بالمغرب.

كيف عايشت تجربة النشر؟

منذ البداية لم يكن يقلقني عدم نشر مقالاتي بالصحافة الثقافية والمجلات الأدبية المغربية على ندرتها، بل كنت منشغلا بتحديد خياراتي الفكرية، والإجابة على الأسئلة التي كانت تعترضني عند كل دراسة أو ترجمة أو مقالة أو إبداع. لكن بعدما استقر خياري (نسبيا) وتوضَّحَ أمام ناظري المسار بدأت أنشغل بالنشر. وقد بدأت النشر داخل المغرب منذ 1982م وبدأت كغيري من الصفحات الثقافية والإبداعية الخاصة بالشباب.

أما الآن فقد خفت اهتمامي بالنشر أمام ما تتيحه مدونتي وموقعي الشخصي والمنتديات التي أنا عضو فيها. وعادت إلي من جديد فكرة البحث عن سبل جديدة لتطوير إمكانياتي الكتابية والمعرفية. لأن ما يقلقني حاليا ليس النشر وإنما التلقي. وضعف القراءة، وصعوبة انتشار الكتاب، وتراخي وتيرة التأثير التي كانت للفكري والثقافي اليوم على ما كانت عليه سابقا. حتى ونحن محاصرون بشبكة دولية زاخرة بالمعلومات لم يعد أحد يهتم بها، أو يكاد.

كيف هو واقع القراءة ببلادنا؟

سأضرب لك مثلا. بعد ثلاثة أشهر من صدور كتابي ما قبل الأخير "بناء الحكاية والشخصية في الرواية النسائية العربية" زرت الناشر وفي خضم حديثنا قدم لي على شاشة حاسبه الشخصي مبيانا أدهشني وأصابني بالخيبة. وكان كالتالي، قال لي: لقد بيع من الكتاب بالمكتبة (دار الأمان بالرباط، وهي محج الطلبة والباحثين!) ثلاث نسخ اشتراها أصدقاؤك  (وهم حسب الإحصاء ثلاثة أصدقاء فقط لا غير) سألوا وبحثوا عن الكتاب بأنفسهم، بإراداتهم الشخصية وحبهم للمعرفة وغيرتهم على الكتاب والثقافة بالمغرب. بينما بيع أضعاف ذلك في تونس ومصر وليبيا. ومن وقتها وأنا منتبه إلى صمت المقابر المحيط بالكتاب المغربي، يتفق في ذلك الإبداع والنقد...فلا متابعات، ولا قراءات نقدية، أو دراسات نقد نقد فقط الانتظار!. هناك خلل حقيقي. هناك ناقوس لَمَّا ننتبه إليه. وأتساءل أخيرا أين مكتبات الجامعة المغربية، وأين مكتبات المدارس المغربية بمستوياتها، وأين المكتبات العمومية، ودور الشباب والخزانات العامة والخاصة، وأين دور الجماعات المحلية، وأين الإعلام السمعي البصري،،، وأين الدور التثقيفي للمواطن في مخططات وبرامج جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالتربية والثقافة والتأطير...والمؤسسات الرسمية التي ترغب في تنمية شاملة للإنسان والمجال؟!؟!؟ إن القراءة مشكلة حقيقية وتحتاج إلى خطة وإرادة وطنيتين للنهوض بهما.

كيف تنظر إلى مستقبل الكتاب في ظل الوسائط التكنولوجية الحديثة؟

رغم اشتغالي وافتتاني بالتقنيات الحديثة، إلا أنني لا أخشى شيئا على الكتاب الورقي. على المدى البعيد بالمغرب أو العالم العربي، لأن البنيات التحتية الأساس والشروط المعرفية والسلوكية الضرورية غير متوفرة ولا فاعلة/ متفاعلة مع المعطى القائم. مثلا، إذا كان هذا مصير الكتاب الورقي وحظه من القراءة، كما أسلفنا، فكيف سيكون حظ الكتاب الإلكتروني الأكثر كلفة، والأحوج إلى مهارات خاصة. والحال أسوء (مع ضعف القراءة والشعور بمتعتها والحاجة إلى التثقيف الذاتي والتوعية ) إذا نظرنا إلى الكم الهائل الذي تقدمه المكتبات العربية والغربية من كتب إلكترونية مصورة (PDF)، أو مرقونة (word.doc )، ويمكن تحميلها بصيغ شتى حتى الصوتية منها، ولا من مستفيد؟!؟!؟ لذلك ما تزال الطريق طويلة للحديث في البلاد العربية عن خطر زوال الكتاب الورقي. وسيقترب مع النهوض بالإنسان والتنمية الشاملة لمجاله ومحيطه.