محمد معتصم

 

في محبة بلزاك

 

 

20170709_234326-1

في رواية الكاتب داي سيجي ذي الأصل الصيني؛ "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" نقف على صورة أخرى منَ "المتخيل المشترك"، وقد استعمل فيها الكاتب متخيلين مختلفين في وقت واحد، هما: المتخيل التاريخي الحديث والمعاصر، كما بيناه في رواية "ميرامار" للكاتب المصري نجيب محفوظ، وخلصنا فيها أن التاريخَ الحديثَ والمعاصرَ ليس سوى محتوى لمفهوم "السياسة" بالمعنى المتداول في وقتِنَا الحاليِّ، وهذا الذي اعتمده داي سيجي عندما جعل منَ "الثورة الثقافية الصينية" خلفية لبناء متخيله الروائي، ثمَّ المتخيل الأدبي، عندما جعل الكاتب من روايات كتاب فرنسيين مشهورين ومعترف لهم بالإبداع من أمثال؛ بالزاك (H. Balzac) وألكسندر دوما (A. Dumas) وغوستاف فلوبير (G. Flaubert) خلفية لبناء "القصة"؛ مادة المحكي السردي لليو والخياطة الصينية الصغيرة ووالدها وشيخ القرية وغيرهم.

 

ومن بين أهم مظاهر استناد الكتاب على المتخيل التاريخي إضفاء قيمة اليقين والواقعية على القصة المتخيلة، لأن التاريخ كما ترسخ في الأذهان، أنه الحقيقة التي لا يتسرب إليها الشك والريبة، فالتاريخ أحداث وقعت بالفعل، وتم تدوينها في حينها، وقد تم تأكيد هذا الحكم عبر وسائط متعددة، كالتعليم والتعريف الموسوعي والمعجمي لكلمة "تاريخ"، إذن، فالتاريخ حقيقة، أو هو وقائع حقيقية، وشخوصه حقيقية وواقعية كانت موجودة بالفعل، في أزمنة معينة وأمكنة ثابتة، ومن هنا رفضت الآراء المتشككة في حقيقة الوقائع وفي نتائجها، تلك التي طرحت بجرأة مسألة "إعادة التفكير" في مفهوم التاريخ وبالضبط في حقيقته المطلقة وواقعيته، من منظور مختلف، قد لا يشكك في حقيقة وجود الأحداث والوقائع والشخوص، ولكنْ "يُعِيدُ صياغة" الأسئلة حول "بناء" الأحداث و"تأويل" النتائج بالعودة إلى الأحداث الثانوية والهامشية والصغرى التي أهملها المؤرخون.

 

وتكمن أهمية اعتماد المتخيل الأدبي في خلق فضاء ثقافي مشترك يجمع بين كل محبي وقراء بالزاك وفلوبير ودوما من كتاب الواقعية والطبيعية، أولئك الكتاب الذين اهتموا بالتاريخ والواقع في الرواية وبالطبيعة سواء الجامدة أو البشرية (العاطفية)، فبالنسبة لهؤلاء الكُتَّابِ فقد تحولوا إلى "حجة" بإبداعيتهم وكثرة منجزهم الروائي، وهو ما جعل منهم كتابا "مدرسيين" كلاسيكيين، اليوم، لكن الكاتب داي سيجي وظفهم للتعبير عن مرحلة تاريخية "مظلمة" من تاريخ الصين الحديثة، فترة تسلم ماو تسي طونغ، وفرض سياسة "ديكتاتورية البروليتاريا"، بما يعني، في عرف الثورة الشيوعية "ثورة الفلاحين والعمال"، وقد رافقها انتقام طبقي من "المثقفين البورجوازيين"، الذين اعتبروا أعداء للشعب فسجنوا وقتلوا، بعدما ألصقت بهم تهم جاهزة في دفاتر الجيش الأحمر، وكأننا أمام الفكرة الجوهرية في أعمال فرنز كافكا "المحاكمة" و"في مستوطنة العقاب" حيث الفرد مدانٌ دون أن يرتكب خطأ أو خطيئة، فكل من لم يكن فلاحا أو عاملا اتهم بالبورجوازية المعادية للشعب ووجب نفيهم وسجنهم وتعذيبهم، وقد صور الكاتب هذه الظاهرة في مشهد عنيف تمت فيه محاكمة والد (ليو) طبيب الأسنان المشهور الذي عالج فيما مضي أسنان ماو من التسوس، وقد ألصقت به تهمة معاشرة ممرضته، وَلَاقَى والد السارد، وهو طبيب أيضا، المصير ذاته (السجن)، وإمعانا في العقاب تم إبعاد أبنائهم إلى القرى النائية من أجل "إعادة التأهيل" على أيدي الفلاحين القرويين.

