محمد معتصم

الناقد ادبي

 

الشعر المغربي في المهجر

 

 

1/ ارتبط في أذهاننا الشعر المهجري بالرابطة القلمية خصوصا، والتي أسسه جبران خليل جبران وبعض من رفاقه المهاجرين من لبنان ومصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إبان النهضة العربية وفي الوقت الذي كانت البلاد العربية ترزح تحت النير الاستعماري، والفقر والتخلف، لكن في المغرب لم تكن الظاهرة ذات قيمة، لآن المغاربة لم يتعودوا الهجرة إلا في السنوات الأخيرة. ولم تكن هجراتهم إلى البلاد الغربية تستدعي الإقامة. لأن المغربي كان دائما يعتز بوطنه، ويألف عاداته وتقاليده، والأهم أنه يجد فيه مستقره وطيب عيشه. وترسخت في ذهن المغربي فكرة العودة إلى الوطن والأهل.

 

في السنوات الأخيرة، العقود الثلاثة الماضية، تحولت فكرة العودة إلى فكرة الإقامة، وفكرة الاستقرار إلى فكرة الرحيل، وأصبح الفكر مشدودا إلى الهجرة بأكثر من حبل، وبأكثر من دافع وسبب. وتعددت كذلك الأهداف والغايات. كل ذلك نشهده على ارض الواقع، وفي السلوك العام.

 

لكن المهاجر المغربي الأديب لم يكن محايدا تماما في خطابه الأدبي، ولم يستجب للإغراءات المهيمنة على خطاب باقي المهاجرين، وقد تجلت مواقفه في مظاهر خطابية متعددة، سنحاول الفت الانتباه إليها في الشعر خصوصا، وهنا نتناول ثلاثية جمال خيري تحت عنوان "وكأني أحلتني حدود بلادي..." الصادر عام 2003م بالدار البيضاء المغرب.

 

2/ يتكون الديوان من ثلاثة دواوين شعرية، جمعها الشاعر في كتاب واحد وأصدرها في وقت واحد. ولهذا دلالاته وأسبابه كذلك. أول الأسباب صعوبة التعاطي للشعر ونشره في العقود الأخيرة. وهو جانب من أزمة كبرى يعانيها الكتاب الإبداعي والثقافي المغربيان اليوم. ولعل أزمة الشعر في العالم الهوة الفاصلة بين مفهوم الشعر بين الشاعر الذي يبدع ويفكر ضمن متغيرات الواقع والوعي ويؤثر هو نفسه في مسار التحول والتغيير، وبين المتلقي الذي لم يستطع بعد التخلص من النظرة التقليدية للشعر ووظائفه.

 

ويضم الكتاب ديوانا كتب في المغرب أي قبل الهجرة والرحيل، وديوانين كتبا هنالك حيث البعد والغربة والحنين... وهذه إشارة دالة على طريقة اشتغال وتشكيل القصيدة عند الشاعر في المهجر، وطبعا عند جمال خيري.

 

3/ تختلف قصائد الديوان من حيث طريقة الكتابة. فبعضها عبارة عن مقاطع شعرية متضامة ومتسلسلة، وأخرى مقاطع متفرقة. وهي كذلك قصائد طويلة ذات نفس درامي، وقصائد قصيرة ذات بعد مشهدي وأخرى ذات ملمح حكمي. وهذا الاستخلاص نابع من العلاقة بين الصيغة الخارجية للكتابة والمعنى الثاوي في القصيدة. فالشكل الخارجي "الإيقوني" له تأثيره على المعنى، وقد أبدع الشاعر المغربي كثيرا من الأشكال والصيغ الخارجية في فترة متقدمة عرفت فيها الكتابة بالبصرية وجمالية العين قبل الأذن "الإلقاء" الذي كان ملمحا بارزا في القصائد التقليدية والحماسية. وتعرف هذه الظاهرة بالقصيدة الكاليغرافية. التي أبدع فيها كيوم أبولينير، وكثيرون جاؤوا بعده من غربيين وعربا.

