29 juin 2009
الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف يفوز بجائزة الأركانة العالمية للشعر
بيت الشعر في المغرب
الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف
يفوز بجائزة الأركانة العالمية للشعر
اجتمعت بمدينة الرباط، يوم 23 يونيو2009، لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالمية للشعر التي يمنحها بيت الشعر في المغرب بشراكة مع مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير، برئاسة الناقد صبحي حديدي (سوريا/باريس)، وعضوية : منصف الوهايبي (شاعر/تونس)، محمد الغزي (شاعر/تونس)، بنعيسى بوحمالة (ناقد/المغرب)، حسن نجمي(شاعر/المغرب) ونجيب خداري(شاعر/المغرب). وقررت بالإجماع منح الجائزة في دورتها الرابعة للشاعر العربي الكبير سعدي يوسف(العراق).
وهذا نص البيان الذي أصدرته لجنة التحكيم:
في إطار التقليد الاحتفائي بالشعراء، المغاربة والعرب والعالميّين، الذي سنّه "بيت الشعر في المغرب" تفعيلا منه لمواثيقه وأعرافه التأسيسية، وبعد أن حازها في الدورات الثلاث السابقة الشعراء: بي ضاو(الصين)، محمد السرغيني (المغرب) ، ومحمود درويش (فلسطين)، تؤول جائزة "الأركانة" العالمية للشعر، لعام 2009، إلى الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف (العراق)، وذلك تحية رمزية من "بيت الشعر في المغرب"، وعموم الشعراء المغاربة، لاسم شعري شامخ وكذا لمنجز شعري مديد ثريّ، يغطي حوالي ستة عقود، ويؤشّر على كدّ تصوّري عصامي وملحاح وعلى مثابرة كتابية جديرة بالإشادة كانت لهما آثار ملموسة ومحفّزة سيّان في الوعي الشعري العربي المعاصر أوفي الذائقة القرائية بالعالم العربي.
وإذن، وجائزة "الأركانة" ترسو، في دورتها الحالية، عند سعدي يوسف فإنّما هي تسدي قسطا من مديونيّة معنوية طائلة لشاعر محنّك، فطن، ومبتكر لا يمكن التّطرق إلى الشعرية العربية المعاصرة واستثارة كبريات قضاياها وأسئلتها.. سيروراتها وتمفصلاتها.. بمعزل عن استحضار البصمة القوية والنوعية التي كانت له، هو بالذات، في هذا الشأن: معاجم وتوليفات.. موضوعات وتلوينات.. وأخيلة وتمثّلات، الشيء الذي تعبّر عنه دواوينه الشعرية المتوالية ويشكّل، دون شك، قيمة إبداعية مضافة. فضلا عن نقولاته المائزة والمثمرة، إلى العربية، لمدوّنة مكتنزة تقترح نصوصا ومتونا أساسية في الشعر والسرد العالميّين.
ولعل ما يستحق التأمّل في المشوار الشعري لسعدي يوسف هو اقتداره الذاتي ليس فقط على مبارحة موقف الاحتراز، وذلك بأثر من اعتناقاته الإيديولوجية والجمالية في مطلع خمسينيات القرن الماضي، على شعرية الريادة التي نهض بها رعيل من الشعراء العراقيين سبقوه بسنوات قليلة لا غير، والانضواء، بعدها، إلى عقيدة التجديد الشعري ، بل وعلى تطوير أدواته وتوسّلاته، من ديوان لآخر، متنصّلا من أيّما مهادنة تصوّرية أو تقاعس كتابي قد يثـبّـتان مشروعه الشعري عند النقطة التي كثيرا ما انتهى إليها العديد من فرقاء المجال الشعري العربي الراهن. وإذ استجاب، عن تبصّر، لما يمليه عليه هذا المتطلّب الصعب من جهد وعنت خوّل له، في المقابل، أن يصبح، وعن استحقاق، واحدا من أبرز أصوات ومرجعيات النادي الشعري العربي الحداثي وأن يتخطّى، تلقاء ذلك، تحرّجات البداية التي استحكمت في أعماله الشعرية الباكرة، مثل "أغنيات ليست للآخرين"، "القرصان"، و"51 قصيدة"، ريثما يمسك بالنّواة الصلبة لهويته الشعرية المتفرّدة بدءا من "النجم والرّماد" و"نهايات الشمال الإفريقي" و"بعيدا عن السماء الأولى" و"الأخضر بن يوسف ومشاغله" و"تحت جدارية فائق حسن"،"خذ وردة الثلج ،خذ القيروانية"؛ وصولا إلى أعماله المتأخرة، مثل "صلاة الوثني" و"الخطوة الخامسة" و"حفيد امرئ القيس" و"الشيوعي الأخير" و"قصائد نيويورك" و"قصائد الحديقة العامة"..؛ وفي المسافة المترامية، الشّاقة والمكلّفة دون شك، كان أن أخذت في الارتسام والتعيّن القسمات العريضة لبرنامج تعبيري يقوم على لغة ذات نكهة مستجدّة.. على موالاة مفردات اليومي ومنفصلاته وتشظّياته.. كإبدال للمنازع الميثولوجية والماورائية والباطنية التي تزخر بها المدوّنة الشعرية العربية التّموزية.. على تمجيد أمكنة الحياة الجارية والارتقاء باستعاريّة أفضيّتها التحتيّة والمرذولة.. على استدماج ذوات وجموع هشّة ومنذورة للحاجة والغبن ورتوب المعيش في صميم الممكن الشعري الخلاّق.. على ابتناء محكيات وتداعيات أصيلة، توضّعات ومفارقات جاذبة.. وهو ما يجعل من تجربته الشعرية محفلا لتفاعلات وجودية وخبرات رؤياوية دالّة تضفي عليها لمسته التخييليّة الرشيقة طابع تاريخ ملحمي متعال.
هذا، وإذا كان لا جدال في مكانة سعدي يوسف الشعرية ، فإن ممّا يزكي نيله لجائزة مغربية إحدى خصاله النبيلة المتمثلة في حبّه للمغرب وشغفه به، أرضا وبشرا وتاريخا، وتقديره للنخبة الشعرية المغربية. ولا أدلّ على ذلك من تلبيته التلقائية المداومة للدعوات التي تأتيه من بلدنا، إذ يا ما يثلج صدره أن يحلّ بين ظهراني المغاربة ويحيي معهم صلة المودّة إنسانيا وشعريا. فمنذ إقامته الجزائرية، أي منذ حوالي أربعين عاما، أتيح له أن يستكشف المغرب ويجول في ربوعه ويتعرّف، عن قرب، على جوهره التاريخي والثقافي الحيّ وينسج، بالتالي، علائق جميلة مع رموزه وفاعليه الإبداعيين منتهيا، خلال المدّة الأخيرة، إلى التفكير جدّيا في الإقامة بالمغرب. وهي مناسبة للقول بأن الوسط الشعري المغربي، وقد غنم سعدي يوسف إنسانا وشاعرا، فسيكون مدعاة للبهجة أن تتحقّق هذه الأمنية ويقيم في وطنه الثاني بين إخوته وأصدقائه.
إنها تحية رمزية، إذن، من "بيت الشعر في المغرب" لاسم شعري كبير وعربون امتنان من المغرب الشعري لأفضاله الإبداعية وخصاله الإنسانية سواء بسواء.
الشاعر سعدي يوسف من مواليد مدينة البصرة سنة 1934 . بعد حيازته لشهادة الإجازة في الآداب ،عمل بالتدريس والصحافة الثقافية. غادر العراق في سبعينيات القرن الماضي متنقلا بين عدة دول عربية وغربية، ليستقر منذ سنة 1999ببريطانيا.