 

ومن أهم التهم التي لا تغتفر في ظل سياسة "الثورة الثقافية" السوفييتية ورديفتها الصينية قراءة الكتب الغربية خاصة الروايات والقصص، لأنها روايات وقصص بورجوازية تتحدث فقط عن الجنس والحب والصراع ضد العالم، يشبه السار في رواية داي سيجي شخصيتاه الرئيسيتان بشخصيات روائية غربية يقول عن (ليو) و(الخياطة الصغيرة)، بعدما اكتشفت الخياطة الصغيرة حملها من صديقها (ليو)، والحال أن الثورة البروليتارية ترفض بحكم السياسة الجديدة وبحكم العادات والتقاليد الريفية والجبلية أيضا الإنجاب خارج مؤسسة الزواج من جهة، ومن جهة أخرى رفض الثورة والنظام الجديد الزواج دون الخامسة والعشرين من العمر، يقول:" لقد نسيت أمرا أساسيا، أي أن أسألها إنْ كانت ترغب في أن تصير أما في الثامنة عشرة من العمر. وكان سبب هذا النسيان بسيطا: استحالة الاحتفاظ بالطفل استحالة مطلقة. ما من مستشفى، ما من قابلة في الجبل، يمكنهما القبول بخرق القانون، عبر الإشراف على وضع طفل لشخصين غير متزوجين. ولا يستطيع ليو الاقتران بالخياطة الصغيرة إلا بعد سبع سنوات، لأن القانون يحظر الزواج قبل سن الخامسة والعشرين. زاد غياب الأمل حدة بعدم وجود مكان غير خاضع للقانون يمكن أن يهرب إليه روميو، وجولييت الحامل، خاصتنا، ليعيشا على طريقة الشيخ روبنسون كروزو، يساعدهما شرطي سابق تحول إلى شخصية "جمعة". فكل سنتمير مربع في هذا البلد هو تحت المراقبة اليقظة لـ "دكتاتورية البروليتاريا" التي تغطي الصين كلها مثل شبكة رحبة الاتساع، لا تنقصها حلقة واحدة." ص (178)

 

يُبْرِزُ هذا المجتزأ سلطة تحكم البروليتاريا في الثقافة الجديدة، وهو ما يناسب فكرة لينين التي ترى الثورة الثقافية من هذا البعد والعمق، المتمثل في خلق جيل جديد ذي ثقافة عمالية جادة، يقول:"... واليوم يتوفر أهم شيء بالنسبة للثورة الثقافية منذ ظفر البروليتاريا بالسلطة، ألا وهو استيقاظ الجماهير وسعيها وراء الثقافة. وينمو أناس جدد خلقهم النظام الاجتماعي الجديد ويصنعون هذا النظام..." ص (151). وقد جمع لينين في ما عرف بـ "مسودة قرار عن الثقافة البروليتارية" بين مفهومين أساسيين في "المتخيل التاريخي" الذي اختاره داي سيجي خلفية لبناء روايته "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة"، وهما: "الثورة الثقافية" و"ديكتاتورية البروليتاريا"، كالآتي:" لا اختلاق ثقافة بروليتارية جديدة، بل تطوير خيرة نماذج وتقاليد ونتائج الثقافة الموجودة من وجهة نظر الماركسية عن العالم وظروف حياة ونضال البروليتاريا في عهد ديكتاتوريتها." ص (93)

 

