الناقد الأدبي محمد معتصم

تتضمن المدونة عددا من المقالات والدراسات، والأخبار الثقافية والآراء الشخصية حول المقروء والمنشور والمتداول في الساحة الثقافية. مع بعض الصور الشخصية

08 juillet 2009

تضامنا مع الشاعر حسن نجمي

تلقينا، في بيت الشعر في المغرب، باندهاش عميق، البلاغ الصحافي الذي يعلن فيه صديقنا الشاعر حسن نجمي اضطراره للاعتذار عن المشاركة في مهرجان ليدبري الشعري بإنجلترا، والمساهمة بقراءات شعرية في مكتبة "لندن ريفيو بوكشوب" الشهيرة. والاضطرار هنا مبعثه حالات تعسير اصطدم بها الشاعر لدى سفارة المملكة المتحدة في الرباط، مما جعل إمكانية منحه التأشيرة قبل موعد السفر مستحيلا.

وما حصل قد يكون مستغربا إلى درجة الاستهجان حين يمس مواطنا عاديا ينوي السفر في ظروف عادية أو خاصة. ولكنه يرتقي إلى درجة الإدانة القوية حين يتعلق بموظف سام، وشاعر هو أحد رموز المشهد الثقافي العربي والمغربي، لم تشفع له صفاته الاعتبارية، ولا خصوصية المهمة الثقافية الرفيعة التي ينتدب فيها لتمثيل الإبداع الشعري المغربي الحديث.

إننا نعتبر اللحظة الشعرية التي حُجِبت، بفعل تعنت المصلحة القنصلية البريطانية، عملا مهينا ومعيقا للفعل الثقافي بما هو جسر حقيقي لحوار لحضارات، وتفاهم الشعوب، وإخائها، وصداقتها.

كما نعتبر الأسئلة المستفزة التي توجهها السفارة البريطانية لمواطنينا الراغبين في الحصول على التأشيرة إدانة مسبقة للجميع، لا يقرها خُـلُـق ولا عُرْف ولا قانون. بل هي إنتاج جديد لفكر بغيض ندعو المناضلين والشرفاء في كل بلاد العالم إلى شجبه ومقاومته.

بيت الشعر في المغرب

Posté par motassim à 20:09 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

04 juillet 2009

دعوة للكتابة موجهة لعموم الكاتبات والكتاب

http://www.alittihad.press.ma

جريدة الاتحاد الاشتراكي  /   يومية مغربية

فسحة الصيف

"تجربة الكتابة..تجربة في الحياة"

إعداد: منير الشرقي

ذلك الطفل الذي كنته يوما ما، تتملى العالم من حولك ببراءة الحالمين.. تخطو.. تتعثر.. تلهو.. تزهو.. تشاغب.. تكبر. فيكبر معك العالم من حولك، وتكبر مودتك للحضن الأول.. لبلدتك الصغيرة التي وطأتها قدماك. هناك كنت تحصي أيام شغبك الجميل.. هي لحظات آسرة كانت منفلتة من ذاك الزمن السرمدي، وشمت خيالك ووجدانك لتنسج عبرها، ومن خلالها علاقات حميمية هنا والآن. فتلتقطك على حين غرة أسرار الكتابة وتجذبك مليا إليها في عز اليفاعة، لتتقوى آصرة العلاقة بينكما، ومن خلالها سال مداد كثير. رسمت بعدها مسارا مميزا في الكتابة، هو نسيج لا محالة لتجربة في الحياة كما استهوتك وكما عشقتها أن تكون..

هي إذن فسحة للصيف نستضيفك لها لنكتشف معك، ومعنا القراء، مسارات الطفولة وشغفها بالمكان وما تحتفظون به من صور الذاكرة ولقاؤكم الأول مع الكتابة. شهادة هي في النهاية من تجربتكم في الحياة..

رجاء أن تبعثوا لنا بشهادتكم في صفحتين مرفوقة بصورة شخصية لكم على العنوان الالكتروني التالي:

press.culture@gmail.com

Posté par motassim à 15:46 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

03 juillet 2009

سفارة بريطانيا بالرباط تمنع الشاعر حسن نجمي من حق المشاركة في مهرجان شعري

سفارة بريطانيا في الرباط

تمنع الشاعر المغربي حسن نجمي من المشاركة

في مهرجان شعري بريطاني

على إثر الدعوة الكريمة التي تلقيتها للمشاركة في مهرجان ليدبري الشعري بانجلترا، و المساهمة بقراءات شعرية يوم 13 يوليوز2009 في مكتبة"لندن ريفيوبوكشوب" تقدمت إلى سفارة المملكة المتحدة في الرباط للحصول على تأشيرة دخول، وذلك بعد أن حصلت على موعد عبر الانترنيت ليوم 18 يونيو2009، وملأت - بطبيعة الحال – الاستمارة الغبية وغير الأخلاقية*، وصَحبتُ معي أوراقي الثبوتية الكاملة ( دعوة الجمعية البريطانية الداعية، جواز السفر، شهادة العمل كمدير للكتاب بوزارة الثقافة، شهادة الأجرة... ).

               فوجئت بالسيدة المكلفة من وراء حاجز الزجاج تعتبر جواز سفري غير صالح ليحظى بتأشيرة الإنجليز لأن " مدة الصلاحية المتبقية فيه هي خمسة أشهر فقط، وينبغي ألا تقل هذه المدة عن ستة أشهر". شكرتها، وقمت بإجراءات تمديد الصلاحية إلى خمس سنوات إضافية ( تنتهي بتاريخ 24 يونيو 2014 ) . وعدت إلى الأنترنيت بحثا عن موعد جديد، وكان أقرب موعد ممكن هو 10 يوليوز 2009، وهو موعد سفري إلى لندن ومنها إلى ليدبري ، مكان المهرجان ( 200 كلم عن العاصمة البريطانية كما علمت).

       ولأن الآلة العجيبة لا تقبل التفاوض حول تغيير المواعيد، أجرينا في وزارة الثقافة- حيث أشتغل- الاتصال مع الملحق الثقافي البريطاني، ومع بعض الزملاء في المركز الثقافي البريطاني، وتم تحديد الموعد ليوم 29 يوليوز2009 .

إلا أنني فوجئت بعدم وجود اسمي عند المدخل، ما اضطرني إلى بذل الجهد عبثا لشرح الأمر للحرس الخاص،إلى أن تفضل أحد الإخوة المغاربة العاملين في السفارة بالتدخل ، بعد أن صادف خروجه وجودي بباب السفارة. وحين دخلت ، ووجهت بضرورة تبيان وضعيتي المالية وتقديم وثائق بنكية. قلت الأمر سهل، فقط ليسمح لي بالدخول في نفس اليوم أو صباح اليوم الموالي، فقالت السيدة المكلفة بأن عليّ أن " أفعل ما فعلته اليوم للدخول!".

    أخبرت رؤسائي في الوزارة، وهذه المرة قامت السيدة وزيرة الثقافة مشكورة بإرسال رسالة في الموضوع إلى السيد سفير بريطانيا في الرباط مصحوبة بوثيقة ( أمر بمهمة على اعتبار أن الأمر يتعلق بسفر وفد من الشعراء المغاربة – وأنا أحدهم- لتمثيل المغرب في مهرجان شعري دولي، لكن سكرتيرة السيد السفير التي أكدت توصل السفارة بالوثيقتين ، عادت تخبرنا بأن " السفير لا يتدخل في شؤون التأشيرة، وأن السفارة أوكلت هذا الأمر لشركة خاصة!". وأوضحنا لها بأن الأمر لا يتعلق بطلب تدخل للحصول على تأشيرة ليست من حقنا قانونيا، وإنما فقط لتقريب الموعد حتى لا يظل هو عاشر يوليوز (الذي يصادف يوم السفر).

    على كل حال ، أود أن اعتذر اعتذارا صادقا لمنظّمي مهرجان ليدبري الشعري،و للمكتبة اللندنية الكبيرة و بالأخص  للصديقين العزيزين ماركريت أوبانك وصمويل شمعون اللذين أشرفا على استضافة المغرب الشعري كضيف شرف في هذا المهرجان بعد مشاركة لبنان و سوريا على التوالي في الدورتين الماضيتين. دون أن أنسى الشاعر و المترجم سنان أنطون الذي بذل جهدا في ترجمة مجموعة من قصائدي خصيصا لهذه المناسبة،  كما تقتضي المسؤولية الأخلاقية والحقوقية أن أدين هذا التصرف المهين من جانب سفارة بريطانيا وسفيرها ومسؤوليها القنصليين. وأود أيضا أن أؤكد أنني لن أزور بريطانيا طالما لم يتم احترام كرامتنا كبشر،كمغاربة و كشعراء،خصوصا بعد هذا السلوك المتعجرف،وبعد أن انحطت القيم الثقافية والحضارية والإنسانية لبريطانيا إلى هذا المستوى.

