محمد معتصم

 

"تحت ضوء الليل" لمحمد غرناط

المكان كالشخصية الخفية

 

صدر للكاتب المغربي محمد غرناط رواية جديدة بعنوان "تحت ضوء الليل" عن دار الأمان (2010) بعد ثلاث روايات، هي على التوالي: متاع الأبكم (2001)، ودوائر الساحل (2006)، وحلم بين جبلين (2008). تؤكد رواية الجديدة على خيارات الكاتب الروائية، ومن أهمها: الفضاء المحلي المغربي.

تقوم الرواية عموما على مكونات أساسية تضمن انسجام النص وترابط وحداته وتسلسل متوالياته السردية، كالفضاء الروائي المحلي، وبناء الشخصية الروائية، وأبعاد الزمان والمكان، والفكرة الأساس، والحكاية الإطار والحكايات الصغرى المكملة والفرعية التي تشق جيوبا ومجاري جديدة وتبني محكيات تامة أو تكميلية، بدورها، لتوسيع الحكاية وإثراء أفكارها وإبراز أهدافها. إن الرواية بهذا المعنى، بناء، وإنها مجهود فكري ومتخيل أيضا.

بنى محمد غرناط روايته "تحت ضوء الليل" على فكرة أساس مفادها؛ أن محاولة الخروج من الفقر قد تؤدي إلى كارثة. يسافرُ رياض الشاب الطموح الحالم والمنقذ والمخلِّص إلى إيطاليا ليعودَ محملا بالآمال والأحلام الجميلة كي يُخرِجَ عائلته من الفقر، وليحرر (حي الزيتون) من البؤس:" نحن أيضا بخير، نحد الله على نعمته وإحسانه ولو أن أحوالنا ليست تماما على ما يرام. كنا دائما بانتظارك. أنتَ تعرف مكانتك بقلوبنا. كل العائلة تسأل عنك، وكلها أمل في أنها ستبدأ حياة جديدة مع عودتك" ص (99)، لكنه نسي أن الحقد لا علاقة له بالنوايا وبالأحلام فهو مرض يسكن بواطن الإنسان المقهور، ذلك الحقد هو النار التي قضت على كل آمال وأحلام رياض وزوجته سيلين، وأرجعتهما إلى نقطة الصفر. فهل الفقر قدر؟؟؟ تقول سيلين لزوجها:" ما من شيء يقع إلا وراءه فاعل. النار يا عزيزي يشعلها الحقد والكراهية والعداء." ص (174).

يحمل العنوان "تحت ضوء الليل" معارضة ساخرة ذات دلالة للعبارات الآتية: "تحت حلكة الليل" و"في جنح الظلام" حتى يناسب المضافُ المضافَ إليه، لكن محمد غرناط جعل لليل ضوءا لعله ضوء نار الحقد التي أكلت أخضر ويابس أحلام عائلة بكاملها، عائلة عاشت على أمل التغيير، وعلى حلم الخروج من النفق، وعلى أمل استرجاع أمجاد الماضي، فما وقع تحت جُنح/ضوء نار الليل/الحقد كان تجسيدا لمعنى الخيبة وفقدان الأمل.   

تبدأ الرواية بالانتظار والترقب وتنتهي بفاجعة "ما هذه الفاجعة؟" ص (172). وهو ما جعل المحكي متواترا على مستوى القصة حسب المتواليات الآتية:

° بنية الانطلاق: انتظارات الأم والعائلة، وبناء الأحلام الكبرى.

° بنية الاضطراب: احتفال العائلة بوصول رياض وزوجته سيلين.

° بنية الحل والنهاية: شراء رياض المصنع ووقوع الكارثة.

تُظْهر البنيات السردية الانسجام والترابط بين المتواليات السردية، والتواتر الذي يقوِّي مبدأ التنامي السردي ويدعمه، في هذا العمل الروائي وفي الروايات السابقة عند محمد غرناط، لكن على مستوى بناء الخطاب فقد اعتمد الروائي العديد من التقنيات منها التوسيع عبر المحكي الاسترجاعي (الارتدادي/ السابق) الذي يقوم بوظائف سردية كثيرة كترميم الحكاية الإطار، أو إضاءة جوانب شخصية من الشخصيات الرئيسة في الرواية، أو السماح للساردين بالتناوب على رواية الغامض في القصة وتبادل الأدوار، ومنها كذلك تأجيل التوقعات وإطالتها عبر إدراج شخصيات روائية جديدة ذات صلة بالشخصية المحورية (رياض حمداني) من قريب أو بعيد. لتأجيل وإبطاء تحقيق التوقعات علاقة وطيدة بتضمين الحكايات الصغرى ومحكي الشخصيات الثانوية التي تشكل بنية الانتظار. التقنيتان معا تسهمان في تجلية طبيعة السرد في رواية "تحت ضوء الليل" فهو سرد متواتر يقوم على الترابط والتسلسل والتنامي، لكن هذا النمط من السرد يقع تحت طائل اللعب ببنية الزمن، لذلك نجد السارد، نظرا لحجم الرواية الذي يصل 176 صفحة، يمتص الضغط الزمني المتسلسل بالطفرة والحذف.

