محمد معتصم

من صناعة النُّخبُ إلى النظام العالمي الجديد

عادة نعود في محاولة فهم المصطلحات والمفاهيم إلى بعدين أساسيين، هما: الجذر اللغوي للكلمة، حتى نستطيع الوقوف على المعنى اللاواعي للمفهوم والذي يتغير مع الزمان وبتحول الوعي كذلك ولكن جذره اللغوي يظل ثابتا كمرجع "نواة"، والاستعمال الوظيفي، وهو المعنى في تحولاته وتقلباته تبعا للمتغيرات الخاصة بتغير موازين القوة المؤثرة على وعي الناس والمتحكمة في محتوى اللفظ ووظيفته الدلالية.

ومفهوم "النخبة" أو "النخب" بالجمع، ظل خاضعا لمعناه اللغوي الجذري (نَخَبَ الشيء)، رغم التحولات التي طرأت عليه بفعل المؤثرات الثقافية والسياسية وتنوع واختلاف وجهات النظر وتغير مواقع الجهات المؤثرة في الوعي والثقافة والفاعلة في تشكيل الوعي وترسيخ السلوك الفردي والجماعي، أي أن مفهوم النخبة أو النخب الاجتماعية والسياسية ظل يعني في باطنه: الفئة المختارة والمنتقاة في المجتمع، أن أنها تلك الفئة الأحسن والأفضل. طبعا وَفْقَ معايير لا يحددها عموم الناس (الشعوب)، بل تحددها الفئات الحاكمة والمسؤولة على وضع الحدود المنظمة للعلاقات داخل مجتمع من المجتمعات، سواء أكانت ذات بعد سياسي أو اقتصادي مالي أو فكري أو عِرْقي أو عقائدي أو اجتماعي.

لذلك ارتبط مفهوم النخبة أو النخب بالفئات العليا اجتماعيا والمميزة بصفات خاصة تختلف عن الرعاع أو عامة الشعب، ومميزة بوضعياتها الاجتماعية السامية، يمكن أن نسميها كما في الفكر العربي قديما "الملأُ"، الفئة المميزة اجتماعيا بالقدرة المادية من جهة، ومن جهة أخرى بالنسب العرقي والسلالة. وهو ما ظل حتى اليوم معروفا تحت مسمى آخر، ولكن في تحالف وطيد، هو: "الأعيان" و"الأشراف"، هذا في مجتمعاتنا العربية. يمتاز هذا التحالف الوطيد الذي يتناسى خلافاته وصراعاته، عندما تتهدد قوى جديدة في المجتمع مصالح أحدهما، ومن هنا التأكيد على "قوة المصلحة المشتركة"، وهي القوى التي تتحكم في النظام وتفرض نمط العلاقات وتسن القوانين وتشرعها في آن، بما يضمن استمرارها أطول أمد ممكن.

يذكرنا هذا بشيئين أساسيين بنظام الدولة في نشوئها وارتقائها، وبالمدينة الفاضلة وجمهورية أفلاطون. إن النخب القديمة، المنتقاة والمختارة من قبل الجهات العليا سياسيا وعقديا وماديا في كل مجتمع، ينبغي أن تتميز بصفات محددة: الولاء، والإيمان القوي بالقوانين والتشريعات الحامية والضامنة لاستمرار منتخبيهم. أي الولاء للفئة التشريعية والقوة السياسية الأم. أما تلك الحشود التي يصفها أفلاطون بـ"الثور"، وهو توصيف رمزي "أليغوري"، يعني به غير النخب، وهم فئة العبيد الذين يقبعون أسفل الهرم الاجتماعي والذين لا يملكون ولا ينبغي لهم امتلاك ثقافة "رفيعة"- التحديد هنا مرتبط بمفهوم ووعي المشرع الفئة الحاكمة- وتكتفي هذه الفئة بالعمل الجسدي (اليدوي) كالثور يجر المحراث ولا يحق له التفكير في نزع النير من رقبته ولا اقتراح رأيه فيما يقوم به من عمل وما يفرض عليه من واجبات ولا حق له ولا نصيب مما ينجزه ويشارك في إنجازه. من ثمة كان شرط أفلاطون لدخول المدينة الفاضلة مدينة النخبة، الأكاديمية الخاصة بصناعة النخب، لأن النخب تصنع في المختبرات وفي مؤسسات خاصة بمواصفات خاصة وبمحددات ومقاييس مسبقة خاصة، أن يكون عضو الأكاديمية عارفا بعلمين مجردين دقيقين هما: الرياضيات والموسيقى. أم أصحاب الأدب من الشعراء، فمن لا يخضع للتعليمات والذي يتمرد على القوانين والتشريعات المملاة عليه والمحددة سلفا من قبل الفئات الحاكمة والمتحكمة، فيتم طرده طردا مهذبا بوضع إكليل الغار على رأسه ورشه بالطيب، وإبعاده عن أسوار الأكاديمية. وفي حال عصيانه وتمرده على النظم أو على النخب الساهرة على تطبيقها وفرضها باللين أو القوة فقد تم تصميم دقيق للمدينة- الدولة برموزها الثلاثة المستمرة حتى وقتنا الحالي: السجن يسار الساحة العامة، والكنيسة (أي بيت للعبادة) يمين الساحة العامة، ثم المشنقة في الوسط لتقديم العبرة للمارقين من غير النخب المختارة والمنتقاة وذات الحظوة.