  على سبيل التّذكُّر وفي نفس السياق، أود أن أستعيد – هنا والآن – موقف الشاعر الأمريكي الكبير روبير كيللي. كنا دعوناه سنة 1999 إلى المشاركة في المهرجان العالمي للشعر بالدارالبيضاء  ، وظل يتردد بحثا على مكتب شركة النقل الجوي المغربية لتسلم تذكرة السفر ( وكانت التذكرة ضمن بضع تذاكر متبرع بها لفائدة بيت الشعر في المغرب). وحين تعب ، اعتذر عن المشاركة متأسفا ومتألما، وقال لنا عبر الهاتف:

" أنا شاعر، ومهنتي هي الاشتغال على الإشارات. وقد تلقيت إشارة سيئة !". ولم يأت إلى الدار البيضاء. وسوف لا أسافر إلى لندن مع اعتذاري الكبير.

 

حسن نجمي 

شاعر ، مدير الكتاب والخزانات والمحفوظات

بوزارة الثقافة

أسئلة إرهابية من استمارة السفارة المذكورة:

     هل لديك قناعات إجرامية في أي بلد ؟

هل سبق لك أن قمت بعمل إجرامي في بلد ما والذي لم تتم محاكمتك بعد في شأنه؟

في وقت السلم أو الحرب، هل سبق لك أن كنت متهما بتورطك في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو عملية إبادة إنسانية ؟

هل سبق لك أن شاركت أو دعمت أو شجعت عملا إرهابيا في بلد ما ؟

هل سبق لك أن كنت فردا في جماعة إرهابية أو تدعم أي جماعة متورطة في الإرهاب؟

هل سبق لك أن صرحت بعبارات تدعم وتمجد أي عمل إرهابي أو أعمال عنف؟

هل سبق أن أقحمت في أي نشاط يبين أنك إنسان ذو سلوك سيء ؟

Posté par motassim à 18:05 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

23 juin 2009

"السرد ذاكرة". كتاب مصطفى يعلى

ghilaf

عرض محمد أنقار

أصدر الدكتور مصطفى يعلى في بحر السنة الجارية [2009] كتاب "السرد ذاكرة". هو كتاب في نقد أنماط من السرد، نحتمل إدراجه في صنف التأملات. وعندما نقرأ الكتاب نتأكد بالفعل أنه تأملات في السرد المغربي، والعربي، وحتى العالمي. هي صفحات هادئة، وخلاصة تجربة طويلة جداً في مجال الاحتكاك بعوالم القصص تعليماً، وممارسة، وترجمة، وتصنيفاً، ونقداً. ومصطفى يعلى يكتب القصة القصيرة منذ منتصف الستينات من القرن الماضي. ولقد استطاع في هذا المضمار أن يكتسب أسلوبه التعبيري الخاص، لعل أبرز سماته؛ الهدوء، والإيقاع المتدرج، واستلهام البعد المحلي بما فيه من عادات اجتماعية، وتقاليد متوارثة، وحكايات خارقة. وبمناسبة الحديث عن المحلية لابد أن أشير إلى رسالة يعلى الرائدة حول "ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب" التي تقدم بها لنيل دبلوم الدراسات العليا في سنة 1984، لكنها لم تطبع إلى اليوم للأسف الشديد. وفضلاً عن مجاميعه القصصية الأربع ("أنياب طويلة في وجه المدينة" – "دائرة الكسوف" – "لحظة الصفر" – شرخ كالعنكبوت")، وعن بيبليوغرافيته المتخصصة حول "السرد المغربي 1930-1980"، بدا كأن يعلى قد تخصص في نقد السرد الشعبي وأصدر فيه الدراسات النقدية الآتية: "امتداد الحكاية الشعبية" – "القصص الشعبي في المغرب. دراسة مورفولوجية" – "السرد الشعبي. قضايا وإشكالات".

***

يتشكل كتاب "السرد ذاكرة" من ثلاثة أقسام صيغ كل منها في عنوان كبير:

"القصة القصيرة ذاكرة".

"في القصة النسائية القصيرة".

"إضاءات سردية".

إضافة إلى "استهلال" و"ختم".

في الاستهلال بسط المؤلف الرؤية النقدية التي صدر عنها في كتابه، مستعرضاً في نفس الآن المادة التي سيخضعها في المتن للنظر والتأمل. وفيما يخص الرؤية اعتبر يعلى أن الحياة والإبداع يعيشان الآن «زمن النثر بسلطته وخشونته. فالعلائق الرومانسية والإيمان بالقيم النبيلة والطموحات المثالية الحالمة وأمثالها من مظاهر شعرية الحياة الماضية، قد ترسبت في قاع الذاكرة الجماعية لإنسان العصر الحالي، وأضحت من سجلات التاريخ، من غير أن يعني هذا أنها انقرضت نهائياً [.. ]لذا فما يهيمن راهناً هو جفاف الحياة، وبالتالي صلابة النثر باعتباره أداة ملائمة للتعبير» عنها (ص 7).

في القسم الأول من الكتاب نقرأ العناوين الآتية:

-        أحمد عبد السلام البقالي قامة أدبية وازنة.

-        السجل الفولكلوري في قصص البقالي.

-        تجليات المدينة المغربية في قصص الرواد.

وكما هو واضح يحظى البقالي بعناية فائقة من لدن المؤلف باعتباره أديباً رائداً حقق «في عناد نادر، تراكماً إبداعياً كماً وكيفاً في مختلف الأجناس الأدبية». لكن ما يهم يعلى «هذا الحرص الملحاح الذي تمتع به الكاتب [البقالي] على التقاط مظاهر ومشاغل وطموحات مجتمع مدينته الصغيرة أصيلة، بحمولتها الفولكلورية المكونة لشخصية وهوية هذا المجتمع» (ص 8).

وفي الفصل الخاص "بتجليات المدينة.." رصد يعلى ارتباط بعض الأدباء المغاربة بمدنهم مثلما هو شأن فاس مع غلاب وابن جلون وأحمد بناني ومحمد الحبابي، وأصيلة مع البقالي، وتطوان مع محمد الخضر الريسوني، وسلا مع اشماعو وبوعلو وزنيبر. وانتقي يعلى من كل هذه الأمثلة مجموعة "فاس في سبع قصص" لأحمد بناني، واختار منها على وجه التحديد قصة قصيرة بعنوان "حتى الطيور في حيرة" وأخضعها للتأمل والتحليل. وتدور القصة حول الخرّاز عزوز عاشق الطيور الذي أفلح في اقتناء طائر وتدريبه على الأنغام المطربة بكثير من الأناة. ثم اصطدم بعد ذلك بالتأثير السيء الذي أحدثته السينما والمذياع، فحصل التشويه والخلط والقبح في الغناء (ص 43).

واستخلص يعلى من تلك القصة بنيتين؛ تتحدد الأولى في تقوقع المجتمع التقليدي على نفسه، وتتمحور الثانية حول الفجيعة المأساوية جراء اصطدام ذلك المجتمع بالحضارة الخارجية. وأثارت انتباهه في تلك القصة سمات الشاعرية، والرومانسية المحببة، والطبيعة، والتجلي الاجتماعي، والمحلية، والموقف السلفي المكوِّن لخلفية رؤية العالم لدى الكاتب. وانتهى إلى حكم عام يرى أن كتابات أحمد بناني السردية قد تحولت «إلى مستودع يحتفظ بذكرى عالم حميمي أليف حاول الاحتفاظ به في هوس نابع من الحب الشديد له والهلع من أن يطوله الاندثار» (ص 53).

وفي الفصل الخاص ب"القصة النسائية المغربية القصيرة: الريادة ونوعية التلقي" ركز مصطفى يعلى حديثه على خناثة بنونة التي نشرت أول مجموعة قصصية نسائية بالمغرب في سنة 1967 هي "ليسقط الصمت". وتابع يعلى آراء فريقين من النقاد والمعلقين على المجموعة؛ منهم من رحب بها وتحمس لها (كنون/ الصباغ/ المنيعي/ مليكة العاصمي) ومنهم من رفضها (زفزاف/ الخوري/ الخطيب). وردّ يعلى على الفريقين وخلص إلى القول:

« إذا كانت هذه القراءات في جملتها تتميز بكونها قراءات انطباعية تقتنص ملاحظات عامة محددة من غير ما اعتماد منهج معين يوظَّف لتشريح النصوص من أجل المرور إلى الخلاصات التأويلية الموضوعية الشاملة، فإن هناك قراءات قريبة من هذا المنظور ستتم فيما بعد ابتداء من أواسط السبعينات» (ص 71).