أصدر سعدي على مدى ستة عقود العديد من الدواوين والمجاميع الشعرية، كما قام، من جهة أخرى، بترجمة أعمال كبار شعراء العالم إلى اللغة العربية.
من بين أهم أعماله الشعرية:
- قصائد مرئية (1965)
- نهايات الشمال الإفريقي (1972 )
- الأخضر بن يوسف ومشاغله(1972)
- كيف كتب الأخضر بن يوسف قصيدته الجديدة (1977)
- قصائد أقل صمتاً (1979)
- خذ وردة الثلج ، خذ القيراونية (1987)
- إيروتيكا (1994)
- حانة القرد المفكر (1997)
-الشيوعي الأخير يدخل الجنة(2007)
في الترجمة:
- أوراق العشب، والت ويتمان (1979)
- وداعاً للإسكندرية التي تفقدها، كافافي (1979)
- إيماءات، يانيس ريستوس (1979)
- الأغاني وما بعدها، لوركا (1981 )
- سماء صافية ، أونغاريتي (1981)
حاز الشاعر سعدي يوسف العديد من الجوائز الأدبية والشعرية الرفيعة:
جائزة سلطان العويس،الجائزة الايطالية العالمية، وجائزة (كافافي) من الجمعية الهلّينية، جائزة فيرونيا الإيطالية لأفضل مؤلفٍ أجنبيّ (2005)، جائزة المتروبولس في مونتريال في كندا (2008).
وجائزة الأركانة العالمية للشعر،هي جائزة للصداقة الشعرية، أحدثها بيت الشعر في المغرب ويمنحها، بشراكة مع مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير، لشاعر يتميز بتجربة خلاقة في الحقل الشعري الإنساني ويدافع عن قيم الاختلاف والحرية والسلم .
ويعود سبب اختيار بيت الشعر في المغرب اسم "الأركانة" رمزا لجائزته الشعرية العالمية لكون هذه الشجرة الفريدة لا تنبت إلا في المغرب،وتحديدا في منطقة محصورة من جنوب المغرب بين الأطلس الكبير وحوض ماسة.شجرة تشبه من بعيد شجرة الزيتون،لكنها ،عن قرب، وكما القصيدة،تُظهر كونا غامضا مستقلا بذاته.
وسيتم تسليم درع وشهادة الجائزة للشاعر العربي الكبير سعدي يوسف في حفل شعري كبير ينظم يوم 24 أكتوبر 2009 بمسرح محمد الخامس بالرباط.
وعن عدم توفير المطلوب
24 juin 2009
القصيدة الفلسطينية الجديدة: قراءات وشهادات
في إطار المهرجان الدولي للسينما لمدينة الرباط،ينظم بيت الشعر في المغرب بشراكة مع وزارة الثقافة وبدعم من مؤسسة بيت مال القدس ندوة
القصيدة الفلسطينية الجديدة: قراءات وشهادات
وذلك يوم الأحد 28 يونيو 2009 على الساعة الخامسة مساء بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية
بمشاركة الشعراء الفلسطينيين
*طاهر رياض
*زهير أبو شايب
*المتوكل طه
*يوسف عبد العزيز
*جهاد هديب
تقديم : الناقد خالد بلقاسم
إعلان عن مناقشة أطروحة لنيل دكتوراه الدولة
محمد لحيرش يناقش تفسير النص وتأويله في علوم القرآن
دراسة في ضوء التأويليات المعاصرة
يعلن عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، أنه ستجرى مناقشة أطروحة جامعية حضرها الأستاذ الباحث محمد لحيرش لنيل دكتوراه الدولة في الآداب، شعبة : اللغة العربية وآدابها، بإشراف الدكتور عبد السلام المسدي، في موضوع: ، وتتكون لجنة المناقشة من السادة الأساتذة : الدكتور محمد الأمين المؤدب رئيسا، والدكتور عبد العزيز العلاتي عضوا، والدكتور عبد الرحيم جيران عضوا، والدكتور محمد الولي عضوا. وذلك يوم الخميس 25 يونيو 2009 على الساعة التاسعة صباحا بقاعة الندوات.
23 juin 2009
الفائز بجائزة ديوان الشعرية دورة محمود درويش2009
مؤسسة شرق غرب تصدر "آل" هؤلاء للشاعر المغربي إدريس علوش
صدر بلبنان - بيروت، عن مؤسسة شرق غرب وضمن سلسلة ديوان المسار مجموعة شعرية بعنوان "آل" هؤلاء للشاعر المغربي ادريس علوش، الحائز على جائزة ديوان الشعرية دورة محمود درويش(2009) في 64 صفحة، والجدير بالذكر أن الإتحاد الثقافي العربي الألماني هو الذي أسس ديوان الشرق الغرب ببرلين بهذف توثيق العلاقات بين العرب وألمانيا، وتعميق الحوار الحضاري ، وإطلاق طاقة الخيال للإبداع والتفكير بندية وتكافؤ، فالشرق والغرب ثقافتان وعالمان لن يفترقا أبدا كما قال جوته. وتبنى الإتحاد مجلة ديوان للشعر العربي والألماني التي قامت بتأسيسها الشاعرة العراقية أمل الجبوري وتولت رئاسة تحريرها. ويعد ادريس علوس صاحب "الطفل البحري"، "دفتر الموتى"، "مرثية حذاء"، "فارس الشهداء"، أحد الفائزين بهذه الجائزة الرفيعة التي حملت في هذه الدورة إسم الراحل محمود درويش. وفي مجموعة"آل" هؤلاء يواصل صاحب"إنها لقصيدة حتى النثر!" تشبته بالشكل الشعري التعبيري المرتبط بتفاصيل الحياة المعاشة، وبالذاكرة الثقافية للشعر المعاصر ، وهو رهان يمكن رصده في كل أعمال ادريس علوش الشعرية. وتستند لغة"آل" هؤلاء للكثافة الصورية والإيجاز اللغوي، ولتنوع الموضوعات. أما السمات الأسلوبية فتتسم بالكثافة والإقتصاد اللغوي مع التركيز على الجمل القصيرة من أجل خلق نسيج مؤثر وفعال. وقد وصف الناقد الدكتور عبد الرضا علي هذا العمل بقوله:" تقدم هذه المجموعة للقارئ الجاد بوح الداخل وهذيانه في لحظات معينة لتكشف الغطاء عن الذات الشاعرة وهي تفلسف أشياءها التي نحب." في حين اعتبر الشاعر شوقي بزيغ "آل" هؤلاء "تجربة مميزة في إطار قصيدة النثر، لأن صاحبها يعرف كيف يستنطق الأشياء والكائنات من حوله وكيف يعيد تشكيلها بعين العارف والمتأمل. الصورة مفاجئة ومتنوعة من عالم مرئي ومحسوس.ثمة رغبة ملحة في إعادة تعريف الظواهر والمسميات وإلى تفخيخ المعاني والأفكار الجاهزة." وتتكون هذه المجموعة الشعرية من: الرواة، رغبات، "آل" هؤلاء، لا تلمسه، بول إيلوار، قوارب تحاكي معنى الموت، اليوم السابع لصورة من ألبوم الفلسفة.وهي مجموعة تشكل تنويعاً جمالياً في تجربة إدريس علوش الشعرية..
"آل" هؤلاء
الريح منهم خائفة
ومن حرب
توقدها الأشباح
وتحرق ما تبقى
من صور الذاكرة..."
