AOUAD_ALI

محمد معتصم

الناقد الأدبي

 

وظيفة الشخصية وتعدد المحكيات

في الرواية الثقافية.

 

مر العراق مهبط الحضارة، في العقود الثلاثة الأخيرة بتحولات كبرى قلبت كيانه ودخلت به في أنفاق ضيقة مظلمة، وقد تجلت تلك الهزات في الوعي وتمثلتِ الكتابةُ (في شتى أنواعها) آثار ونتائج كلِّ ذلك؛ لقد رصد الكُتَّابُ الحربَ وآثارها المدمرة، ورصدوا شتات العراقيين خاصة الكُتَّابَ منهم، ورصدوا كذلك أسباب الهجمة الشرسة على الحضارة والثقافة العراقيتين، ولم يهملوا التعريف بحضارات بلاد الرافدين المتعاقبة، والتعريف بتعدد أعراق شعبها، كما كتبوا عن حقيقة وخفايا الهجوم على بلد عريق ثقافته وحضارته من أول الحضارات التي أنتجت الكتابة ووطنت المعرفة، وغير ذلك.

في روايته "حليب المارينز" يرصد عواد علي كل تلك الأبعاد لكن دون الإخلال بالوظيفة الأساس للسرد وهي بناء محكيات متناغمة ومتضافرة يتمم بعضها البعض الآخر، لأن الرواية بناء معماري يتكون من مستويات أو من طبقات من المحكي. إن رواية "حليب المارينز" صورة عن السرد الذي يتنامى عبر ترادف المحكيات، وهي كذلك تعتمد على تعدد الشخصيات الروائية المتنوعة المختلفة لكن المتعاونة على أداء وظيفتها الأساس والمتمثلة في التناوب على الحكي، لأجل رسم أبعاد القصة الإطار. ورواية "حليب المارينز" نموذج للرواية "الثقافية" التي تعتمد على المقروء وتتوسل بالتضمين لإثراء المعرفة السردية، ولتشكيل فضاء روائي مثقف متنوع بدوره.

أول ما يثير انتباه القارئ في رواية "عواد علي" تعدد الشخصيات الروائية بين سُرَّادٍ فَاعِلِينَ في الحكاية الإطار، وبين شخصيات ثانوية حضورها تكميلي وغير فاعل، واختلاف أعراقها بين عربية من العراق ومن المغرب (رشيدة أمريان) ومن كندا (آنيا، روزا)، واهتمام السارد بسرد بعض المعلومات الخاصة التي تعدُّ بطائق تقنية للشخصية (الاسم العلم الكامل، والوظيفة في الحياة، لحظة التعارف بالسارد والشخصية المحورية سامر) فتوهم القارئ بأنها ليست متخيلة بل هي شخص حقيقي يعيش في الواقع، وكأن ما يقرأه القارئ ليس كتابا بل واقعا بمعنى الكلمة.

تبدو رواية "حليب المارينز" وكأنها نموذج لــ"رواية الشخصية"، لأن الاهتمام بها يفوق الاهتمام بالحدثِ موضوعِ القصة (مادة الحكي): آثار الهجمة الأمريكية الشرسة على العراق وتشرد مثقفيه في جهات العالم، وتعرض موروثه الحضاري والثقافي للنهب والتخريب.

********

ترصد رواية "حليب المارينز" قصة أسرة عراقية تتكون من سامر الأب الروائي وعشتار الزوجة الشاعرة والطفلين سميرميس وسومر، هاجرت إلى كندا مرغمة بعد الذي حل بالعراق، ترصد الرواية الأسرة في علاقاتها بشخصيات روائية عربية مهاجرة/ لاجئة وأخرى كندية أو كندية مقيمة من أصول أخرى. لكن اختطاف ساهر الأخ الأصغر لسامر بالعراق، وطلب المختطفين فدية، سيضطر الشخصية المحورية العودة إلى العراق للقاء حتفها هناك أيام الانفلات الأمني والأخلاقي.

هذه هي القصة المحورية (الحكاية الإطار)، لكن الرواية قبل كل شيء هي خطاب وبناء. خطاب يحتمل كل أشكال الخطاب الإبداعي التخيلي أو غيره من الخطابات التقريرية الخالية أو شبه الخالية من أي تخييل، ترى مارت روبير بأن الرواية "تحتاز كل أشكال التعبير، وتستغل لصالحها كل طرائقها دون حاجة إلى تعليل استعمالها" ص (14) وتضيف:" الرواية متحررة" ص (14) من كل قيد، أي أنها قادرة على اتخاذ أشكال خطابية متنوعة ومختلفة، إن "الرواية بلا قواعد أو كوابح، فهي نوع منفتح على كل الاحتمالات، وبمعنى ما؛ غير محدودة من أية جهة" ص (15-16)، وهي بناء أو بنية؛ بناء يقوم على التنامي والتسلسل أو على التجاور أو التداخل وغيرهم، وبنية ينهصر في بوتقتها كل ذلك المختلف والمتنوع من الخطابات ليشكل في النهاية "الرواية" قصة وخطابا.

رواية عواد علي رواية بهذا المعنى، رواية ثقافية تجمع عددا من الخطابات، كالرسالة، والتقرير الصحافي الذي يقوم بتصوير طوبوغرافي للمكان، ويقدم معلومات إضافية وخارج سردية عن ثقافة الهنود، ويقدم تقارير عن السياسة الأمريكية في العراق... يتمثل التنوع في تعدد السُّرَّادِ واختلاف وجهات نظرهم لتشكيل تنوع خلاق من المحكيات، مثال محكي رحلة البحث عن العشبة السحرية في "هاليفاكس" للتخلص من ضمور كلية "سامر"، حيث يجد القارئ نفسه أمام أربع محكيات مختلفة حول شيء واحد، وهي: محكي سامر لعشتار، وهو محكي يراعي مشاعر وعواطف الزوجة ويحاول تفنيد هواجسها ومخاوفها، فيسرد بانتقاء محتوى القول، ومحكي عشتار لنفسها كمونولوج وهو عبارة عن مجموعة من الهواجس والمخاوف من وقوع علاقة بين زوجها "سامر" وصديقتهما التي رافقته في الرحلة "آنيا"، والفرق كبير بين المحكيين، الأول يقوم على الحجاج لأن غايته الإقناع، والثاني يقوم على التدفق والاسترسال لأنه من الداخل إلى الداخل، أي أنه محكي باطني لا يتجاوز حدود فكر ونفس الشخصية الروائية. ومحكي آنيا لروزا، وهو محكي مضمر غير مصرح به في الحكاية، ثم محكي روزا في نهاية الخطاب الروائي، وهو محكي تقريري وتصريحي يروم الإفصاح عن المحكي المضمر لإضافة معلومات مهمة حول ما جرى بين سامر وآنيا أثناء رحلتهما إلى "هاليفاكس"، ولتأكيد ميل آنيا إلى سامر لاختلافه عن شاهين الشاذ الذي سيكون وراء قتلها.

لكن كيف نستدل على أن رواية "حليب المارينز" رواية ثقافية؟ وهل يكفي تعدد وتنوع الخطابات لكي نصنف رواية عواد علي في هذه الخانة؟ ...