وفي الفصل ا لمعنون: "وظائف الرجل في القصة النسائية القصيرة" تساءل يعلى عن أبطال وليس بطلات تلك القصة. فماذا عن الرجل ، وماذا عن «حضوره ووظيفته وصوته فيها، مادامت هذه القصة لا تحتفظ في واجهة ذاكرتها سوى بصورة المرأة وهي في خضم معاناتها وطموحاتها؟» (ص 9-10). وفي هذا السياق اختار ثلاثة تجارب دالة من المغرب وتونس ومصر: "مولد الروح" لزهور كرام، و"الحياة على حافة الدنيا" لرشيدة الشارني، و"زينة الحياة" لأهداف سويف. في مجموع تلك القصص تعاني المرأة. إلا أن الرجل بصفة عامة يؤدي فيها «دور الشخصية المعتدية بكيفية أو بأخرى» (ص 77).

في القسم الثالث والأخير من الكتاب قدم يعلى «مجموعة من القضايا السردية عرضاً وترجمة وقراءة. من ذلك محاولة تأكيد الدور الريادي الذي نهضت به الصحافة بوصفها ذاكرة للأدب والفكر والفن عامة والسياسة خاصة، لاستنبات القصة القصيرة بمفهومها الجديد في تربة الأدب العربي الحديث والمعاصر» (ص 10). وفي هذا السياق استعرض الكاتب عديداً من التجارب المشرقية والمغربية، وأشار إلى أسبقية المشرق العربي في هذا المجال الذي ارتبطت فيه القصة بالصحافة.

وفي المغرب ارتبط معظم القاصين في الأربعينات والخمسينات بمنابر بعينها «ولو مرحلياً للتعبير عن وجدان الشعب في مواجهته للأجنبي المستعمر» (ص 89). ثم خلص يعلى إلى التساؤل الآتي:

«ألا يمكن أن تفضي بنا المعطيات السالفة إلى هذه النتيجة: إذا كان كل من القصة القصيرة والصحافة يعتبر رديفاً للآخر، ألا يقرّ الواقع العيني بحقيقة كون القصة القصيرة العربية قد خرجت من جبة الصحافة؟» (ص 91).

وفي القسم الأخير ذاته عرض المؤلف إلى "البحث عن النموذج الإنساني في القصة المغربية القصيرة". وفي هذا السياق طرح مجموعة من الأسئلة الدقيقة لعل أبرزها مدى قدرة هذا الجنس الأدبي القصير على التعبير عن المعاناة الإنسانية في عصر وسائط التواصل النافذة، واستطاعته أن يخلق لنفسه نماذجه الإنسانية المخصوصة؟ (ص 93). وللإجابة عن هذا السؤال المركب قدم يعلى مجموعة من الملاحظات تخص تطور القصة القصيرة بالمغرب، ثم ملاحظات أخرى تخص راهنها. وفي هذا السياق الأخير استنتج قدرة القصة على «التعبير الملائم عن حركة الحياة المتسارعة التي تطبع المرحلة الحضارية الراهنة» (ص 95). وعلى الرغم من أن الرواية أخذت تزحزح القصة القصيرة عن مكانها منذ أواخر سبعينات القرن العشرين فقد «استماتت القصة القصيرة خلال الثمانينات والتسعينات بمثابرة وإلحاح متحديين» (ص 95). ورفض يعلى فكرة أن تكون «القصة القصيرة مجرد مرحلة للتمرين على الكتابة السردية» (ص 96) مثلما رفض فكرة صراع الأجيال (ص 97) وضرب للتواصل الجيلي أمثلة من الأدب العالمي. وبخصوص مسألة التجريب التي ميزت إبداع الجيل الجديد خلص يعلى إلى ما يمكن تسميته بالتجريب المقيد. «وينطلق هذا الفهم من الاقتناع بكون التجريب هو تجسيد لحرية الكاتب في خياراته الخاصة. لكن هذه الحرية هي حرية مقيدة بالمسؤولية، مسؤولية تنظيم فوضى الحياة داخل النص، ضمن رؤى عميقة تجاه معضلات الحياة المزمنة» (ص 100). وفي خاتمة مقاله أورد مجموعة من الشروط التي رآها حتمية من أجل أن «نمتلك إمكانية التوقع، ولا نفاجأ بمصير قصتنا القصيرة» (ص 101).

وارتباطاً بالقصة القصيرة ترجم يعلى مقالاً مركزاً عن اللغة الإسپانية بعنوان "جدارة القصة القصيرة جداً" لصاحبه أنخيل ملدوندو أستيفيد من بويرتو ريكو. ولقد حاول هذا المقال «تحديد وضبط مفهوم القصة القصيرة جداً، ومد صلاحيتها باعتبارها أداة تعبيرية مناسبة لراهن الإنسان في مجتمعات متشعبة التعقيد، وذات صيرورة غاية في الحركة والسرعة» (ص 10).

وفي القسم الثالث ذاته ناقش يعلى مفهوم الصورة في مجال النثر من خلال كتابين: «بناء الصورة في الرواية الاستعمارية" لمحمد أنقار، و"الصورة في الرواية" لاستيفن أولمان، ترجمة محمد مشبال ورضوان العيادي. وبخصوص الكتاب الأول استعرض مادته الرئيسة وانتهى إلى أن «محمد أنقار قد جعل من موضوع كتابه مشروع عمره. فمنذ حوالي عشرين عاماً، أي منذ مناقشته لهذا البحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وهو يشتغل على موضوعه تطويراً وتطبيقاً وتدريساً، مما كان له أثره الواضح في تمهيد الطريق لعدد من الباحثين الشباب، الذين حضروا رسائلهم أو أطاريحهم، [...] أو يشاركون بالنقاش الجدي المعمق للصورة الروائية» (ص 119). أما بخصوص الكتاب الثاني لاحظ يعلى أنه «يركز على رصد أنساق الصورة الروائية من منطلق بلاغي أسلوبي، مقترحاً لهذا الغرض أعمال أربعة كتاب فرنسيين معاصرين هم: أندري جيد، آلان فورنيي، مرسيل بروست، وألبير كامو» (ص 110). ثم استعرض مضمون كتاب "الصورة في الرواية"، واختلف مع مؤلفه في بعض الجوانب، واعترف «بأن أهم ما جذبني في كتاب أولمان، فضلاً عن المستوى المعرفي، هو هذه القدرة العالية على مواجهة المتن الروائي في نفس مثابر مرتكز على شتى الأدوات الإجرائية، من تفكيك، وتفسير، ونقد، وتعليق، وجدل، وإحصاء، وتعليل، ومقارنة، واستقصاء، وتصنيف، واستنتاج، وتقييم» (ص 112).

وفي آخر فصل من فصول القسم الثالث اختار مصطفى يعلى نموذجاً من الدراسات النقدية التي احتفت بلون من الأدب الشعبي المهمش هو الخرافة. ويتعلق الأمر بكتاب المؤلف الجزائري عبد الحميد بورايو "الحكاية الخرافية للمغرب العربي: دراسة تحليلية في "معنى المعنى" لمجموعة من الحكايات" [1992] ولقد اهتم بورايو «في كتابه هذا بفتح النصوص السردية الشعبية العجيبة من خلال رصد وظائفها، على التاريخ والمجتمع والحياة، وذلك من أجل استكشاف دلالاتها العميقة والبعيدة» (ص 111).

ويجمع كتاب بورايو بين النظرية والتطبيق. ولاحظ يعلى أن هذه الدراسة تعتمد البحث الشكلاني والبنائي المتعدد المصادر والتوجهات والأطراف المنهجية المتفرقة، وارتأى «أن الاقتصار على منهج واحد محدد من مناهج هؤلاء [بروب/ ستراوس/ جريماس/ المدرسة الأمريكية] كان أصلح لهدف هذه الدراسة» (ص 125). وعلى الرغم من ذلك اعتبر كتاب بورايو رائداً في بابه. (ص 129).

وفي "ختم" كتاب "السرد ذاكرة" أكد مصطفى يعلى أن معظم مباحثه قد تمركزت حول السرد «باعتباره ذاكرة محتفظة بالتراكمات المكونة لتراث سردي حديث ومعاصر» (ص 113)، ثم حاول أن يلخّص في وجازة النتائج النقدية التي تخص كل موضوع من موضوعات الأقسام الثلاثة التي تشكل منها مؤلفه.

