SDC10895
صورة للمقالة

محمد معتصم

الناقد الأدبي

 

 

من المفارقات الكبرى في التاريخ المعاصر، احتلال الأراضي الفلسطينية في عز الثورة على الاستعمار والحماية في البلاد العربية سنة 1948م، وبداية تحرر الشعوب العربية التي اغتصبت إرادتها السياسية والعسكرية، واستنزفت ثرواتها الطبيعية والبشرية، من الماء حتى الماء كما يقال. لكن الروح النضالية قد خبت في ظل الحلم بأمل الحرية والعيش الكريم إلا في التعبير الأدبي الذي وجد في القضية الفلسطينية سندا روحيا، وحافزا نحو توليد المعنى، أي حافزا نحو إعطاء النص روحا ومعنى وهدفا.

 

وكان الشعر المغربي المجال الأول الذي اتخذ من القضية الفلسطينية موضوعا أساسا له في بناء صوره الشعرية، وفي تنويع إيقاعاته ذات النبر الحماسي الذي ينهل من معين اللغة العربية الفصيحة والعروبة والإيديولوجيات السائدة في تلك الفترة. وامتزج الصوت الفلسطيني بالصوت الاجتماعي المغربي وكانت القصيدة الشعرية المغربية حماسية تتمثل الشعر العربي في البلاد العربية وفي فلسطين ناهلة من المعجم الفلسطيني الذي أشاعه شعراء فلسطينيون مناضلون مثل محمود درويش وسميح القاسم وأحمد دحبور(...). وممن امتزج عندهم الصوت الفلسطيني بالصوت الاجتماعي المغربي الشاعر عبد الله زريقة والشاعر عبد اللطيف اللعبي، والشاعر محمد الحبيب الفرقاني، وأحمد المجاطي(...).

 

في المرحلة التي علا فيها صوت الإيديولوجيا وأصبح فيها الشاعر ملتزما سياسيا، ومناضلا بالكلمة تأثرت القصة القصيرة والرواية أيضا بالأوضاع الصعبة التي عاشتها وتعيشها فلسطين. إلا أن التأثر قد بدأ كذلك مبكرا والمغرب تحت الحماية الفرنسية والإسبانية في الشمال والجنوب، ومن المجموعات القصصية التي اعتنت بالقضية الفلسطينية مجموعة "وادي الدماء" للكاتب المغربي عبد المجيد بنجلون، ورواية الكاتبة خناثة بنونة "النار والاختيار"، تمثيلا لا حصرا إضافة إلى وسرود مغربية أخرى.

 

وقد كانت القضية الفلسطينية محركا حيويا للكتابة، ودعامة أساس لتوليد الصور، نافذة لقول غير الممكن. أي أن الكتابات المغربية الشعرية والسردية والمسرحية لم تكن ترى ممكنا الكتابة عن الواقع الاجتماعي المغربي إبان تحوله، وانتقاله من نمط عيش بسيط إلى آخر معقد، ولا ممكنا الاحتجاج وإبداء الرأي إلا عبر قناة مشروعة، لا تختلف حولها القمة والقاعدة، هي القضية العربية الأولى: قضية فلسطين المحتلة والتي ما تزال تطالب الدماء العربية بواجب الانتماء العرقي والديني والتاريخي والجغرافي والإنساني. من هنا كان تلازم الصوت المغربي الاجتماعي المحتج والصوت الفلسطيني المشروع.

 

والأدب المغربي مدين للقضية الفلسطينية في مرحلة بدايته الحديثة، وفي مرحلة التزام الأدب بالسياسة، والتزام الأديب بقضايا مجتمعه، وقضايا البلاد العربية والإسلامية، وفي مرحلة الهيمنة الإيديولوجية. لكن الأدب المغربي والعربي شهد فترة نكوص وانطواء أو انكماش  ذاتي، فبدأ الصور الشعرية المستقاة من الشعر العربي الفلسطيني تخفت، وبدأ المعجم الفلسطيني يتراجع كما تراجع حضور أسماء المدن الفلسطينية التي تداولتها القصائد الشعرية والنصوص القصصية والروايات والمسرحيات. والعوامل التي وقفت خلف تلك الانتكاسة كثيرة، وعبر عنها المبدع العربي ليس في المغرب فحسب لكن في جميع البلاد العربية، ومنها: تعرض صوت الاحتجاج للقمع والتهميش ثم الإهمال، وتحول آليات النقد والدراسة والبحث أمام احتجاج الكتاب أنفسهم، وانتشار المناهج النقدية التي تدعي العلمية، وتسرب الشعور باللاجدوى إلى نفوس المبدعين العرب أمام سياسة تسفيه اللغة الخطابية وتسفيه عمل الكاتب وتقديم عمل على آخر، وتخلي العديد من الكتاب عن الكتابة، ودخولهم منطقة الصمت، أو الانتحار تعبيرا عن هذه الهوة الواسعة من اليأس. وإذا كانت حالة السقوط المروعة قد عبر عنها شعراء وكتاب عرب في بلدان عربية كثيرة، فإن المسرحي حوري حسين مثال من المغرب.

 

ولعل الأحداث المروعة واللاإنسانية التي تحدث في غزة الآن، قد تعيد إلى الأدب المغربي والعربي بعضا من الحيوية، وتخرجه من حالة الفصام التي دخلها منذ فترة، فتمتلئ العبارة بالحياة، لتزرع بدورها الحياة في النفوس، وتوقظ الوعي الذي تكلس بفعل الإهمال، وليعود الصوت الفلسطيني إلى المقدمة حتى الحرية، وليعود الأدب لمسؤولياته، ويقوم المبدع بدوره التاريخي...وليرد بعضا من الفضل لقضية كان لها كل الفضل عليه.

 

نشر بجريدة الصباح المغربية اليوم: الخميس 15. 01. 09. بالصفحة 7.