"السرد ذاكرة". كتاب مصطفى يعلى
عرض محمد أنقار
أصدر الدكتور مصطفى يعلى في بحر السنة الجارية [2009] كتاب "السرد ذاكرة". هو كتاب في نقد أنماط من السرد، نحتمل إدراجه في صنف التأملات. وعندما نقرأ الكتاب نتأكد بالفعل أنه تأملات في السرد المغربي، والعربي، وحتى العالمي. هي صفحات هادئة، وخلاصة تجربة طويلة جداً في مجال الاحتكاك بعوالم القصص تعليماً، وممارسة، وترجمة، وتصنيفاً، ونقداً. ومصطفى يعلى يكتب القصة القصيرة منذ منتصف الستينات من القرن الماضي. ولقد استطاع في هذا المضمار أن يكتسب أسلوبه التعبيري الخاص، لعل أبرز سماته؛ الهدوء، والإيقاع المتدرج، واستلهام البعد المحلي بما فيه من عادات اجتماعية، وتقاليد متوارثة، وحكايات خارقة. وبمناسبة الحديث عن المحلية لابد أن أشير إلى رسالة يعلى الرائدة حول "ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب" التي تقدم بها لنيل دبلوم الدراسات العليا في سنة 1984، لكنها لم تطبع إلى اليوم للأسف الشديد. وفضلاً عن مجاميعه القصصية الأربع ("أنياب طويلة في وجه المدينة" – "دائرة الكسوف" – "لحظة الصفر" – شرخ كالعنكبوت")، وعن بيبليوغرافيته المتخصصة حول "السرد المغربي 1930-1980"، بدا كأن يعلى قد تخصص في نقد السرد الشعبي وأصدر فيه الدراسات النقدية الآتية: "امتداد الحكاية الشعبية" – "القصص الشعبي في المغرب. دراسة مورفولوجية" – "السرد الشعبي. قضايا وإشكالات".
***
يتشكل كتاب "السرد ذاكرة" من ثلاثة أقسام صيغ كل منها في عنوان كبير:
"القصة القصيرة ذاكرة".
"في القصة النسائية القصيرة".
"إضاءات سردية".
إضافة إلى "استهلال" و"ختم".
في الاستهلال بسط المؤلف الرؤية النقدية التي صدر عنها في كتابه، مستعرضاً في نفس الآن المادة التي سيخضعها في المتن للنظر والتأمل. وفيما يخص الرؤية اعتبر يعلى أن الحياة والإبداع يعيشان الآن «زمن النثر بسلطته وخشونته. فالعلائق الرومانسية والإيمان بالقيم النبيلة والطموحات المثالية الحالمة وأمثالها من مظاهر شعرية الحياة الماضية، قد ترسبت في قاع الذاكرة الجماعية لإنسان العصر الحالي، وأضحت من سجلات التاريخ، من غير أن يعني هذا أنها انقرضت نهائياً [.. ]لذا فما يهيمن راهناً هو جفاف الحياة، وبالتالي صلابة النثر باعتباره أداة ملائمة للتعبير» عنها (ص 7).
في القسم الأول من الكتاب نقرأ العناوين الآتية:
- أحمد عبد السلام البقالي قامة أدبية وازنة.
- السجل الفولكلوري في قصص البقالي.
- تجليات المدينة المغربية في قصص الرواد.
وكما هو واضح يحظى البقالي بعناية فائقة من لدن المؤلف باعتباره أديباً رائداً حقق «في عناد نادر، تراكماً إبداعياً كماً وكيفاً في مختلف الأجناس الأدبية». لكن ما يهم يعلى «هذا الحرص الملحاح الذي تمتع به الكاتب [البقالي] على التقاط مظاهر ومشاغل وطموحات مجتمع مدينته الصغيرة أصيلة، بحمولتها الفولكلورية المكونة لشخصية وهوية هذا المجتمع» (ص 8).
وفي الفصل الخاص "بتجليات المدينة.." رصد يعلى ارتباط بعض الأدباء المغاربة بمدنهم مثلما هو شأن فاس مع غلاب وابن جلون وأحمد بناني ومحمد الحبابي، وأصيلة مع البقالي، وتطوان مع محمد الخضر الريسوني، وسلا مع اشماعو وبوعلو وزنيبر. وانتقي يعلى من كل هذه الأمثلة مجموعة "فاس في سبع قصص" لأحمد بناني، واختار منها على وجه التحديد قصة قصيرة بعنوان "حتى الطيور في حيرة" وأخضعها للتأمل والتحليل. وتدور القصة حول الخرّاز عزوز عاشق الطيور الذي أفلح في اقتناء طائر وتدريبه على الأنغام المطربة بكثير من الأناة. ثم اصطدم بعد ذلك بالتأثير السيء الذي أحدثته السينما والمذياع، فحصل التشويه والخلط والقبح في الغناء (ص 43).
واستخلص يعلى من تلك القصة بنيتين؛ تتحدد الأولى في تقوقع المجتمع التقليدي على نفسه، وتتمحور الثانية حول الفجيعة المأساوية جراء اصطدام ذلك المجتمع بالحضارة الخارجية. وأثارت انتباهه في تلك القصة سمات الشاعرية، والرومانسية المحببة، والطبيعة، والتجلي الاجتماعي، والمحلية، والموقف السلفي المكوِّن لخلفية رؤية العالم لدى الكاتب. وانتهى إلى حكم عام يرى أن كتابات أحمد بناني السردية قد تحولت «إلى مستودع يحتفظ بذكرى عالم حميمي أليف حاول الاحتفاظ به في هوس نابع من الحب الشديد له والهلع من أن يطوله الاندثار» (ص 53).
وفي الفصل الخاص ب"القصة النسائية المغربية القصيرة: الريادة ونوعية التلقي" ركز مصطفى يعلى حديثه على خناثة بنونة التي نشرت أول مجموعة قصصية نسائية بالمغرب في سنة 1967 هي "ليسقط الصمت". وتابع يعلى آراء فريقين من النقاد والمعلقين على المجموعة؛ منهم من رحب بها وتحمس لها (كنون/ الصباغ/ المنيعي/ مليكة العاصمي) ومنهم من رفضها (زفزاف/ الخوري/ الخطيب). وردّ يعلى على الفريقين وخلص إلى القول:
« إذا كانت هذه القراءات في جملتها تتميز بكونها قراءات انطباعية تقتنص ملاحظات عامة محددة من غير ما اعتماد منهج معين يوظَّف لتشريح النصوص من أجل المرور إلى الخلاصات التأويلية الموضوعية الشاملة، فإن هناك قراءات قريبة من هذا المنظور ستتم فيما بعد ابتداء من أواسط السبعينات» (ص 71).
وفي الفصل ا لمعنون: "وظائف الرجل في القصة النسائية القصيرة" تساءل يعلى عن أبطال وليس بطلات تلك القصة. فماذا عن الرجل ، وماذا عن «حضوره ووظيفته وصوته فيها، مادامت هذه القصة لا تحتفظ في واجهة ذاكرتها سوى بصورة المرأة وهي في خضم معاناتها وطموحاتها؟» (ص 9-10). وفي هذا السياق اختار ثلاثة تجارب دالة من المغرب وتونس ومصر: "مولد الروح" لزهور كرام، و"الحياة على حافة الدنيا" لرشيدة الشارني، و"زينة الحياة" لأهداف سويف. في مجموع تلك القصص تعاني المرأة. إلا أن الرجل بصفة عامة يؤدي فيها «دور الشخصية المعتدية بكيفية أو بأخرى» (ص 77).