* * *

تلك كانت محاولة موجزة لتقديم مادة هذا الكتاب الوديع الذي عنّ لي منذ البداية أن أدرجه في سياق النقد التأملي الرصين. ويجب أن أعترف بأن معظم ما ورد في هذا العمل من أفكار سبق أن أطلعني عليها يعلى خلال لقاءاتنا العديدة ومناقشاتنا المستمرة. وإذا كان لي أن أختلف مع قضية من قضايا "السرد ذاكرة" فلن تكون غير الفكرة التي أشار فيها يعلى إلى أننا نعيش اليوم «زمن النثر بسلطة وخشونته» وأن «ما يهيمن راهناً هو جفاف الحياة، وبالتالي صلابة النثر» (ص 7). وأرى أن النثر اليوم ليس خشناً أو صلباً فقط؛ وإنما هو في نفس الآن في حالة تعايشٍ مع أساليب أخرى لا تقل شاعرية، أو فوضى، أو تشظياً، أو تفكيكاً. وحتى الحياة نفسها ليست راهناً في درجة الجفاف التي يشير إليها يعلى. صحيح أن اندحار القيم الجميلة وتراجع المشاعر الرقيقة أمران لا جدال فيهما. لكن على الرغم من ذلك أرى الجفاف ليس تاماً، ولا أدل على ذلك من الإبداع الشاعري الحالم الذي نقرؤه بين الحين والحين والذي يعد يعلى نفسه أحد رواده.

هذا كتاب جدير بالقراءة فيه ما يكفي من التأملات المنسابة القادرة على أن تنسينا، ولو إلى حين جفاف الحياة المعاصرة، وصلابة النثر الخشن الذي يستهجنه مصطفى يعلى.

Posté par motassim à 23:14 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

05 juin 2009

عن الخيانة المزدوجة، وجرأة الفينيقيين، وتهديد الفرس

يجري حاليا نقاش حاد وهادف على صفحات جريدة القدس العربي اللندنية، حول ترجمة الشعر من لغته الأصل مباشرة أو عبر لغات وسيطة، ودرجة أهمية ذلك القرب أو البعد في بلوغ المعنى المقصود. وطرفا النقاش هما الشاعر والباحث الأكاديمي المغربي محمد بنيس الذي أنجز عددا من الترجمات المتفرقة أو المتضمنة في كتب خاصة لشعراء أثروا مدونة الشعر العالمي، والشاعر الصحافي عبد وازن. لكن الطرف الأهم والمعني بالنقاش تم إقصاؤه، رغم أنه راسل المسؤولين الثقافيين بجريدة القدس العربي اللندنية وبجريدة الحياة التي بادرت بانتقاد كتاب الدكتور حسن حلمي صاحب العديد من الترجمات الهامة لريلكه والشعر الأمريكي وترجمته الأخيرة موضوع النقاش للشاعر هلديرلين. وأمام هذا الإقصاء طلب الشاعر إيصال صوته عبر شبكة الانترنيت التي لا تعرف المحاباة، والحدود، وتعمم المعرفة لكل من يحتاجها. محمد معتصم/ الناقد الأدبي

عن الخيانة المزدوجة، وجرأة الفينيقيين، وتهديد الفرس

رد على مقال الأستاذ عبده وازن المنشور في جريدة الحياة

بتاريخ 11/ 5/ 2009

حسن حلمي

’’اعلمْ أنَّ أبوللو صار إلهَ الصحافيين من أهلِ الجرائد،

وأنَّ رجله الأثير هو ذلك الذي يروي الوقائع بصدق وأمانة.‘‘

Wißt! Apoll ist der Gott der Zeitungsschreiber geworden

Und sein Mann ist, wer ihm treulich das Factum erzählt.

هكذا تكلم هلدرلين ـ غفر الله له.

وأُثبتُ النص الجرماني هنا حتى يتأتى للصِّدَّيق ’’ع. و.‘‘ [بتشديد الصاد والدال وكسرهما معا] أن يعلق على ما يراه في الترجمة من خيانة ’’مزدوجة‘‘ و’’ثلاثية‘‘ و’’رباعية‘‘، بل ربما ’’خماسية‘‘ ومعها كلبها. أقول ’’الصِّدِّيق‘‘ لأن ’’عبده‘‘ يبدو محبا للصدق والأمانة والإخلاص. [’’عبده‘‘، أيها الصِّدِّيق!] أؤكد أن هذا الصِّدِّيق طفق يَصدُق حتى انتهي به الأمر إلى تصديق نفسه، ولهذا تراه يبغض الغدر والخيانة، وخصوصا حين تكون الخيانة مزدوجة، ومن ثم عنوان مقاله الخطير. ويبدو أنه يتصور نفسه مثال الوفاء والإخلاص لأصل يُفترض أنه يجهله تمام الجهل.

لن أحاول أن أستطرد هنا عن إشارة ’’بورخيس‘‘ اللعين إلى كون الأصل في الغالب خيانة للترجمة، لأنني واثق من أن ذلك لن يكون في المتناول، فالأمر في سياقنا يتعلق بـ’’ صدِّيق‘‘ حريص على رعاية أمانته وعهده، مخلص لميثاقه الصُّحفي، مخلصٍ في عبادة أصل سيظل مجهولا أبدا. لكن لا بأس من الإشارة إلى حادثة مسلية تتعلق بمترجم عظيم تعرض لحملة شعواء من أحد نقاده. لم يكن المترجم سوى الشاعر ’’إزرا ﭘـاوند‘‘ ولم يكن المنتقد سوى الـﭙـروفيسور’’و. ج. هَـيْـل‘‘، أستاذ الأدب اللاتيني في جامعة ’’شيكاجو‘‘. كان ﭘـاوند قد نشر ترجمة بديعة لمراثي ’’ﭘـروﭘـرتيوس‘‘، لكن هَـيْـل اعتبر هذه الترجمة مفتقرة إلى الدقة والأمانة، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فاتهم المترجم بالجهل بلغة النص الأصلي، منكرا عليه، مثلا، استعمال عبارات من قبيل ’’devirginated young ladies ‘‘، و’’Frigidaire patente‘‘.

كان رد ﭘـاوند ماحقا. وتبين من رده أن مفهومه للترجمة يتجاوز الخير والشر. وأنه لم يكن ولن يكون معنيا بترجمة العقود والالتزامات.

وقد أصر ﭘـاوند، رغم مثل هذه الانتقادات، على ممارسة ’’فعلاته‘‘ الشنيعة سواء في ترجماته المباشرة أو ترجماته عن لغات وسيطة، فكان لترجماته الخائنة أكبر الأثر في إغناء تراث شعري شامخ، أثر لا يمكن أن ينكره إلا متنطع أو جاهل.

[أعتذر على استعمال كلمة ’’فعلاته‘‘ ـ يبدو أنني تأثرتُ بـ’’عبده‘‘ـ صاحب الذوق الرفيع ـ الذي ينعت الترجمة عن لغة وسيطة بـ’’العادة السيئة‘‘، كأن الأمر يتعلق بالتدخين في الأماكن العمومية، بل يعتبرها ’’فعلة‘‘، كأنه يتحدث عن ارتكاب فعل فاضح، أو عن التبول في الطريق العام]

يصدع الصِّدِّيق ’’ع. و.‘‘، وبوسعه أن يفعل لأن ’’وضعه الاعتباري‘‘ (كما يحلو لنظرائه أن يقولوا) وازن، وازنٌ وزنا لا قبل للجاذبية على مقاومته، أقول يصدع، لأني أتصور نبراته شبيهة بنبرات حكماء العهد القديم، يصدع، مـلء شدقيه، بهذا الحكم، وبهذه النبوءة:

الترجمة عن لغة وسيطة تظل ناقصة وعرضية أو مؤقتة مهما كانت متينة أو مشغولة، ومصيرها السقوط حتما ...

يا للصِّدِّيق! إن حكما كهذا لا يمكن أن يؤسس إلا على افتراضات معرفية وغيبية صادرة عن ذات أمينة مخلصة مؤمنة بأنها مصدر الكمال والاكتمال، لأنها مطمئنة إلى أنها جوهرية لا عرضية، خالدة لا مؤقتة. أما النبوءة فلا داعي للتعليق عليها: فمن حق كل الشعراء، وخصوصا الوازنين منهم، أي أولئك الذين يصدحون ويترجمون ويرغمون النمل على أن يبيض بيضا في حجم اليقطين، أقول: من حقهم أن يتنبئوا بما يشاءون، رغم أن سقوط الإنسان، بسبب خطيئة الأصل، كان ولا يزال وسيظل حتميا على أي حال.

لن أتطرق لما قاله ’’عبده‘‘ الصِّدِّيق عن محمد بنيس، لأنني واثق من أن محمد بنيس، شاعرا وناقدا وناشرا، قادر على أن يدفع عن نفسه الأذى، خصوصا حين يكون صادرا عن شخص يحاول أن يعلمه ’’المعايير الثابتة لفعل الترجمة‘‘. ولن يشفع لعابد الأصل المجهول إفراطُه الأمين في التغزل الأحول وفي عبارات التملق الفريسية.

