SDC14925 SDC14924

نظم اتحاد كتاب المغرب فرع تمارة يوم الاثنين المنصرم لقاء ثقافيا حول الرواية الجديدة للكاتب الروائي المغربي محمد غرناط "تحت ضوء الليل" وقد قدم اللقاء الكاتب القاص محمد الدغمومي الذي رحب بالحضور، ونوه بمبادرة اتحاد كتاب المغرب فرع تمارة الذي انفتح على الإصدارات المغربية الجديدة للتعريف بها وإثارة الانتباه إليها ومن بينها رواية محمد غرناط الذي اغنى المكتبة المغربية بالعديد من الروايات والمجموعات القصصية والدراسات النقدية في المجال. وتسلم الكلمة الناقد الأدبي محمد معتصم لتقديم الكاتب وموضعته وتجربته في المسار الذي عرفته الرواية المغربية منذ ظهورها كفن جمالي وإبداعي مكتمل، كما تحدث الناقد الأدبي محمد معتصم عن الرواية الجديدة للكاتب وركز على البعد "القدري" الذي فرضه المكان على تحرك الشخصيات الرئيسة، وبين أن الرواية تستجيب لمفهوم "المتخيل الوضيع" الذي يشتغل عليه حاليا بقدريتها، وفجائعية أحداثها. ثم تناول الشاعر محمد أحمد حافظ الكلمة وقرأ ورقة نقدية أحاطت بالمحطات الثلاث التي قامت عليها الرواية وهي محطة الانتظار، ومحطة العودة، ثم محطة الخيبة والفشل. وهي البنيات التي تأسس عليها الخطاب الروائي. وقد ركز الشاعر محمد أحمد حافظ على المقارنة بين رواية محمد أحمد حافظ وبعض الروايات التي انتهت جميعها بالخيبة والفشل. وقبل إعطاء الكلمة للحضور من أجل مناقشة المتدخلين وما ورد في كلماتهم، قرأ المحتفى به محمد غرناط ورقة حول لغة الرواية وهي الاتية (ننشرها كاملة لتعميم الفائدة):

لغة الرواية

محمد غرناط

        موضوع اللغة طرحته على نفسي بشكل جدي حينما نشرت مجموعتي القصصية الأولى (سفر في أودية ملغومة) أواخر السبعينيات و أنا آنذاك أبحث لنفسي عن أداة أنقل بها أفكاري و مواقفي، و في الوقت نفسه أعرف أن ما ميز خليل جبران و طه حسين و عبد المجيد بنجلون و غيرهم من الرواد، و كذلك من المحدثين، إنما هو اللغة.. و حينما نشرت مجموعتي القصصية الثانية سجل عدد من النقاد و القراء ملاحظات هامة حول هذا الجانب، هذه الملاحظات جعلتني أزداد وعيا بمكانة اللغة و وظيفتها الجمالية و التعبيرية..

    صارت اللغة شاغلا من مشاغلي الأساسية. صارت هما دائما. و بدأت تتبلور لدى من خلال قراءاتي لكتاب و نقاد من مدارس مختلفة أفكار و رؤى حاولت أن أترجمها إلى واقع ملموس سواء في قصصي القصيرة أو رواياتي من متاع الأبكم، إلى دوائر الساحل، و حلم بين جبلين، إلى رواية "تحت ضوء الليل" موضوع هذا اللقاء.. أستطيع القول أنه تكونت لدي قناعة خالصة من خلال ممارستي الفعلية للكتابة أن اللغة في الرواية لا يمكن أن تكون أحادية تقريرية نمطية ، بل، و بحكم أن الرواية فن منفتح على الأنماط الأدبية و الأفكار و المواقف على اختلافها ، لا بد أن تكون لغة التعدد و التمثيل و الوعي، أي أن تكون لغة أدبية مبنية على تنوع الملفوظات و وجهات النظر و تنوع الأفكار، و ثانيا أن تجسد و تعرض الأفعال و الأقوال بصورة تبدو معها الرواية كأنها تمثيلية تجري أحداثها أمامنا فنرى الشخوص بألوانها وحركاتها المختلفة و نسمع أصواتها و هي تتحاور و تتبادل الحديث في ما بينها ، و ثالثا أن تجسد ثقافة الكاتب و وعيه بالأسس الحقة التي تقوم عليها اللغة بما يقتضيه السرد الروائي و بناء الرواية بكل مكوناتها الفنية..

