محمد معتصم

28575920_10215760804277688_3621361763817679223_n

 

هل يمكن اعتماد مقولة "زمن الرواية!" كمهيمنة في سياق الحديث عن هجرة الشعراء والقصاصين نحو المتخيل الروائي؟

إن انتقال القصاصين نحو المتخيل الروائي مقبول وممكن جدا، لأن الانتقال يكون في نوع إبداعي واحد، هو: "السرد". بينما الشعر، ومهما تحرر من قيود الإيقاع الخارجي سيظل مرتبطا بالإيقاعات الداخلية وبأكثر الوجوه البلاغية هيمنة واستعمالا في اللغة الشعرية، كالصورالشعرية والانزياح عن أساليب التعبير (النثرية)، لذلك أضاف الشعراء إلى لغة السرد اللغة الشعرية والتدفق السردي باستعمال لغة الحلم والمونولوج. فكانت هذه الهجرة مثمرة في حال توفر الشاعر المهاجر على القدرة على السرد والتخيل والإبداع في آن، كما أغنى القصاصون المتون السردية بالتعدد التركيب على مستوى المحكيات، فابتدعوا السرد المركب حيث نجد في المتخيل الروائي الواحد مثلا، عددا من المحكيات المتجاورة أو المتداخلة التي غيرت في شكل بناء السرد...

لقد هجرة النقاد إلى الرواية، فله دوافع مختلفة، ومنها؛

-العودة إلى الإبداع والتخييل السردي بعد فترة من الانقطاع، وهي غالبا فترات الدراسة والتحصيل العلمي، أو فترة التدريس والانغماس في فهم المناهج والنظريات النقدية الحديثة التي غزت الغرب منذ الشكلانيين الروس والبنيوية بفروعها وامتداداتها والتحليل السيميائي للسرد إلى التداولية والتفكيكية والتأويلية وتحليل الخطاب والتحليل النصي أو نحو النص... فانخرط النقاد في هذه التجربة منذ بدايتها حتى فترة انسحاب بعض الرواد واالهجرة بدورهم نحو الدرس الفلسفي أو السياسي أو التاريخي وإطلاقهم دعوة "موت الأدب". فتوقف الاجتهاد مع هجرة النقاد الغربيين

-استحواذ المتخيل السردي (الرواية) على أهم الجوائز العربية، لما يمنح ذلك الكاتب من انتشار وشهرة ومورد مالي، كما يفتح أمامه الباب نحو المشاركة في أعمال اللجات المحكمة بصفته ناقدا من جهة وبصفته روائيا من جهة ثانية، كما يفتح له، في حال فوزه بإحدى الجوائز، إمكانية الإقامة الدائمة في صفحات بعض المجلات التي تسوق سلعتها اعتمادا على الأسماء المكرسة والرنانة.

-اعتقاد الناقد بأن حيازته الثقافة النقدية وتمرسه على تحليل النصوص وتدريسها كمعرفة علمية وأدبية بأنه قادر على كتابة الرواية، موظفا الحيل السردية الشكلانية أو إعادة إنتاج نماذج سردية عالمية عربيا بنسخه للموضوعة ومسخه الصيغة الكتابية، أو العكس. أو استناده على مقولة مارت روبيرت "بأن الرواية خطاب منفتح على كل أشكال الخطاب" ويمكن للرواية أن تتحول إلى "كولاج" تشكيلي تحت مسمى الحداثة السردية أو إنتاج نصوص سردية تنهض على فكرة تدمير النمط (النمطية) وتكسير السرد (السردية).

