محمد معتصم. من كتاب "الرؤية الفجائعية"

numérisation0017

الواقعية والرؤية الفجائعية.

 

   1/ تقديم:

   1.1/ تتمثل واقعية الرواية في محاولة الاقتراب من الواقع المعيش (الحاضر)، أو من الواقع المنصرم (الوقائع التاريخية)، أو من الحقائق العلمية (العالم والفضاء الخارجي)، أو أنها كما يقول عنها موباسان " الإيهام بالواقع". وفي كل ذلك اعتراف ضمني وصريح في آن بأن واقعية حرفيةً غير ممكنة لاعتبارات عدة:

        ·الواقع المادي يختلف عن الواقع المتخيل.

        ·الواقع المتخيل عبارة عن صورة ذهنية للواقع الحقيقي.

        ·الواقع المادي كل لا يتجزأ والواقع المتخيل أجزاء متراصة في صورة فسيفساء.

        ·الواقع مادي ملموس والواقع الإبداعي لغة وصور وأصوات.

 

   2.1/ فهل الواقعية بهذا المعنى غير ممكنة، أو أنها غير موجودة، وما هو موجود ليس إلا (اللاواقعية)؟

   والجواب على هذا الإشكال الأدبي يجد ضالته في تحديد اللاواقعية في نظرية الأدب، وفي الاقتراح السليم للمعنى الأدبي (للواقعية). فالواقعية في الأدب الحديث ليست المحاكاة الصرف للواقع، لأن الواقع له خصوصياته التي لا تلائم تماما اللغة الأدبية والكتابة. ولا تستطيع قنوات التحويل أن تبقى على كل ما هو مادي صلب إبقاء تاماً وسليما. لذلك فالواقعية الأدبية واقعية ممكنة، واقعية الممكن رصده وتحويله إلى متخيل بواسطة الوصف، والتحيين الزماني والمكاني، وباستخدام القرائن والمعينات؛ كالإشارة للأشخاص والأشياء والأمكنة، أو التواريخ العددية للأيام والشهور والسنوات والقرون. والتعليق المستند إلى معطيات خارجية (المرجع التاريخي والسياسي مثلا)، أو الخطابات التمهيدية والمقدماتية التي يشهد فيها الكاتب بأنه ينقل إلى القراء الحقيقة و لا شيء غير الحقيقة، والعتبات التي تقرن العمل الأدبي الإبداعي بحدث اجتماعي أو شخصية عامة؛ سياسية أو ثقافية أو نقابية أو اجتماعية،،،. كما أن الواقعية في الإبداع تستند كثيرا إلى الشخصية الأدبية لأنها تستجيب للوصف الخارجي والداخلي ولتحديد الأوضاع الاجتماعية وأنماط الأوعاء وتتصارع وتتجادل داخل العمل. وبذلك تكون أكثر إيهاما بالواقعية والحياة. وأنها تحمل أسماء وقدرةً على الكلام؛ كالتدخل والتعليق والرفض والحجاج. لكن أهم ما تركز عليه الواقعية هو الجانب النفسي، المشاعر والعواطف. لأنه يستجيب للغة وينساب عبر قنوات التخييل. وبذلك يخلق الكاتب فجوات داخل النص عبر الأحلام والاستيهامات وشلال الأفكار الغزيرة والشعور بالتذمر أو اليأس والحزن الشديد وحالات الاكتئاب، حيث تنجلي الرؤية الفجائعية في أقتم مظاهرها. واللغة؛ أي زمانيتها (سيرورتها) التي هي خاصيتها الأساس، تستجيب بقوة لمثل هذه التدفقات، والسرد كخاصية خطابية يستجيب بدوره إلى هذا التدفق.

   فالواقعية الممكنة تراهن على القارئ الذي لا يسأل عن أصول الأشياء ويسلم بالوقائع ويتتبع خيط الحكاية مستلذا مستمتعا بالنقلات التي يحدثها الخطاب الإبداعي في ذهنه وآثارها على مشاعره.

   3.1/ ليست اللاواقعية هي عدم القدرة على نقل الواقع حسب المرجعيات الاجتماعية والتاريخية والثقافية والسياسية والنفسانية بل اللاواقعية في النقد الأدبي هي اختيار المبدع عالم الخوارق الذي لا يستند إلى الحقائق العلمية والعملية بل يكون سابقا عليها كما في الخيال العلمي مثلا، أو بعيدا عنها ومناقضا لها كما في الحكايات الشفهية الشعبية أو في الحكايات المصورة للأطفال. واللاواقعية بهذا المعنى لها تقنياتها الكتابية ولها غاياتها الأدبية وآثارها على القارئ في آن.

   4.1/ في هذه الدراسة المركبة ستتجلى للقارئ من خلال ثلاث روايات متفاوتة، درجات ومستويات الواقعية في الأدب، كما ستتجلى الرؤية الفجائعية بمستويات مختلفة؛ نجد الروائي المغربي (عمر والقاضي) مهموما بالقضايا الاجتماعية والحقوقية والسياسية لمغرب حديث ناهض يريد قطع كل صلة مع الماضي المظلم. ونجد الروائي المغربي (محمد عز الدين التازي) وقد ركز على آثار حرب الخليج الثانية على الثقافة والمثقف حيث سيقع في شبه غيبوبة أو يدخل في مغارة مظلمة ومنزويا منعزلا عن العالم يعاني وحدته القاتلة. ونجد الروائي المغربي (محمد صوف) وقد اتخذ من العلاقات العاطفية موضوعا موفقا للتعبير عن التحلل والفشل السياسي والاجتماعي والقيمي. إنها نماذج سردية متفاوتة من حيث القيمة والأساليب التعبيرية الفنية لكنها تبرز عزلة الذات في العالم الجديد المنفتح على التيه.

   في هذه الدراسة سنحافظ لكل رواية على استقلالها مع بعض الإحالات والإشارات. والروايات المدروسة هي:

  1.       1.        رائحة الزمن الميت لعمر والقاضي(1).
  2.       2.        ضحكة زرقاء لمحمد عز الدين التازي(2).
  3.       3.        دعها تسير لمحمد صوف(3).

 

  

 

 

 

2/ المأساة والواقعية:

   1.2/ تشهد الرواية المغربية تنوعا على مستوى الخطابات وتكاد تجمع حول موضوع الواقعية والمباشرة؛ أي أنها تطرح باستمرار سؤال صياغة الواقع. هل الرواية كتابة مباشرة لما يحدث في الواقع من قضايا وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية ؟ هل الرواية كتابة استعارية تستعير من الواقع مادتها وتعمد إلى تشكيلها وفق تصور نظري ورؤى تخييلية ؟

   بالرغم إشكالية الكتابة التجريبية وبعدها عن الهم الواقعي وقضايا الناس في المجتمع إلا أننا نراها-الرواية المغربية والعربية-لم تستطع في وقتنا الراهن الفكاك من قبضتي الواقعية، وليست التجريبية إلا محاولة لرؤية الواقع من زاوية الأدب المحض؛ أي من خلال الخطاب.