محمد معتصم

الناقد الأدبي

 

أحمد بركات النص المرهف والقلق

 

"على الطريق إلى المقبرة أن تطل بخطانا

وعلى الريح أن تطير بتراب القبر الخفيف"

أحمد بركات/ رثاء

 

1/ من مميزات الشعر المغربي المعاصر "الإقامة في السفر"، ذلك يعني أنه لم يستقر على حال واحدة، بل اختار الإقامة في التحولات، ولهذا، ونحن في أول التسعينيات نجد خريطة الشعر المغربي مختلفة الشكل ومتعددة المضامين، كل ذلك متزامن ومتجاور دون أن يشعر نوع كتابي بالحرج تجاه نوع كتابي آخر. فالقصيدة العمودية تقف بجوار قصيدة التفعيلة وهما معا تجاوران النصوص الشعرية الجديدة المسماة نثرية.

 

ما أثير على أعمدة الصحافة الوطنية أخيرا حول مهرجان فاس الشعري الأخير، وحول مقال لمحمد عزيز المصباحي تحدث فيه عن الشعر الجديد والشعراء الجد يعتبر أمرا إيجابيا ويعتبر تعبيرا صحيا، فالاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي في كل الثقافة حية ودينامية تنشد الأفضل ويصحح بعضها البعض الآخر ويدعمه ويؤازره، وكذلك كان الأمر في السبعينيات، وما تزال الصحافة تحفظ مثل هذه الخصومات التي ذهبت إلى حد التجريح في الأشخاص في بعض الأحيان، هذا الذي لم تصله المناوشات الأخيرة.

 

أمر آخر يعتبر صحيا، هو وجود أنماط كتابية مختلفة: القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة والقصيدة المطلقة من كل قيد، والتي نطلق عليها النص الشعري لشدة ارتباطها بالإيقاعات الداخلية النابعة من تفاعل المبدع الشاعر ومضامينه المنتقاة، ومن ارتباطه كذلك بتقنيات الكتابة؛ التجريب على النص، وفي هذا تضاهي الكتابة النثرية التي تسعى إلى قول شيء ما "خطاب" وبكيفية جديدة ومختلفة فيها الكثير من الاجتهاد ومن التضمين ومن التخييل.

 

من الأسماء والتجارب الممكن الوقوف عليها للتدليل على هذا الوضع، خاصة التجارب التي عاشت مرحلة الانتقال الموسومة "بالازدواجية". أي التجارب التي نهلت من معين تجربتين مهمتين في تاريخ الشعر المغربي المعاصر؛ التجربة السبعينية والتجربة الثمانينية، نعثر على أسماء من مثل: عبد الكريم الطبال ومحمد السرغيني، ومحمد بنيس ومحمد بنطلحة ومحمد الأشعري وإدريس الملياني... ومن المحدثين أحمد بركات، وغير هؤلاء كثير لا يسع المجال لذكرهم جميعا.

 

2/ إذا ما وقفنا عند تجربة الشاعر المرحوم أحمد بركات فإننا سنعثر لا محالة على خاصيات متعددة ولكن مشتركة بين هذه التجارب "المخضرمة فنيا"، لذلك سنقف عند مستويين من تجربته؛ مستوى مقومات المضامين، ومستوى مقومات "الكتابة".

 

1.2/ مقومات الكتابة:

نقصد بذلك العناصر الأساسية في خلق شكل تعبيري محدد يدل على صاحبه وعلى ملامح تجربة جيل يزامنه أو يتقاطع معه. أول المقومات الكتابية وأهمها في النصوص الشعرية لأحمد بركات "الحوار". وهو تقنية تخصب الخيال، وقد استعملها الشاعر العربي الأول لأغراض كثيرة، كالوقوف على الأطلال أو الغزل وكل ما يمكن أن يكون صالحا كمقدمة تؤجج المشاعر وتهيئ المتلقي والشاعر لدخول منطقة الشعر. والشخصية المستدعاة في الحوار إما أن تكون فعلية "معروفة" أو عبارة عن شخصية متخيلة يستدل على وجودها بالضمائر كما نجد في مطلع –على سبيل المثال الواضح الشائع- معلقة امرؤ القيس "قفا نبك..."، فألف الاثنين يستدعي شخصيتين لمشاركة الشاعر في خلق فضاء مأساوي يؤجج مكنون النفس: آثار الديار، ذكريات الصبا، غياب المحبوبة...

