في إطار الانفراج النسبي للوضع السياسي بالمغرب، ظهرت في المشهد الثقافي كتابات استحضرت أحداث الماضي القريب وفتحت عين الذاكرة على تجارب قاسية مريرة عاشها أبناء هذا الوطن جاءت في/على شكل روايات أدبية وشهادات مكتوبة ومسموعة (في إطار عمل لجنة الإنصاف والمصالحة) ومذكرات ودراسات .وفي هذا السياق تأتي رواية غرب المتوسط للأديب الإعلامي عبد العزيز جدير.إلا أنه وللأمانة الأدبية، فالرواية –كما هو مثبت في صفحتها الأخيرة – ( كتبت سنة 1988 وأعيدت صياغة جوانب منها سنة 1999) وظهرت طبعتها الأولى عن دار أبي رقراق للطبع والنشر سنة 2008 

 

رواية غرب المتوسط عمل روائي ضخم، تنقل القارئ إلى أجواء زمن ماضي المغرب القريب  ، يسلط فيها ومن  خلالها ، الكاتب ، بأسلوب سلس أدبي يتميز بالواقعية وبناء سردي ولغوي واضح يخلو من كل أشكال التعقيد ، الضوء على فترة زمنية سوداء في تاريخ المغرب المستقل. حقبة زمنية امتدت فيها أيادي الاستبداد المخزنية ممثلة في بعض الزبانية وخاصة من أذناب رجال السطة الصغار، الذين أصروا على ان تكون سلطتهم وسيوفهم اكبر من قاماتهم واكبر مما أو كل إليهم ،ليظهروا حنة أيديهم وعبقريتهم في فنون كتم الأنفاس وتجهيز ولائم التعذيب وإشباع لذة ونزوة الضرب والسادية والسيادة والسلطة، التي تغيب في جحورهم، فعرفوا كيف يستخدمون السجون في قمع الرأي والتنكيل بالمعارضين من أهل الفكر والرأي الحر.

 يستهل الكاتب عالم روايته على لسان الراوي، في حجرة الدرس، بدرس طبائع الاستبداد للكواكبي، ضمن برنامج التعليم الثانوي، الدرس الأهم على الإطلاق ، الذي أثار انتباه التلاميذ وتابعوه باهتمام زائد-نهاية السبعينات-بخلاف النصوص الأدبية الأخرى .إذ كان حقيقة مدخلا مواتيا ليشد بخناق القارئ إلى النهاية .  

تبدأ أحداث الرواية(الأم) من محطة الحافلات "ببن اجدية" ،لننتقل مع الراوي مستقلا سيارة أجرة ،ويشرع نافذة على الرواية(الجنين) من خلال استخدامه تقنية الرواية داخل الرواية أو الميتارواية، منكبا بين الركاب ،على قراءة الرواية المسودة قبل أن يسلمها لأخيه كي يحسم في أمرها. وهكذا في انحناءة واحدة، تفتح الذاكرة الرواية كصنبور للحكي الممتع، على حدث اعتقال الأستاذ" طالب" من القسم وهو يقدم درس طبائع الاستبداد للكواكبي، ويُستدرج في واضحة الثانوية، بمباركة الإدارة ،إلى المخفر .ومن ثمة تبدأ معاناة البطل في الزنزانة التي من الممكن في اعتقادي، ان تكون هي بطلة الرواية إلى أن يغادر  الطاكسي ويفتح حوارا مع جلاده الذي لم يكن الا سائق الطاكسي، كما أومأ لنا بذلك في معرض حديثه عن السائق الذي تدلى بطنه على حزامه في محطة بنجدية .

رواية وردت فيها عن طريق فيض من الاسترجاع، شخصيات وأحداث ووقائع تاريخية لا ترميز فيها ولا مجاز، ومعلومات موثقة قدمت بمهارة سردية فائقة، اذ تحفل بالتفاصيل والجزئيات الدقيقة التي لا مناص من سردها .جاءت في أكثر من 300 صفحة اعتمدت الأحاسيس الذاتية لتصوير واقع مرير عاشت فصوله فئات عريضة من متنوري هذا البلد ،حيث السجون والقمع والظلم.حيث يغيب شعار الوطن للجميع ويصبح الوطن علما يرفع في الصباح ويطوى بين أيدي حفنة من الاستعماريين الجدد مساء ، ليبدو جليا أن الاستعمار كان  ارحم من جلادي أبناء الوطن.«أيها الوطن هل أنت أكذوبة متفق عليها بين الفقراء من السكان...؟»( ص102 )

لابد بداية من الإشارة إلى ملاحظة تفرض نفسها بإلحاح في أجواء الرواية، ألا  وهي التقابل" المعادلاتي" في العنوان مع الرواية الملحمة شرق المتوسط للروائي عبد الرحمان منيف و "الآن هنا" بعدها.

