1. ما الذي يجمع القصة القصيرة جدا بجنس القصة أو يجعلهما مختلفتين ومتناقضتين؟

تندرج القصة ضمن السرديات، أي الأجناس والأنواع السردية التي تقوم أساسا على "توليد الأحداث وتتابعها، وعلى تعدد الشخصيات القصصية وتنوعها بالوصف وتحديد الوضعيات الفكرية والاجتماعية والمواقف السياسية، واختلاف وجهات نظرها، وجدلها وسجالها حول "قضايا" تنتجها، و"أخبار" تسمعها وتروج لها، ويراد لها أن تؤدي معنى، وأن يكون لها "هدف" وغاية، ترفيهية أو تعليمية أو حجاجية أو جمالية، أو كل ذلك.

ولقد تفرع عن جنس القصة أجناس أخرى، اختلفت في "طريقة بنائها"، إلا أنها ظلت متماسكة ومتجانسة بخصيصة واحدة عليا، وهي "السرد". أي أن الرواية اختلفت بتركيب مكوناتها وتعددها، عبر "التوليد السردي"، بمعنى، توليد الأحداث وتتابعها إلى ما لا نهاية، في "الرواية النهر" و"رواية الأجيال"، مثلا، أو في استرسال الأحداث وتوترها "خطيا" غالبا، في "القصة" والتي يطلق عليها بعض النقاد "القصة الطويلة"، والاختلاف بين الرواية والقصة الطويلة، اختلاف بين بناء مركب وبناء بسيط ومتسلسل، وكل واحدة منهما تقوم على "السرد"، كما أن هناك أنماطا أخرى من البناء السردي في كليهما، كالتوازي والتضمين والبناء اللولبي، المنفتح الدوائر، وهو ما بيناه سلفا في تعدد المحكيات في الرواية، بخلاف القصة الطويلة، لكن القصة كما حددتها في كتابي "التداعي والمفارقة والتهكم في القصة القصيرة"، كاللآتي: "القصة القصيرة خطابٌ سرديٌ ووصفيٌ، قصيرٌ وممتع، سريعُ النهاية، فجائيُ الحلول، يتخذ من السخرية والمفارقة سلاحا للانتقاد، وللكشف، وللفضح، وللتعبير عن وجهة النظر والموقف من الذات والآخر والعالم والأحداث الطارئة، ينهض على الفكرة الفريدة التي يسندها اليقين والاطمئنان، أو على السر والغموض (والاستثنائي) يسندهما الشك واللايقين، أو يقوم على الحدث ذي البعد الاجتماعي والواقعي أو المتخيل (العجيب والغريب)، أو يقوم على رصد الشخصية الواقعية ذات الصفات المميزة، أو الشخصية الفريدة، العجيبة والغريبة الأطوار".

من خلال هذا التعريف الأولي، يمكننا تحديد وبالتالي الإجابة عن السؤال الذي طرحناه أعلاه، بصدد المجموعة القصصية القصيرة للكاتبة صابرين فرعون، وعبرها مجاميع قصصية قصيرة جدا أخرى من مختلف الأجناس والبلدان، لتكون القصة القصيرة جدا، تلتقي بالقصة في خصيصة "السرد"، وكل ملزماته ومصاحباته، والمكونات التي تدعمه وتقويه، وهي؛ الحكاية، الحدث والشخصية والفضاء والغاية والهدف. فلا يمكن للسرد أن يكون على المستوى الأولي، وصورته الطبيعية، بدون أن يتضمن حكاية (محكيات مركبة أو بسيطة)، تنهض الحكاية على أحداث متناسلة أو متواترة أو متوازية، تقع لشخصيات متخيلة أو شخوص واقعية، أو حتى كائنات عجيبة وغريبة من الماضي البعيد أو من الفضاء الخارجي، تتفاعل فيما بينها، في فضاء زماني ومكاني، كشرطين محددين للطبيعة البشرية التي تجعل القاص الواقعيا مشاركا في العمل، أو العكس، في حال غياب الكاتب (القاص) وإضماره، ولا يمكن للحكاية والمكونات الأخرى أن تقنع أو تمتع أو تعلم وتقدم خبرة وتجربة للقارئ بدون أن يكون لها موقف أو هدف وغاية، أي "معنى". لكن القصة القصيرة جدا، وهي ليست جنسا جديدا، بل هي، في نظري، جنس مستحدث، بظهور بواعث كثيرة، تنسب إجمالا إلى الزمن المعاصر، وسرعته، وإلى التقنيات الحديثة للتواصل، التي خلقت ذوقا جماليا، متأثرا بالسرعة والعجلة، وهو ما يناقض السرد في الأجناس السابقة كالرواية والقصة الطويلة والقصة التي كان الفضاء فيها ممتدا وشاسعا، فقصة محمد زفزاف "الديدان التي تنحني" تعد في سياق المرحلة الحديثة "رواية قصيرة"، أو النوفيلا الإيطالية، وعلى ذلك تقاص كتابات القصص في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، فالإنسان المعاصر، لا يستريح للبناء المركب والمعقد، ويروم الوصول إلى الخلاصة والنتيجة، أي إلى "الغاية والهدف". إلا أن القصة القصيرة، ليست جنسا خاليا من الزمنية، سواء المتواترة أو المتوازية والمشهدية، المتقطعة، فاعتمدن تقنيات كثيرة، نلخصها ها هنا، في بعض المظاهر الفنية والجمالية والكتابية في مجموعة صابرين فرعون "جريمة نصف زرقاء"، مختزلة:

  1. اعتماد القصة القصيرة على خصيصة السرد "سردنة الوقائع والأحداث"، واعتماد الجملة السردية، وهي جملة فعلية قصيرة، كي توافق حصر الأحداث وتمنع تناسلها وتعددها وتشعبها، وكل كتابة قصيرة جدا لا بد أن تميل إلى الجملة الإسمية الثابتة، التي تصف، فمدار القص القصير جدا على "الاختصار" و"الاختزال" و"الإحالة" و"الإيحاء".
  2. واعتماد الحذف بدلَ التكثيف، لأن الحذف في السرد يشرك القارئ، بينما التكثيف يختزل المعنى. وقد درج كتاب القصة القصيرة جدا على توظيف لفظ "التكثيف"، مما يوحي بأن الفضاء النصي يتضمن الكثير من الأحداث والعديد من الشخصيات والشخوص والمواقف، التي تتراكم فوق بعضها في بناء "متوازي مضغوط" وعلى القارئ في هاته الحالة، إعادة فك هذا التراكم للحصول على مجموع "المحكيات" التي ضغطها القاص في النص القصير جدا، والصواب، في نظري، كما في كثير من قصص القرآن الكريم، حتى الطويلة منها، تقوم على الخصيصات الآتية: الحذف، حذف الزوائد، من أوصاف تستهلك الكثير من الكلمات (الأسماء والأفعال والحروف) واللجوء إلى البناء الصرفي، مثلا، بنية "التصغير". واستعمال النعوت، وهكذا بالنسبة للزمان والمكان. ومن أهم ما يختزل المكونات السردية، بعد الحذف والتوظيف السليم للبنى الصرفية العربية والنحوية، نجد الإحالة، وهي بارزة ومؤثرة في نصوص "جريمة نصف زرقاء".
  3. الإحالة على النصوص المرجعية إثارة للمشرك الثقافي والمتخيل الجمعي بين القاص والنص والقارئ. تعد الإحالة خصيصة مهمة في كتابة القصة القصيرة جدا، وأهميتها تكمن في كونها تخاطب "المرجعيات" بأنواعها المشتركة والموحدة لثقافة محددة في مجتمع أو مجتمعات مختلفة سياسيا لكتها ذات تكوين ومرجعيات واحدة ومتقاربة، وأهميتها كذلك، أنها في نظري، تقوم مقام النص التشعبي، فاعتماد القاص، وهنا القاصة صابرين فرعون، على حادثة أو شخصية أو شخص أو نص (قصيدة أو أغنية أو مثل أو حكاية عجيبة...) يعد بمثابة "رابط تشعبي"، يصل النص الحاضر بالنصوص السابقة عليه، سواء في المتن ذاته (الكتاب) أو متون خارجية، وهذا ما اعتمدته القاصة صابرين فرعون في الرتبة الأولى في كتابة مجموعتها "جريمة نصف زرقاء"، حيث يقف القارئ على عدت "إحالات" توقظ في ذهن القارئ نصوصا أخرى وتبعثها، وهذه الخصيصة الهامة، نجدها كذلك في القصص القرآني، الذي يلون في الصيغة السردية اختزالا لحكاية طويلة سابقة في حكاية قصيرة وتقصر جدا حتى لا تتجاوز وظيفتها ونوعها "الخبر"يَّ، لكن كل نص جديد يضيف شيئا جديدا، معلومة أو صفات، أو حدا أو حلا.