ولعل من سوء حظ هذا المترجم الفقير إلى عون ربه أن يقع فريسة سهلة لذلك العالم بأسرار الشعر والفلسفة والترجمة. وقد يكون من سوء حظه أيضا، كما يؤكد الصحفي اللامع، أنه اختار أن يترجم ’’شاعرا لا تستقيم ترجمته عن لغة غير الألمانية، اللغة الأم التي تكمن شعريته في صميمها.‘‘ لا يملك المرء إلا أن يتوقف محتارا عند عبارة ’’لا تستقيم‘‘ ! أيقصد الناقد والشاعر والمترجم والصحافي المرموق، هذا الذي لا يتورع في الإدلاء بدلوه في كل الآبار، وإن كانت معطلة، أيقصد هنا أنها ’’لا تنتصب‘‘؟ لا بد من استبعاد مثل هذا الاحتمال، لأن الاستقامة لدى صاحبنا لا يمكن أن تكون سوى استقامة أخلاقية مؤسسة على الصدق والأمانة. وأيا كان فهم المرء لـ’’الاستقامة‘‘ ، فإنه سيعجز عن تصور شعر لا تستقيم ترجمته عن لغة غير الألمانية. وحتى لو أفلح ـ فرضا ـ فإنه سيعجز عن استساغة التفاهة والسذاجة والركاكة التي ينطوي عليها تصور ’’لغة أم‘‘ تكمن الشعرية ’’في صميمها‘‘. ولعل أردأ ما في مثل هذا المنطق المتهافت أن صاحبنا لا يعرف من اللغة المعنية سوى ما يسمعه عنها عن طريق وسائط متباينة، قد تكون متعددة. أوليس من حقه إذن أن يكون قادرا متحكما يتشدق بالشعرية واللغة والأمومة وبصميم الصميم؟ إن خير رد على مثل هذه الأوضاع الشاذة يتلخص في مسكوكة تواجه به عاميتنا العتيدة مثل هذه المواقف: ’’خلِّيه يعيش، راه ما قاريش!‘‘، أي بالعربية العدنانية: ’’غض الطرف عنه، فما هو بقارئ!‘‘ وأؤكد لصاحبنا أن الترجمة هنا مباشرة، لم تتم بواسطة. لكنها ليست بالضرورة مستقيمة.

معذرة. يبدو أنني هنا تسرعت. فصاحبنا قارئ لا يشق له غبار، فعلى مدى 872 كلمة (طول مقاله) قام باستعراض مثير لمعرفته الواسعة: إنه قرأ وتذوق كل هؤلاء الشعراء الأفذاذ من أمثال ’’جان بيار جوف‘‘ و’’فيليب جاكوته‘‘ و’’أندريه دو بوشيه‘‘ ومن شابههم. ويبدو أن الرجل تعمق في قراءة هلدرلين في ترجماته العربية والفرنسية. لكن المثير للإعجاب حقا هو تعمقه في دراسة ’’هايدجر‘‘، ويبدو أنه متخصص في قراءة الفيلسوف لأعمال الشاعر.فقد خصص 56 كلمة من مقاله الهام لتلخيص منجزات الفيلسوف في هذا المجال. حيث أخبرنا أن هايدجر أسس نظريته في الشعر على دراسة هلدرلين. وهذا ما كنا نجهله. بل إن صاحبنا يحاول ـ ومن خلال قراءته الوسيطة لقراءة هايدجر التي لاشك أنها كانت بالعربية وفي أحسن الأحوال بالفرنسية التي يدعي أنه يتقنها(منتهى الاستقامة!) ـ أقول يحاول أن يخلف انطباعا بأنه تمكن من الإحساس بلغة الشاعر ’’الساحرة‘‘ التي يجهلها، بل أفلح في تَسمُّع ’’الصوت الشعري اللامسموع‘‘، وفي تقري ’’الصمت الكامن‘‘ في القصائد والتعرف فيها على ’’طبقات تتراوح بين المقدس واليومي، بين الخفي والمعلن‘‘(يا له من كشف! يا قاضي بني إسرائيل، أي كنز كنزتَ!). وقد انتهى المطاف بالرجل إلى أن يحيط بـ ’’اللامسمى‘‘ وبـ ’’ميتافيزيقية اللغة‘‘!!! (Give us a break! ، كما يقول الأمريكان.)

ويؤكد الصحافي اللامع الذي شمر في هواية الأدب حتى بلغته حُرفته أن هذا المترجم الجاهل لم يكن ليتجرأ على ’ترجمة شاعر ’’الأناشيد‘‘ ‘(ترى ماذا يقصد هذا الحاكم بأمر الله بـ ’’الأناشيد‘‘؟) لو أنه قرأ كتاب هايدجر ’’مقاربة هلدرلن‘‘. والواقع أن الرجل هنا محق ومعذور في أن يستبعد أن يكون المترجم قد قرأ هذا الكتاب. فالمترجم يعترف هنا، أمام الملإ، وبكل أمانة، أنه لم يسبق أن قرأ هذا الكتاب. إذ لا وجود، حسب معرفته المتواضعة، لمثل هذا العنوان بين عناوين هايدجر. ولا يملك أي قارئ ملم ولو إلماما بسيطا بكتابات هايدجر إلا أن يشك في أن يكون الفيلسوف قد استعمل مثل هذه الكلمة الصحافية المبتذلة (’’مقاربة‘‘: approach/approche/Annäherung ) وأغلب الظن أن هذه الكلمة التي كثيرا ما يروجها الآن باعة الباذنجان لم تكن شائعة في عصره وما كان لينساق لاستعمالها حتى ولو كانت شائعة. يبدو أن صاحبنا إنما يقصد ’’The Approach to Hölderlin‘‘ وهو عنوان فرعي لجزء مقتضب لا يتجاوز تسع صفحات في فصل من كتاب نشره George Pattisonسنة 2000 تحت عنوان The Later Heidegger. (اتضح لي فيما بعد أن الأرجح أن يكون الأستاذ الوازن يقصد كتابا ترجم إلى الفرنسية في ستينيات القرن الماضي بعنوان Approche de Hölderlin . والعنوان الأصلي كما هو وارد في الكتاب هو: Erläuterungen zu Hölderlins Dichtung . والواضح أن مترجمي الكتاب قد استقر رأيهم على ترجمة كلمة Erläuterungen بكلمة Approche، وهذا طبعا من حقهم. على أن الكلمة لا تعني ’’مقاربة‘‘، بل هي صيغة جمع لكلمة Erläuterung  التي تعني ’’شرح‘‘ أو ’’تعليق‘‘. وبهذا يتأكد صدق حدسي بأن هايدجر ما كان ليستعمل كلمة Annäherung وما ينبغي له.)

مرة أخرى، معذرة على هذه التفاصيل المملة. ولنعد إلى هايدجر الذي لخصه صاحبنا في ست وخمسين كلمة، فقط، لا غير. يا للعبقرية! ويا لجحافل عبقر! (آفينكم ياللي فاطرين بالشوى؟ أين أنتم أيها المفطرون بالكباب؟). يعترف المترجم هنا، وبكل ما يقتضيه الموقف من حياء وخجل، بأنه لم يقرأ من كتابات هايدجر إلا النـزر القليل وفي لغات وسيطة، لكنه يؤكد أنه على وعي تام بأن قراءة مثل هذا الرجل تتطلب من السنين عقودا بل قد تتطلب أعمارا. فلا غنى لأي قارئ جاد عن إتقان اللغة الألمانية، وسيكتشف حتى حين يتقنها أن عليه أن يتقن اللاتينية والإغريقية، وأن عليه أن يكون ملما بأعمال فلاسفة محترفين من أمثال هوسرل، وبرنتانو، وديلثي، ونيتشه، ودنس سكوتس، وأن عليه أن ينقع نفسه لزمن ليس بالقصير في عوالم التأمل واللاهوت والأساطير. وسيكتشف بعد كل ذلك أن عليه أن يرحل عبر أنهار تقوده إلى بلاد الإغريق العتيقة.