عبد الرحمان منيف الذي أضحى بلا مراء، مدرسة روائية قائمة بذاتها ، حيث إن اهتمامه بقضايا ومشاكل المجتمع العربي وإثارتها وتعميق السؤال حولها جعلت من رواياته " منبعا أساسيا ترتوي منه مجموعة من الأقلام العربية"  فكما إن رواية شرق المتوسط تعتبر رواية شهادة فكذلك غرب المتوسط فهي رواية شهادة على عصر الظلم والطغيان واحتقار الإنسان لأخيه الإنسان في وقت أمسى فيه الإنسان قطيعا يساق للمشانق بالجملة في واضحة السياسة الرسمية ، وبمباركة وتواطؤ الإخوة الرفاق الأعداء. والجميل في الرواية( غرب المتوسط) أنها لم تعتمد تيمة الضرب والتنكيل والتعذيب بشتى أنواعه فقط ،أي التعذيب من اجل التعذيب ونقل الآم الشخصية الذاتية للبطل فحسب، بل الملفت للنظر والعلامة الفارقة وما يميزها عن شرق المتوسط بالخصوص، هو الدخول في حوار مع الجلادين سواء داخل السجن أو بعد الإنعتاق ،ليترك الباب مفتوحا حول تأويل وحدود مسؤولية كل طرف في كل ما حدث ويحدث.

صحيح  أن رجل التعليم ما فتئ يصنف كرمز للطبقة الواعية التي كانت ومازالت تؤمن بالمبادئ والشرف وحقوق الإنسان

فالبطل "طالب" ثم الحار وعمي صالح والأستاذ المنتحر كلها شخصيات تعض بالنواجذ على الثبات على المواقف رغم ما محاولات المخزن المخزية، التي استهدفت  التنقيص من رجل التعليم  وتبخيس مهنة التعليم في وقت من الأوقات، وحاولت تقزيم دوره الريادي في الساحة النضالية واختزاله في تصنيفات ونعوت خسيسة هدفها تحسيسه بالدونية، لكن كل هذا لم ينل من عزيمة طبقة المتنورين التي كان طالب رمزا لها.

تخللت الرواية شلالات السرد باللهجة العامية المغربية التي يمكن ان تكون لغة دارجة مخدومة مابين الفصحى والدارجة حيث إسناد الملفوظ إلى فاعله الاجتماعي

 وهي وسيلة لامناص منها عند الكاتب حينما يتحدث بألسنة الفلاحين و الأم وغيرهم من شخصيات المحطة وراكبي الطاكسي أو أثناء سرد نكتة أو الحديث عن موقف من  مواقف رجال الدرك

 إضافة إلى التقابل الساخر اللاذع والجميل في المعنى والمبنى  من مثل عبارات

"هل قدموا لكم طعاما؟" ص 133

"ما تحدث معي احد ولا سمح لي بالذهاب إلى المرحاض ، فبالأحرى أن يقدم لي الطعام"

-"أولاد الحرام لكم الحق في الطعام"

-"كنت أود أن أقول له لنا الحق في الحرية والطعام في بيوتنا "

 والتقابل في اللفظ واللعب اللغوي كذلك مثل:

"يا زمان الأنس بالأندلس وڤيينا"

"تفهم الغمزة لا بالدبزة"

" إلى الأمام حتى تضرب الحائط"

"فما أطال الخوف عمرا ولا قصر في الأعمار طول التردد"

"الجمل الذي يخرأ التفاح" و "الشر...عية"

"السلْ....طة"

وحينما يقودك السرد الى منتصف الرواية تستهويك لذة ما بعدها لذة في تتبع الأحداث، وما سيؤول اليه مصير البطل ،فتجد نفسك، موزعا بين رغبة ومتعة المتابعة و أن تطول الأحداث- لما تثيره في الرواية من نفس روائي يغري بالمزيد، والاستزادة- و بين الم البطل ومعاناته التي مع مرور الوقت  تتضاعف وتزداد قسوة وظلما . وهو بهذا ينتصر على الألم بسيف الحكي والتأمل - كما شهر زاد- عندما تحكي الأم عن  شميشة وغيرها .

«حاصر حصارك بالتذكر والتأمل والتفكر»ص102

في حالات التوتر النفسي القصوى للبطل  يلجا الكاتب ،عن وعي أو لاوعي، إلى تناوب الراوي على السرد، تاركا للبطل مساحة للتنفس، وملء رئة السارد البطل أو وقت التعذيب، وقد أوكل هذا الأمر ، غير ما مرة ،في عدة مواقع، للأخ الذي يتولى أمر السرد.  

