Ph

مشيل دولون

 

اشتغالٌ طلائعي/ حوار مع فليب لوجون

 

ترجمة: محمد معتصم

 

 

أصبح فِليب لُوجُون المتخصص الأول  وبدون منازع في دراسة السيرة الذاتية وفي كل أشكال الكتابة الحميمة. ولد في العام 1938م في أسرة جامعية، دكتور دولة، عضو المؤسسة الجامعية الفرنسية، معروف ومنشود في أرجاء العالم، كان بإمكانه أن يجعل من شهرته في دراسة السير الذاتية حقلا عاديا كباقي الحقل، إلا أنه فضل الاستسلام لدوخة لبحث والتنقيب في الكلام الشخصي، بحيث أصبح مناضلا في جمعية من أجل السيرة الذاتية (APA) والتراث السير ذاتي. المغمورون الذين يكتبون اليوم يثيرون انتباهه أكثر من القدماء الذين استشهد بهم واشتغل على أعمالهم. في ملفها حول اليوميات، نشرت المجلة الأدبية عدد أبريل 1988م مقالة له  انتهت بدعوة للتفكير في تطبيق اليوميات. وقد ولد من هذا النداء كتاب "دفتري العزيز..."، ثم توسعت مساحة البحث ونظِّمت وأُحكِمت بفضل الجمعية ومحافظة آمبيريوه-أون-بوجاي التي وضعت إقامتها تحت تصرف الجمعية. لاحقا، الجامعة التي قررت عدم مغادرة أسوارها الجامعية (Villetaneuse) وجدت نفسها متجاوزة أمام باحث مثابر وجامع متلهف للعديد من الاعترافات من مختلف بقاع العالم.

الحوار:

تشتغل منذ ثلاثين سنة حول كتابة الذات، هل ظلت هي موضوعك ذاته؟ لقد اقترحت عددا من التعريفات لمفهوم السيرة الذاتية...؟

 

في الأصل، أقوم بتحليل جنس أدبي، وقد ركزت على الآداب الرفيعة وعلى الأعمال المُقَنَّنَةِ، وهو أمر شرعي، ولم أتخل عنه، رغم كل شيء: ليس هناك أروع من أمهات الكتب. ومع تقدم الزمن، انتبهت، وهو اكتشاف ساذج، إلى أن السيرة الذاتية ليست سوى جنسٍ أدبيٍّ ثانوي. الكتابة السير ذاتية قبل كل شيء ليست غير تطبيق فردي واجتماعي، وليس العمل الوحيد للكاتب. ليس من الموضوعية الاقتصار على دراسة السير الذاتية، فكل النصوص السير ذاتية مهمة، ومن ثمة، بدأ أول توسيع في تطبيق كتابة السيد كل العالم (الجميع).

كنت أنا نفسي السيد كل العالم، وأريد أن أقول كذلك، ملاحظة صائبة، أنا لست جامعيا متخصصا في السيرة الذاتية، ولكنني كاتب سيرة ذاتية متخصص في الجامعة. والسبب الذي جعلني أهتم بالكتابة السيرة ذاتية سببٌ شخصيٌّ، وهو عادةٌ اكتسبتها منذ مرحلة المراهقة. لقد احتجتُ إلى وقتٍ ليس بالقصير للانتباه إلى أن العمل الجامعي والعمل الشخصي ينبغي لهما الالتقاء. لقد قمت بالتحول، إذا جاز لي القول، بفضل الأدب، لأقوم بإعادة جمع وضم الآداب نفسها في إدراك أنثروبولوجي أوسع. قادني هذا التوسيع في مدارك الأدب إلى عدم مغادرة موضوع كتابة السيرة الذاتية، ما دمت أشتغل حتى اليوم على أعمال كتاب كبار، ولكن في علاقة بكتابات أشخاص عاديين. توسيع آخر تمثل في الانتقال من السيرة الذاتية إلى اليوميات، جنس مجاور للسيرة، ولكنه مختلف عنها. كتابة السيرة الذاتية أقل تعاطيا من اليوميات، يوجد في فرنسا تقريبا أكثر من ثلاثة ملايين ممن يكتبون اليوميات، لكننا نعرف كتب السير الذاتية، بينما اليوميات والمخطوطات خصوصية، تتمنع على القراءة. يوميات الكُتاب المنشورة لاقت اهتماما لا نظير له، ولكن هذا الاهتمام لا يمثل الكمَّ الهائل حقيقة.

توسيعٌ في الأشخاص العاديين توسيعٌ كذلك في الأجناس: من السيرة الذاتية إلى اليوميات الشخصية، وهو توسيع أيضا في أَسْنَادٍ مختلفة؛ ليس في الكتابة فقط يمكننا رسم صورة عن الذات، أو مفتحص ذاتي، هناك وسائط أخرى غير الورق والكتابة، لقد اهتممتُ كذلك بمشاكل تَمَثُّلِ الذات في الصباغة، في الصور الذاتية، ثم تمثلها في السينما. نشرت دراسة صغيرة كنت شاركت بها في ندوة "السيرة الذاتية السينما" في العام 1999م ب (Ambérieu-en-Bugey)، واهتممت سريعا بالسيرة الذاتية في الحكايات المصورة (bande dessinée)، وهي جنسٌ يَشهد انتشارا واسعا حاليا. حديثا جدا، من أجل العودة إلى اللغة المكتوبة، ولكن مع وسيط جديد مختلف، شغفت باليوميات على شبكة الانترنيت. لقد تم التوسيع الآن نحو اتجاه مختلف، تخليت عن دراسة أدبية محضة لأتبنى وجهة نظر عامة، لا أعرف هل بوسعي الحديث عن وجهة نظر أنثروبولوجية. على كل حال، في اشتغالي منذ عشرين عاما، احتككتُ بمؤرخين وعلماء اجتماع وأنثروبولوجيين، بله الأدباء. ... (السؤال الأول)