في القسم الثالث والأخير من الكتاب قدم يعلى «مجموعة من القضايا السردية عرضاً وترجمة وقراءة. من ذلك محاولة تأكيد الدور الريادي الذي نهضت به الصحافة بوصفها ذاكرة للأدب والفكر والفن عامة والسياسة خاصة، لاستنبات القصة القصيرة بمفهومها الجديد في تربة الأدب العربي الحديث والمعاصر» (ص 10). وفي هذا السياق استعرض الكاتب عديداً من التجارب المشرقية والمغربية، وأشار إلى أسبقية المشرق العربي في هذا المجال الذي ارتبطت فيه القصة بالصحافة.
وفي المغرب ارتبط معظم القاصين في الأربعينات والخمسينات بمنابر بعينها «ولو مرحلياً للتعبير عن وجدان الشعب في مواجهته للأجنبي المستعمر» (ص 89). ثم خلص يعلى إلى التساؤل الآتي:
«ألا يمكن أن تفضي بنا المعطيات السالفة إلى هذه النتيجة: إذا كان كل من القصة القصيرة والصحافة يعتبر رديفاً للآخر، ألا يقرّ الواقع العيني بحقيقة كون القصة القصيرة العربية قد خرجت من جبة الصحافة؟» (ص 91).
وفي القسم الأخير ذاته عرض المؤلف إلى "البحث عن النموذج الإنساني في القصة المغربية القصيرة". وفي هذا السياق طرح مجموعة من الأسئلة الدقيقة لعل أبرزها مدى قدرة هذا الجنس الأدبي القصير على التعبير عن المعاناة الإنسانية في عصر وسائط التواصل النافذة، واستطاعته أن يخلق لنفسه نماذجه الإنسانية المخصوصة؟ (ص 93). وللإجابة عن هذا السؤال المركب قدم يعلى مجموعة من الملاحظات تخص تطور القصة القصيرة بالمغرب، ثم ملاحظات أخرى تخص راهنها. وفي هذا السياق الأخير استنتج قدرة القصة على «التعبير الملائم عن حركة الحياة المتسارعة التي تطبع المرحلة الحضارية الراهنة» (ص 95). وعلى الرغم من أن الرواية أخذت تزحزح القصة القصيرة عن مكانها منذ أواخر سبعينات القرن العشرين فقد «استماتت القصة القصيرة خلال الثمانينات والتسعينات بمثابرة وإلحاح متحديين» (ص 95). ورفض يعلى فكرة أن تكون «القصة القصيرة مجرد مرحلة للتمرين على الكتابة السردية» (ص 96) مثلما رفض فكرة صراع الأجيال (ص 97) وضرب للتواصل الجيلي أمثلة من الأدب العالمي. وبخصوص مسألة التجريب التي ميزت إبداع الجيل الجديد خلص يعلى إلى ما يمكن تسميته بالتجريب المقيد. «وينطلق هذا الفهم من الاقتناع بكون التجريب هو تجسيد لحرية الكاتب في خياراته الخاصة. لكن هذه الحرية هي حرية مقيدة بالمسؤولية، مسؤولية تنظيم فوضى الحياة داخل النص، ضمن رؤى عميقة تجاه معضلات الحياة المزمنة» (ص 100). وفي خاتمة مقاله أورد مجموعة من الشروط التي رآها حتمية من أجل أن «نمتلك إمكانية التوقع، ولا نفاجأ بمصير قصتنا القصيرة» (ص 101).
وارتباطاً بالقصة القصيرة ترجم يعلى مقالاً مركزاً عن اللغة الإسپانية بعنوان "جدارة القصة القصيرة جداً" لصاحبه أنخيل ملدوندو أستيفيد من بويرتو ريكو. ولقد حاول هذا المقال «تحديد وضبط مفهوم القصة القصيرة جداً، ومد صلاحيتها باعتبارها أداة تعبيرية مناسبة لراهن الإنسان في مجتمعات متشعبة التعقيد، وذات صيرورة غاية في الحركة والسرعة» (ص 10).
وفي القسم الثالث ذاته ناقش يعلى مفهوم الصورة في مجال النثر من خلال كتابين: «بناء الصورة في الرواية الاستعمارية" لمحمد أنقار، و"الصورة في الرواية" لاستيفن أولمان، ترجمة محمد مشبال ورضوان العيادي. وبخصوص الكتاب الأول استعرض مادته الرئيسة وانتهى إلى أن «محمد أنقار قد جعل من موضوع كتابه مشروع عمره. فمنذ حوالي عشرين عاماً، أي منذ مناقشته لهذا البحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وهو يشتغل على موضوعه تطويراً وتطبيقاً وتدريساً، مما كان له أثره الواضح في تمهيد الطريق لعدد من الباحثين الشباب، الذين حضروا رسائلهم أو أطاريحهم، [...] أو يشاركون بالنقاش الجدي المعمق للصورة الروائية» (ص 119). أما بخصوص الكتاب الثاني لاحظ يعلى أنه «يركز على رصد أنساق الصورة الروائية من منطلق بلاغي أسلوبي، مقترحاً لهذا الغرض أعمال أربعة كتاب فرنسيين معاصرين هم: أندري جيد، آلان فورنيي، مرسيل بروست، وألبير كامو» (ص 110). ثم استعرض مضمون كتاب "الصورة في الرواية"، واختلف مع مؤلفه في بعض الجوانب، واعترف «بأن أهم ما جذبني في كتاب أولمان، فضلاً عن المستوى المعرفي، هو هذه القدرة العالية على مواجهة المتن الروائي في نفس مثابر مرتكز على شتى الأدوات الإجرائية، من تفكيك، وتفسير، ونقد، وتعليق، وجدل، وإحصاء، وتعليل، ومقارنة، واستقصاء، وتصنيف، واستنتاج، وتقييم» (ص 112).
وفي آخر فصل من فصول القسم الثالث اختار مصطفى يعلى نموذجاً من الدراسات النقدية التي احتفت بلون من الأدب الشعبي المهمش هو الخرافة. ويتعلق الأمر بكتاب المؤلف الجزائري عبد الحميد بورايو "الحكاية الخرافية للمغرب العربي: دراسة تحليلية في "معنى المعنى" لمجموعة من الحكايات" [1992] ولقد اهتم بورايو «في كتابه هذا بفتح النصوص السردية الشعبية العجيبة من خلال رصد وظائفها، على التاريخ والمجتمع والحياة، وذلك من أجل استكشاف دلالاتها العميقة والبعيدة» (ص 111).
ويجمع كتاب بورايو بين النظرية والتطبيق. ولاحظ يعلى أن هذه الدراسة تعتمد البحث الشكلاني والبنائي المتعدد المصادر والتوجهات والأطراف المنهجية المتفرقة، وارتأى «أن الاقتصار على منهج واحد محدد من مناهج هؤلاء [بروب/ ستراوس/ جريماس/ المدرسة الأمريكية] كان أصلح لهدف هذه الدراسة» (ص 125). وعلى الرغم من ذلك اعتبر كتاب بورايو رائداً في بابه. (ص 129).
وفي "ختم" كتاب "السرد ذاكرة" أكد مصطفى يعلى أن معظم مباحثه قد تمركزت حول السرد «باعتباره ذاكرة محتفظة بالتراكمات المكونة لتراث سردي حديث ومعاصر» (ص 113)، ثم حاول أن يلخّص في وجازة النتائج النقدية التي تخص كل موضوع من موضوعات الأقسام الثلاثة التي تشكل منها مؤلفه.