في إطار التوسيع والتنويع في بنية الانتظار التي امتدت من أَوَّلِ الروايةِ إلى الفصل (14) حين وصول رياض وزوجته سيلين إلى مدخل حي الزيتون اعتمد محمد غرناط على الزج بشخصية روائية جديدة في كل فصل، أو بالعودة إلى ماضيها أو إلى جزئية قد تشق مسارا جديدا بخلق محكي جديد.

= = = = = = =

للمكان في الرواية مكانة هامة سواء أكان حاضرا فعلا أو متضمنا في السياق تحيل عليه الكلمات كمكان افتراضي في ذهن الراوي والمروي له أو المتلقي، وهو الفضاء الذي يتجسد على أرضته، وفي أبعاده المتخيل الروائي، وهو الصورة القريبة [تجسيم] من الواقع حيث تتكون الشخصية الروائية من خلال أفعالها أو ما يقع لها من أحداث، وفيه تتحقق وتتبلور فكرة العمل الروائي. المكان في الرواية يقوم بمهام (وظائف) كثيرة تتجاوز التحديد الخارجي (أو الظهور كخلفية ثابتة) إلى الفعل والتفاعل مع مكونات العمل الروائي الأخرى.

يتحول المكان في رواية "تحت ضوء الليل" من حالة الثبات والسكون إلى حالة المشاركة الفاعلة في تشكيل الصورة والقيمة اللتين يروم الكاتب عبرهما الوصول إلى تجسيم فكرة الرواية، فالأوصاف المرتبطة بحي الزيتون وبأهله تساهم بحظ وفير في جعل النتيجة (الفاجعة) منطقية بل نتيجة حتمية؛ ومن المظاهر المميزة للمكان (حي الزيتون) نجد الآتي:

° الفقر والحاجة. تساءل سيلين زوجها رياض:" - وحي الزيتون الذي قلت أن أسرتك تقيم فيه..هل هو الأشد خطرا؟

-         أظن، لأن الفقر انتشر فيه بكثرة." ص (89)

° الرعب وانتشار الجريمة

° الشطط في استعمال السلطة واستغلال القوي للضعيف:" يسعدها دائما أن ترى أخاها مبتهجا حول المائدة يحدثها عن طرائف يشهدها في المدرسة التي يعمل بها، وهي تحدثه عن رئيس المقاطعة الرابعة الذي يرتكب كل يوم حماقات جديدة." ص (47)

° تدني سلم القيم والانحلال والتفكك الأسري والاجتماعي:"...هي تعلم أن جارتهم مونية بنت الخياط تفعل العجب تحت أنظار الجيران ولا أحد يتكلم فيها. تحدث الرجال دون أن تبالي بالمارة والواقفين قرب مساكنهم، هم تعودوا على ذلك ولسان والدها أطول من قامته، فقد لا يتورع في إشهار سلاحه إن تجرأ أحد وفاه بما يغضبه." ص (48)

هذه السلسلة من المظاهر والأوصاف تندرج ضمن ما نطلق عليه "المتخيل الوضيع" الذي انخرط في بناء قضائه التخييلي عدد من الكتاب ومنهم الكتاب المغاربة الذين تشكل وعيهم الفني والإبداعي في سياق التحول الثقافي والفكري والاجتماعي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي كمحمد زفزاف ومحمد شكري كعلامة بارزة في مجال الرواية المغربية الحديثة والمعاصرة.               

