محمد معتصم: من كتابي "الذاكرة القصوى" دار الثقافة. الدار البيضاء-المغرب. 2006م

em

1.2/ البناء المتوازي:

 

لقد بنى عبد القادر الشاوي روايته "الساحة الشرفية" بناء متوازيا. بحيث يمكن للقارئ أن يوزعها إلى روايتين مستقلتين. أو أن يقراهما من منطلق التوضيح والإضاءة، كما يمكنه إعادة ترتيب أحداث القصة (المتن الحكائي) وقف تطور الأحداث إلا أنني أميل إلى قراءة الرواية على صورتها التي وضعها عليها الكاتب. وعلى اعتبار الفصول اللاحقة من أخبار الشخصيات الروائية ليست إلا إضاءة عميقة لأسباب هروب "سعد الأبرامي" إلى مدينة "براندة" . والروايتان هما:

 

  • أخبار براندة الممتدة من أول الرواية إلى (93).
  • أخبار الشخصيات الروائية، وتشمل باقي مجموع الرواية.

 

في أخبار "براندة" يحكي السارد الوقائع وكأنه يؤرخ للمدينة المتخيلة. منذ وصلها هاربا من جحيم الذكريات، ومن خيبات الرفاق الذين تفرقت بهم السبل. بعد خروجهم من السجن. في الأسبوع الذي تلا الاحتفال بذكرى 20غشت.

 

وفي محكي "براندة" تكتمل مقومات الرواية: الزمان المحدد بدقة. رغم تنقله بحرية بين الحاضر (حاضر الحكاية) وبين ماضي براندة (في الحكاية كذلك). المكان المحدد الأبعاد. الشخصيات الروائية الفاعلة والمنفعلة. الأحداث التاريخية (وجود الجنود الأغراب) والأحداث الاجتماعية (الاختطاف، والصراع على الماء...)، واللغة الروائية (السرد التاريخي). والمتكلم في النص العالم يكل شيء والمتحكم في خيوط القصة (السارد الكلي المعرفة/ Omniscient).

 

وقد بنى الكاتب "أخبار براندة" بناء متسلسلا، تعاقبت فيه الأحداث بصورة منتظمة. يتحكم فيها الصراع الحاد والدائم بين "أولاد بن عبيد" و "أهل المراح". ويحتدم الصراع بين الجماعتين حول "السانية" أولا، ثم حول "البئر" ثانيا. ويمكن حصر المراحل الأساس التي مر بها تاريخ براندة حسب المحكي فيما يلي:

 

  • البئر.
  • السانية.
  • الهاتف
  • التجنيد العسكري بفرنسا.
  • استرجاع خطبة علال الفاسي في 20 غشت.

 

وأهم ما ميز محكي براندة الحكايات المحورية التي تألف منها. وكان محورها الشخصيات الرئيسية التالية:

 

  • العلامة ابن يرماق.
  • القائد ابن سلام.
  • حانة االيهودية.
  • أحمد شكيب.
  • الحاج العربي.
  • شامة

 

أما محكي الشخصيات فإنه استرجاع مفجع للفترة التي قضاها سعد الأبرامي مع رفاقه في السجن. استرجاع للصراع المرير داخل السجن. الاتهامات المتبادلة. الصراع من أجل الزعامة. المقاومة والصمود من أجل الحفاظ على بعض الأمل في الحياة. التأقلم مع السجن والتعذيب والتخوين. وقد جاء الاسترجاع استجابة نفسية للصورة الفوتوغرافية في الساحة الشرفية للسجن المركزي. ورسالة إدريس العمراوي. وبعض من يوميات أحمد الريفي...

 

تعد رواية محكي الشخوص الروائية إضاءة مفيدة لفهم أسباب هروب سعد الأبرامي إلى براندة. وبالتالي تحديد موقع المتكلم في النص الروائي. وكذلك الزاوية التي يتم منها الملفوظ الروائي. والمنطلقات المحفزة على تنامي السرد.

 

2.2/ المنظور السردي:

 

ولكل شخصية روائية عالمها الخاص ضمن العالم العام المشترك. أي أن الشخصيات في الرواية تعيش في عالمين مختلفين. عالم السجن الخارجي بكل ما يحمله السجن من إكراه، وتحالف، وتعسف، وحركة يومية من أجل مقاومة الضعف والسقوط. وعالم داخلي حميم تركن فيه الشخصية الروائية لهمومها وجروحها الدفينة.