وحين يتم له كل ذلك، سيكون على صحافي يهوى الأدب ـ إن كان لا يزال في ريعان شبابه ـ أن يستقيل من مكتبه في الحياة ويعتزل في دير ومعه نسخة من Sein und Zeit يحاول أن يفك طلاسمها مستعينا بحواشي الأب ريتشاردسن وغيره، وقد يتطلب منه ذلك عقدين أو ثلاثة، حسب ذكائه وانضباطه. وسيفقد بذلك كثيرا من وزنه. ولن يتجرأ بعد ذلك على الكتابة عن هلدرلين وهايدجر في الصحافة اليومية. لو كنا في عالم مثالي يتحقق فيه كل ما ذكرناه، إذن لنجا صاحبنا القديس عبده من الانحشار في زمرة أولئك الذين وصفهم هلدرلين بأنهم ’’جيل من المحتالين ـ متطاول وجحود.‘‘

رغم أن صاحبنا حاول أن ينهي مقاله الصاخب نهاية سعيدة تليق بالمسلسلات الميلودرامية المتفائلة الرخيصة، فإنه لم يتخلص من نبوءته الأصولية: فهاهو يتكرم بوصف الترجمة التي ينتقدها بأنها ’’قابلة للقراءة‘‘، لكنه يؤكد أنها ’’لن تصمد طويلا‘‘، وتعليله لذلك هو أنها لن تقوى على منافسة أي ’’ترجمة عن الأصل‘‘ أيا كان مترجمها ومهما كانت قيمتها. ولا حاجة إلى تبيان ما في هذا المنطق من نزعة فيلالية لجوج لن تكف أبدا عن الإصرار على أن الغراب عـنـزة حتى وهو محلق في عنان السماء. وسيظل الخلاف بيني وبين دعاة الأصولية قائما أبد الدهر: فكون الترجمة قد تمت مباشرة عن الأصل لا يضمن لها الجودة ولا يحصنها ضد الرداءة. أما شهادة صاحبنا لصالح ترجماتي من الشعر الأمريكي والبريطاني، فلا يمكنني ـ للأسف ـ أن أعتز بها، لأنني أدرك أن بيت المتنبي المشهور سينقلب معناه، حين ينعكس على مرآة الصدق والأمانة، فيغدو منطوقه:’’وإذا أتتك مدحتي من كامل/ فهي الشهادة عليَّ بأني ناقص‘‘ ، وسيختل بذلك حتى عروض البيت.

Achtung, Monsieur Abdou!

Soyer pas hors-jeu si vous voulez être crédible! Don't be offside, that is.

لا تكن متسللا!

وأخيرا، أود أن أذكر هنا بأن موقفي من مسألة الترجمة عن لغة وسيطة قد سبق أن عبرتُ عنه بكامل الوضوح في مقدمتي للترجمة التي أنجزتها لأشعار راينر ماريا رلكه والتي صدرت بالقاهرة عن المجلس الأعلى للثقافة في سنة 2002. ولست أرى داعيا لأن أردد التعبير هنا عن ذلك الموقف الذي تلخصه وتحينه هذه العبارة: الأسلم أن تتم القبلات من وراء الزجاج في عصور تتفشى فيها أوبئة مثل حمى الخنازير.كم كان سيسعدني لو أن كاتب هذا المقال الذي أضطر الآن إلى الرد عليه، أو أن غيره من منظري الترجمة وخبراء ’’الترجميات‘‘، اطلع على ما سبق أن عبرتُ عنه وناقشني في مضمونه بموضوعية وبدون مزايدات مجانية. أما كان من الممكن أن أقتنع فأقلع عن ’’هذه العادة السيئة‘‘، أو ربما أكف عن اقتراف ’’فعل / فعلة‘‘ الترجمة من وإلى أي لغة، فنرتاح جميعا من كل هذا السجال العقيم؟

Posté par motassim à 10:34 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

14 mai 2009

شاعر الدهشة و الانتماء الملتهب

بورتريه
المبدع المغربي سعيد عاهد
عبد الرحيم العطري
      
كاتب و باحث سوسيولوجي
من أحضان دكالة جاءنا الشاعر، من دروب "مازاغان" جاءنا الصحافي، و من تربة المغرب العميق، جاءنا المتعدد في واحد:سعيد عاهد، راغبا في اشتهاء الحقيقة، في اكتناز المعنى و محو الدهشة، أتانا مفتتنا بالقراءة و الانكتاب، يهدينا قصص حب تكتمل أو لا تكتمل، قصص حب معفرة بتراب الأمكنة و زهو الأزمنة، بلغة الضاد، و بلغة موليير أيضا.
لما كان يجرب البحث عن معنى الانتماء، في أحضان مدينة الجديدة تحديدا، بدا له أن يمتشق مسالك المعنى، و أن يتفهم عسر الانتقال من القرية إلى المدينة، مفكرا في أعطاب "ترييف المدن و تمدين القرى"، فكان أن كتب، في مساحات الواجب المدرسي نصا متقدما اختار له من الأسماء: "مشروع دوار حضري" سخطا و ألما على التنمية المعطوبة و التحول المعاق. ذات النص ستفرح به كثيرا أستاذة اللغة الفرنسية، و ستهديه بالمناسبة "الذاكرة الموشومة" للراحل البهي عبد الكبير الخطيبي.
سترافقه ذاكرة الخطيبي، و ستترك وشما بارزا في تقديره للأمور، بل و حتى في قراراته الشعرية اللاحقة، سيعرف أن دكالة/ الهامش/ المنسي، ليست مشروطة بذلك التخمين الماكر المفتوح على استحالة القرع إلى جبن " كون كانت الكرعة فرماج كون دكالة هي أمستردام" ، لكنها مشروطة برهان السؤال النقدي و الألق الإبداعي الذي أنجب مفكرين و مبدعين كبار من أمثال الخطيبي و العروي و هذا ال "عاهد" أيضا.
لن تصير الجديدة في اعتقاد شاعرنا مجرد "دوار حضري كبير"، بل ستنغرس عميقة في الوعي و الخافق، كمساحة باذخة للإبداع و السؤال، هنا بالضبط ستغدو "الكتابة مدينته". و سيتأسس القرار الشعري، بما يشبه "القسم" في مدارات المقدس، فقد قرر سعيد عاهد حينها، أن يكون انشقاقه الشعري البكر باللغة الفرنسية، لهذا لم يكن مستغربا أن يكون أول الخطو ديوانا بغير لغته الأم.
من أجل الوفاء بعهده، وجد الفتى نفسه ذات مغرب ملتهب، يعانق الكبار من قارات و سجلات ثقافية و فكرية متعددة و متناقضة، مع انتصار، أعلى قليلا، للشعر "مدرسه قلقه" الأثيرة، سيقرأ  كثيرا فاليري، أراغون، مالارميه، دولتو، بودلير، غورتس، ألان، ماركس، لينين، روزا لوكسمبورغ، غرامشي، ألتوسير، جيل دولوز كاتب ياسين، نزار قباني، مهدي عامل، حسين مروة... سيغترف أيضا من المتن الشعبي الذي يتيحه الانتماء إلى مازاغان من انفتاحات مولاي بوشعيب الرداد و مولاي عبد الله أمغار و سيدي عبد الرحمان المجذوب و للا عيشة البحرية...
في مازاغان سيقرأ نصوص المكان المفتوحة، في البحر المطل على اللانهائي، في الأرض التي تحكي أعطاب المغرب القروي، في تاريخ الديانات الثلاث، و سيتعلم بعد حين، كيف يكون الانتماء بلون أحمر، في أزمنة جمر و رصاص لا ينتهي، هنا و الآن سيخلص ل "لاءاته"، و سيرفض الانبطاح أمام قيم الاستهلاك و الاسترخاص، فلا انوجاد له إلا في بهاء و التزام المثقف العضوي.
بعدها قرر ألا يكون صحفيا عابرا، بل ملتزما بالقضية و منتصرا للسؤال، و لو في أزمنة الإجابات الجاهزة، قرر مرة أخرى أن يبحر باتجاه "مهنة المتاعب"، و أن يصير صحفيا ب "ليبراسيون"، لكنه في لحظة ما، سيطلق الصحافة الفرنسية، و المغادرة نحو شقيقتها العربية "الاتحاد الاشتراكي". و إن كان مفهوما جدا كيف تحقق السفر نحو لغة موليير شعرا، فإنه لحد الآن، لم يتعرف إلا القلة من أصدقائه، على سر بناء هذا القرار المهني، ثمة علبة سوداء عصية التشفير يكتنزها صاحب المحكيات الدكالية.
يوزع اليوم سعيد عاهد "يوميه" بين المدينة الوحش/ البيضاء، و ربيبتها التي تسمى خطأ بمدينة الزهور/ المحمدية، لكنه لا يمنع نفسه من اختلاق الأسباب ليقرئ السلام لمسقط الرأس المتعددة الانتماءات و الخيالات/ الجديدة، و حتى في اللحظة التي يكون فيها بالمحمدية أو البيضاء فإن له في الأولى الصديق العزيز أمان عبد الكريم الذي يذكره بجذوة الانتماء و في الثانية هناك أيضا الرائع سعيد منتسب الذي يمنحه بعضا من هوية مشتركة، فمازاغان حاضرة بثقلها الرمزي و التاريخي في كل انغلاق/ انفتاح ممكن.
يقترح علينا سعيد عاهد دوما السفر في ملكوت الحرف و السؤال، عبر نصوص عابرة لقارات القول، و تيمات عصية على التجنيس، و مفارقات فادحة ماكرة، يأخذنا عنوة إلى أشعار و محكيات و ترجمات و متابعات و مقالات صحفية، تحكي عن "موتنا" و ضياعنا، تفرح بحبنا و انتمائنا، تتواطؤ مع انتظاراتنا و انكساراتنا، و فوق ذلك كله تسرق منا الارتياح البليد، فهذا ال "عاهد" لم يكن يوما من تجار اللغة و لا من عرابيها، كان و لا يزال شاعرا و قاصا و مترجما و صحافيا ألمعيا، يكتب بسؤال و هم وجوديين، أملا في بلوغ المعنى أو اللا معنى.
في "قصة حب دكالية" نكتشف الطفل الذي يسكنه، و الذي لا يستطيع "قتله"، بالرغم من نثر أسراره في محكياته، فسعيد كالطفل في براءته، في حبه، في غضبه، و في انسيابه، ينتقل عبر دروب "مازاغان"، مرتكنا إلى عفو الخاطر و إسعاف الذاكرة، يلتقط تفاصيل الأمس، يعيد تركيبها، من غير تزوير أو تحوير، في أحد عشر انعطاف نحو أسئلة الذات و المدينة و الوطن، نحو مدارات الهوية و الانتماء، نحو جمر الاغتراب و عذابات الانشراخ.
هنا نكتشف الشاعر الذي يتخفى وراء السارد، و المثقف الذي يوجه خيوط الحكاية، نتعرف إلى كاتب رصين يعرف جيدا من أين تؤتى لذة الحكي، و كيف تتأسس جمالية الأضداد، و كيف تصير المحكيات متونا مسافرة في تخوم اللغة و الآداب و العلوم و الفلسفة، و كيف يصير النص المحتمل، نصوصا أخرى و علامات مضيئة، و لا عجب في ذلك فهو المتعدد في واحد، و من الطبيعي أو غير الطبيعي أن تكون محكياته و أشعاره و مقالاته نصوصا متعددة في نص مختلف و مثير للإعجاب.
هذا هو سعيد عاهد، شاعر الدهشة و الانتماء الملتهب، الإبن الشرعي للمغرب الشقي، لهذا كانت نصوصه، و ما تزال، عنوانا لمرحلة من تاريخ مغرب لم يكتب بعد، فهو قبلا و بعدا كاتب استثنائي، غير معني بالظهور السريع، يتردد كثيرا في النشر، تختمر الفكرة عنده لسنوات عدة، يتردد في إطلاق سراحها، يعيد صياغتها من جديد، و حين تكتمل القصيدة، تأسر، تزعج، و تنتقل بقارئها إلى شهود لحظوي مائز.
في أنفاسه الفرنسية، نقرأ شعرا معتقا، لا يكل من تفجير الأسئلة، من مقاومة البداهة، من محاكمة "موت الإنسان" و اغتيال المعنى، و كأنه يستعيد نيتشه و هو يقول "لست مسؤولا عن كل هذا الدمار و الساعة ساعة شك"، لكن عاهد يستشعر المسؤولية بهشاشة الشاعر فيه، بيقظة الصحافي فيه، و بألق المثقف العضوي الذي لا يغادره بالمرة. فموجة التفاهة التي أنتجتها ثقافة "نسخ/لصق"، تجعله يصيح عاليا" هل تنقرض مهنة الكاتب فعلا؟و هل الأنترنيت هو رصاصة الرحمة التي يطلقها أطفالنا على الكتاب؟"

