محمد معتصم

المحكيات السردية الاستئنافية

 

sayatik lgazal

يعرف المتخيل الروائي العربي المعاصر نشاطا على مستويات عدة نظرا لما تمور به الحياة العربية المعاصرة اجتماعيا وسياسيا وما تجتازه من اختبارات متعلقة بالكينونة والصراع من أجل البقاء، ضد عملية المحو والانسلاخ وطمس معالم الهوية والصفات المميزة، وما تشهده المنطقة من تحولات جغرافية وصراعات إثنية وتمرد الأقليات العِرقية على حساب الأغلبية السائدة لعصور تاريخية، تبعا للحركة العالمية التي ترى في وجه العالم العربي الإسلامي وجها قديما يقف ضد التغيير الذي ترتئيه القوى العظمى. والصراعات والتغييرات الخارجية ليست التجلي الوحيد للمرحلة، بل هناك صراعات اجتماعية أفقرت الشعوب وقضت على آمالها في العيش الكريم، ونشرت منطقا وخطابا زائفين قضيا معا على آمال القوى المدنية الحية.

خليل صويلح الروائي السوري في روايته "سيأتيك الغزال" الصادرة في العام 2015م عم منشورات ضفاف والاختلاف في حدود (141) صفحة من القطع المتوسط،  ترصد حالة انهيار مجتمع صحراوي قبلي وتشتت أهله وتلف مزروعاته والقضاء على الحياة الصاخبة فيه جراء الإهمال الحكومي والإقصاء الاجتماعي. رواية يروي عن محنة الأمكنة، خاصة تلك التي تقع خارج دوائر الاهتمام والنفع، الأمكنة "غير النافعة" التي تتعمد الدوائر الحكومية مؤازرة بالصمت الإعلامي الرسمي والمدني المتخاذل وخوف الفئات المستضعفة وجهلها بحقوقها وبحقيقة وجودها على تدمير الحياة لفئة اجتماعية أو مدينة أو قرية مغضوب عليها سياسيا أو فقط لبعدها عن الاهتمام النفعي.

يسعى السارد الشخصية إلى الإجابة عن هذا السؤال الوجودي القلق: لماذا يَتِمُّ القضاءُ أمكنة بعينها، وعلى حياة نابضة ومميزة بنمطها الصَّحْرَاوِيِّ؟

يصف الساردُ القرية بعدما عاد إليها ليستكشف سر فنائها واندثار الحياة بها وتشرد أهلها:" قرية طينية مهجورة تماما، غادرها أصحابها بعد أن فقدوا أي أمل بالنجاة، كأن حنفيش إحدى الحكايات الخرافية ابتلعتهم جميعا، في ليلة ظلماء. جدران طينية مشققة ومتداعية، أعشاش عصافير مهجورة، وأبواب وشبابيك سدت بقطع من البلوك كنوع من الحماية لما تبقى من أملاك..." ص (136)

إنها صورة لما آلت إليه القرية التي ولد فيها السرد الشخصية، وتحمل طعم الفاجعة، والفقد، والاجتثاث من الجذور، فللأمكنة سيرها وحياتها الخاصة وتاريخها الذي يتشكل من مجموع الذكريات والمشاعر والعلاقات العامة والخاصة الروحية والعرقية العشائرية وهي مجموع ثقافتها المحددة لأبعادها في الجغرافيا العام لبلد ما أو العالم.

