محمد معتصم

 

دينامية القصة القصيرة

 

   1/ مفهوم القصة.

 

   المفهوم تصور ذهني كما تعرفه العلوم الحقة، وأساسها المنطق. والمفهوم انطلاقا من ذلك؛ تجريد لواقع أو لحالة والسمو بهما إلى مستوى كلي متجاوزا الجزئيات والمكونات الثانوية والدقيقة. ولأن المفهوم تجريد فإن تحديده يختلف من ناقد إلى آخر، ومن مبدع إلى آخر. أي أنه موسوم بالدينامية، لكن تبقى هناك نقاط عدة للتقاطع تحددها مستويات الإدراك وأنماط المعارف وكذلك الإنجاز الفعلي للقصة: أي حقيقتها على الورق بعد خروجها من التجريد إلى الفعل.

 

   إدريس الخوري أحد القصاصين المغاربة الذين أخلصوا لجنس القصة القصيرة، وحققوا تراكما مهما، دعا وزارة الثقافة والاتصال إلى جمع أعماله الكاملة في مجلدين، واستطاعوا من خلال تجربتهم مواكبة تحولات القصة القصيرة وهي تساير متغيرات الواقع ومتغيرات الذات الكاتبة، ومتغيرات الحياة (الساحة الثقافية) خصوصا خلال العقد السبعيني حين أصدر أولى مجاميعه القصصية "حزن في الرأس والقلب" سنة 1973م. ويتفق النقاد على أن العقد السبعيني كان المحور الأساس في تحول الوعي بالكتابة وخروجها من دائرة الاقتباس والتمثل والاتباع إلى دائرة التحليل والتشريح والكشف... والتركيز على العقد السبعيني مهم لأن رؤية إدريس الخوري للقصة القصيرة مرتبطة به، وبالأجواء التي ولدها، وما سيليها من عقود حتى الآن.

 

   مكونات المفهوم.

 

   يتحدد مفهوم القصة القصيرة لدى إدريس الخوري من خلال عدد من العناصر، هي:

 

   1.2/ الطفرة.

 

   يقول إدريس الخوري:" ... إن القصة، في حد ذاتها، لا تعدو أن تكون طفرة لواقع معين، رؤية، منفذا صغيرا للدخول إلى العالم ،،،". ص (9).

 

   إن ما دفع إدريس الخوري إلى تحديد هذا المفهوم كخاصية من خاصيات القصة القصيرة يتحدد انطلاقا من رؤيته الانتقادية والمتفحصة للمنتوج القصصي المجايل له والسابق عليه. فكيف كانت القصة قبل إدريس الخوري؟ لقد كانت قصة مندهشة وانفعالية، والمنطق الذي يحكمها منطق الانعكاس المباشر. وهي بذلك تتنافى وخصوصية القصة كرؤية لا تعكس الواقع بقدر ما تتفاعل معه كمعطى، وتحوله إلى مادة متخيلة، قابلة للتدوين والكتابة. هنا يكمن مفهوم الطفرة: إنه معاكسة الواقعة الحياتية في ماديتها، والطفرة مسافة فاصلة بين الواقع كمادة صلبة حقيقية عينية، وبين الكتابة (القصة) كتصور ورؤية ظنية ومتخيلة عن الواقع. والواسطة والرابطة بين المجالين، الكاتب كذات غير حيادية لكنها أيضا ليست شفافة إلى حد التمثل المثالي للوقائع. إنه وعي متقدم، وعي متجاوز لرؤية كتابية كانت ترى في الكتابة اتباعا (تقليدا) للمنجز السابق (الخبر، المقامة، المقالة… ) وللمنجز اللاحق والمجايل (العقد السبعيني)، انعكاسا آليا وتصويرا جافا للحياة ووقائعها. إن تحديد إدريس الخوري للطفرة كخصوصية كتابية وقصصية يضعه في الصفوف الأولى مع المبشرين بحداثة القصة والخروج بها من الأزمة والمأزق الذي سارت فيه مبتعدة عن ذاتها ككتابة ذات خصوصية وتميز. ووجهه المفهوم نحو الكشف عن العلاقة السليمة بين الواقع (الخارج) والقصة (الكتابة). وقد كان التباس العلاقة بين المعطيين قد دفع الكثيرين إلى التوقف أو إلى تكرار الواقع، وجفاف القصة من ماء الإبداع، ومن الإضافة والكشف والتشريح، ومن التغيير في الوعي والواقع معا.

 

   2.2/ الكذب.

 

   يتساءل إدريس الخوري في إطار مناقشة النقاد الذين تعرضوا لمجموعته القصصية الأولى، فيقول:" هل بإمكاني أن أدعي أم ما أكتبه كذب؟ شيء متخيل منزوع من الماضي والحاضر ومتخيل أيضا للمستقبل؟ ". (10.9).

 

   يكاد مفهوم الكذب أن يكون قدر الإبداع، خصوصا عندما ينظر إليه من منظور أخلاقي، وكأن المبدع الأديب عندما يجهر أنه لا يكتب عن نفسه بدقة، وبأنه لا يستطيع كتابة الواقع في شموليته فإنه يكون كاذبا فيما يقول. وبالتالي فلا طائل يُرْجى منه ويتحول مبدع الأدب إلى جهة المدافع لا عن الأدب، بل عن نفسه مبعدا عنه تهمة الكذب والادعاء الأخلاقيين. وفي مقابل ذلك عليه أن يجهر أمام الملأ بأنه صادق في كتاباته، وأن ما يكتبه واقع حقيقي، وأن ما يرويه عن نفسه وعن شخصياته حقيقة لا يأتيها الباطل ولا يتسرب إليها الشك. إنه ميثاق أبرمه القارئ والكاتب التقليديان مع الكتابة.

التداعي والمفارقة والتهكم