محمد معتصم

الكتابةُ فِي النَّصِ السَّيْرِ ذَاتِيِّ

 

1/ في كتابة الذات:

ما يميز السيرة الذاتية؛ الصعوبة. إنها كتابةٌ اختارت أن تقول الحقيقة العينية والواقعية، واختارت الصدق، واختارت من الأساليب الأكثر شيوعا وتداولا بين مختلف فئات المجتمع، أي أنها اختارت السرد والوصف، وأيضا اختارت الكتابة بضمير المتكلم، الضمير الأكثر خصوصية وحميمية في آن. 

لم تكن هذه الصعوبة حاضرة في بدايات ظهور وانتشار الكتابة "السيرة الذاتية"، لأن المجتمعات الغربية والعربية كانت في حاجة إلى "نماذج" من الحياة تكون قدوة تحتذى يتعلم منها الناشئة كيف يكونون "مواطنين صالحين"، لهذا تعددت تسمياتها بين النقاد في العربية وفي غيرها من اللغات، قديما وحديثا، فسميت "الأيام" ولعل طه حسين أخذ التسمية من التراث العربي القديم الذي دون تاريخ العرب تحت مسمى "أيام العرب" في الحرب أكثر منها في السلم، و"التراجم"؛ "تراجم الأعلام" و"الترجمة الذاتية"، التي تصنف الأعلام وتدون أهم منجزاتهم العلمية والفكرية والأدبية، ومنها كذلك "الطبقات" كما هو معروف عند ابن سلام الجمحي في تصنيفه لطبقات فحول الشعراء، لكن هذه الكتابات تندرج ضمن خطاب السيرة الغيرية، لأنها كتابات لا تروى بضمير المتكلم ولا تشتمل إلا جزئيا على الحياة الخاصة والشخصية للشخصية المحورية ويتم التركيز فقط على الجوانب البارزة من وجهة نظر المؤلف أو المؤسسة التربوية والثقافية أو السياسية لتحقيق الغاية القصوى منها؛ تربية وتكوين نماذج محددة من "التمثلات الذهنية" المحددة "للهوية الثقافية والوطنية"، ونجد كذلك "فن السيرة" عندما يركز الناقد والدارس على البعد الفني والجمالي للسيرة الذاتية، ويرتقي بها إلى مستوى الإبداع الأدبي ويبتعد عنها قليلا من التدوين التاريخي أو تأريخ الذات االفردية والتجربة أو التجارب الشخصية.

ومن المسميات المتداولة والحديثة التي تدل على صعوبة كتابة السيرة الذاتية، وبأنها كتابة "إشكالية" ابتداع مصطلح "التخييل الذاتي" الذي يجمع بين الكتابة الذاتية الجميمة والتجربة الشخصية والتخييل والإبداع، لتكسير صرامة الواقعية وموضوعية الأحداث وتسلسلها المنطقي الذي يحتم على كاتب السيرة الذاتية الخضوع لمنطق التتابع والتقدم الخطي نحو النهاية، سواء نهاية مرحلة من مراحل العمر، أو نهاية تجربة من التجارب، أو نهاية مراحل متعددة متعاقبة من عمر الكاتب، ونجد أيضا الميل حاليا نحو "الكتابة الذاتية" أو "كتابة الذات" وهما مصطلحان شاملان لكل أشكال الكتابة التي تقوم على الذات الكاتبة سواء أكانت كتابة ذاتية تأريخية وتعليمية توجيهية أو كانت كتابة تقوم على التخيل والإبداع، تجمع بين الأحداث الواقعية وإضافات الخيال الخلاق لتحقيق البعد الجمالي والإبداعي للخطاب السير ذاتي.

2/ نصٌّ "سير ذاتي":  

العربي بنجلون المحتفى به اليوم وضع بدوره لبنة أخرى للإشكال الذي يطرحه الخطاب السير ذاتي، بوضعه التوصيف/ التحديد الأجناسي الآتي لكتابه "سفر في أنهار الذاكرة": (سير ذاتي). إنه عتبة غير قابلة للتجاوز السهل ودخول العمل، بل هي تحديد يوجب التفكير فيه وإجراء تأويلات عليه ممكنة، منها:

-         لماذا (سير ذاتي) بالمذكر وليس بالمؤنث (سيرة ذاتية)؟

-         هل يعني ذلك أن هنالك حذفا سابقا على التحديد الأجناسي مثلا: "نصٌّ" أو "كتاب"؟

-         هل يقصد، والقصدية جد مهمة في أية كتابة لأنها تحدد زاوية النظر وموقع المتكلم في النص وتحدد بالتالي "نوع النص"، فقط ربط العنوان بالجنس، ليصبح "سفرٌ سيرُ ذاتيٍّ" في أنهار الذاكرة؟

الأهم أن كل هذه التأويلات مفيدة في تعدد قراءة كتاب العربي بنجلون، وهي بالتالي زوايا ممكنة للكشف عن "قصدية" الكاتب "ونوع النص"، وعن "الصيغة" و"الأسلوب" اللذين كتب بهما الكاتب سيرته الاتية، يضاف إلى هذا الإشكال في العتبة الأجناسية، إشكال ثانٍ يتمثل في حجم الكتاب، فهو يخترق كثرا من "الثوابت" الذهنية و"التصورات" المتمثلة في وعي القارئ والكاتب معا، أي أن النص السير ذاتي ينبغي أن يكون، كما سلفت الإشارة، خطابا توجيهيا، درجة الإبداع فيه "صفر" مثله مثل النص التاريخي كما يرى "ج.م.آدم"، لأنهما معا يقدمان معرفة حقيقية وواقعية وتعليمية، والعربي بنجلون، يخترق هذه القاعدة ليقدم إلى جانب الخطاب السير ذاتي (الذات في الطفولة والصبا والشباب) الخطاب الغيري (الوطنية: الأم والجد والأب) الخطاب المعرفي (الكتابة: الأصدقاء والأعداء في آن).

لم يقف حجم الكتاب أمام انفتاح النص وتشعب أبعاده، التي ترصد ثلاثة مستويات متجاورة في صيغة سردية واحدة مهيمنة وهي صيغة السارد الخارجي، أي سارد خارج الذات المكتوبة في النص، وقليلا ما يضمنها صيغة الحوار لتكسير ضمير الغائب بحضور ضمير المخاطب (ة)، الأم غالبا.

حجم الكتاب لم يقف أيضا حائلا بين تجاور خطابين مختلفين للكتابة "السير ذاتية"، وهما:

-         متن السيرة الذاتية الممتد على مساحة ست ضفاف.

-         ونهج سيرة علمية وثقافية (C.V) تحت عنوان "الكاتب في سطور".

Sans titre