لعدد 584
تاريخ الإصدار
12 من 14 20 يونيو 2011

 

 

 

«ظاهرة المحلية في السرد المغربي»

 

أسامة الزكاري

 

تعزز مجال حقل دراسات ذاكرة السرد المغربي، في شقه المرتبط بالكتابات القصصية والروائية بصدور دراسة أكاديمية رفيعة المستوى للدكتور مصطفى يعلى، وذلك خلال السنة الجارية (2011)، تحت عنوان «ظاهرة المحلية في السرد المغربي»، في ما مجموعه 347 صفحة من الحجم الكبير. والكتاب – في الأصل – أطروحة جامعية، قدمها صاحبها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة فاس، لنيل شهادة دبلوم الدراسات العليا سنة 1984، وهي الأطروحة التي شكلت أرضية لكل ما استطاع مصطفى يعلى تحقيقه – لاحقا – من إنجازات علمية محترمة، جعلته يتحول إلى أبرز باحث مغربي معاصر، متخصص في التوثيق لذاكرة السرد المغربي خلال العقود الطويلة للقرن الماضي ومطلع القرن الحالي، ليس فقط على المستوى الكمي المرتبط بسوق النشر، ولكن - أساسا – على مستوى تجميع القيم الجمالية والإبداعية والإنسانية التي أضحت تميز المنجز السردي المغربي وإبدالاته المميزة وأنساقه الخاصة مقارنة مع ما تم إنجازه بالمشرق العربي، عبر التعبيرات السردية المختلفة، رواية، وقصة، وقصة قصيرة، ونقدا مواكبا. وقد عكس نتائج كل ذلك في سلسلة من إصداراته التصنيفية المتواترة، وعلى رأسها كتاب «امتداد الحكاية الشعبية» (1999) وكتاب « القصص الشعبي بالمغرب دراسة مورفولوجية» (2002)، وكتاب «السرد المغربي 1930 / 1980بيبليوغرافية متخصصة» (2002)، وكتاب «القصص الشعبي : قضايا وإشكالات« (2007)، وكتاب «السرد ذاكرة» (2009). وقد عزز هذا الجهد التجميعي والتصنيفي والتوثيقي والتركيبي بإصدار سلسلة من المجاميع القصصية الإبداعية، بشكل ساهم في تخصيب تجربته في الكتابة بنفحات أكاديمية خالصة وبعمق إبداعي وجمالي متميز. على رأس هذه المجاميع، يمكن أن نذكر مجموعة «أنياب طويلة في وجه المدينة» (1976)، ومجموع «دائرة الكسوف» (1980)، ومجموعة «لحظة الصفر» (1996)، ومجموعة «شرخ العنكبوت» (2006).

ورغم أن نشر أطروحة «ظاهرة المحلية في السرد المغربي»، قد تأخر لأكثر من عشرين سنة، فإن مضامينها لازالت تحظى بقيمتها العلمية الأكيدة، الأمر الذي أعطاها صفة ارتكازية للتأصيل لمنطلقات الاشتغال على ذاكرة «القول السردي» الوطني المعاصر، تأليفا ونشرا ونقدا، ومدخلا لتنظيم الاشتغال على تلاوين التاريخ الثقافي الوطني وإبدالات العطاء الذهني للنخب، في امتداداته الوطنية وفي عمقه المحلي والجهوي، سواء بالنسبة للذوات الفردية أو للأنساق الذهنية الجماعية التي يفرزها المجتمع في سياق تطوراته وتحولاته التاريخية الكبرى. لذلك فإن تعميم نشر هذا العمل يشكل إضافة هامة لحقل تلقي المعرفة الأكاديمية وتيسير تداولها بين الباحثين والمهتمين. ولقد حدد المؤلف السقف العام الذي وجه عمله، في كلمته التقديمية التي جاء فيها: «لقد كان الإنتاج السردي الذي أبدعه الكتاب المغاربة باللغة العربية، من بين ما تعودنا رصده قراءة ومتابعة منذ الدراسة الثانوية في بداية الستينات من القرن الماضي. وطالما شعرنا أن هنالك بهاء خفيا ذا جاذبية شيقة يحفزنا إلى قراءة نصوص عبد المجيد بن جلون وعبد الكريم غلاب وأحمد بناني وعبد الرحمن الفاسي ومحمد الخضر الريسوني وأحمد عبد السلام البقالي وغيرهم، علما بأننا كنا ندرك أن هذه الأعمال كانت قاصرة جماليا مقارنة مع ما نقرأه من سرود أجنبية وعربية... ثم بدأت شفرة تلك الجاذبية السرية الساحرة تتكشف لنا شيئا فشيئا، وفطنا في النهاية إلى أن ذلك السر لم يكن سوى هذا الحرص من أولئك الكتاب المغاربة، النابع من الحب والإشفاق، على تصوير الفضاءات المحلية بنكهتها المحببة وخصوصياتها الأصلية وشخصياتها النمطية الطريفة، مما يكون واقعا حميميا مألوفا لدينا لأننا كنا جزء منه نلبسه ويلبسنا، نعيشه بكل مشمولاته داخل المجتمع المغربي، وقلما نجد له صدى في المبدعات الأدبية والفنية المختلفة. ومن ثم وعينا أن الأمر يتعلق بظاهرة معينة يشترك فيها لأسباب محددة معظم القصاصين المغاربة خلال الفترة المدروسة في هذا البحث، لم تكن إلا ظاهرة المحلية فيما كانوا يجترحونه من سرد سواء كان قصة قصيرة أم رواية... في هذا السياق، يطرح النموذج الذي سنقوم هنا بمقاربته، والمتمثل في تجربة الجيل الماضي، جيل الاستعمار الذي نقف اليوم مع اختلاف نوعي في شبه موقفه بالأمس تجاه الآخر العدواني المتعالي والمتسلح بالعلم والمنجزات التكنولوجية المعجزة، مع فارق كوننا نملك اليوم من المتغيرات السياسية والفكرية والاقتصادية ومن التقنيات الجمالية والآليات الإجرائية، ما يمكننا من المواجهة بصورة أكثر دقة ووعيا وثقة بالذات ... نقول، يطرح هذا النموذج بغض النظر عن نجاحه أو إخفاقه، واحدة من إجابات الخصوصية المحلية/القومية، بمقولته الضمنية : إن البداية يجب أن تنطلق من هنا .. من الأدب والفن والثقافة ومجمل الممارسات الحضارية، حتى لا يضيع منا أهم شيء: الإنسان» (ص ص. 7 – 10).