والحقيقة أن الاهتمام الذي لاقته الرواية في العصر الحالي، عربيا، أغرى حتى كتابا كان اهتمامهم العلمي والتدريسي والكتابي مرتبطا بالفكر والفلسفة (العربية والغربية) فكتب محمد عابد الجابري سيرته الذاتية "حفريات في الذاكرة" وكتب عبد الله العروي عددا من الروايات التي ارتبطت بأفق تفكيره منذ الغربة واليتيم حتى المذكرات، وكذلك فعل سعيد بنسعيد العلوي في روايته "مسك الليل" وروايته الجديدة "سبع ليالٍ وثمانية أيام" وقبلهم كتب محمد عزيز لحبابي "إكسير الحياة" وعبد الكبير الخطيبي سيرته الذاتية بالفرنسية "الذاكرة الموشومة"، ثم عبد الإله بلقزيز وعبد الله الساعف وكتب عبد الحي المودن روايته الأولى "فراق في طنجة"... وهؤلاء المفكرون من النقاد كذلك.

وهم حجر أساس لهجرة النقاد نحو الرواية، لكن نقاد يتسلحون بأدوات التحليل ونظريات النقد دون إغفالهم الطبيعة الجوهرية للرواية: السرد والتخييل والبناء. فكل عمل روائي هو في أساسه تخييل وإبداع، وهو كذلك نص سردي ووصفي، ثم بناء لعالم متخيل سواء أكانت مرجعيته واقعية أو تركيب يمزج بين الخيال والحقيقة، والأهم أن الرواية لغة.

ويمكننا تقديم الناقد الروائي محمد برادة نموذجا لهذا النوع من الهجرة نحو التخييل السردي. لقد سبق للكاتب أن كتب القصة القصيرة وتفرغ لكتابة الدراسة النقدية والبحث الأكاديمي فترة مهمة من تاريخه الأدبي، ليفاجئ القراء نهاية الثمانينيات (1987م) بروايته "لعبة النسيان" التي أسالت مدادا كثيرا، فاعتبرها مثلا إبراهيم السولامي سيرة ذاتية قبل انتشار مفهوم التخييل الذاتي في الساحة الثقافية والنقدية المغربية، لكن أغلب الدراسات النقدية انبهرت بثقافة الناقد التي وافقت الانفتاح على النقد الحواري (الحوارية) لميخائيل باخثين، واستثمرها محمد برادة الذي ترجم جزءا مهما من كتاب باخثين إلى العربية، وكان هذا الإشكال الثاني الذي طرحته هجرة محمد برادة مجددا نحو التخييل السردي، أي الاستفادة من الدرس النقدي في توسيع فضاء الكتابة الروائية بعدما استفادة من تقنية التخييل الذاتي وتعدد الروات وتعدد الأصوات ومفهوم الأسلبة وتعدد الخطابات المتخللة للمتن السردي المتخيل. إلا أن نجاح هذه الرواية نقديا لم يكل وراءه فقط العدة النقدية لمحمد برادة، بل كان الأساس في ذلك الانتشار والاهتمام الملكة الإبداعية وقدرة الكاتب على التخييل السردي، وهو ما سيتجلى في باقي أعماله ومنها روايته "موت مختلف" التي تجلى فيها الناقد كمفكر يعيد إنتاج مرحلة تاريخية برمتها، عبر السرد، أي التفكير في الواقع والثقافة والسياسة سرديا.

هذه التجارب التي تضيف إلى الرواية تكون هجرتها إضافة نوعية تطور الشكل وتوسع مضمون وموضوعات الرواية كتخييل سردي ووصفي. ولعل هجرة النقاد والمفكرين نحو قلاع الرواية ليست بالحديثة تماما، إذا ما استرجعنا إلى الأذهان تجربة عميد الأدب العربي طه حسين في سيرته الذاتية "الأيام" وفي "دعاء الكروان" مثلا، وكذلك تجربة عباس محمود العقاد في روايته "سارة"....

إن مثل هذه الهجرات من الشعر والقصة والفكر والنقد نحو التخييل السردي الروائي، تعد محمودة إذا كانت تطور مدونة السرد العربي وتغنيها سواء على مستى الموضوعات أو البنيات والأشكال، أما تلك التي تلهث وراء الشهرة والجوائز والإقامة الدائمة في المهرجانات وصفحات المجلات السخية الدفع، المُوَجَّهَةِ نحو أهداف غير أدبية فهي لن تصيب أبعد مما صبت إليه.