 

الحوار في نصوص شعر أحمد بركات لا يبتعد عن هذا الاستعمال. صحيح أنه لا يأتي للغزل أو لذكر الأطلال والبكاء على الدمن، لكنه يأتي لتوليد الدلالة الشاعرية من خلال الكتابة الواعية والمسائلة لكثير من قضايا العصر التي أرقت شاعرنا الراحل.

 

يستعمل الحوار في نصوص أحمد بركات الشعرية على مستويين: المستوى الأول يكون فيه الحوار مسرودا، وبذلك يأخذ صبغة التضمين أو أنه بنية جزئية مكونة لبنية كبرى هي النص الشعري، ويكون "صوت الشاعر"، الأنا المتكلم مسؤولا عن محتوى المقول الشعري، وهذا النوع من الحوار يعتبر مقوما نصيا لا يختلف عن المقومات الأخرى التي سنأتي على ذكرها.

 

أما المستوى الثاني فالحوار قيه يكون صريحا كما نطلق عليه "مباشرا"، وتكون أنا الشاعر غير مسؤولة هنا على محتوى المقول الشعري، بل الشخصية المتكلمة هي المسؤولة عن ذلك تماما كما في النص السردي أو الحوار المسرحي.  

 

هذا بشكل عام، لكن الحوار السائد في نصوص أحمد بركات الشعرية هو حوار الذات وإن اختلفت الضمائر بين ياء المتكلم وكاف الخطاب، لأن المخاطب والمخاطِب واحد بدليل مستوى المقول الشعري الذي لا تتغير نبرته ولا تختلف.

 

من المقومات التي يمكن الوقوف عندها أيضا "التعابير المتخللة" سواء التي تظهر بشكل تناصي صريح أو مضمن أو تلك التي تأتي كافتتاحيات للنصوص "عتبات".

 

من الناص الصريح ما يورده الشاعر من كتاب نيتشه "هكذا تكلم زارادوشت" في "فصل في الاستقام والجناح" من نص "حديث عن القائم بين القتل والسؤال"، أما التناص المضمن فشائع في النصوص الشعرية الطويلة وأغلبها يوظف السلوب القرآني.

 

بخصوص الفتتاحيات "العتبات" فإنها تسود النصوص الشعرية الطويلة، فنص "ميادة أيتها الأوقات" يفتتحه بنص ل "أنطونيو مانتشادو"، ويقدم لنص "لم يبق إلا أ تنهمر وها أنت فيضان العصور الأولى" من كتاب مواقف النفري، ويفتتح نص "مدونة في أركيولوجيا الجسد" بقولة لعبد الكبير الخطيبي جاء فيها "إن جدارة الإنسان هي أن يستحق موته بين الموتى"، وقدم لنص "حديث عن القائم بين القتل والسؤال" ببيت لأبي الطيب المتنبي يبرز فيه رغبة الشاعرين في الانبعاث وقوة مواجهة الخصم، يقول البيت الشعري:

"كم قد قتلت وكم قد مت عندكم /// ثم انتقضت فزال القبر والكفن"

 

أما نص "ديوان القلق" فقد قدم له الشاعر أحمد بركات بتنبيه بين فيه طبيعة النصوص المتضمنة في "الديوان" وأطلق عليها اسم "مقطوعات".

 

في النصوص الشعرية القصيرة فلا نعثر إلا على استهلال لنص "حدائق الملكة"، ثم إشارة يبين فيها معلمتين من الدار البيضاء، هما: البرج والصقالة في نص "برج سيدي علال القرواني".

 

من مقومات الكتابة الشعرية عند أحمد بركات كذلك:

بعد المسافة بين العناوين ومحتوى النصوص الشعرية، بحيث تصلح العناوين استهلالا أو يمكن اعتبارها نصوصا قصيرة ملحقة بالنص الشعري، وقل أن يأخذ الشاعر عنوان نصوصه من المحتوى في النصوص الطويلة، لكن النصوص القصيرة التي تشكل التجربة الجديدة "الثمانينية" فترتبط بالمحتوى، بل هي منبع النص مثل نص "الأرض" و"مجاز للأصفر"، ونص "هذا طبعي" و"برج سيدي علال القرواني".

 

تمتاز صور أحمد بركات الشعرية بالطول، ولذلك فهي صور شعرية مركبة، ولهذا يمكن اعتبارها مقوما من مقومات النص الشعري، واعتبارها تماما بقيمة النصوص الأخرى المتخللة.