في ظل مفهوم "المتخيل الوضيع" يصبح المكان (بل الفضاء) ملتحما بالسرد وبوجهة النظر وبالفكرة الأساس التي ينهض عليها العمل الروائي، ويصبح المكان عنصرا فاعلا وشخصية خفية لهما التأثير القوي في/على مسار تشكيل الحكاية الإطار. وهذه الفقرة الطويلة نسبيا تقوم برسم حدود المكان (حي الزيتون) وبتقديم لوحة (مشهد) طوبوغرفية لمداخل المكان:" من أي جهة سيدخل رياض حمداني كي يصل إلى البيت سالما؟ هناك جهتان محفوفتان بالمخاطر. الجهة المطلة على الغابة الصغيرة الممتدة خلف الحي التي يؤمها أثناء الليل السكارى والحشاشون، بعضهم يتوغل بداخلها وسط الأشجار الكثيفة، آخرون يجانبون بيوت الحي ويطلقون أصواتهم الصاخبة التي لا يحدها احتجاج أو سيارة أمن تمرق من وقت لآخر. الجهة الأكثر خطرا هي تلك التي تشرف على حفرة مهولة كانت مقلع أحجار ثم تحولت إلى مزبلة شاسعة تتجول بها كلاب وقطط متسخة. الأبواب التي تقابلها تنفتح نهارا وتغلق مع غروب الشمس، فلا يمر من أمامها أحد إلا وكان مهيأ للفرار. عليه إذن أن يأخذ الطريق المؤدي إلى ساحة داماس حيث موقف السيارات، مقهى السانية، ومقهى صغير يتجمع به عمال مياومون وعاطلون لا يؤذون أحدا. كان يريد أن يجتاز الدروب تحت ضوء النهار، لكنه خشي أن يقع في كارثة. من الأفضل أن يأتي ليلا ويأخذ الطريق الذي يربط حي الزيتون بوسط المدينة، ثم يتابع إلى بيته دون أن يتوقع حدوث مفاجأة. ومع ذلك عليه أن يحترز، فضوء الليل نفسه قد يفضح وجهه." ص (88.87)

تشير العبارات المضغوطة من قبلنا على الخوف والتوجس وتوقع الخطر بل توقع الكارثة، وكأن رياض حمداني لا يدخل حيا به ولد وترعرع ودرس، حيا به أسرته ويعود إليه بعد غياب دام سبع سنوات عاشها أهله مترقبين ومؤملين أنفسهم بالعودة الميمونة التي ستخلصهم من الفقر والحاجة. تشير العبارات إلى طبيعة المكان ووضاعته التي يكتسبها من غياب الأمن والاطمئنان بين السكان، وسيادة الخوف والانحراف والبطالة، فهي عبارات جعلت المكان عنصرا فاعلا في توقع النهاية/ الفاجعة.

لا يمكن للمكان أن يكون مجرد أبعاد هندسية وفضاء جامد لذلك فالمكان لا تدب فيه الحياة ويقترب من الدلالة الواقعية إلا بفضل الشخصيات الروائية المتخيلة التي تتعايش فيه وتستمد من طبيعته شخصيتها، فيتبادلان التأثير والتأثر الموجب والسالب تماما كما في رواية محمد غرناط "تحت ضوء الليل".

مَكانٌ مريع محفوف بالمخاطر كالَّذِي مَرَّ بِنَا وَصْفُهُ لا يمكنه إلا أن ينتج نسبة كبيرة من الرعب في قاطنيه، ستعبر عن ذلك الرعب شخصية سيلين زوجة رياض حمداني الإيطالية التي لم تهنأ بمقامها في حي الزيتون رغم طمأنة رياض لها، فترة الطمأنينة هي التي قضتها بمدينة مراكش، تقول لزوجها:"

-         عزيزي.. أريد أن أبتعد كثيرا من هنا.

فرد عليها وهو يضغط على المحرك:

-         سآخذك حيث تشائين.

-         خذني بعيدا.. أريد أن أرى شيئا جديدا. حيكم وناسكم وكل شيء ملأ قلبي رعبا. ما أن أشعر بالراحة لحظة حتى أنتكس وتعود إلي المخاوف." ص (163)

وفي حوار بينها وبين رياض تقول:"

-         لكن لا تنس أنني قلقة. أريد أن أضع حدا لهذه المحنة. أنت لا تعرف كم عانيت خلال هذه المدة القصيرة، لا أخفيك أنني أتعذب.