هناك تناقض بيِّنٌ في مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" ونتج عنه سوء "التأويل" و"التطبيق" في لحظة انتقال المفهوم إلى تجارب خارج الاتحاد السوفييتي وبعيدا عن لينين ذاته الذي تقول عنه كلارا تسيتكين في مقالة جميلة من كتاب: "ذكريات عن لينين" حيث يبدو لينين أكثر انفتاحا ووضوحا في الرؤية وفي الاختيار بين "القديم" و"الحديث" ودرجة الاستيعاب والتوافق مع وعي الجماهير، يقول:" نحن ثوريون جيدون، ولكننا نشعر لسبب من الأسباب بأننا ملزمون بأن نثبت أننا نقف نحن أيضا "في مستوى الثقافة العصرية". بل إني أملك من الجرأة للقول عن نفسي بأني "همجي". ليس في وسعي أن أعتبر مصنفات التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية، وما شاكلها من التيارات، الإفصاح الأسمى عن العبقرية الفنية. فأنا لا أفهمها ولا أشعر بأي فرح بها." ص (135)

 

إن داي سيجي استطاع أن يقرن بين متخيلين مختلفين ويصنع منهما خلفية جيدة للتعبير عن موقف رافض ومناقض للثورة الثقافية وصرامتها في التعامل مع الفن والثقافة الغربية المتهمة بالنزعة البورجوازية المعادية للشعب والخارجة عن "ثقافة البروليتاريا" الجديدة، التي تطمح لبناء ثقافة جديدة وإنسان جديد، وأن يقوم بالانتصار للأدب الغربي وعبره كل الإبداع الحر، الذي يخاطب الإنسان دون تصنيف ضيق، لأن مفهوم الإنسان غير محصور في توصيفات بعينها، وأهم ما يبرز إنسانية الإنسان في الكتابة، البعد السيكولوجي، الذي بينا في روايات كثيرة مدروسة في هذا الكتاب لنجيب محفوظ وهرمان هيسه، كافكا وستيفان زفايغ...، أنها العلامة الفارزة للأدب الجديد بداية القرن العشرين، خاصة بعد ما أصاب الوعي والفكر إبان الحربين العالميتين. وقد جسدهما الكاتب في: الجنس والحب والصراع ضد العالم. وهذا الذي حاربته الثورة الثقافية.

إن التأويل الخاطئ لمفهوم "الأدب" و"الإنسان" وسوء توظيفه في ظل ثورة كانت تنشد التغيير والقضاء على الفوارق الطبقية، والمتمثل في خلق "ديكتاتورية ثقافة البروليتارية"، والسعي وراء إنقاذ الفلاحين والعمال من قيود الأمية والجهل، وإعادة تأهيل أبناء البورجوازية على أيدي القرويين، خلف تفاقما كبيرا في المجتمع، وقضى على الطبقة الوسطى، ولذلك، جاءت رواية داي سيجي، للوقوف أمام هذا الانهيار والهبوط نحو الثقافة الفقيرة بضيق أبعادها، وابتعادها عن الوظيفة الأسمى للأدب: خلق روح إنسانية مشتركة، ومتفاعلة، وخلاقة، ومخترقة لكل الحدود والفوارق.

 

تروي رواية "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" قصة عاطفية على غرار قصص الروايات الواردة في المتن السردي لكتاب عالميين من قبيل بالزاك ودوما وفلوبير ديكنز وشيكسبير...، لكن الأهم أنها رواية تنتصر لـ"القراءة" ولـ"الكتاب"؛ فقد لانت قناة الطبيب أمام كتابين لبالزاك اقترحهما عليه السارد، مقابل إجراء عملية إجهاض الخياطة الصينية الصغيرة، واختراق القانون الذي لم يجرؤ أحد على تجاوزه، خوفا من العقاب. يقول السارد بعد نجاح العملية:" وفضلا عن اتفاقنا، أي كتاب "أورسولا ميروي"، وهبت للطبيب رواية "جان-كريستوف" أيضا، وكان كتابي المفضل في ذلك الوقت. بترجمة السيد فولي نفسه." ص (192)

 

 

سيجي، داي: بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة. ترجمة؛ محمد علي اليوسفي. منشورات المركز الثقافي العربي. ط1. 2004م