الديوان القصيدة، مع تجاوز مفهوم القصيدة كما استعمله الناقد العربي القديم، هو ما يمكن إطلاقه على كتاب وليد الزريبي "ليه يا بنفسج". يتركب الكتاب من نص واحد طويل ذي صوت جنائزي يمتزج فيه حزن النوسطالجيا المثقلة بالذكريات البعيدة، التي تحيي في الشاعر حنينا جارحا للقرية وأهلها الطيبين، بالأمل المفتوح الأذرع على الوطن المشتهى. وإذا كان المتن الشعري في الديوان قد تدرج من المنغلق (القرية) مسقط الرأس إلى المنفتح (الوطن)، فإن الصيغة الشعرية اتخذت طبيعة أخرى في التحول وقد تدرجت من المقطع الشعري الطويل ذي الصوت الدرامي نحو المقطع الشعري القصيرة والقصير جدا ذي الصوت الحكميِّ، لتعود من جديد نحو المقطع الطويل.

وقد تأثر النص الشعري بحركة التدرج من الطول نحو القصر، فصار عبارة عن نشيد جنائزي حميم يمتح من الذات، ولا يرى العالم إلا من كوتها الملتاعة التي تسع

العالم لكنها لا تكاد تراه إلا جزء منها، تحنو عليه وتمحصه وتفحصه وتخاف عليه من الخسارة، ومن التلاشي، فتكشف في نهاية الصراع والمقاومة الأحادية الجانب أنها هي الخاسرة والمتشظية والمتلاشية من فرط الإحساس، من فرط الحب، يقول الشاعر :" كان ثمة فقط صدر محشو بالخسارات" ص (44). وقد وصف الشاعر ذلك الإفراط في سياق شعري ﺒـــ "شعرية البكاء العاطفي المفرط في الإنشادوبيَّنهُ في (لوحة شعرية) محبكة مرهفة شفافة الدلالة، يقول فيها:

" سنوصد الأبواب ونسد شقوق الحيطان،

حتى إذا ما أوجعتنا لم يصل نواحنا إلى أذن الجار.

نحن نبكي سرا يا حياة غير أن الذي يسمع من بعيد،

عصافير

قلوبنا الصغيرة، تخربش في أقفاص صدورنا،

لم نفعل شيئا آخر سوى أننا كسرنا لها أضلعنا لتطير 

وطلينا لها بالأزرق السقف والجدران". ص(15/16، والتشديد مني)

فالحياة التي يحنو عليها الشاعر ليست سوى مصدر للآلام والجراح الداخلية والندوب العميقة وقد كست روح الحسرة والخيبة في أوصال اللوحات الشعرية التي تشكلت منها القصيدة الديوان، وعددها (81)، وتوزعت على محطات يمكن حصرها في وحدات دلالية عامة كما يلي:

·        الحنين إلى القرية (مسقط الرأس).

·        لوعة الوطن (الانتماء الجغرافي). 

·        خيبة أو لوعة الحب (الجرح الداخلي). 

عبر هذه المحطات الثلاث شكل الشاعر عالمه (فضاءه) الشعري وكانت لبناته ألفاظا بقيمة المفهوم العميق والواسع ﮐــ الفراغ الهائل الذي يحفر ثقوبا غائرة في النفس، عندما تصطدم الذات بالعالم الخارجي أو عندما تقف الذات على الحقيقة المهولة حيث تكتشف أنها تخوض صراعا ضد الفزاعات "والطواحين الهوائية"، في أكثر الحالات تعبيرا عن "انتهاء الحوار بين الدولة والمثقف"كما يقول الشاعر في اللوحة الشعرية الآتية:"

قال لها: عيني عليه

قالت له: يا عيني عليك

(انتهى الحوار بين الدولة والمثقف). ص (23)

هذه الحالة هي التي قادت الكاتب العربي نهاية القرن المنصرم وبداية القرن الحالي نحو هاوية سؤال الهوية وسؤال المصير، وقادت اللغة والمتخيل العربي نحو الرؤية الفجائعية حيث شعر الكاتب العربي وكأنه في العراء، وبدون انتماء، يبذل من وقته وجهده وعاطفته وفكره من أجل حياة أفضل ووطن كريم يسع الجميع ويزهو مفتخرا بأبنائه ولا يقابل جهده إلا بالجحود والنكران ويتحول شعوره بالامتلاء إلى شعور بالخواء والفراغ والغربة، يقول الشاعر:" ولا يسكن بيت الغريب سوى الغريب" ص (17) وليس الغريب هنا سوى الكاتب، كما يتحول شعوره بالانتماء إلى شعور بالاجتثاث والاقتلاع من الجذور، وشعور ﺒــ الوحدة التي يصفها الشاعر في اللوحة الشعرية التالية:

"وحيد كما يجب، وحيد أكثر مما يجب،

محاطا بالآخرين، صنعت وحدتي ما أشاء.