فما الذي عاث فسادا في المكان وذاكرته وثقافته؟

يقول السارد بألم متحدثا عن التهجير والإبادة الباردة والصامتة:" مهجرون أم نازحون أم لاجئون؟

"لا توجد تسمية دقيقة لنحو مليون ومئتي شخص، وجدوا أنفسهم في العراء والصمت والعزلة، ليس بسبب الحروب أو الاحتلال، بل تحت وطأة فساد حكومي ومجاعة مستمرة، شردتهم عن مسقط الرأس قسرا، في أضخم هجرة داخلية تشهدها البلاد منذ الاستقلال." ص (138)

وفي خطاب سردي المتخيل السردي فيه وصل درجة الصفر، لأنَّ الواقع فاق كل حدود الخيال، يتابع السارد الشخصية في الفصل الأخير من الرواية، حينما وصلت ذروتها وغايتها في آن:" في مخيم "كناكر" جنوب دمشق، عشوائيات العاصمة، تتوزع أكثر من ثلاثة آلاف عائلة عالقة، منذ سنوات، تعمل في أية مهنة متاحة." ص (138)

إنهم المنبوذون اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا وإنسانيا، لكنهم مجموعة "البارياس" التي تكشف نفاق الحكومات وخطاباتها الزائفة،  وتعري حقيقة المنظمات الدولية المدنية والإنسانية المتواطئة. إن الرواية في هذا المقام تتحول إلى خطاب إدانة وإلى كشاف يسلط الضوء على البؤر المهملة والمناطق المنسية، مناطق الضعف الإنساني ومعاناته الوجودية.

تلك الحياة هي "الرواية"، هي مادة التخييل، وهي مجموع المحكيات السردية التي دوَّنها الساردُ الشخصيةُ والمتعلقة بحياة شخصيات كانت تنبض بحياة مميزة ونمط خاص ومستقلٍ، كل شخصية لها حدود تناسب الحياة الضيقة في تلك القرية الحدودية المهملة، ذات الطبيعة الصحراوية، يصارع أهلها البقاء على قيد الحياة بالتهريب أو السطو على مخلفات شركات النفط أو محجوزات الدولة. ورغم حرص الشخصيات على البقاء على قيد العيش إلا أنها تفني نفسها عبر عادة الثأر والانتقام.

 

الرواية خطارب سرد ووصف مركب، لأن السرد طريقة نسج النص وطريقة تركيب الوقائع والأحداث، ولأن السرد تشكيل زمني للمتواليات يعطي الرواية جمالها وفنيتها، وفي رواية "سيأتيك الغزال" للكاتب السوري خليل صويلح تشكل السرد من ثلاثة أنماط سردية كبرى، وهي:

1. محكي طفولة السارد الشخصية.

2. محكيات سردية استئنافية.

3. مكحيات سردية قصيرة.

 

يعتبر محكي طفولة السارد الشخصية المحكي الإطار الذي يقوم بوظيفة الحبكة في نسيج الرواية، إلا أنه محكي بعيد جدا عن وصفه بالسير ذاتي، لأن السارد اختار الحديث عن المكان [البطل الرئيسي في الرواية] وأهله وعاداتهم وطرائق عيشهم ومقاومتهم من أجل البقاء، وهو أي السارد الشخصية ليس سوى حلقة في تلك السلسلة الطويلة والمركبة.

المناسبات القليلة التي انصب فيها الحديث عن الذات وعن كشف هوية السارد ارتبط بحدث اجتماعي أو سياسي وسم تاريخ المنطقة العربية، من قبيل حديثه عن تاريخ ولادته، حيث يقول:" كانت أمي تؤكد بأنني ولدتُ "سنة جمال"، في إشارة إلى زيارة جمال عبد الناصر إلى الجزيرة السورية في العام 1960، في أوائل الخريف، فقد كان البدو يؤرخون الأحداث تبعا لقوة وقع حادثة محلية ما، في وجدانهم، مثل "سنة الثلج". السنة التي هطل فيها الثلج بغزارة غير مسبوقة، أو "سنة المحلْ"، أو "سنة غزو الجراد"، لكن "سنة جمال" ستبقى محفورة في الأذهان إلى اليوم مثل وشم على رسغ اليد..." ص (22)