هناك فجوات في تسلسل أحداث الرواية، بل فرص كثيرة أتاحها الراوي لبطلنا طالب  ليغوص بذاكرته في أمكنة وأزمنة وفترات جميلة مستقطعة من زمن ولى، كفضاء القسم ،فضاء الكلية، فضاء مدينته الأولى ، فضاء الأحاجي والمحكيات الساحرة التي ظلت معتقة في ذاكرة الوالدة وفضاء الزنزانة.

يتيح  لنا الكاتب من خلال تجواله في مدينة الوادي(إشارة إلى بلدة الكاتب وادي زم "زْميمِْ سيتي"- كما يلقبها أبناء البلدة). وهو داخل الفاركونيت مغمض العينين، كما الأعمى، شديد الحساسية، يشعر بكل أنمه وحركة ورائحة،  فيسرح بمخيلته في المدينة التي يهندسها تماما كما كان يذرعها طولا وعرضا في طفولته أو مغمض العينين وهو في الزنزانة . من هنا ،يتيح لنا الكاتب إمكانية الوقوف عند ما يسمى بتفضيئ الذات، حيث الفضاء ليس دائما بالضرورة مكانا أو أمكنة لها أبعاد ومواصفات مكانية جيومترية قابلة للقياس،بل الفضاء في الذات الإنسانية التي كما رأيناها في الرواية ،حيث والبطل مغمض العينين تغدو الفضاءات المفتوحة مغلقة( سواء في مدينة الوادي أو الراكثة ( قد تكون خريبكة باعتبارها مدينة عمالية وعاصمة الإقليم) في ذات السارد، لان ذات الإنسان وكيانه فضاء رحب قد يسع الدنيا، ويضيق حتى الاختناق، فنقول بدواخلي مثلا أو في أعماقي أو إحساسي الجواني ،متاهات النفس.... وهكذا تبدو لي ، وبدون مجازفة ، ان الزنزانة، كما أسلفت ، كانت فضاء بطلا في رواية غرب المتوسط،بل هي كلها الرواية .حيث حجزت، بل نحتت في القلب والذاكرة مكانا شاسعا، لا يمكن وان تعددت الأحداث والوقائع، نسيانه او تناسيه . يقول بوزفور في حوار مع جدير «إن أعمق تغيير يحدثه الأدب هو التغيير داخلنا ، في أعماقنا في نفوسنا في حواسنا وأذواقنا واهم تغيير يحدثه في هذه الأذواق والأحاسيس هو هذه السعة.السعة التي نحس بها بعد قراءتنا لنص أدبي ما .نحس أننا اتسعنا من الداخل.. النص الأدبي يجعلنا أكثر رحابة من الداخل[1]» هذا بالضبط ما أحسست به وأنا انهي قراءتي لرواية غرب المتوسط، كما أحسست قبلها بسعة الصدر والسعة الداخلية عند قراءتي لنصوص عالمية رائعة ذات عوالم ساحرة.

.لعل القارئ سيشعر لا محالة، بمدى الحيز الذي استأثرت به تيمة الاعتقال الأساسية وتقنية الاسترجاع والحفر عميقا في منابع الحكي والمخزون الداخلي ، وكذلك الفضاءات والأحداث التي اتسمت بقوة الحضور إن على مستوى السرد البراني المفتوح او السرد الجواني المنولوحي الداخلي ، وتوزعت بين مجالات مختلفة،كأحداث حصلت لشخصيات متعددة في السياق العام للرواية كالخال والسائق، وكثير من اللحظات القاسية المنفلتة من زمن قاسي. فأضحت بذلك ذاكرة أو سجلا حافلا بالكثير من المحكيات .

أما على مستوى آخر لابد من الإشارة إلى البيبليوغرافيا الثرة التي تزخر بها أحداث الرواية ،حيث ورد في الرواية أسماء وكتاب وروايات تعدت في عددها  الثمانين كاتبا ورواية، تدخل في اطار ما يسمى عن البعض بذاكرة الرواية.

إضافة الى التوثيق (خطاب الحسن الثاني الموثق  بحذافيره (صفة الإعلامي لعبد العزيز جدير) نلفيه أديبا مبدعا، افلح في كتاباته الروائية والنقدية وحواراته ومناظراته المغربية والمغاربية الشيقة مع ثلة من المبدعين المرموقين  إضافة إلى أعماله المتميزة في الترجمة

 


 

[1] في مهب الفراشة