* * *
تلك كانت محاولة موجزة لتقديم مادة هذا الكتاب الوديع الذي عنّ لي منذ البداية أن أدرجه في سياق النقد التأملي الرصين. ويجب أن أعترف بأن معظم ما ورد في هذا العمل من أفكار سبق أن أطلعني عليها يعلى خلال لقاءاتنا العديدة ومناقشاتنا المستمرة. وإذا كان لي أن أختلف مع قضية من قضايا "السرد ذاكرة" فلن تكون غير الفكرة التي أشار فيها يعلى إلى أننا نعيش اليوم «زمن النثر بسلطة وخشونته» وأن «ما يهيمن راهناً هو جفاف الحياة، وبالتالي صلابة النثر» (ص 7). وأرى أن النثر اليوم ليس خشناً أو صلباً فقط؛ وإنما هو في نفس الآن في حالة تعايشٍ مع أساليب أخرى لا تقل شاعرية، أو فوضى، أو تشظياً، أو تفكيكاً. وحتى الحياة نفسها ليست راهناً في درجة الجفاف التي يشير إليها يعلى. صحيح أن اندحار القيم الجميلة وتراجع المشاعر الرقيقة أمران لا جدال فيهما. لكن على الرغم من ذلك أرى الجفاف ليس تاماً، ولا أدل على ذلك من الإبداع الشاعري الحالم الذي نقرؤه بين الحين والحين والذي يعد يعلى نفسه أحد رواده.
هذا كتاب جدير بالقراءة فيه ما يكفي من التأملات المنسابة القادرة على أن تنسينا، ولو إلى حين جفاف الحياة المعاصرة، وصلابة النثر الخشن الذي يستهجنه مصطفى يعلى.
19 juin 2009
الرواية والتحليل النصي
الرواية والتحليل النصي
قراءات من منظور التحليل النفسي
عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت ومنشورات الاختلاف بالجزائر ودار الأمان بالرباط، صدر مؤخرا كتاب جديد للناقد المغربي حسن المودن تحت عنوان: الرواية والتحليل النصي ــ قراءات من منظور التحليل النفسي.
وقد سبق للناقد أن أصدر مؤلفات منها ترجمته لكتاب: التحليل النفسي والأدب للناقد الفرنسي جان بيلمان ـ نويل(منشورات المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، 1997)، ومنها مؤلّـفان نقديان: لاوعي النصّ في روايات الطيب صالح(2002)، و الكتابة والتحول(منشورات اتحاد كتاب المغرب، 2001).
وفي كتابه الجديد الذي صدر هذه السنة، يواصل الناقد تجريب منهج نفسيّ يتميّز عن النقد النفسي التقليدي في مقاصده وإجراءاته المنهجية، ويتعلّق الأمر بمنهج التحليل النصّي الذي يفتح الطريق ليصبح النص الأدبي هو بؤرة التحليل. وتتجلى قيمة هذا المقترح المنهجي في كونه لا يحوّل النص إلى ذات مطابقة لذات الكاتب، ذلك لأن هذه المطابقة لا تخلو من اختزال أو تعسّّف يؤدي إلى تجاهل خصوصية النص واستقلاليته، كما يؤدي إلى إهمال الجوانب الشكلية والفنّية. فالنقد النفسي التقليديّ، إذ يركّـز على المدلول الروائي، يكون بعيدا عن إدراك القوة التي يمكن أن تكون للدالّ الروائي.
يتألف هذا الكتاب من مدخل نظري وقسمين تطبيقيين. ويهدف المدخل النظري إلى إعادة النظر في ثنائية: الأدب والتحليل النفسي، وإعادة مساءلة العلاقة بينهما. وفي القسمين التطبيقيين، نجد تحليلا نصّيا بالمعنى الذي يقصده الناقد النفساني جان بيلمان ـ نويل، أي تلك المقاربة التي تستفيد من الدراسات النصية المعاصرة مع إدماجها ضمن مقاربة نفسانية مفتوحة ومنفتحة.
وقد اشتغل الناقد في القسمين التطبيقيين على متن روائي يغطي مرحلة من تاريخ الأدب الروائي العربي تمتد من الخمسينات والستينات من القرن الماضي، و تصل إلى بداية الألفية الجديدة. وبعض هذه الروايات هي لكتّاب من المغرب العربي(محمد شكري، محمد برادة، مبارك ربيع، محمد عز الدين التازي، إبراهيم الكوني، بشير مفتي، عبد الحي مودن، جمال بوطيب، أحمد الكبيري)، وبعضها الآخر لكتّاب من بلدان عربية مختلفة(سهيل إدريس، مجيد طوبيا، الطيب صالح، يوسف القعيد، فوزية شويش السالم، عبد الله زايد).
وهي جميعها قراءات تقود إلى هذا الموطن النوعيّ الفريد من نوعه في اللغة الذي نسمّيـه: الأدب، وتجعلنا نكتشف أنّ هذا الموطن اللغوي هو الذي يعبّـر فيه الواقع السّـرّي للإنسان عن نفسه بشكل وقوة خاصّـين. فالأدب هو هذه اللغة الأخرى التي ينبغي النظر إليها على أنها عمل أو اشتغال يقع بين الرغبة والمحكي، أي أنه اللغة التي تسمح بإسماع كلام آخر غير الكلام المألوف، فاللغة الأدبية لا تجعلنا نسمع أصوات الآخرين فقط، بل هي اللغة الأخرى التي تكاد تتخصّـص في إسماع ذلك الآخر الموجود في الداخل، في داخل الذات(الكاتبة والقارئة).
16 juin 2009
جائزة محمد برادة للشباب في مجال النقد الروائي
المدرسة العليا للأساتذة
تطوان- مرتيل
شعبة اللغة العربية
بلاغ صحفي
بصمات إبداعية
جائزة محمد برادة للشباب في مجال النقد الروائي
تعلن شعبة اللغة العربية بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان-مرتيل، في إطار الدورة الثانية من سلسلة بصمات إبداعية لسنة 2009، عن إطلاق جائزة" محمد برادة" للشباب في مجال النقد الروائي.ومن شروط المشاركة أن تكون المساهمة غير منشورة. ويتوجب على الفائز حضور حفل اختتام الدورة الثانية من بصمات إبداعية قصد تسلم الجائزة المالية. وسيعلن على اسم الفائز في فاتح فبراير 2010. والمرجو أن ترسل المساهمات بصيغة وورد"word" قبل 30 نونبر 2009 إلى البريد الإلكتروني الآتي: abdo.jairane@gmail.com
15 juin 2009
محكي الاعتقال
محكي الاعتقال
بين التخييل والشهادة والاعتراف.
أول ما تطرحه رواية "غرب المتوسط" للكاتب والإعلامي عبد العزيز جدير الإشكال الأجناسي، المتولد عن صيغة الكتابة، وعن موضوعة الكتاب. فالكتاب من حيث موضوعته يروي سيرة اعتقال شخصية (طالب)، يرويها بالتفصيل الدقيق الممل، كما يقال، وكأن الراوي لا ينوي التأريخ للحدث فحسب بل يحمل هم التبليغ، ونية الكشف عن المستور والغامض والخفي في المعتقلات، وفي أقبية التعذيب وامتهان كرامة الإنسان. أما رواية التفاصيل والاستطرادات والشروح والتعاليق والتضمينات كلها جعلت الصيغة الروائية تزيغ عن ممكنات التخييل الروائي إلى المحكي السير ذاتي، وقد عزز الكاتب هذا الاستنتاج بالحضور القوي لضمير المتكلم "أنا" [بالرغم من تناوب سارد خارجي (هو) مع ضمير المتكلم (أنا) دفة السرد]، وتعزيز المحكي الذاتي بالوقائع والمؤشرات والعناصر الخارج نصية الواقعية أو التي تم الكناية عنها: كالأمكنة والتواريخ، وأسماء العلم، والوقائع التاريخية والسياسية للمغرب الحديث والمعاصر [انتفاضة 1955م ضد المستعمر الفرنسي].
