محمد معتصم

 

بين القصة والنوفيلا الإيطالية:

المحكي الذاتي والسخرية المرحة.

 

في لغة سلسة، تقع بين لغة القصة القصيرة وسرد الذكريات في محكي ذاتي، وبينهما ولغة رصد المشاهد الخارجية للمدينة (المكان) والوقائع الفريدة المضحكة المبكية، كتب يوسف شبعة الحضري، كتابه "صدى الذكريات؛ نشيد الفقد".

 

اعتمادا على عتبة العنوان، يمكن تقسيم النصوص بحسب وعي صاحبها إلى محكي ذاتي، يتصل بتجربة اليتم التي عاشها الكاتب، وأحس بها في مشاهد ومواقف مختلفة من حياته، بعضها أمال الناس إليه من موقع الشفقة والاعتناء باليتيم كما توصي بذلك الشريعة، وكما ترسخ في ذهن الناس، خاصة وعي الناس وسلوكهم قبل استشراء الجشع وتبدل الأحوال والعباد أمام الهجمة الشرسة لراس المال، وما عرف باقتصاد السوق، وبيع كل شيء وشراؤه، وبعضها الآخر، جعل الذات الكاتبة تشعر بالاختلاف، في مواقف ومناسبات عدة، كالاحتفالات ومناسبة النجاح في الدراسة وفي الحياة، حيث تتحلق حول المناسبة العائلية كل الوجوه ويغيب وجه الأب، الأب كحمولة ثقافية وأخلاقية وسند وعصب. في المحكي الذاتي ها هنا لا تستسلم الذات لبؤرة التأسي والتفجع، ولا تنقاد نحو السرد الحميم الملتاع المتدفق كنهر جارف، يعبر عن عدم استقرار الكيان، والانطواء والعزلة، كما هي الحال في كثير من الكتابات السير ذاتية، بل نجد الذات تتغلب على هذه المنزلقات باعتماد خطاب السخرية والتهكم، وبالوقوف عند المتع الصغيرة التي، ربما، عشناها جميعا، في الأحياء الضيقة والدروب الشاسعة، أعني أن أغلب ما تحدث عنه يوسف شبعة الحضري، في كتابه، جربته، أو أغلبه، شيطنة ومغامرات محسوبة، وبعضها مخاطرة كانت الذات الغضة فيها تتشكل وتبني وعيها وتختبر قدراتها وترص لبنات تجربتها التي ستصبح لاحقا التاريخ الشخصي للذات الكاتبة، وكذلك ستسهم في تشكيل الأسطورة الشخصية التي ستصنع الكائن والكاتب وتمنحه الصفات المميزة والخاصة.

 

وعتبة العنوان، التي أسست للمحكي الذاتي، وارتبطت بنشيد الفقد، لا يمكنها أن تكتمل إلى بالمحكي الثاني، المستخلص من "صدى الذكريات"، وهو محكي مشهدي خارجي، متعلق بالفضاء (الزمان والمكان) في مدينة طنجة، المدينة الدولية التي من سماتها التنوع والاختلاط، لكنها في الوقت ذاته، مدينة محافظة، متمسكة بأصولها، وتبدو طنجة في كتاب يوسف شبعة الحضري، مدينة صوفية غارقة في العبادات والأذكار والتقوى، وهي كذلك مدينة المشردين والمهمشين والمجرمين العتاة، الذين جار عليهم الزمان، بعضهم ينحدر من أسر عريقة من الأشراف والأعيان، وبعضهم الآخر ممن نزحوا إلى طنجة بحثا عن فرص للحياة والعمل، هربا من شظف العيش والجفاف والقحط والمجاعة، لتحتضنهم أحياء الصفيح وتلقي بهم الأقدار في متاهات الضلال، وهي أيضا مدينة عالمية تغوي الكتاب والفنانين والسياح من العالم...

 

مدينة بهذه الصفات لا يمكن لساكنها إلا أن يسلك أحد السبيلين، الاندماج في التركيبة المعقدة للمدينة والبحث عن نقطة توازن، وبؤرة ينصهر فيها هذا الخليط الثقافي والاجتماعي، أو الانعزال في صورة متصوف زاهد في الدنيا أو صورة متشرد منبوذ.

 

أهم ملامح السرد في الكتاب الوصف والسخرية، أو الباروديا، والسرد هنا، مهما قلص المسافة بين الذات الكاتبة والسارد والشخصيات (عن طريق القرابة الدموية أو الجوار أو الدراسة أو الصداقة) فإنه لم يسقط في بؤرة المحكي التراجيدي الذي يغرق السرد بالتشكي وآلام الذات.

 

إنها طريقة جديدة في كتابة الذكريات، لا هي "مذكرات" خالصة، أو "يوميات"، بل هي سرد قصصي يمكن تضافر نصوصه لتتحول إلى نفس سردي موحد طويل، أقرب إلى "الرواية القصيرة" أو النوفيلا الإيطالية، بلمسة بسيطة من الكاتبة، أي بتوحيد الشخصيات ربطها ببعضها بروابط منطقية (سردية)، أما الفضاء ولغة السرد والوقائع فهي جميعها أكبر محفز على قراءة الكتاب على أنه وحدة كلية.

 

 قراءة ممتعة

 

شبعة الحضري، يوسف: صدى الذكريات؛ نشيد الفقد. منشورات سليكي أخوين. طنجة. المغرب. ط1. 2015م