تتوزع مضامين كتاب «ظاهرة المحلية في السرد المغربي» بين قسمين متكاملين وخاتمة تركيبية حاولت اختزال أهم نتائج البحث وخلاصاته الكبرى التي جمعت بين الشقين النظري والتطبيقي. ففي القسم الأول والمعنون بـ «ظاهرة المحلية»، اهتم المؤلف بتحديد مفهوم المحلية، وبرصد تجليات عطائها الإبداعي، وبحدود نزعتها الفردية في قراءة المحيط الحميمي للذوات ثم بآفاق دعوتها لنشر جزئيات القيم «المجهرية» المرتبطة بفضاء جغرافي محدد من أجل اختراق آفاق العالمية. وفي القسم الثاني المعنون بـ«محلية السرد المغربي»، سعى المؤلف إلى خلق نوع من التزاوج بين الإطار النظري موضوع القسم الأول، وبين نصوص إبداعية خلفها جيل الرواد في مدن مغربية عريقة لها إرثها الحضاري المميز وهويتها الثقافية الخاصة، ويتعلق الأمر بكل من فاس وأصيلا وسلا وتطوان. وفي واحدة من هذه «التجارب المكانية»، ظل المؤلف حريصا على تتبع حضور المدينة في مخيال الأديب، وحدود التأثيرات المتبادلة بين الذات الكاتبة وبين الواقع الحي والمتحرك، وأشكال التمثلات الإبداعية التي يحملها النص السردي عن الواقع / أو الماضي التاريخي والسوسيولوجي والأنتروبولوجي واللساني. وللاقتراب من حدود السقف العام لطريقة تجميع المؤلف لمواد تحليله وإعادة تركيبها في شكل خلاصات مركزية في بحثه، يمكن أن نستشهد بما ورد في الفصل المعنون بـ«أصيلة مرتعا لشطارة الطفولة المستعادة»، حيث يقول في سياق استحضاره لتجربة الكتابة لدى المبدع المرحوم أحمد عبد السلام البقالي في علاقة هذه التجربة بفضاء مدينة أصيلا وطرق توظيف غنى هذا الفضاء في سياق أنساق النصوص الروائية والقصصية: «تزخر مدينة أصيلة بكثير من المظاهر المحلية الغنية بأصالتها، فكانت اسما على مسمى. وقد أغرت بذلك كلا من الكاتب المغربي عبد العزيز بن عبد الله باستيحاء تاريخها في قصته (غادة أصيلا)، والكاتب المصري جميل عطية إبراهيم باتخاذ بيئتها التقليدية فضاء خاصا في روايته الحاملة لعنوان (أصيلا).