لذلك سنعتبر هذا الكتاب رواية سير ذاتية ومركز قوتها يكمن في القدرة على "التخييل الذاتي". أي تعايش المحكي الذاتي والمحكي التخييلي. فمحكي "غرب المتوسط" يتنافى مع التعريف التالي الذي قدمه بول زومبتور للسيرة الذاتية:" إن السيرة الذاتية ينبغي أن تقوم على عنصرين أساسيين هما :" "أنا" وسرد معطى غير تخييلي"...". لكنه يلتقي معه في السرد الذاتي وضمير المتكلم "أنا". ويراوغ الكاتب سطوة الذاتية بالتفاصيل الدقيقة، والاستطراد، والتعليق، والتفسير والشرح.
أما التخييل الذاتي فيرى فيليب لوجون، بأنه يشتمل على الإبداع الذي يقف بين السيرة الذاتية والإبداع عامة. فقد يستعمل الكاتب كل المقومات التقليدية للمحكي الذاتي مثل الكتابة بضمير المتكلم، وتطابق الكاتب الموضوعي (الواقعي) والسارد (أو الضمير النحوي) والشخصية المحورية (العامل أو الفاعل)، واعتماد الوقائع الحقيقية التاريخية والسياسية، وأسماء الشخصيات العمومية والتاريخية...والتواريخ، وكلها مؤشرات خارج نصية توجه قراءة المتلقي، وتحد من درجة التخييل والتأويل لديه، وترجح كفة الحقيقة واليقين والواقع.
تنسج الرواية السير ذاتية ثلاث حبكات متوازية ومتداخلة في آن، وهي:
ü محكي سيرة الشخصية الروائية (طالب).
ü محكي المدينة (وادي زم، والراكثة).
ü محكي سيرة الاعتقال وظلام الجحيم.
يتمثل محكي الشخصية الروائية في سرد معطيات خارجية تحدد أبعادها، مثل:
ü مسار الدراسة داخل وخارج البلاد (مدينة وادي زم، وأبي الجعد، وبلجيكا).
ü مسار نضال العائلة إبان الحماية الفرنسية، مثال رواية حادثة اعتقال الخال (علي) لمواقفه الوطنية.
ü مسار العمل والتدريس.
ü أفراد الأسرة؛ الأب والأم والإخوة والأخوات.
تعزز هذه المساراتُ الخاصةُ المحكي الذاتيَ وتقوي اختيارَهُ، وترجحُ كَفَّةَ السيرة الذاتية على الخطاب الروائي التخييلي. إلا أنها مسارات مهمة جدا في تأطير المحكي الروائي (التخيلي)، وفي إضاءة جوانب من تكوين الشخصية الروائية المحورية (طالب)، وتبرز طبيعة الخلل في الحياة السياسية والاجتماعية في فترة من فترات تطور وبناء المغرب الحديث، كما تقدم هذه المسارات إلى جانب إبراز طبيعة الصراع الفكري، واختلاف التصورات حول ما سيكون عليه المغرب بعد الحماية الفرنسية، وطبيعة التطاحن بين المصالح الوطنية والذاتية، تقدم رؤية انتقادية وفق المسألة الإنسانية والحقوقية. هنا مركز قوة كتابات الاعتقال السياسي والفكري، ليس في المغرب بل في جل البلاد التي مرت بمثل هذه الاختيارات والاختبارات الصعبة في تاريخها المعاصر، وقد أورد منها الكاتب عددا من العناوين كان قد تشبع بها، وألف فضاءاتها، واهتدى إليها بحدسه الفطري واستعداده الفكري والذهني. ويمكن إضافة روايتي عبد الرحمان منيف اللتين تعارضهما رواية عبد العزيز جدير: "شرق المتوسط" و"الآن..هنا أو شرق المتوسط"، كما ظهرت روايات أخرى كثيرة تتحدث عن الاعتقال وجحيمه، وما عرف فيما بعد، بسنوات الرصاص في المغرب.
والحديث عن سلك التعليم، له أهمية بالغة في تحديد مكانة هذه الفئة الاجتماعية في تلك الفترة من بداية الاستقلال حتى عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، حيث لعبت أدوارا طلائعية في التنوير، وفي التوعية الفكرية، وفي تحمل المسؤولية النضالية من أجل النهوض بالمغرب الجديد والحديث. ويبرز كذلك المعاناة التي لاقتها هذه الفئة من حصار وحبس وتكميم. ويبرهن أيضا على أن أية تنمية أو نهوض أو تطور يجب أن يبدأ من المدرسة ومن التربية والتعليم؛ التربية على الحق والكرامة والحرية.
وقد شدد الكاتب على مساره الدراسي للبرهنة على سلامة منشئه، وعلى محلية ومغربية ووطنية تكوينه، هو الذي تربى في كنف أسرة عانت من اضطهاد المستعمر الفرنسي وأعوانه.
ويتمثل محكي المدينة في رصد وتتبع المسار الذي قطعته الشخصية نحو مصيرها الجحيمي، وأهم ما ميز هذا المسار:
ü الاسترجاع وحث الذاكرة على الصمود ومقاومة التلاشي.
ü تحفيز الجسد ومجساته بعدما تعطلت حاسة البصر والسمع المعصوبتين.
ü رسم مسار الرحلة نحو الجحيم والعذاب.
يعتبر محكي مدينة الوادي "وادي زم"، ومدينة الراكثة "مدينة أبي الجعد" طبقة موازية لمحكي الاعتقال، بل متواشجة معها. وهو محكي يدعم الخط الواقعي والسير ذاتي في كتاب عبد العزيز جدير. لكنه محكي ذو وجهين متناقضين؛ يبدو الأول احتفالا بالمدينة ومعالمها؛ شوارعها ومقاهيها، وأهلها، ويبدو الثاني كافتتاحية لنشيد جنائزي، ينعي فيه السارد/ الشخصية البطن التي حبلت به جنينا، واحتضنته طفلا، وحنت عليه يافعا. وهو محكي مشحون بالأمل والألم في آن.
أما محكي الاعتقال الذي يستحوذ على أوسع فضاء الرواية السير ذاتية، فيمثل جوهر الحكاية ومتنها والغاية من إنشائها. وقد حاول فيه الكاتب التدقيق مصرا على الفضح، وعلى الإخبار. فهو بالنسبة للكاتب "شهادة" صادقة على العنف والقهر والإهانة واحتقار الإنسان والقوانين الإلهية والبشير، الدولية والمحلية. يقول السارد في إصرار مثلا:" لن اسمح لهذه التجربة أن تضيع، أن تتلاشى، أن تصبح في خبر كان. سأدونها، نعم سأدونها، ولو بالاشتراك مع ذلك الرجل الذي يعنى بالتاريخ الشفاهي. أليس هو من دون أول سيرة سجنية وترجمها وجعلها تراثا مشاعا بين أبناء البلد وغيرهم؟" (109.108). ويضيف في مكان آخر:" ثم توالت الركلات القوية والعنيفة بسرعة جنونية كأن صاحبها أصيب بحالة هستيرية وعلى المسجون الذي يقضي أيامه في رحاب العزلة مقيد اليدين ومعصب العنينين أن يحمي نفسه، وخاصة عينيه بل وجهه ومنطقة رجولته ومعالمها حتى إذا كتب له الخروج من هذا الفضاء الجنائزي تمكن من الإدلاء بشهادته عن كيف يعامل المواطن البريء في بلده، وقد يدلي آخرون بشهاداتهم عن كيف عومل الخونة ويعامل اللصوص بمختلف رتبهم..." (135).
يقودنا محكي الاعتقال أو "الشهادة على تجربة السجن" إلى تحديد الأقانيم الثلاثة الرئيسة المتحكمة فيه، والتي يمكننا وضعها في مثلث حاد الزوايا:
ü الحق الإنساني والكرامة.