 

4/ لكن القصيدة الدرامية الطويلة النفس هي التي تجد صداها في نفس الشاعر جمال خيري. ولذلك طبعا دلالته. فالشاعر المهاجر الذي وجد نفسه مضطرا للرحيل عن وطنه يشعر بنوع من الضيم، لأن وطنه أولى بمجهوده وبطاقته. لذلك فدرجة الإحساس تجاه الوطن تكون عالية عند الشعراء في المهجر. ويتعامل الشاعر مع الوطن بكثير من الحدة والقسوة. ويحمله المسؤولية في هجرته ومغادرته لأهله وذكرياته أصدقائه ومراحل لعبه وصباه. ويتجلى ذلك العنف على مستويات مختلفة منها اللغة والموقف. ويكفي الإشارة إلى قصيدة "الشارع والنخلة". فكيف تعامل الشاعر مع الشارع ؟ وهو يختزل حالة من حالات الوطن. يتذكر أولا الشاعر الشارع في بداياته عندما كان مجرد مسرب ضيق تحف جوانبه أشجار القصب، ثم ينظر الشاعر إلى المتغيرات الطارئة والقسوة التي تكتنفه. ولعل ذلك مرتبط بذكرى ما في ذهن الشاعر، ذكرى قاسية. لم تندمل جراحها بعد. بقول الشاعر وهو يتذكر الشاعر في صباه:

 

"...أذكره:

 

             كان خطا شكلته الحوافر في جنبات الحقول.

             زينته صفوف القصب. رصفته الفصول

وكنا، صغارا، يحملنا الطهر، فنموجه، بألعابنا، وصيحاتنا...

وراء الفراش،

وكان قليلا...

 

             قليلا،

 

                 ما يطول.

 

قليلا، ما يتسع لأكثر من رجل حافية

قليلا، ما يتسع ليخفي الموت في نعومة رمله..." ص (52).

 

وينهي الشاعر ذكرياته عن الشارع كما يلي:

 

"أيها الشارع إني...أكرهك.

ثم إني أكره الموت الذي يسكنك.

ثم إني أكره أن أعبرك.

ثم إني أكرهك

وسأرغم الخطو أن يكرهك..." ص (54).

 

فماذا حدث حتى تتغير مشاعر الشاعر حول الشارع ؟ وأي موت يقصد ؟ طبعا من الصعب أن نسال شاعرا ما تريد أن تقول من خلال القصيدة، لأن الشعر شعور ولحظة تدفق تنكتب من تلقاء نفسها على الورق. ويمزج بين الذاتي والموضوعي، بين الحادثة الجمعية المشتركة وبين الحادثة الفردية الخاصة والشخصية. وعلى القارئ أن يجد لوحده معنى ما للقصيدة في الصدى الذي تخلفه في نفسه.

 

5/ في الشعر المهجري يتلفع الوطن بالحنين وبالغضب. في هذا النمط من الشعر يحضر الوطن أكثر من الأنماط الشعرية الأخرى. وتحضر الطفولة والأصدقاء والذكريات والحبيبة. وجمال خيري يجمع هذه العناصر في مقاطع موحدة، فيغدو الوطن استدعاء للحبيبة والحبيبة استدعاء للوطن، وكلاهما يستدعي الجروح الدفينة التي لما تندمل. يقول النص:

 

"             ...وتحت الأرض،

              يضيق العالم في صمت الغرباء،

              في لغوهم..أزيز،

وصمتي يحبل بالأمنيات

وحين أغني:

"حمامات بلادي

وأطيافها..."

يخرج صوتي جريحا

وصوت الحبيبة،

آه أحن إلى صوتها..." ص (64).