وقد شاء حظ هذه المدينة العريقة أن ينشأ بها في الفترة المدروسة، قصاص مغربي هو أحمد عبد السلام البقالي. فكان أن غطى مرحلة مهمة من حياتها الاعتيادية والاستثنائية التي عرفتها خلال النصف الأول من القرن العشرين. وهي مرحلة تكون ذكريات الكاتب عن طفولته، وذكريات أصيلة عن أهوالها وبطولاتها.
ومما يفيد بحثنا، كون البقالي انصرف منذ مطلع حياته الأدبية مع بداية الخمسينات، إلى غمس ريشته في بيئته الاجتماعية المنغلقة التي تكون عالم المدينة المحدودة جدا، ليرسم في قصصه لوحات سردية ممتعة الألوان والنبض والنكهة، ذات غرابة وتفرد مثيرين، الأمر الذي أسبغ على معظم أعماله السردية طابعا محليا متميزا، بسبب تأصل النزعة المحلية داخل أعماقه. هذه النزعة التي يبدو أنها كانت تتغذى على حنينه الدائم لمدينته الصغيرة، بعد أن هجرها مبكرا للدراسة في مدينة تطوان والقاهرة ونيويورك، ثم للعمل الرسمي خارج المغرب وداخله.

ومن الملاحظ، أن أصيلة أو المدينة الصغيرة – كما نعتها الكاتب في الكثير من نصوصه السردية – هي محور أغلب إنتاجه السردي. وحتى نصوصه التي تدور أحداثها خارج هذه المدينة يكون منطلقها منها ومرجعها إليها غالبا. وهكذا تتحدد استراتيجية الكاتب في تسجيل أكبر قدر من المظاهر المحلية، المسنودة بمرجعياتها الواقعية والتاريخية، وخاصة ما ارتبط منها بالعلائق الاجتماعية، والعادات والتقاليد، والطقوس الاحتفالية، والذهنية الخرافية السائدة، ومكانة الفقيه العالم في المجتمع، والطرق التربوية القاسية الخ.. مع محاولته تحيينه لقاموس العامية المحلية. ولعل تخصص البقالي في علم الاجتماع ... قد ساعده على استيعاب الظواهر الاجتماعية التقليدية بمدينته الصغيرة، وإعادة تقييمها على ضوء ما وعاه من معايير ومفاهيم من أجل خدمة مقاصده، دون أن ننسى أن عالم الطفولة يبقى هو الموضوع الغالب على نصوصه، فعن طريق النحت في حفريات هذا العالم تشيدت نصوص البقالي المحلية...» (ص ص. 240 – 241).

وعموما، يمكن القول إن الدكتور مصطفى يعلى قد استطاع إعادة تقييم تجارب رواد القصة بالمغرب، وفق رؤى تعيد ربط تيمات الإبداع بفضائها المحلي لتستلهم منه عناصر القوة والخصب التي يحفل بها المجتمع المغربي، ولتحول هذه العناصر إلى ملهم لفعل التخييل باعتباره أساس الكتابات الإبداعية المتعددة المشارب والمنطلقات. وعلى مستوى آخر، يبدو أن مثل هذا التوجه النقدي الذي يعيد ربط التجربة الإبداعية الذاتية بجزئيات فضائها المنسي، يشكل العنصر الأساسي في التوثيق لما لا يمكن التوثيق له في إطار الكتابات التاريخية التخصصية الحصرية، وذلك في إطار الممكنات الواسعة التي أضحت توفرها أدوات التاريخ الثقافي أو تاريخ الذهنيات لمغرب القرن الماضي وبداية القرن الحالي. وبخصوص تجربة الكتابة السردية لدى المبدع المرحوم أحمد عبد السلام البقالي التي أفرد لها مصطفى يعلى الكثير من الوقت ومن التنقيب، فالمؤكد أن المؤلف قد استطاع تقديم مقاربات نقدية مجددة، تسمح بتوسيع دوائر قراءة متون المرحوم البقالي وربطها بسياقاتها المحلية، مع تطوير المقاربات النقدية الكفيلة بتفكيك خطاباتها وقيمها الجمالية والتاريخية والإنسانية العميقة. لذلك، أمكن القول إن مصطفى يعلى قد نجح في «إعادة الروح» لنصوص البقالي، من خلال حسن توظيف أدواته النقدية الأكاديمية العميقة والمجددة، مما جعله يصبح أحد أبرز «المرافقين العارفين» بخبايا المتون السردية التي راكمها المرحوم البقالي على امتداد فترات زمنية طويلة. وفي ذلك إسهام كبير في التأصيل لمنطلقات تنظيم جهود «التوثيق النقدي» لتجارب الذوات المبدعة في علاقتها بتحولات واقعها ومحيطها، وفي حدود تمثلها لغزارة خصوبة هذا الواقع ولجزئيات تراثه الرمزي المندثر مع تغيرات الأزمنة والعقود.