       إن اللغة بهذه الخصائص تنفتح على قضايا الواقع الاجتماعي و مظاهر الحياة الإنسانية و السلوكات البشرية المتباينة، و بذلك تؤسس إلى جانب المكونات الأخرى إبداعا حقيقيا، حداثيا و متجددا، و لعل هذا ما دفع ميلان كونديرا إيمانا بوظيفة الكتابة و أثرها إلى الاعتقاد بأن مؤسس الأزمنة الحديثة ليس ديكارت وحده فحسب، بل سرفانتيس كذلك الذي تكون معه فن الرواية و أخذ بعده مسارات متعددة و معقدة قامت فيها اللغة الأدبية بأدوار أساسية. إن النصوص ربما تختفي أو تختفي بعض مظاهرها، لكن اللغة تبقى، فلغة بلزاك مستمرة بوضوحها و بلاغتها و انسجامها و لولا ذلك ما كان ميشال بوتور و هو من زعماء حركة الرواية الجديدة ليظل عاكفا على دراسة تراثه الروائي إلى اليوم. 

       هاجس اللغة يشغل بال الكاتب الذي يعمل على إبعاد الغنائية السطحية عن روايته ، وإبعاد الاطناب الذي لا يجدي و الذي ربما يتحول إلى لغو غير مرغوب فيه أو إسهاب يضر بجمالية النص كما يحدث في حوارات مطولة من دون مبرر أو مشاهد تعرض قضايا مباشرة أو تأملات ذاتية  لا تخدم السرد و موضوعه. في هذه الحالة تبتعد اللغة عن وظيفتها الفنية و تفقد خصائصها الأدبية الجوهرية  ، و بدل أن تكون بالصورة و العبارة الفنية المحكمة تتحول إلى آلة باردة ثابتة منمطة خالية من الابتكار و التعبير الذي يتلاءم و أجواء السرد والكتابة. ولاشك أن هذا هو ما جعل كتابا يحذفون أجزاء من أعمالهم بعد مراجعتها كما فعل فلوبير عندما حذف أزيد من نصف روايته المعروفة مدام بوفاري. و قد يكون هذا العامل وراء اللجوء إلى كتابة نصوص مكثفة بلغة فيها كثير من الاقتصاد و التركيز على نحو ما نجد في الفن القصصي و الحوارات المسرحية القصيرة، و لنا في هذا المجال أسماء كثيرة من المشرق و المغرب.

          ومما لا شك فيه أن مثل هذه اللغة تقود إلى إنجاز نص خال من الزوائد

و التعليقات و التفاسير التي تأتي نتيجة حضور أهواء الكاتب. أما إذا اختار أسلوبا سرديا تشخيصيا بعيدا عن الحكي المباشر و لغة  الخواطر و الرؤية المهيمنة التي لا تعتمد على سند فني لعرض الأحداث و الشخوص فإنه يعرف كيف يتعامل مع الواقع و الإنسان و التاريخ و هو يحول كل ذلك إلى مادة فنية تشكل الكلمة أداتها الرئيسية.

            إن الرواية المنفتحة حقا بلغتها و بلاغتها الأسلوبية و تنوع منظوراتها و فضاءاتها التخييلية هي الأقدار على استيعاب أسئلة الكتابة الروائية و  الإبداع الأدبي عموما وكذلك الأسئلة التي يطرحها الواقع المجتمعي الذي تشكل قضاياه ومشاكله  بكل تفاصيلها موضوعا أساسيا في الإبداع الروائي لأنه النوع الأدبي، كما يذهب الباحثون إلى ذلك، الأقدر على التعبير عنه . و من هنا يظهر أن اللغة ليست وسيلة للتعبير فحسب و إنما هي أيضا طريقة لبناء النص الروائي  ورص عناصره و مفاصله و أركانه. من هذا المنطلق حاولت على مدى سنوات أن أكتب نصوصا على نحو ما أرغب في أن تكون. و لا شك في أن هذه الرواية (تحت ضوء الليل ) قد تبين مدى ما تحقق من أفكاري و طموحي و ما أتطلع إليه في هذا المجال، و لهذا أترك الكلمة للحضور الكريم ، و للإخوة  الأساتذة محمد الدغمومي و محمد معتصم و أحمد حافظ الذين تفضلوا بتقديم هذا العمل متمنيا أن أجد في كلامكم جميعا و ملاحظاتكم وتعليقاتكم الصورة الحقيقية لهذا الطموح المتجدد و لما كنت أسعى شخصيا و ما أحب أن تسعى إليه الكتابة الأدبية على العموم.

محمدغرناط

ألقيت هذه الكلمة في اللقاء الذي نظمه فرع اتحاد كتاب المغرب تمارة* الصخيرات حول رواية " تحت ضوء الليل" يوم الاثنين 17يناير2011.