 

لقد استثمرت صابرين فرعون هذه التقنية استغلالا جيدا، فكان النص القصير جدا، "يتسع" معناه بالإحالة على نصوص أخرى معاصرة ومشتركة في العقل والثقافة العربيين. ومن أنواع الإحالة، نجد؛

  1. الإحالة على الواقع، وهي إشاركٌ للحاضر والماضي القريب في نسيج المتخيل وفي فضاء النص ومرجعيته الخارج- نصية ووقائعه التاريخية المشتركة بين القاص والنص والقارئ. تسهم الإحالة الخارج- نصية في إضاءة النص وتوسيعه، وتسهم في ربطه بمحيطه المحلي أو المحيط العام، العربي الإسلامي مثلا، وتتضافر الإحالة المرجعية الثقافية (الذاكرة الثقافية والمقروء المشترك) مع الإحالة المرجعية الخارجية (الوقائع الاجتماعية والسياسية عامة) لتقوم بتأطير النص القصصي القصير وتخلف له امتدادا تشعبية في ذهن القارئ الذي يقوم بفهمه اعتمادا على مخزونه الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي، وبواسطة الفهم يمكن للقارئ الاستمتاع ب "تأويل" النص تأويلا سليما. كما لا ينبغي إغفال الإحالة ذات البعد التاريخي (الذاكرة الجمعية)، لأن لها أهميتها في توسيع النص القصير جدا والمختزل.
  2. تضمين القضية النوعية، المرأة والأنثى في النص، وهي إحالة اجتماعية، تروم إشراك الذات الكاتبة (القاصة الواقعية/ الكاتب الموضوعي) في بناء المتخيل النصي القصصي القصير جدا، وإثارة انتباه مخيلة المختلف النوعي (الرجل والمجتمع الذكوري عامة) ووضعه في قلب الصورة-القضية. والأهم في مجموعة صابرين فرعون القصصية القصيرة جدا "جريمة نصف زرقاء"، أنها لا تجرم الرجل، ولكن تضع المرأة/ الأنثى كذلك موضع المسؤولية، لأنها لم تتخلص بعد من التأثير السلبي للمعتقدات الموروثة التي لا صلة لها بالعقيدة ولا بالعقل، أي بالوعي الحديث ومكانة المرأة في المجتمع والكتابة ودورها في تفعيل المتخيل الأدبي وتحريره من القيود "الوضعية" ومن "المواضعات" والتوصيفات التجارية التي تستغل المرأة ووضعيتها التاريخية لتحولها والرجل معا إلى سلعة.
  3. لا يمكن الحديث عن الإحالة المرجعية، الثقافية أو التاريخية أو الواقعية دون الحديث عن الإيحاء، فهو من خصائص النص القصصي القصير جدا، ويدعم بنية الحذف، وتشذيب النص من العوالق والزوائد، المكتسبة، والإيحاء في حال تجريده من الإحالة المرجعية يصبح ذا وظيفة "شعرية"، تتمثل في "الغموض والالتباس"، لذلك فالإيحاء ملازم للإحالة بأنواعها، وهما معا يؤديان وظيفة "الرابط التشعبي" الذي يوسع مضمون ومعنى النص القصير والقصير جدا.
  4. اللغة/الجملة الشعرية تأكيد على أهمية الحذف الذي تدل عليه الضمائر العائدة، والإيحاء والإحالة، ويمكننا أخيرا، استثمار مفهوم جون كوهن "الانزياح"، وإن كان خصيصة شعرية (الشعر)، إلا أننا نعثر عليه في نصوص قصصية قصيرة جدا لدى بعض القاصين والقاصات العرب، وأغلب مواطنه في النص، "الخرجة" أو "الحل" أو "النهاية" غير المتوقعة، والتي تحدث الالتباس أو كما سماه كمال أبوديب "التوتر"، فالشعرية عنده تكمن في "مسافة التوتر" بين ما يريده النص وما يقع في ذهن ووعي القارئ.
  5. تضمنت مجموعة "جريمة نصف زرقاء" للقاصة صابرين فرعون، الكثير من التقنيات الكتابية، وارتأيت ها هنا، التركيز على هذه الخصيصات التي تضمن للقصة القصيرة جدا، قصرها، ليس على مستوى الحجم فقط، بل حتى على مستوى تراكم الأحداث أو حذفها والإحالة عليها والإيحاء عليها، وفي الوقت ذاته، ضمنت لها البقاء ضمن جنسها "السردي"، دون الخروج إلى "النص الشعري" أو "اللوحة الشعرية" أو "الخبر"...
  6. إنها مجموعة واعدة، ستتيح قراءة كل قصة على حدة الوقوف على إمكانيات أخرى مهمة، وأيضا ستكون عتبة نحو قراءة نصوص قصصية قصيرة جدا موازية لكتاب وكاتبات اختاروا تطويع هذا النوع من الكتابة القصيرة جدا، التي تقع في صلب اللغة العربية وفي قلب "البلاغة"، لأن العربية تقوم على الحذف الذي خصه ابن جني في "الخصائص" بأهمية كبيرة، ولأن العربية تقوم على "ما قل ودل".