وكما شاءت لنا أن نكون،

لم يقل أحد لآخره: ينقصنا قش، تنقصنا ريح". ص (24)

ولا يناسب حالة الشعور بالوحدة غير الصمت، وهو اللفظ الأثير لدى الشاعر، وقد تكرر في أكثر من لوحة شعرية ومعان مختلفة صريحة ومضمرة كما في التعبير الشعري التالي:" ولا يسكن الأبواب سوى الأشباح". ص (17)، باب القرية الشاعر، الباب المهجور الذي افتتح به الشاعر نشيده الجنائزي. ويلاحظ استعمال الشاعر لأسلوب الاستثناء ذي الصيغة المركبة، حيث يستثني المتكلم الجزء من الكل، وهنا يستثني الشاعر الوهم من الحقيقة. إنه صدى لشعور حاد عند الشاعر بعدم الانتماء والخيبة والخسران، فالحقيقة التي كان يؤمن بها قد تلاشت ليقيم في الكلمات، في الشعر، فالشعر :" لحم ودم" أي أنه الحقيقة المادية الملموسة والتي يمكن الوثوق بها، عكس الواقع اللدن والمراوغ رغم ماديته، المراوغ في هويته ومعناه.

ومن الألفاظ الهامة في تأثيث الفضاء الجنائزي: الغياب. والغياب قرين الانمحاء، لكن غياب الشاعر ليس سوى انتقال في الزمان، أو في اللغة. هروب من الضيق والمراقبة والشعور بالاضطهاد. إنها حالة انسجام وتوافق مع السياق العام للقصيدة الديوان، والروح التي تشع منها لغة الشاعر. يقول الشاعر في المقطع الشعري (16) الموالي:

" الحراس على الباب

نحن طرنا بأحلامنا

وسكنا الغياب". ص (18)

والإقامة في الغياب لا تعني الموت كما في التعبير العادي "غيبه الموت"، بل الغياب هنا انتقال في الإقامة، انتقال وتحول في الكينونة، انتقال من أسر الرقيب (الحراس) إلى فضاء أرحب لممارسة الحلم. والفضاء الأرحب هو اللغة وقد عبر الشاعر عن ذلك في العبارة الشعرية التالية:" له الكمال لك الكلمات" ص (28). فالشعر يقيم في اللغة واللغة تقيم في المجاز.

لقد أبحر بنا الشاعر وليد الزريبي في ديوانه "ليه يا بنفسج" في عالم حميم مفرط في الذاتية، في الذات التي ترصد الواقع الخارجي الخاص (القرية) والعام (البلاد والوطن). تراقب الوطن في تحوله وفي قسوته وعنفه على المحب. وهو ما صوره الشاعر في المقاطع "شبه السردية" المتدفقة:

" كوني الشاهد الأول على ظلي.

أسأل عن سبب تحيين الفراش وتسويف العدد

عن الوقت الغامض في جملة اعتراضية على الزمن

عن التقديم والتأخير في المتوسط الأبيض

عن تغريبة تونسية تشكو من العطب

عني كيف أحالني إلى امرأة خبرية في هامش الجسد

حبل من المسد - ممنوع من السفر - ممنوع من الوتريات

والبنفسج - ممنوع من الضوء بمنديل من الفل - ممنوع

من الحب المترجم - ممنوع من العزلة المهربة في كتاب

الوهم - ممنوع من شقائق والورد - ممنوع من

الذكريات اللقيطة لعجائز البحر - ممنوع من الصرف

الغناء والأداء المفرد.

أُقرأ من الناحيتين الطبيعيتين للماوراء - أنا ضدي -

ضدي - أنا.

لا أبعد - لا أقرب - ثقب في باب القلب اليتيم - انتماء". ص (34).

هذا المقطع الشعري يصور حالة الشاعر في عالم لم يعد الشعر فيه احتمالا، بل أصبح خنجرا في الخاصرة، أصبح حصارا، ومنعا، وضيقا وأفقا مسدودا أمام كل العبارة... فهل ضاقت العبارة؟ أبدا لقد ضاقت الرؤية والرؤيا. وأصبحت اللغة أحادية المعنى، واحدية العبارة، في زمن الالتباس. وأصبح الشاعرُ الذاتَ وضدَها في آن. لم يعد الشعر احتمالا، أصبح صك اتهام. وقد استعمال الشاعر الألفاظ المتناقضة والمتضادة للتعبير عن هذه الحالة والشعور.

فهل أصبح القول الشعري في خطر؟

ملاحظة: كان من المفترض أن يكون هذا تقديما لديوان وليد، لكنني تأخرت عنه قليلا

محمد معتصم

الناقد الأدبي

سلا المغربية: 20.12. 2008

SDC11737