حوار مع فليب لوجون، ترجمة: محمد معتصم (تابع).

me

عندما تتحدث عن إدراك أنثروبولوجي، فهذا لا يعني أن الاشتغال السيرذاتي ليس محددا  تاريخيا؟

 

بكل تأكيد، مادامت واحدة من أفكاري، التي وجه إليها النقد، أن السيرة الذاتية لم تكن موجودة، وأنها لم تكن موهبة أساسية للإنسانية. لقد استعملت في "السيرة الذاتية في فرنسا" كتابي الأول، صيغا مستفزة ما لبثت أن أثارت ردود فعل. تاريخ السيرة الذاتية، كما أتصوره، بدأ في أوروبا فقط مع منتصف القرن الثامن عشر، وحددت روسو أبا مؤسسا له، واعتبرت كل من سبقوه يمثلوم مرحلة ما قبل التاريخ (Préhistoire). هذه الطريقة في التصنيف بدت صادمة عند البعض... تاريخيا كانوا أكثر اطلاعا مني.

 

تعرَّضَ جورج غوسدورف (Georges Gusdorf) بصفة شخصية لتحليلكم في كتابه "كتابات الذات".

 

أصر على القول بأنني أُكِنُّ له تقديرا كبيرا، فقراءتي لمقالته في العام 1956م "ظروف وحدود السيرة الذاتية" هي واحدة من الأصول التي دفعتني نحو التفكير في السيرة الذاتية، أقدِّر كثيرا صورة وعلم وذكاء جورج غوسدورف، ويبدو أنه لا يملك الإحساس ذاته تجاهي. عامة، نختلف في وجهات النظر حول القضية، في كتابه الضخم المكون من جزأين الصادر في العام 1990م، ارتقى بأصول السيرة الذاتية إلى بداية الكتاب المقدس (الإنجيل) إلى آدم وحواء، وهو ما بدا لي نوعا من الالتباس، والتوهُّم بأن كل شيء كان موجودا. ستصبح القصة تكميلا لهذه الأصول وفي الوقت ذاته انحطاطا. في كتابه سيظل يوبخ هذا الانحطاط في الأزمنة المعاصرة ، لدي نظرات مختلفة التدرج، أعتقد أن لا شيء كان موجودا، بعض الأشياء حدثت ومن جهة أخرى، فإن الأجناس الأدبية مثل الأشخاص تنحتُ أساطيرها الخاصة وتبنيها. حاولت الصراع ضد هذا البُعْدِ والمدِّ لكنني استسلمتُ له، ربما، بمنحي لجان جاك روسو الكثير من أشيائنا الحديثة. يبقى التأكيد على أن النزوع نحو السيرة الذاتية كان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ثم أصبح حدثا اجتماعيا مهما. وقد تطورت بفضل مجموعة من التحولات، كبعض التقاليد الفلسفية والأخلاقية المنحدرة من العصور القديمة: اختبار الوعي لبطاغوراس ولاحقا مع الرواقيين ثم تبنته المسيحية. هذا التقليد المسيحي بدَهِيٌّ، هناك من جهة أخرى ظهور أدب فرداني غير حميم في نهاية العصر الوسيط، وهو الذي مهد لكل ما حدث في القرن الثامن عشر. لا شيء وجد من لاشيء، ولكن حدث تغير عميقٌ. سآخذ مثالا آخر، في بحث أقوم به حاليا حول اليوميات سيظهر أن هناك عوامل متعددة ساهمت في تطور الموضوع. كيف يمكننا أن نفسر بأن كتابة اليوميات لم تكنْ قبلَ عصر النهضة؟  أكيد كانت هناك كتب التقارير وسجلات الأحداث اليومية، لقد كان فعل الكتابة يوما بيوم موجودا، ولكن لم تكن هناك فكرة وضعها في خدمة الفرد. هذا التطور لا علاقة له بالدين: لقد أصبحت كتابة اليوميات الشخصية ممكنة بفعل تحولين رئيسيين في الحياة الاجتماعية الأوروبية: تحول علاقة الفرد بالزمن مع اختراع الساعة (بداية القرن الرابع عشر) وانتشار. الورق الذي عوض، ليس فقط الورق النفيس الخاص بالكتابات العمومية والرسمية، ولكنه عوَّضَ ألواح الشمع الضيقة وسريعة التلاشي المستعملة في الكتابات الخاصة. لقد اختفت هذه الألواح حوالي 1500م. اليوميات الروحية التي  ابتدعها إنياس دي لويولا (Ignace de Loyola) والأخوات الراهبات، ليست سوى شرط من شروط هذا التطور. اليوم، تحت أعيننا تغييرات جديدة، وهي التي سمحت لي بدراسة وبشغف اليوميات على شبكة الانترنيت، وسيط جديد غير من بعض شروط إنتاج النصوص السير ذاتية، وفي الآن نفسه، ولَّدَ أشكالا جديدة. تتحدد عقيدتي في التطور والنسبية.