لاح الحزن على وجهها وهي تضيف:

-         هذا الشبح الجديد، ياقوتة، حيرتني كثيرا. نظراتها تشبه قذيفة لا تحمل معها شيئا غير الموت." ص (152)

مجتزأ الحوارين يبيِّنُ حجم الرعب المكبوت في باطن شخصية سيلين منذ هاجمها الكلب الشرس بالساحة أول وصولهما إلى حي الزيتون تحت ضوء الليل، يقول السارد:"انتفضتْ فجأة على صوت كلب ينبح وينطح زجاج السيارة. رأت أنيابه الطويلة فصرخت صرخة عالية هرع على إثرها رياض وأهله يتصايحون. انطلق الكلب هاربا دون أن يتوقف عن النباح. هبطت مرتعدة تكاد تنهار من الرعب." ص (101)

يتضافر الفضاء الروائي والفكرة الأساس [الفكرة الشعرية] في الرواية لرسم الملامح المحددة للمتخيل الروائي في رواية "تحت ضوء الليل". وتعمل الأوصاف والنعوت الخاصة بالشخصية الروائية ووضعياتها داخل المحكي على الانحدار بالمسار من الترقب وبناء أمل الخلاص إلى الكارثة والفاجعة حيث يتم القضاء على فرص التغيير.

المكان كما تمثل في الرواية قدر محتوم غير قابل للتغيير بالنسبة لشخصية رياض وأنه مصدر الرعب والفشل بالنسبة لشخصية سيلين. وهو سجن كبير تتحرك في حدوده الضيقة أسرة وعائلة رياض حمداني التي تعاني من الانحطاط والانحدار الاجتماعي، مثلها مثل باقي سكان (حي الزيتون) الذين يعاني بعضهم من التشرد، والبعض الآخر من البطالة وقلة ذات اليد، وآخرون يقضون قسطا من أعمارهم في الحبس، ومنهم من وضع حدا لحياته التافهة المتوقفة. يصف المجتزأ الآتي استبداد اللصوص وخوف الأهالي المستتب:" صرخت [زينة] في انفعال أن هذا لا يدعو للضحك بل لنحيب طويل على فواجع لا تليق ببني آدم الذي كرمه الله. سوَّى عسُّو جلبابه فوق كتفيه وقال إن كثرة الهم تضحك المرء ولو كان واقفا على قبر أبيه، ثم أضاف إنه كلما كان المطر وافيا وافرا، قل عدد اللصوص، لكن الحقيقة هي أن هؤلاء كرهوا الحياة حتى خلت قلوبهم من الرحمة، أو لم تعد لديهم قلوب، ولا شك أنهم هم أيضا لا يرحمهم أحد، لذلك يطوفون بوجوه حانقة ويظهرون في كل ساعة متأهبين لغدر من يعبر بدرب دون أن يفكروا في الخالق." ص (78)

هناك علاقة متينة بين تشكيل المكان وتكوين الشخصية الروائية، وليس بغريب أن تكون الاتجاهات المختلفة في كتابة الرواية ذات صلة بطبيعة المكان، فالرواية الواقعية لا يمكنها أن تقوم إلا بالتحديد الدقيق للمكان ومكوناته، بل جعلت الرواية الواقعية من وصف المكان أو جزء منه مدخلا ومفتتحا سرديا، أما الرواية ذات المنحى السردي التجريبي فقد انصب اهتمامها على المكان والشخصية الروائية، فعملت على تقويض المكان وتفكيك مكوناته لنزع هالة القداسة عليه، وعمدت إلى الشخصية الروائية وعملت على طمس ملامحها المحددة لطبيعتها المطابقة للكائن في الواقع. يمكن قول الشيء ذاته بالنسبة للسرد النفسي الذي يتم فيه التركيز على الانفعالات، وعلى منطق التداعي للأحلام، وعلى الاستيهام والفنطاستيك، والمونولوج والمناجاة... كل ذلك محاولات يائسة للتخلص من سلطة المكان ومن سلطة الشخصية الروائية وتأثيرها على باقي مكونات النص السردي.

محمد غرناط في روايته "تحت ضوء الليل" لا يصارع المكان والشخصية الروائية بل يحاول العمل على أن يجعل منهما مكونا واحدا، متداخلا، ومتلاحما، منسجما، يمثل هذه الحالة من التوحد الشخصيات الرئيسة في الرواية: رياض حمداني القلق والمنتفض الذي يسعى للخروج من حبس المكان وتغييره، وكأنه ينتفض ضد ذاته ليحررها من قدرها المحتوم، وسيلين الإيطالية التي تتغير أحوالها بتغير الأمكنة، فهي في حي الزيتون مرعوبة فزعة مضطربة النفس، بينما في مدينة مراكش هانئة مرحة ومطمئنة النفس.     

 

 

   

 

 

hqdefault