محمد معتصم / الناقد الأدبي

Bakali

Nadoua

1/ هناك ستة مداخل أساسية لولوج عالم نجلاء البقالي "بدون طبول ولا مزامير"، وهي على التوالي:

·        الكتابة والطفولة.

·        الكتابة والمرأة. 

·        الكتابة والرجل. 

·        الكتابة واللغة. 

·        الكتابة والسفر. 

·        الكتابة واليومي. 

دون إغفال الكتابة ذاتها، الكتابة كمفهوم وكحاجة تعبيرية، والكتابة كمظهر من مظاهر التعبير عن الذات، ووسيلة لتحقيق الذات، والتعبير عن وجود مختلف تريده الذات الكاتبة صورة تحاكي الوجود الفعلي الواقعي، أو تحاكي وجودا يرستم في الأفق. ومن بين العبارات الدالة التي يمكنها الإعلان عن هذه الحقيقة في النص نقتطف ما يلي:" أسير عكس التيار" ص (10). وتضيف :"لكنني لن أعود وراء وإن عاودني الحنين". ص (10).

هذه العبارة التي ترد على لسان الساردة والشخصية القصصية، لا تخفي البعد الحجاجي فيها وكأنها تفترض مخاطبا آخر. قد يكون الذات، أو آخرها الثاوي عميقا كرقيب. تخاطبه في حدة وفي إصرار على موقف اتخذته مسبقا، ومصير خطته. وهذا الإصرار يفصح عن أمرين هما: أولا الصراع بين حياتين، ومرحلتين، أو بين طريقتين في تعاطي الوجود. وهو ما سيتجلى في جل النصوص القصصية خاصة في النص القصصي المحوري "صباح العودة" الذي يكشف عن "عودة" اضطرارية، وليست مدفوعة بالحنين، وعبر تدفق الذكريات سيعلن عن المرحلتين المتصارعتين. تقول الساردة:" سأعود إلى بيتنا الفارغ" ص (20). الفارغ الآن، الصاخب بالأمس. الفارغ الآن من وجود الأب. العامر بالأمس بحضوره.

ثانيا، الاختيار، اختيار الحق في الوجود المستقل. الحق في اختيار طريقة العيش، الحق في اختيار شكل الحياة. والاختيار طبعا صنو الحرية. تقول الساردة :" منذ أن تحررت من اختياراته في دائرة المعارف والعائلة وأنا أصادق أناسا يكبروني بسنوات عديدة. أرغب في حرق مراحل حياتي، وأحلم أن أراكم عمرهم وتجاربهم في لحظة واحدة. كنت أخجل من يفاعتي ومن المسافة الزمنية التي تفصلني عنهم". ص (22).

يختزل المجتزأ طبيعة الصراع المشار إليه، إنه صراع طبيعي، نفسي، مرتبط بمرحلة من مراحل العمر التي تنشد فيها الذات الاستقلال والحرية والانعتاق. إنها الخطوة الأكثر جرأة، إنها بمثابة قفزة في الهواء. قفزة نحو عالم منشود. عالم بعيد عن عالم البيت والأب، والقيود. تقول الساردة:" ...منذ أن كظمت غيظي وابتسمت في وجهه، ولكت سيرته في غرفتنا الصغيرة وحين ودعنا لينام، وخرجت في الغد مثبطة وأقسمت ألا أعود". ص (24).

لكنها عادت. عودة اضطرارية. عودة بعد تلقي خبر الفاجعة. خبر الموت. موت الأب. ولأنها تعيش "حالة فقد لأول مرة". ص (25).

2/ الكتابة والطفولة:

هذا المدخل العام استدراج لكم إلى عالم نجلاء البقالي القصصي. وأول المحاور البارزة في المجموعة، محور الطفولة في صورها المختلفة، سواء من خلال حضور الطفولة كمرحلة من عمر الإنسان. أي كتحديد زمني، وبالتالي كل ما يتبع ذلك من سلوك كالبراءة والعفوية. وهو ما سيتجلى في النص القصصي "كباش وأرانب" من خلال الطفل "توفيق" ودرجة وعيه وطريقة كلامه مع الراعي التي ستنقلب على مصير الرجل ويطرد من عمله، ويتبخر حلمه ب "سعدية". ومن خلال الحوار تبرز براءة الطفل توفيق، لكن ينفتح تأويل الكبار على مصراعيه.

المستوى الأول، إذن لتجلي الطفولة في قصص نجلاء البقالي يكون على صورة المرحلة العمرية وما يرافقها من سلوك ومن براءة قد تكون أسئلتها ونتائجها غير متوقعة.

والمستوى الثاني يتجلى في بعده المعرفي العميق وأقصد الطفولة كما يراها "فرويد"، أي الطفولة في علاقتها بالإبداع الأدبي. في علاقتها بالتخييل، وإنشاء عوالم افتراضية وتصديقها. فالطفل كما يرى "فرويد" يخلق عالمه أثناء اللعب، لكن ما يميزه أساسا هنا أن الطفل يصدق عالمه المتخيل وكأنه الواقع ذاته. وكأنه الحقيقة. وهنا الشاهد. أي أن فرويد يرى المبدع كالطفل، كطفل كبير، أثناء الكتابة أو الرسم، أو أي طريقة أخرى في الإبداع، يخلق عالما. كأنه يلعب، إلا أنه لعب كالجد.