 

آخر مقوم يبرز مظهر "الازدواج" في تجربة أحمد بركات ويعطيه صفة الشاعر المعاصر المخضرم، جمعه بين النص الشعري الدرامي / الطويل والنص الشعري المقطعي/ القصير. من النصوص القصيرة نسجل العناوين الآتية: "هذا طبعي"، و"قاعة الانتظار"، و"رثاء" و"فظيع هذا الذي يقع لي"، ثم "حقيقة"، وجميعها كتب خلال العام 1988م. أما النصوص الشعرية الأخرى ك"الأرض" و"مجاز للأصفر" و"أي حجر؟"، وإن كانت قصيرة فإنها لم تأخذ طابع النص الشعري المقطعي وبقي فيها كثير من تأثير المرحلة السابقة.

 

2.2/ مقومات المحتوى:

لم يكن الحس المرهف والنفس القلقة لأحمد بركات ليخفيا عن أصدقائه وقرائه، لأنه لا فرق بين المعيش والمقول عنده، وتلك طبيعة أناس قليلين يكون قدرهم الشعر غالبا، بل يكون الجمال وأيضا البحث عن/في عطب الإنسانية، ومحاولة علاجه ولو بدماء القلب، وقدرهم الانطفاء السريع.

 

إن الحضور المادي لهذه الزمرة من "الرحل" المقيمين في السفر، الرافضين لكل إقامة بائسة يكون أقل قيمة من الحضور الروحي، ولذلك فهم كالوميض.

 

أحمد بركات وميض في ليل مدلهم، أحمد بركات صوت نافذ، صوت غاضب. أحمد بركات اختار نهايته احتجاجا، موته متعدد الدلالات، متعدد القراءات، موته إدانة لعالم وجد انسجامه في اضطرابه واستكانت روحه (العالم) إلى ظل وهمي تتفيأه وتأكل من حجارته التي على كل حال حجارة بدون دماء حارقة كما أرادها أحمد بركات في نص "أي حجر؟".

 

اختار أحمد بركات نهايته ونصوصه دليل على ذلك، فهي نصوص شعرية لا تقوى على تغيير العالم كما نادى أبدا، ولا على الصراخ في النفق حتى يطرد العتمة، لكنها تقوى فقط على قتل صاحبها ببشاعة. إنها نصوص تقتل صاحبها بالاستنزاف؛ استنزاف الحس والدم والوعي.

 

تشهد نصوص أحمد بركات الشعرية على حسه المرهف المفرط، وهو حس ساد الحركات الشعرية الرومانسية منذ مدام دي ستايل ةشتوبريان وفيكتور هوجو وريلكه...مرورا بالمدرسة المهجرية؛ جبران خليل جبران ولويس عوض ... ورواد مدرسة أبوللو؛ زكي أبو شادي وأبو القاسم الشابي وإبراهيم ناجي ... وكذلك علي محمود طه ومطران خليل مطران ... أجيال وتجارب مختلفة لكن وحدها وأنهكها العشق الإنساني وفتنة الطبيعة وآلمها هم الوطن ومناشدة الأفضل.

 

هذه أبرز المقومات في شعر أحمد بركات، فبحثه المضني عن عطب الإنسانية (العيش الكريم) وعطب الوطن (الطموح الحضاري) وارتباطه بهموم الشعب والفئات المستضعفة أنهك حساسيته المرهفة، وما زاد من إفراط حسه صلابة الواقع الذي يتعامل معه. واقع يرفض التغيير ويتمسك بثوابته وثباته، لذلك كثر الحديث في شعره عن الموت، لكن الموت الذي أراده موتٌ من أجل الأفضل. فكيف جازى المحبوب محبه؟ وهل حقق له الميتة الفضلى؟ وكثر الحديث في نصوصه الشعرية، خاصة المطولة عن الثورة والغضب والشهادة والاستشهاد. إنه شاعر نذر نفسه للشعر، وأنهك جسده وقدمه سمادا لتربة الشعر المغربي، فهل سيكافئه الشعر المغربي بالإزهار والتضوع؟

 

3/ مرت تجربة أحمد بركات الشعرية –رغم قصرها- بثلاث مراحل تميزت كل مرحلة بملامح خصوصية، هي:

 

1.3/ المرحلة الأولى؛ القصائد الدرامية:

هي التي قلنا نها أن الشاعر كان فيها ينتسب أخلاقيا إلى جيل /قصيدة/ السبعينيات من القرن المنصرم،

 

يتبع