ü المقاومة والصمود.
ü الحرية.
ويقابلها مثلث نقيض حاد الزوايا:
ü امتهان الإنسان.
ü الإذلال.
ü الإخضاع.
إذا، هناك قوتان متصارعتان، كل منهما ترى أنها على حق والأخرى على باطل، لكن الصراع بينهما غير ندي ولا متكافئ. تعتمد السلطة الأولى القوية على القهر والتعذيب والإذلال من أجل إخضاع القوة المناقضة، بينما تلجأ الثانية إلى المقاومة النفسية والفكرية والجسدية إن أمكن، والمقاومة بالاحتماء بالذاكرة والغايات النبيلة. وكل قوة ترى أنها تقوم بعمل نبيل. صراع غير متكافئ.
وتتجلى مقاومة الذاكرة على مستوى الخطاب الروائي في صور شتى، منها:
ü التعدد اللغوي: فإذا كانت الرواية السير ذاتية في "غرب المتوسط" تنهض على اللغة العربية الفصحى، فإنها مزجتها بمستويات لغوية أخرى تمثل عمق الذاكرة الشعبية، واللغة الأم في التداول. من ثمة نجد عبد العزيز جدير قد كان حريصا على نقل سرود مطولة باللهجة الدارجة المغربية يحتفي فيها بالكينونة، وبالموروث الشفهي الشعبي، وبالمحلي الضارب في التربة وكأنه يحتمي فيه من لهيب اللحظة، ويقف خلفه كجدار صلب يحميه من الاقتلاع ومن هول الهاوية التي سيلقى فيها جسده، ومن الجحيم المستعر الذي يذيب الذاكرة ويجلوها. كما وظف الكاتب الألفاظ المعربة والأجنبية.
ü التعدد الأسلوبي: يتمثل التعدد الأسلوبي في طرائق صياغة الجمل وتراكيبها، وفي بناء معانيها. وأهم مظاهر هذا التعدد السخرية والتهكم والمفارقة والمحاكاة الساخر. وهي طاقات قادرة على امتصاص الضغط المتولد عن الحالة النفسية والفكرية التي تمر بها الشخصية. فالسخرية موقف من الذات ومن العالم، ومستوى من المستويات البلاغية التي تروم معنى غير المعلن لفظا وظاهرا. أما المواقف المفارقة للحقيقة وما يصدقه العقل فكثيرة في "غرب المتوسط"، ويوظفها الكاتب للبرهنة على الفوارق المعرفية والفكرية بين الجلاد والضحية، ويوظفها الكاتب للسخرية من طبيعة الصراع والتقاتل بين ضحيتين، حيث يصبح الجلاد ضحية جهله، وأداة تنفيذ في أياد خفية، كما يمثلها هذا المقتطف من الحوار:" – اللحية ديال داك ماكس [يقصد كارل ماركس] ديت أمه، عدو الله، والله يا أمه كن تولد عندنا لما عرفوا حد. نحسنوها له بكري، قبل ما يربيها وبلا ما". ويجيب المعتقل المقيد اليدين والمعصوب العينين:" لا، آشاف، لحية رجال الله..". يستشيط الآخر غضبا:" الله عنده شي لحية آ جماعة الملحدين. أنتم ماشي بشر، خاص دين أمكم الذبيح بحال الدجاج الرومي. ولكن الواحد قبل ما يذبحكم خاصو يريشكم..". (139). وأيضا:" اسكت آلملحد، لعنك الله، عندك الوجه باش تتكلم. ياك حتى أنت تتقري ديك المصيبة ديال القلقسة [يقصد الفلسفة]..". (140). أما المحاكاة الساخرة فتتجلى في أساليب التعدد النصي، خاصة الحكاية الشفهية الشعبية.
ü التعدد النصي: لقد كتب عبد العزيز جدير روايته السير ذاتية بل "متخيله الذاتي" دفعة واحدة، ولم يقسمه إلى فصول، كما في جل الخطابات الروائية، وأثثه بنصوص كثيرة متخللة، كسرت من حدت الحكاية الإطار، ومن السرد التخييلي المتدفق الملتاع، ومنها: المقالة (نصا محمد أخ طالب/ الشخصية المحورية)، النص الديني (القران الكريم، والحديث النبوي الشريف)، الأمثال السائرة، الحكايات الشعبية ومنها ما وظفه الكاتب لحماية الذاكرة، وحماية الجسد من الانهيار جراء التعذيب، وحماية النفس بالعودة إلى لغة الأم وحضنها وتاريخ الطفولة، مثلا حكاية "شميشة" في الصفحات المتتالية (104.103.102)، النصوص المعرفية التي تدعم الفكرة وتعلن الموقف من ظاهرة الاعتقال والتعذيب وغياب الحق في التعبير والحرية والحق في المواطنة الصادقة والسليمة، مثل سياقات مطولة ومتفرقة حول الاستبداد والظلم والتربية والحرية...من كتاب عبد الرحمن الكواكبي "طبائع الاستبداد" [ص.ص: 17.16] الذي كان مقررا من مقررات التعليم الثانوي التأهيلي.
إن محكي "غرب المتوسط" يقوم على أكثر من حبكة، ولكل منها وظيفة فنية وسردية. وهذا التمازج النسيجي خفف من حدة وفجائعية الحكاية الإطار، أي محكي الاعتقال والتعذيب والمهانة الإنسانية. ومحكي "غرب المتوسط" زخر بالقيم السامية، رغم ارتفاع منسوب الألم فيه، ومنها: تمجيد قيم الحق والكرامة والحرية والمساواة، وقيم المواطنة، وقيمة المقاومة، وقيمة المعرفة. إنه محكي هادف، يقدم شهادته في سلوك قاس تعرضت له فئة مستنيرة من المجتمع، وكان تفاديه، أو حسن التفاعل والتعامل معه قد جنب البلاد الكثير من العثرات، ولدفعها بقوة نحو التطور والتقدم على العديد من الأصعدة. وقد بينت الخطابات الرسمية والشهادات الخاصة المصاحبة لطي صفحات سنوات الرصاص بعمق آثاره ونتائجه العكسية.
سلا. المغرب. 25.05.2009
محمد معتصم
الناقد الأدبي
+ جدير، عبد العزيز؛ غرب المتوسط. رواية. منشورات دار أبي رقراق للطباعة والنشر. ط 1, 2008م.
نص المداخلة التي قدمت بها الكاتب والكتاب بمدينة تطوان في عيد الكتاب، وقد قرئت بالنيابة، يوم الثلاثاء 02. 06. 2009
14 juin 2009
ماجدولين الرفاعي صاحبة دار "تالة" السورية:
نَشَرْنا "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" رهانًا على مستقبل قصيدة النثر في عصر الرقمية
صرحت الكاتبة والناشرة السورية ماجدولين الرفاعي أن تبني دار "تالة"، التي تمتلكها، نشر جميع أجزاء ديوان "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" للشاعر المصري شريف الشافعي يأتي من باب الرهان على النتاج الأدبي الجديد والأصيل في الوقت نفسه، وينعقد الرهان هنا على مستقبل قصيدة النثر بالتحديد، التي يفتح لها هذا الديوان أفقًا غير مطروق في عصر التكنولوجيا الرقمية.
وقالت ماجدولين إن دار تالة قد أعادت بالفعل نشر الجزء الأول من مشروع الشافعي الشعري بعنوان "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، وصدر في مائتين وخمس وثلاثين صفحة من القطع الكبير، ومن المنتظر نشر الأجزاء التالية (التي لم يسبق نشرها في القاهرة)، ومنها: "غازات ضاحكة"، و"رسائل لن تصل إليها.. لأنها دائمًا أوف لاين"، وغيرها.