 

6/ تلتقي الحبيبة والوطن في الشعر المهجري، لأنهما سكن الروح الوطن يحتضن الذكريات والأهل والأصدقاء، ومع ذلك نشعر اتجاهه بإحساس متناقض، نحبه لأننا منه ولأنه شكل كينونتنا، ونقسوا عليه لأنه تخلى عنا. هكذا يرى الشاعر المهاجر الوطن. وهكذا يرى الحبيبة، الملاذ الذي تحتمي به الذات في عرائها وغزلتها الروحية. فحين يعزل الجسد يبحث لنفسه عن موطن/ وطن جديد يسكن إليه، ولن يكون سوى الحبيبة. يقول الشاعر:" آه أحن إلى صوتها". إن الحبيبة عزاء الروح المغتربة. لذلك كان الشعر المهجري شعرا رومانسيا، وصنفه النقاد والدارسون في هذه الخانة. ونعتوا شعراء المهجر والرومانسية العربية بالهروبيين. والمقصود طبعا الهروب نحو "الغاب". والغاب معادل موضوعي للوطن، وللحبيبة. في الغاب كان شعراء الرومانسية وشعراء المهجر العرب يجدون دواتهم الطليقة الحرة بعيدا عن الالتزامات القاتلة، وبعيدا عن الحالة المتدهورة للبلاد والعباد في فترة التخلف والانحطاط. وفي الغاب كان الشاعر يسعى نحو النقاء والصفاء اللذين افتقدهما في واقع الحياة.

 

7/ لذلك نجد الشاعر جمال خيري يهرب نحو الحبيبة والحديث عنها. ويهرب كذلك نحو الذاكرة يستحثها على التذكر واستحضار ما فات. أسماء الأصدقاء، ولعب الطفولة. ويتتبع أحزان الوطن العربي الكبير، ومآسيه. ويقتفي أثر معاناة العربي في المهجر، والمد العنصري، واعتداءات اليمين المتطرف الفرنسي، وسقوط المغاربة بعصي العنصرية والتطرف. إنها الأحزان التي تغذي روح الشعر، وتسعف الشاعر على البوح بإحساس دفين تجاه هذا الوطن الذي تخلى عنه ودفعه دفعا نحو الهجرة.

 

8/ لكي لا نظل بعيدين في متاهات التأويل لا بد من العودة إلى الواقع، اللغة الشعرية في الديوان. والملاحظ أن الشاعر جمال خيري له حساسية خاصة تجاه الشعر، ولغته. فالقارئ يتوهم أن القصائد موزونة ما دامت تعتمد على توقيع أواخر الكلمات. لكنها في الأصل تستجيب لإحساس الشاعر باللغة، وقدرته على الانفعال في نظم المقاطع.

 

وأهم ما أثار اهتمامي التصادي الصوتي، أو الجناس الصوتي في القصائد الشعرية. وأضل أن أنقل في هذا المقام الكلام الذي يدل على واقع الحال، دون تفسير، لأن الشعر لا يفسر بل يتردد صداه في الأعماق. يقول الشاعر في "الشاهدة":

 

" يا حرقة الرمل الذي رماك

داخت خيولك يا خل

                  شاخت خطاك [ تكرار حرف الخاء ]

 

وتذكر أنك جئت سلاما

وتذكر أن الغدر حباك

يا حرقة الرمل الذي رماك

 

يا حرقة الرمل الذي رماك

بزقاق الأمير..يا خل

                  ساحت دماك

ورأيت عيون القاتلين

تخسف أنوار مداك

يا حرقة الرمل الذي رماك

 

يا حرقة الرمل الذي رماك

ورمى شبابك...يا خل

                  رمى صباك

سقطت ظلال القاتلين

وسقط الغدر الذي حباك

يا حرقة الرمل الذي رماك

 

يا حرقة الرمل الذي رماك" ص.ص (85.84).

 

إشارة:

 

جمال خيري. وكأني أحلتني حدود بلادي...شعر. الدار البيضاء. مطابع لبيان. ط1. 2003م.