هكذا يتحول السرد إلى وثيقة، وينتقل من مستوى التخييل إلى درجة النص التاريخي والحقيقة الواقعية، يعاضد بعضه بعضا، كما يأتي الحديث عن ذات السارد الشخصية لإبراز الخصوصية الذاتية عبر الحديث عن الهوايات الشخصية وبعض الاختيارات والميول، ومنها حديثه عن شغفه بالسينما خاصة أفلام رعاة البقر، ونفوره من الأفلام الهندية، ربما لتشابه بين نمط حياة رعاة البقر ونمط الحياة في القرية،عكس الحدث التاريخي والسياسي، يصبح الحديث عن أنواع الأفلام والأحداث الفنية وسيلة لتأكيد ولإبراز الخصوصية الذاتية للشخصية أو للسارد المشارك، والحقيقة أن سيرة الطفل السارد في رواية "سيأتيك الغزال" وإن وجدت لإبراز سيرة المكان الذي كان يضج بالحياة وتحول إلى خربة قفراء، وتحول أهلها إلى الشتات بالأحياء الخلفية للمدن الكبرى، فهي سيرة جيل عربي تشابهت لتشابه الأحداث التاريخية والسياسية حيث كانت جل الدول العربية إما أنها تقاوم الاحتلال أو أنها حديث العهد بالاستقلال وما تزال الروح الوطنية عالية في صفوف مختلف الفئات الاجتماعية، ثم لم تكن الثورة التكنولوجية قد استبدت بعقد أو عقدين كما هي الحال عليه.

حالة ثالثة تبرز فيها الذات، ذات السارد الشخصية، ولكن هذه المرة لتقدم وظيفة أخرى من وظائف السرد، وهي ربط المحكي السردي المتخيل والكاتب الواقعي، والانتقال من المتخيل إلى التأكيد الذاتي للوقائع والأحداث والمحكيات، وهو ما يضع السارد معادلا موضوعيا للشاهد والدليل؛ أي أن السارد يتخلى عن وضعية الراوي لفائدة الشاهد لا لينفصل عن الحادثة، ولكن ليؤكد صلته بها وبحقيقة وقوعها، حينَ يقول السارد:" وكان علي أن أدفع حصتي من الدية مثل أي شخص بالغ في العشيرة، لدم رجل، قُتل قبل عشرين عاما، لأسباب لا تخصني، وسأكون جزءا أساسيا من المشكلة من دون أن أتعمد ذلك. كنت سجلتُ هذه الوقائع كما رواها لي نهار الفرج، ثم كتبتها في إطار تخييلي، ونٌشرت على أنها قصة قصيرة في إحدى صحف العاصمة، واسعة الانتشار، وهو ما أثار سخط أقرباء ذياب الفرج وغضبهم من جهة، وشقيق مريم الهلوش من جهة ثانية، باعتبار أن الفضيحة وصلت إلى صفحات الجرائد، فاجتمع الوجهاء مرة أخرى، وبعد نقاش صاخب، قرروا إرسال عريضة للصحيفة، يؤكدون فيها بأنني لا أنتمي إلى عشيرة الجبور، ولا أمثل وجهة نظرهم على الإطلاق، إلى تهديدات وشتائم.

"كانت هذه الحادثة، أحد أسباب مغادرتي هذه القرية الملفعة بالغبار، والأقدار المحتومة، والسراب..." ص (109-110)

بهذا التداخل الوظيفي في السرد بين ذات متخيَّلة وذات واقعية يصبح السرد مركبا ومرآئيا يعكس فيه الواقع المتخيل والعكس، كما تصبح الحدود الفاصلة بين السارد والشخصية والكاتب الموضوعي رهيفة وهينة وشفافة، فلا السرد سيرة ذاتية محض، ولا هو تخييل ذاتي، ولا هو متخيل روائي، بل هو كل ذلك يتنقل بحرية من مستوى إلى آخر.

 

 

صويلح، خليل: سيأتيك الغزال. رواية. منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف. 141 صفحة. ط1. 2015م