Posté par motassim à 18:30 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

04 mai 2009

ضد تزييف الحقيقة

خالد الريسوني

أود من خلال هذه الورقة أن أتوجه إلى كل الشعراء المغاربة النزهاء، الذين ما زالوا يتجرعون كأس مرارتهم في صمت، وبعد لم تصبهم لوثة السمسرة الثقافية ولعنة الهرولة نحو الكراسي، وممارسة الكذب والتزييف رغبة في الوصول إلى أمجاد تافهة لا تليق بالصورة التي ينتظرها منا مجتمعنا المغربي في شماله وجنوبه، والداعي لكتابة هذه الورقة لايحتاج مني إلى تبرير لأن صفحات الجرائد المغربية والعربية، وعلى الأنترنيت امتلأت في الآونة الأخيرة بالاتهامات الرخيصة لنا بكوننا أردنا، أنا والصديقين الشاعرين المهدي أخريف ومزوار الإدريسي، ولوج عالم جديد لا علاقة له بالشعر، عالم السمسرة الثقافية مما اعتبرناه ومازلنا نعتبره مسا خطيرا بكرامتنا كمواطنين بالدرجة الأولى، ثم كشعراء في المقام الثاني، وممن أتت هذه الاتهامات من مؤسسة كان يعول عليها أن تصون كرامتنا وتحمينا من مثل هذا الكلام السخيف، والذي لا يصمد أمام الحجة التي نسوقها لإبراز نوايانا الحسنة في كل ما قمنا به لصالح الشعر المغربي، وما زلنا نرغب في القيام به؛ لأن ما تعرضنا له نعتبره نزوة أفراد في الهيئة التنفيذية لبيت الشعر، وليس في المؤسسة بكل أعضائها. إن الحسابات الصغيرة التي قام بها هؤلاء الأفراد، وحروبهم الصغيرة والمقيتة، جعلت الكثير من المثقفين النزهاء يعبر عن عدم ثقته في المؤسسات الثقافية في بلادنا، بل إن البعض أصبح يتضاحك من هذا الواقع العاهر الذي أصابنا برشاشه نحن الذين كنا نطمح أن نكتب قصيدتنا بعيدا عن الضجيج والتراشق الكلامي والدعارة الثقافية.

وأمام ما كتبه الصديق الشاعر مراد القادري من توضيحات لا أتفق معها، وتبيانا للحقيقة ولاشيء غير الحقيقة، أقول له ومن خلاله لجميع الشعراء المغاربة أننا:

1/ كشعراء مغاربة – وأشدد هنا على مغاربة- ننتمي إلى شمال المغرب، كنا دائما نؤمن بالهوية الثقافية المتميزة لهذا الجزء من الوطن، مثلما نؤمن بأن مسألة الهويات الثقافية لبلادنا متعددة ومختلفة. ولهذا عندما اقترحنا تنظيم مهرجان إيبيرو مغربي، سيصير لاحقا ملتقى إيبيرو عربي، كنا نراهن على مشروع من صلب اهتماماتنا كشعراء ومترجمين ونقاد من شمال البلاد، ولا أعتقد أن هذا موجه ضد أي أحد، بدليل أننا نعتبر الشعراء المغاربة جميعا معنيين بالمساهمة في هذا الملتقى، بل إننا حملنا الفكرة التي تمت مناقشتها مع أكثر من ثلاثين مثقفا ومبدعا في طنجة وتطوان وأصيلة لبيت الشعر كي ننفذها على أرض الواقع، وهيأنا لها برنامجا ولجنا تنظيمية وتصورا ماليا، ومساهمين فاعلين في الحقل الثقافي، ومشاركة مغربية من مختلف جهات البلاد شمالا وجنوبا. وبالتالي فنحن نعتبر الغمز واللمز، واللعب على وتري الإقليمية والعصبية الضيقة لا مبرر لهما، فنحن داخل البلاد وخارجها أكثر وطنية، وأكثر انفتاحا مما يتصور البعض.

2/ إن القول بأن فكرة المهرجان قد تم تسطيرها ضمن البرنامج الثقافي لبيت الشعر في جمعه العام الذي انعقد في الدارالبيضاء بتاريخ:1 يوليوز 2006 ، فيه تزييف للحقيقة، إذ أن هذا الجمع العام لم يقدم إبانها أي مشروع برنامج ثقافي، بل قدم فيه فقط التقريران الأدبي والمالي للهيئة المسيرة سابقا للتصويت عليهما، ثم تم الانتقال مباشرة إلى انتخاب الهيئة التنفيذية الحالية التي لم تقدم أي برنامج ثقافي تعاقدي، لاكتابة ولا شفويا، وإذا كنت مخطئا فليصحح لي الشعراء الذين حضروا الجمع العام، أما أن تكون فكرة المهرجان قد طرحت إبانها فأنا متأكد بأن ذلك ليس حقيقة، لأنني أنا والمهدي أخريف ومزوار الإدريسي، كنا من نقلوا الفكرة إلى حسن نجمي بعد ذلك بشهور، بعد أن أقنعنا الإخوة الآخرين بضرورة تنظيم المهرجان ضمن أنشطة البيت، وأن البيت سيدعم الفكرة ويمضي بها معنا إلى حدودها القصوى.

