تابع حوار دولون ولوجون: الفن والحقيقة الجمالية

ترجمة: محمد معتصم

2017-06-12 12

ضمن هذا التوسيع الذي وصفت فيه حقل اشتغالك، هل تضع بطريقة منهجية كل النصوص على مستوى واحد، التي تم الاشتغال فيها والتي تمت معالجتها بدقة أدبية، وبإرادة في التواصل، وكل النصوص مجهولة الكتاب من الأمس ومن اليوم؟ هل يمكننا أم لا، أن ندرِجَ هنا إعادة إنتاج فوارق أو أحكام جمالية؟

 

لمَ لا نضع أولا كل هذه الأشياء على مستوى واحدٍ؟ أظنه أنه من المستحيل معرفة من أين يبدأ أو ينتهي الأدب. لا ينبغي الخلط بين ما نُشِرَ وبين الأدب. بداية، عندما نتحدث عن الأدب، نخلط غالبا بين تصريح طبيعي وبين يقييم كيفيٍّ. المحادثات أعلاه تتداخل بلا حد، وبلا وهدف، نقصد بالأدب الرغبة في بناء شيء قادر على إنتاج تأثير في شخص آخر- ما نسميه تقليديا الفن، الذي لا أجله فحسب، ولكنني أستجلب منه رغبة كبيرة إذا ما كان الأمر يتعلق ببناء العمل الأجمل، والأكثر فَعَّالِية، والأكثر دقةً، فستكون السيرة الذاتية بدهيا ذات علاقة بالأدب.ما يصدمني حقا، أن السيرة الذاتية كانت دائما حتى قرننا العشرين محط ازدراء من قِبَلِ مَنْ يجلون الأدب. ليس هناك غير صراخ من أناس مختلفين، كبْرُنُتِيِير ومالارميه، يعتبرها برُنُتيير ثرثرةً (bavardage) وملارميه يعدها تحقيقًا صحافيا (reportage)، اليوم كذلك السيرة الذاتية مقصية من مجال الأدب من قِبَلِ أناس نُبَهَاءٍ الذين يظنون بأنه من المستحيل الجمع بين خطاب الحقيقة وخطاب الجمال. لحسن الحظ تبدلت الأمورُ أثناء القرن العشرين، فقد أصبحتِ السيرة الذاتية تدريجيا لدى بعض الكتاب نوعا من الأدب الطليعي وميدانًا يحتوي على جديدٍ ينبغي اكتشافه وعلى أشكال جديدة مبتكرة، وأقدم مشيل ليريس (Michel Leiris) نموذجا من خلال الوضعية التي تبناها في (عصر الإنسان) و(قانون اللعبة) أفضل نموذجٍ، سعى فيها إلى التوفيق بين بحث روسو (Rousseau)، إنها تضحية وهبة شخصية منه للحقيقة الأنثروبولوجية، وهو عمل شاعري اللغة. لا يندرج هذا العمل ضمن نظام التخييل والخيال، لأنه لم يسع إلى تدمير مشروع الحقيقة، بل صاحبه كي يُتِمَّهُ. هذا النزوع المزدوج، الحقيقة والجمال، وُجِد عند كتاب آخرين لاحقا. بالنسبة لهم مباشرة الحقيقة تمرُّ عبر ابتكارِ صيغٍ جديدةٍ. لقد انتشلوا السيرة الذاتية من الصيغ السردية التقليدية ومن الصيغ الحِجاجيَّةِ واتجهوا بها نحو امتياز الاشتغال على اللغة، نجد ذلك، مثلا، عند جورج بريك (Georges Perec) وكلود مورياك (Claude Mauriac)، لقد ابتكرا آليات لغوية، بسيطة في مظهرها ولم يفكر فيها أحد ولكنها تولِّدُ تأثيرا خاصا وقويا في القراء، دون مفارقة حقل الحقيقة. في النصوص السيرذاتية لجورج بريك لا يوجد غراما واحدا من الرغبة في التخيل، ولكن هناك الرغبة في ضَمِّ أشد حقيقة منفلتة. ولدى كلود مورياك كذلك، والذي يشتغل انطلاقا من نص يومياته الشخصية لأجل القبض على ما لا ينقبض: جوهر الزمن. تحترمُ خبرتهُ الروح التاريخي للحقيقة الواقعية. هذان نموذجان على عمل جمالي يشتغل من خارج حقل التخييل. إنه عمل يخترق في عصرنا فكرة اعتقاد أن الفن لا يمكنه أن يوجد إلا في ميدان التخييل، وبأن كل صيغة فنية تخييل.