محمد معتصم

 

المحكي السردي بين الصدق والتوثيق والتخييل

 

في الرواية الحديثة والمعاصرة في الأردن وقفنا عند عدد من المحكيات السردية وقد اجتهد كتابها وكاتباتها في ابتداع صيغ سردية حديثة تناسب تطلعات المرحلة وتمتاح من التجارب الجديدة الناجحة في العالم والعالم العربي، بينما الرواية عند الكاتب والشاعر والقاص رسمي أبو علي اختارت أن تخوض تجربة مختلفة، لكن بتبريرات معقولة، منها أنها أن السارد يكتب بوعي حاد بالمرحلة التاريخية التي يروي أحداثها، ويشعر بمسؤولية ذلك حيال الأجيال اللاحقة، إنه سارد مسؤول أو يمكن أن نقول عنه "ملتزم" بمعنى من المعاني، يرغب في نقل الحقائق كما وعاها وهو طفل إبان نزوحه وعائلته من قريتهم الصغيرة المسماة "المالحة" القريبة من القدس، وبداية اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد إعلان الدولة الإسرائيلية سنة 1948م، إنه سرد يحتمي بالصدق قدر الإمكان، أي قدر استطاعة استيعاب واسترجاع ذاكرة طفل دون العاشرة لأحداث جسيمة ما تزال مستمرة حتى وقت كتابة هذه الدراسة، ويستند إلى ضرورة ووعي تاريخيين لأن ما يسرده من محكيات سيكون في وقت من الأوقات "شهادة" حية من قلب العاصفة، من قلب الاجتياح والعنف الإسرائيلي.

 

بهذا الوعي المسؤول اليقظ والحاد كتب رسمي أبو علي روايته "الطريق إلى بيت لحم"، لكنني لا يمكن أن أفصلها عن روايته "تلك الشجرة الجليلة... ذلك الانحدار السحيق (أوراق من عمان الخمسينات)"، أولا لاشتراكهما في خصائص سردية واحدة، وهي محكيات كما سلف تحتمي بالصدق والتوثيق التاريخي والتخييل الأدبي، ومن أهم ملامح السرد فيها ضمير المتكلم وتوافق السارد والشخصية الروائية والمؤلف وحملهم لاسم علم واحد، هو "رسمي أبو علي" أو كما يقول في "أوراق من عمان الخمسينات" على لسان المدرس: "رسمي حسن محمد علي؟

أجبت نعم، هذا هو اسمي الكامل.

قال الأستاذ يمغص نيعك، من أين أنت؟

قلت أنا من المالحة قرب القدس ولكني جئت بعد ذلك من بيت لحم..." ص (458)

 

ثانيا، لأن الرواية الثانية تبدأ محكياتها السردية من النقطة/ السنة التي انتهى إليها السرد في الرواية الأولى وهي سنة 1952م حيث انتقلت الأسرة (العائلة) إلى عَمَّان، يقول المقطع السردي الأخير:"لقد بقينا في بيت لحم أربع سنوات ثم ذهب والدي إلى عمان بحثا عن عمل جديد فلحقنا به في عام 52، ولكن تلك رواية أخرى..." ص (289)، ويقول الطفل السارد في المقطع السردي الافتتاحي للرواية الثانية:" بعد وصولنا إلى عمان قادمين من بيت لحم عام 1952، استأجرنا غرفة واطئة السقف وحيدة في جبل الجوفة تحت عائلة من أصول بدوية، أمامها قطعة جرداء من الأرض يفترض أنها الحديقة، لكن لم يكن بها إلا شجرة تين عجفاء مكسوة بالغبار، فكأنها شجرة غبار على هيئة شجرة تين." ص (453)

 

ثالثا، الفضاء الروائي لم يتغير إلا ليرسم الخط الذي رسمه النزوح والمأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني عبر صورة مصغرة لمأساة ومحنة أسرة السارد الطفل "رسمي حسن محمد علي"، وقد شكل المكان، كما هي العادة في الرواية الفلسطينية التي نقلت الأمكنة إلى اللغة وإلى المتخيل الأدبي حفاظا عليها من الضياع، كما بينت خاصة في دراستي لرواية إميل حبيبي "سعيد أبو النحس المتشائل"، شكل المكان محطات وعلامات للرحلة الشاقة والصعبة من أجل البقاء، كالآتي: المالحة - كرزة- بيت لحم- عَمَّان.