إذن، فالنخب وسيط يصنعُ في مؤسسات خاصة بين الحاكم والمحكومين، وحسب الهرم الأفلاطوني، بين الآلهة والعبيد. لذلك اتخذ مفهوم النخبة بحسب المتغيرات التاريخية وفي شتى أبعاد تحولاتها صورا عنيفة منها مثلا النخبة والهوية القاتلة، ويتعلق الأمر بالنخب المتعصبة عرقيا أو عقديا، فتقتل نفسها بالانعزال وتحمي نفسها بالإقصاء والعنف تجاه باقي الهويات الثقافية والفكرية والاجتماعية، والنخب الديمقراطية، والتي تنتخبها الشعوبُ بصورة وهمية، ي إيهام الحشود بالدور والوظيفة الاجتماعية لأغراض معلنة حينا ومخفي أخرى، فتنقلب عليها بالموالاة والوفاء للنظام المتحكم في مفهوم النخبة وهو تنفيذ التعليمات والأوامر والتشريعات العليا من الفئة الحاكمة والمتحكمة.

إلا أن الهزة الحقيقية التي خلخلت جوهر مفهوم النخبة المُصَنَّعَة في المختبرات (المؤسسات والمعاهد) بشتى تلويناتها حدثت مع فجر ما يعرف بـِ"النظام العالمي الجديد" وبمختصر "العولمة" والذي من علاماته الكبرى؛ التسويق والتسليع، أي تحويل العالم إلى سوق كبيرة مفتوحة الحدود، والتنوع الثقافي، وضرب المركزيات العِرقية والعقائدية والثقافية والخصوصيات المحلية، لصالح "عالمية الفرد" - نظريا، لأنها لم تستطع كسر الحدود الجغرافية والسياسية وإسقاط سياسة الهجرة العنصرية...، ولكن هذا النظام العالمي الجديد الساعي إلى رسم خريطة جديدة للعالم خاصة العالم القديم والمتدين، الذي يَرفض كل أشكال الانْدماج القصري ومحو الهوية والصفات الخصوصية، شجع على بعث وإحياء الأقليات العِرقية والعقائدية إمعانا في تمزيق المجتمعات الموحدة والمنسجمة والمتماسكة، وهو ما سمح بظهور ثقافة جديدة اصطلح عليها بـِ" الثقافة الشعبوية".

لقد وجدت هذه الثقافة مجالا حيويا لها، الشبكة العنكبوتية الدولية (الانترنيت)، ونشر وتعميم الوسائط والوسائل التكنولوجية من هواتف ذكية وحواسيب وألواح إلكترونية ومبتكرات أخرى، سمحت للشعوب، الحشود، الجماهير، الفئات الناخبة سابقة وغير المنتخبة، التي كانت تميز بثقافة العبيد كما بينا سلفا، سمحت لها بالتعبير عن ذاتها المتنوعة والمختلفة والمتناقضة أحيانا، وسمحت لها بالسخرية من النخب وتسفيهها وبالتالي الانتقال من مفهوم "نخب الشيء"؛ أخذ أحسن وأفضل العناصر في المجتمع والمكونة تكوينا خاصا في المؤسسات والمعاهد في الجمهورية والأكاديمية الأفلاطونية، إلى وضع النخب موضع السؤال والشك والريبة، والكشف عن الوجه الآخر المخفي وراء الأقنعة والخطابات المغلوطة.

لذلك يمكنني وصف حالة النخب اليوم بالحطام الذي جرفه "الطاعون الانفعالي" (ويلهلم رايش) للحشود التي تملأ الفضاء الأزرق وتمارس تأثيرها على الجميع وتوجه وتقرر. وقد ساهم الطاعون الانفعالي الحالي في خلق صراع بين النخب القديمة والنخب المتطفلة أو طفيلية والحشود الجماهيرية. وهذه الفئات غير المتجانسة هوياتيا تتفاعل عاطفيا غالبا ضد كل الأشكال والصيغ التي تمثل التميز الهوياتي (في الهوية الخصوصية)، خاصة هوية التحالف العتيق "الأعيان" الملاك وأصحاب المال، و"الأشراف" المتخندقون في هوية العِرْقِ والنسبِ والمعتقدِ. وقد أصبحت هذه الفئات الجديدة غير المحددة بصفات مميزة ونوعية هي الملأُ الجديد، كونها تملأُ الفضاء الأزرق وتقوم بالتوجيه والتأثير.