وأوضحت الناشرة السورية أن "إنسان آلي" يتميز بمحتوىً مختلف في الروح والإطار، في المضمون والشكل والإخراج، فهو مشروع مبتكر وكبير، ولذلك حظي باهتمام نقدي واسع في أقطار عربية عديدة، ووصفه البعض بأنه "انقلاب أبيض في شعر العرب"، و"قفزة حيوية لقصيدة النثر العربية"، و"حالة حراك في المشهد الثقافي الراهن".
إن تجربة "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" هي أول بوح إفضائي للآلة، وفيها يرتاد الروبوت منطقة إبداعية بكرًا، يتقاطع فيها الإبداع الورقي مع الإبداع الرقمي، ويتجلى "الإنسان الآلي" متحدثًا عن ذاته بلغة رائقة شفيفة، خالية من مكسبات الطعم والألوان الصناعية.
ويحاول الروبوت/الشاعر نقل صورة أمينة لمكابدات وإحباطات الإنسان المعاصر، أينما كان، في نقاط النصر الزائف على هذه الأرض، أو نقاط الهزيمة، ففي الحالتين: الإنسان مكبل بقيود الحياة الرقمية الجامدة، مفتقد جذوته المشتعلة، منسلخ من هويته وإرادته الحرة وقدرته على اتخاذ قرار بحرية، منصهر في مشتركات جمعية أذابت خصوصيته وفردانيته. يقول الروبوت المتمرد على القطيع، الرافض لقوانين البرمجة البشرية، الثائر على مستجدات عصره الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية، التي قادت الإنسانية إلى هذا النفق المظلم، الذي خضع كل شيء فيه للحساب والمعادلات الرياضية، حتى معدلات المواليد والوفيات:
"الأهمّ لماكينة ميتة
من الكهرباءِ وبرنامج التشغيلِ
أن تصبحَ قادرةً على الْحَشْرَجِةِ
وقتما تشاءُ".
يشتمل "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" على "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض" (كما يوضح عنوانه الفرعي)، ويستعين الروبوت (المؤلف) في بحثه عن نيرمانا بخيوط شبكة العنكبوت (الحقيقية)، وبخطوط شبكة الإنترنت العنكبوتية (الافتراضية).
لقد أدرك الإنسان الآلي ـ ببساطة ـ أن جوهر الحياة هو الذي ينقصه ليكون إنسانًا حقيقيًّا كاملاً، مثلما أدرك الشاعر ـ ببساطة أيضًا ـ أن جوهر الشعر هو الذي ينقص كثيرًا من التجارب الشعرية الراهنة لتكون خبزًا للمائدة.
ويفتش الروبوت هنا عن نيرمانا (نيرما، نيرميتا، نيرمالا، نيرفانا، نورينا، الخ الخ) بكل ما أوتي من قوة، باعتبارها الذات المنقرضة، التي لا تضيع أبدًا، وهو في بحثه عنها يكشفها، ويرسم ملامحها كاملة. والشاعر هنا يرسم ملامح القصيدة النابضة، بعد أن خلع عليها أهم صفاتها، وهي "النبض التلقائي"، بخصوصية لا يخطئها ضمير منصف.
لقد تجاوزت "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" الأرضية المتعارف عليها لقصيدة النثر العربية السائدة، لتطرح حالة شعرية خاصة جدًّا، منفلتة، مدهشة، مناوئة للتصنيف التقليدي الضيق، تتآزر فيها جماليات السرد، ومنجزات القصيدة الجديدة، وتوترات الإبداع الرقمي غير الورقي. وآمن النص منذ سطوره الأولى، بل منذ الإهداء (إلى الهواء الفاسد، الذي أجبرني على فتح النافذة)، بضرورة الالتحام المباشر بحركة الحياة الطلقة، وتفجير كل مشاهدها العادية، بطاقة الشعر الخلاقة، وبتلقائية لافتة، وكأنما قفزة الروبوت من النافذة التي يفتحها ويطل منها هي قفزة حيوية للقصيدة النثرية، النثارية، التي يكتبها، ويريد لها أن تكون خبز البشر، بوصفها قصيدة بسيطة، غير متعالية، لامسة آلام الإنسانية وآمالها، في عصر ميكانيكي رقمي محسوب الأبعاد بدقة خانقة.
وذكرت ماجدولين الرفاعي في حديثها أن الطبعة الجديدة من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" سيتم توزيعها عن طريق مؤسسة المطبوعات في كافة المحافظات السورية، وستحفظ نسخ من الكتاب في مكتبة الأسد الوطنية. وكانت دار "فراديس" البحرينية قد حصلت في وقت سابق على حق توزيع الطبعة الأولى من الكتاب في دول الخليج العربي، بالتعاون مع "المكتبة الوطنية"، ومكتبة الأيام "الكشكول".
وقد أبرمت دار "تالة" السورية كذلك اتفاقيات لتوزيع الكتاب في الأردن ولبنان مع بعض المكتبات ودور النشر، منها مكتبة "زمزم" الأردنية، وغيرها.
13 juin 2009
حُـفَـاة
لمؤلفها (طاهر الزارعي)
عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة، صدر للقاص السعودي "طاهر الزارعي " مجموعته القصصية الأولى، بعنوان " حُفَاة ". تقع المجموعة في 88 صفحة من القطع المتوسط، وتضم اثنين وسبعين قصة قصيرة جدًا. تصميم الغلاف: محمود ناجيه
يهدي "الزارعي" مجموعته إلى:
( كل القادرين على اصطياد "المعاناة" ومعانقة الضوء... حتى الأبد ! )
وفيما يصف الناقد والقاص السعودي "عبد الله السفر " قصص المجموعة بـ"النصوص المجهرية الصغيرة" التي تبوح من خلف المفردات، وتمتاز بالتكثيف، يقول عنها الكاتب والناقد المصري رحاب الدين الهواري:
( في لغة مقطرة وسهلة، شديدة التكثيف، مليئة بالصور، يدخل "طاهر الزارعي" إلى ثنايا نصوصه القصيرة جدًا، مشحونًا بالهم الشخصي والعربي، حاملاً على عاتقه أحزان هؤلاء الذين يخرجون ليلاً كالمتسكعين، يلتقطون القذارة بأثمان بخسة، وحينما يطوف عالمه العربي، يعود حزينًا بعد أن شاهد الغرباء العجائز الذين ينامون ويأكلون ويتغوطون تحت الجسور، بينما الحكام والأمراء مازالوا يتشدقون نهاراً بالعراقة والتاريخ، وحينما يهبط الليل تصطك الكؤوس، ويتحاكون في ثقافة تبوح بالجنس وفوضى المكان.
وعندما يريد "الزارعي" أن يرسم خارطة عربية تحكي مستقبل أمته وقادتها، تخونه حدود الذاكرة.
طاهر الزارعي، القاص السعودي، الذي ملأ عقله وقلبه بالوطن والحبيبة، لأن كلاهما شرف، عاش من أجل الحفاظ عليه، اختار طريقًا وعرًا فى القص، غير مطروق في منطقته العربية، يكشف المسكوت عنه، أصابته مشاهد كربلاء بالغصة والألم، فرفض دخول فنادق العاصمة التي تضج بالعاهرات، والقمم الطارئة التي تشجب الاحتلال وتستنكره، بينما يحزن القادة على دماء الأطفال المهدورة عبثًا، فيعلنون بيانهم الختامي: "حقنًا للدماء؛ نطلب منكم فتح أكثر من سفارة لإسرائيل في بلادنا العربية".! ).


