 

ثلاثة أسباب موضوعية تدفع الدارس إلى الجمع بين الروايتين كامتداد سردي: السارد الطفل والفضاء الروائي وتصريحات السارد المتضمنة كتعليق أو شرح وتفسير، ويمكن اعتبارها أساليب إقناع لخطاب حجاجي يروم خلق الانسجام بين المنطلقات ثلاثة التي حددتها في البداية (الصدق في رواية الأحداث، التوثيق التاريخي للشهادة والأمانة، وضمير المتكلم).

 

يمكن تقسيم مستويات المحكي السردي في روايتي رسمي أبو علي إلى ثلاث مستويات كبرى، وهي كالآتي:

 

1/ المحكي التاريخي: وهو سرد يكون فيه كما بين جون ميشيل آدم التخييل في الدرجة الصفر، لأنه يسعى أن تكون الرواية مطابقة للحقيقة في الواقع، ويسعى فيها السارد إلى إبعاد الذاتية وانفعالاتها وجنوحها التخييلي. يقول السارد:" لكن الحقيقة يجب أن تقال، والذي حدث يجب أن ترويه آلاف بل ملايين الأفواه وكل ما أتمناه أن يهبنا الله اللباقة والتصميم لإنجاز هذه المهمة الشاقة لأروي تلك الأحداث بأكبر قدر من الصدق." ص (251)

 

يقرُّ رسمي أبو علي حقيقة نقدية ها هنا، ومفادها أن الأدب (رواية أو شعرا أو قصة أو مسرحية) لا يمكنه أن يكون الحقيقة الواقعية ذاتها ولا حتى أن يحذوها حذو الحافر للحافر كما يقال، لأن للأدب طبيعة تخييلية تبدأ من اللغة في حد ذاتها، فاللغة وبالرغم من أهميتها في نقل الأخبار والأحداث وتصوير الوقائع ورسم ملامح الأشخاص والشخصيات لا يمكنها أن تكون صادقة، لأن للغة صلة بقصدية الكاتب وللغة حمولتها وتراثها وتاريخها الشخصي، ولأن للغة معانيها وتراكيبها ومجازاتها ... لكن يمكن للأدب أن يقربنا من الحقيقة التاريخية، باستعمال المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية الخارجية كما حددها رسمي أبو علي بالنسبة للمكان (المالحة، القدس، بيت لحم، عَمَّان) وللزمان (ربيع وصيف سنة 1948م، والعام 1952م)، أو استعمال المعينات الزمانية والمكانية اللسانية  وهي المعينات اللغوية غير المحددة بما هو خارج نصي.

 

من ملامح المحكي التاريخي الصدق في رواية الأحداث والرسم الدقيق للشخصيات وللأشخاص واعتماد المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية، وأدوات السارد في المحكي التاريخي "العين" الراصدة التي تعاين الوقائع وتنقلها بصدق قدر استطاعة اللغة، وتنهل طبعا في أغلب المقاطع السردية والمتواليات من الذاكرة عبر الاسترجاع والاستدعاء، أي استدعاء حادث بحادث مماثل أو نقيض، والاستذكار، أي حث الذاكرة على فعل ذلك، لكن في لحظات معينة يكون الواقع أعنف من الصدق في السرد، فيتألم السارد، وقد يتوقف السرد أو يحدث السارد "طفرة" يختزل فيها أحداثا ووقائع، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بقول السارد في المقطع السردي الآتي:" إلى هنا والراوي لم يعد يجد ما يضيفه للأحداث التي وقعت في ربيع وصيف السنة المشؤومة: سنة 48.

 

إنه على سبيل المثال يذكر كيف خرجوا من البلد وهذا شيء غريب حقا، فإذا كان ثمة ما هو جدير بالتذكر فقد كان بالتأكيد تفاصيل ذلك الخروج. ولكننا نبحث عبثا في الذاكرة الأعمق لراوينا الفتى والذي أكمل سنته العاشرة آنذاك، عن التفاصيل، فلا نجد شيئا.