وفي نصوص نجلاء البقالي القصصية تطالعنا هذه الحقيقة. أي أنها تعبر وتحس العلاقة بين اللعب الطفولي وبين الإبداع. تقول مثلا:" أقف على كرسي صغير وأغسل الأواني، أؤلف قصصا وألعب أدوار شخصياتها دون ملل. أحيانا أخرى أسترجع ما لصق في مخيلتي الصغيرة...". ص (23.22).

هذا المقطع يلخص ما يرمي إليه "فرويد" في كتابه "التحليل النفساني التطبيقي" تحت عنوان "اللعب الطفولي والإبداع الأدبي /  Le jeu enfantin et la création littéraire".

لكن أعمق النصوص تعبيرا عن هذا المحور ما يلي، تقول الساردة:" حقل الطفولة الجميل نشكله بأنفسنا، نخزن فيه، بالأبيض والأسود، ما انزلق سهوا من الحياة وما اتفق عليه. وينكفل الطفل فينا بتلوينه". ص (31).

المستوى الثالث لحضور الطفولة امتداد للثاني، أي أنه مستقى من فرويد والتحليل النفساني للأدب أيضا. ونراه متجليا في النصوص القصصية لنجلاء البقالي، والمتعلق بعلاقة الإبداع بأحلام اليقظة. تقول الساردة:" لم أستطع أن أجزم أنني كنت مستيقظة". ص (27).

3/ الكتابة والمرأة:

ترى الدراسات النسوية أن انتفاضة ماي 1968م قد جاءت بتغييرات عميقة في الحركة النسوية، وفي وعي المرأة بذاتها، ووضعيتها. وأهم تلك التغييرات ما يلي:

·        من الحكمة   ....................  إلى الثورة.

·        من الحب     ....................  إلى الجنس. 

·        من السعادة   .................   إلى الحرية. 

·        من الأخلاق  .................   إلى الحقوق. 

وفي نصوص نجلاء البقالي شيء من هذا خاصة الثورة والحرية، الثورة على القيود، وهي ذاتها الحرية. والنصوص المقتطفة أعلاه تبرهن على ذلك. كالإصرار على السير ضد التيار. ورفض العودة المبنية على الحنين. لأن الحنين صوت الماضي، صدى الذكريات. وليس صوت العقل والحقيقة.

إلا أنه لا يمكن نعت النصوص القصصية في "بدون طبول ولا مزامير" نسوية. لأنها لا تدافع عن إيديولوجية معينة. ولكنها تصور المرأة في حالات متناقضة، في حالات واقعية أعني. وأهم صورة للمرأة هي التي تصور فيها منطلقة من كل حمولة وثقل خارجي. تدخن دون أن يكون في ذلك ادعاء او تظاهر. وتسافر لأن "أجمل الرحلات ما كانت على غرة وعجل" ص (31).

وتشير أيضا إلى المرأة المسنة المستغلة لفقر الطالب الجامعي وتصفها بقطعة البطيخ فيما يلي :" إنها كقطعة بطيخ خريفية، تأكل لبها بحذر كيلا تدرك القشرة وتطالك الحموضة" ص (46).

ولأن تحرير الجسد أصبح من أهم المواضيع في الدراسات الاجتماعية والأدبية، فإن نصوص المجموعة تعتبر نموذجا خصبا لدراسة الجسد، جسد الرجل والمرأة معا. الجسد ليس كمادة ولكن كحمولة، وكإرث وكرغبات. أي الجسد هنا عبارة عن تراكم أخلاقي، تراكم من الأخلاق التي ترسبت في الأعماق منذ الطفولة. وهنا يتأتي معنى الحديث أعلاه، أي أن الانتقال في دراسة الجسد من الحديث عما ينبغي أن تكون عليه المرأة إلى الحديث عن حقوق المرأة. لا أعني أيضا الحقوق السياسية والاجتماعية (العمل، والتعليم...)، ولكن الحق في امتلاك الجسد، في تحريره من قيوده التي تجعله بؤرة ومركزا للخطيئة. أو أنه مجرد حمار كما سمار القديس فرنسيس في رواية "القديس فرنسيس الفقير إلى الله" لنيكوس كازانتزاكيس. إذن في دراستنا للجسد ننتقل من الأخلاقي على الحقوقي، أو من القيد إلى الحرية. من الثقل إلى الخفة. من الصورة إلى الحقيقة. الصورة التي حصرنا فيها معنى الجسد إلى حقيقة الجسد. الجسد كبنية تضم جل الأعضاء لا عضوا دون غيره.

4/ الكتابة والرجل:

تثير هنا صورتان للرجل الأولى معهودة ومتداولة في الكتابة عند المرأة عن الرجل، والثانية جديدة ومتناولة هنا بجرأة.

الأولى تصور الرجل في حالات ضعفه، عندما يفقد خصوصيته الرجولية مستسلما للفقر، أو للرغبة، أو للإغراء. وليس أبرز في إجلاء هذه الحالة من نص "زمن البطيخ" ص (35) الذي يمكن الاشتغال على محور الدلالة ليصبح ومن خلال التأويل الموضعي للنص كالتالي "زمن الرجل" ويصبح الرجل بطيخا. بل أكثر من ذلك "الأبله، والهم، والبطيخ" كما يصرخ السارد في وجه الرجل الفاقد لقيمته ورجولته:" اصرخ، بغير شكرا أو عفوا، فللزناد يق قاموس آخر.

اصرخ...لئلا ينمحي منطق الحروف من عقلك وتهون قواك.

أيها الأبله...

أيها الهم...

أيها البطيخ..." ص (47). إنها صرخة في وجه الإنسان الذي لا قيمة له، ولا شخصية...