 

في محكي "براندة" نجد السارد ( يبدو ) كعالم بكل شيء. يحكي بضمير الغائب، لأن مضمون الحكاية تاريخي، واسترجاع، لأحداث من الماضي. وخاصة عندما يسترسل السارد في رواية الوقائع بانتظام متسلسل ومنطقي. لكنه في مدخل الرواية يفتتح السارد السرد بضمير المتكلم. وكأنه سيحكي عن ذاته. عما وقع له عند وصوله إلى "براندة" يقول النص:" عندما وصلت إلى براندة، في تلك الأيام من شهر غشت، كانت سنوات الجفاف، فعلا، قد قست نوعا ما على تلك المناطق الجبلية المنيعة...أو هكذا توهمت!" ص (5).

 

بعد المدخل الرئيسي يتحول المنظور السردي إلى التعميم من خلال وصف المكان. ووصف آثاره على الناس وطباعهم، والأرض. وهذا النمط من الحكي الوصفي يسود محكي براندة.

 

 ثم هناك منظور سردي ثالث يكون فيه السارد في الرواية دون معرفة الشخصيات. وتسمى هذه الرؤية السردية رؤية من الخارج. وتستخلص في السرد في "الساحة الشرفية" من صيغة الفعل المبني للمجهول. وترتبط بالحكايات أو الأخبار التي ترد على لسان الشخصيات الروائية، من الذاكرة، وتخص الفترة ما قبل "وصول سعد الأبرامي إلى براندة". كما في المقتطف التالي:" ومن أغرب ما يحكى هنا أن الجفاف لم يصب هذه الديار إلا بسبب تلك المخلوقة الفاسدة الهامدة. فقد طاردها الله بعد أن تغلبت على البشر، وجعلها بينهم أمثولة للاعتبار، حتى إذا كان الجفاف أخرجها عليهم ليتدبروا بالعبرة وحكمته في الأرض اليباب." ص (42).

 

يوظف السارد في رواية "الساحة الشرفية" المنظورات السردية الثلاثة بحسب تغير مستوى الحكي، وتحول منطلقه الزمني. والتفريق بين المنظورات السردية لا يتم حقيقة إلا على المستوى النظري. خاصة في الرواية الحديثة والمعاصرة. وبعدما تحول وعي الكاتب النقدي. ولم تعد الرواية كتابة عفوية بل تخطيطا. ولم يعد الكاتب عفويا بل أصبحت ثقافته واسعة ومرجعيته الأدبية والنقدية وافرة. ولهذا نجد السارد في "الساحة الشرفية" ومن خلال محكي "براندة" يتقلب بين المنظورات السردية المعروفة:

 

  • الرؤية من خلف
  • الرؤية مع
  • الرؤية من الخارج

 

وتختلف الرؤية السردية عن التبئير كما ورد في دراستنا لرواية الراحل محمد زفزاف " محاولة عيش". وعموما سيرد تحديدها ضمن الملحق/ المعجم في نهاية المؤلف.

 

إذا كان المنظور السردي في أخبار "براندة" متأرجحا بين المنظور الكلي، "الرؤية من خلف" وبين "الرؤية من الخارج". في الحكايات المسترجعة من الذاكرة. فإنه في محكي "أخبار الشخصيات الروائية" يعتمد على إشراك الشخصيات من خلال نقل أقوالها عبر "الخطاب المباشر". سواء في صورة استجواب، أو من خلال نقل مقتطفات من الخطاب المكتوب: "الرسالة" أو "اليوميات". وهذا النوع من الخطاب لم يرد في المحكي الخاص ببراندة. مما أثر على المنظور السردي، وعلى تنامي السرد.

 

3.2/ التنامي السردي:

التنامي السردي أو كيف يتحول الحكي؟ صيغة أساسية لكل خطاب أدبي شفاهي أو مكتوب. وقد وضع تودوروف التحول شرطا أساسيا من شروط الحكي/المحكي ( Récit). وتحدد عموما شروط الحكي (المحكي) في ما يلي:

 

  • تعاقب الأحداث في الزمن.
  • تنامي الوحدات الدلالية.
  • تحول الشخصيات الروائية.
  • تطور الوحدات الفاعلية (الحركية).
  • التعاقب الزمني (المراحل)
  • الهدف/القصدية.

 

ويلاحظ من خلال هذه الخطاطة مكانة التحول في بناء النص السردي. فكيف تنامى النص السردي في "الساحة الشرفية" ؟

 

بينت في البداية كيف بني النص الروائي على التوازي بين خطاب "أخبار براندة" وبين خطاب "أخبار الشخصيات الروائية". لكن كل خطاب يتنامي عبر وحدات دلالية. سواء بالتركيز على الأحداث أو بالتركيز على تحول الشخصيات وتبادلها المواقع والأدوار في الحكاية. وسأحاول رسم الخطوات الأساسية في تحول وتنامي السرد في رواية الكاتب عبد القادر الشاوي.

 

يتنامى محكي "براندة" عبر موضوعة (Thème) الصراع. فأهل مراح في صراع دائم مع أولاد بن عبيد. بسبب الماء. وأيضا لاختلاف المواقع الجغرافية وهي مواقع تؤثر على الشخصية. فأهل السفح يختلفون في طباعهم ومواقفهم عن أهل المرتفع. وأن الصراع لم يكن طبيعيا بل كان يفعل القائد بن سلام. صراع من أجل الفرقة وتثبيت السيادة.

 

لكن الصراع المفرق لا يمكنه أن يكون مساعدا في التنامي السردي دون وجود نقيضه. وهو ما سيبرزه السارد من خلال الموضوعات التالية:

 

  • "السانية" التي سيتوحد حولها أفراد القبيلتين. لأنها موقع الملاذ والشهوات والمتع الشخصية. (حكايتا خانة وشامة).
  • "البئر" التي ستوحد الشباب من القبيلتين المتصارعتين. وتبتلعها تربته الرخوة (حكاية البئر).

 

وأهم ما يمكن اعتماده كوحدات دلالية بالغة التأثير، تلك الحكايات الصغرى التي أثث بها السارد حكايته المركزية؛ حكاية "براندة". وهي حكايات مرتبطة بأبطالها الفاعلين. وكل شخصية روائية لها وظيفة في التنامي السردي، كما سأورد بعجالة في هذا المقام.

 

  • العلامة ابن يرماق (ممثل المعارضة في براندة)
  • القائد ابن سلام (المعيق، ومذكي نار الفتنة والتفرقة)
  • الحاج العربي (المستفيد، التائب).
  • خانة اليهودية (صاحبة الماخور والسانية وكاشفة أسرار علية القوم. وتبرز قصتها بعد حادثة النهر. ص: 40).
  • أحمد شكيب (المستهيم بخانة، والممسوس، الذي فقد كل ممتلكاته.ص: 56)
  • شامة (المرأة التي ائتلف واختلف حول قصتها أهل القبيلتين معا، وفي قصة قتل زوجها (احميدو) لها الغامضة. ص: 74).

 

أما تنامي السرد في "أخبار الشخصيات الروائية". فقد جاء مترادفا حسب رغبة السارد. وهو ينظر إلى الصورة الفوتوغرافية، ويسترجع وقائع الماضي، وأحداث السجن. لكن لم يكن التنامي مسترسلا كما في "أخبار براندة". بل خص الكاتب كل شخصية بفصل مستقل. يحكي فيه قصة الشخصية من منظوره الخاص. بعيدا عن الوشاية والإشاعات التي كانت تطلق جزافا لأغراض مرتبطة بالسلطة داخل المجموعة "التنظيم" المعتقلة في السجن.

 

وقد جعل الكاتب التنامي السردي ثنائي القطبين. كل شخصية تركن إلى ذاتها وعالمها الخاص والحميم. وكأنها تهرب من الجحيم اليومي للسجن، إلى لوعة النفس، وما افتقدته في العتمة. لذلك كانت الشخصية الروائية مقترنة برفيقة. بمعنى بجرح خاص. يلخص حالة الحرمان وعدم الاكتمال. لأن العلاقة العاطفية غير مكتملة. غير منسجمة. وهذا من آثار السجن. من آثار التعثر الذي أحدثه السجن في نفس ومسار حياة كل شخصية روائية. باستثناء شخصية أحمد الريفي وهي التي سيكون مصيرها مفجعا ومؤلما أكثر، كما سيتضح بعد حين.

 

وتظهر الخطاطة الثنائية هذه العلاقات كالتالي:

 

  • إدريس العمراوي/ سلبيا (زوجته).
  • مصطفى الدرويش/ فتحية (أخته).
  • عبد العزيز صابر/ فهيمة (رفيقته).
  • سعد الأبرامي/ نفزة (زوجته).

 

وقد بنى الكاتب كل فصل على خطين متوازيين: خط الحاضر (المسترجع) بالسجن أيام الاعتقال. وخط الواقع بعد الخروج من السجن وصعوبة التأقلم، ولم انكسار النفس وشروخ الذات. وليس أدل على كل ذلك من النهايات المؤلمة والمفجعة للشخصيات الروائية.