3/ أن الصديق الشاعر مراد القادري بعظمة لسانه ، هو الذي ألح علينا، أنا ومزوار الإدريسي بضرورة تأجيل المهرجان، خلال لقائنا معه في ساحة وطاء الحمام بمدينة شفشاون العامرة خلال بداية صيف السنة الماضية، أثناء انعقاد مهرجان الشعر المغربي، مبررا ذلك بحضور وفد مهم من "بيت الشعر في المغرب" في الأسبوع الثقافي المغربي بدمشق، في نفس فترة انعقاد المهرجان تقريبا، وهو ما حصل بالفعل، فقد شارك فعلا أعضاء من الهيئة التنفيذية لـ: بيت الشعر ضمن الوفد المغربي في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2008، ولا أحد يعترض على ذلك، فلماذا يحاول الأخ مراد القادري أن يغطي الشمس بالغربال، ويقدم لنا احتفالية جائزة الأرغانة باعتبارها المبرر الوحيد لتأجيل تاريخ مهرجان الشعر الإيبيرو مغربي، أمن أجل التخفي في حبنا العميق لمحمود درويش شاعرا ورمزا أم لتبرير ما لا يبرر؟ إن مكمن الخطأ ليس هنا ، مكمن الخطأ يوجد في عدم وجود بوصلة وأجندة واضحة لدى الهيئة التنفيذية لبيت الشعر في المغرب، إنها الارتجالية في الأداء، وإلا كيف قبلت الهيئة التنفيذية أن تبرمج في شهر واحد ثلاثة أنشطة كبرى في نفس الشهر، علما أنه كان بالإمكان أن توزع على مدار السنة؛ وقد لاحظ الأخ مراد القادري بشفشاون أننا تضايقنا من فكرة التأجيل، ومن الأداء الباهت للهيئة التنفيذية لبيت الشعر، لأنه ما كان عليهم أن يقبلوا بتحديد تاريخ المهرجان منذ البداية، وعلى العموم فهذه كانت فقط القشة التي قسمت ظهر البعير، لأن الإخوة الآخرين عندما علموا بخبر التأجيل ألحوا على إبعاد البيت عن تنظيم المهرجان، واكتشفنا نحن الثلاثة أننا في الأصل كنا مخطئين حين مضينا بالفكرة وبالمشروع إلى البيت. ومراد القادري حين اكتشف امتعاضنا واحتمال إبعاد البيت عن تنظيم المهرجان، نقل ذلك إلى بعض أعضاء الهيئة التنفيذية، الذين أفتوا بتسجيل المهرجان باسم كذا.. لبيت الشعر في المغرب؛ وتماهيا مع الأحداث، تم تغيير تسمية المهرجان، واختيار اسم آخر كنت شخصيا أفضله لأنه يفي بالغاية من تنظيم هذا اللقاء الشعري.

4/ وللأخ مراد القادري وهو يتحدث عن الالتزام الأخلاقي أسأله، أي التزام أخلاقي هذا الذي سنواجه به، الشعراء والمؤسسات الأخرى الداعمة، وقد حددنا لهم موعد اللقاء منذ أكثر من سبعة أشهر خلت، وهم من جانبهم ألغوا أي مواعيد أو أعمال أو لقاءات أو التزامات لهم، ووضعوا على أجنداتهم أنهم سيكونون خلال هذا التاريخ معنا في المغرب، في مهرجان الشعر الإيبيرو مغربي؟ هنا يكون الالتزام الأخلاقي، في الإحساس بالمسؤولية، ليس تجاه الذات فقط بل تجاه الآخرين، ثم كيف نفسر هذه العلاقة المختلة التي ننسجها مع الزمن، ونحاول أن نورط معنا فيها الآخرين. يجب أن نغير ذهنيتنا ونحن ندعي الحداثة وغيرها من المفاهيم، فالزمن عامل حاسم في الحداثة وفي التقدم؛ فالمهرجان الذي كان سينعقد في أكتوبر ليس هو الملتقى الذي ينعقد الآن في ماي، فالزمن غير الزمن... وحتى الشعراء الذين كانوا سيشاركون في ذلك المهرجان ليسوا هم الذين يشاركون الآن، لقد فضلوا أن ينسحبوا من المشاركة في مهرجان عالم ثالثي بكل معنى الكلمة، وذلك لسبب بسيط أن "الآخر" لا يحترم أبدا من لا يفي بالتزاماته، ونحن ومن كان معنا من بيت الشعر في إعداد المهرجان العلم ثالثي لم نَفِ بالتزاماتنا تجاههم، مع فارق هو أن البعض يعرف كيف يقدم النقد الذاتي، ويقدم الاعتذار ولا يبالغ في تضخيم الذات بالتبريرات التي لا معنى لها، وأحيانا بالتجني على الآخرين ونعتهم بأبشع النعوت، ربما لأنهم باغتونا بفعل كاشف لعرينا. ولا يفوتني هنا -وأنا أصغي إليك أيها الصديق الشاعر والزجال- وأنت تتحدث عن المشهد السياسي والنقابي، أن أنبهك إلى أن الكثيرين من المحسوبين على الفعل الثقافي ببلادنا، يزكون ما يجري بممارساتهم المهرولة، بحثا عن الكرسي أو الجاه أو المال أو سلطة وهمية، أما نحن فقد اخترنا أن نتأملهم من خارج الإطار، لا مطمح لنا ولا رغبة في أن ننزل إلى المستنقع؛ ببساطة نتأسف لما يجري، ونحس أصوات الفجيعة في دواخلنا، ونحن نرى بشاعة المشهد... تأمل داخل مؤسساتنا الثقافية، مشاهد السقوط والولاءات واللهاث خلف الكراسي والشاشات وستعرف بالإشارة والعبارة ما ألمح إليه...

5/ في سياق الحديث عن التسمية، قلت بأنني أفضل التسمية الحالية وهي: الملتقى الشعري الإيبيروعربي عن السالفة وهي مهرجان الشعر الإيبيرو مغربي، وهذا النقاش هو من صميم غايات ورهانات التأسيس التي قد لاتكتمل إلا بشروطٍ موضوعية وبتوفر الفضاء الضروري لتحقق تلك الغايات والرهانات، وأول اختلاف في التسمية هو الذي يقابل بين مفهومي مهرجان وملتقى، ففكرة المهرجان تنطوي على مفهوم الاحتفال، وأنا لست ضد صخب الاحتفال والاحتفالية وإن كنت أميل إلى مفهوم الملتقى بما يعنيه، من أبعاد تأملية، ومن إمكانية التلاقح والتفاعل الفكري والشعري بين قارات شعرية وليس بين بلدان، فنحن وأقصد المؤسسين لم نفكر في البلدان بل فكرنا في القارات، وهذا ما يفي به مفهوما العربي والإيبيري، إن مفهوم العربي باعتباره لغة وجنسا بشريا يمتد من المحيط إلى الخليج، والإيبيري باعتباره مصدرا وامتدادا يضم إسبانيا والبرتغال وأمريكا اللاتينية، وهنا تكمن أهمية الملتقى كغايات ورهانات بالنسبة للمغرب عامة وللشعر المغربي خاصة، فالمؤسسون كانوا يتوخون كل هذا في التأسيس، وليس ما قصدت إليه أخي مراد في "توضيحاتك" حينما تحدثت عن المغرب إسبانيا والبرتغال، ولكن العوائق الموضوعية للبدايات هي التي أجلت فكرة البعد العربي وأجلت القارة الأمريكية اللاتينية، ثم إن اختيار مدينة أصيلة له دلالته التاريخية، فبغض النظر عن الموقع الذي تحظى به باعتبارها أرضا للقاء الشعري والفعل الثقافي، فهي مدينة خلاسية احتضنت أكثر من هوية ثقافية، وخصوصا الهويَّتيْن العربية والإيبيرية. ومن جهة أخرى، نحن لا نريد فقط أن يقرأ الشعراء المغاربة قصائدهم الشعرية في هذا الملتقى، نريدهم أن يدخلوا، ضمن الشعرية العربية، في حوار عميق مع شعريات آتية من قارات أخرى، وهذا لا نقوم به لأنفسنا، ولا طمعا في مجد زائف أو كرسي أو سلطة وهمية، بل لصالح القصيدة المغربية، أما نحن فمجرد عابرين في هذا الهباء المهول.

ودمت  صديقا لذاتك وللشعر والشعراء.

خالد الريسوني

عضو مؤسس لجمعية أصدقاء لوركا بتطوان

عضو بيت الشعر في المغرب

عضو جمعية ملتقى الشعر الإيبيرومغربي

Posté par motassim à 14:29 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

27 avril 2009

توضيحات في شأن مهرجان الشعر المغربي-الإيبيري


ارتأيتُ أن أتوجَّه بهذه السّطور إلى الرأي العام الثقافي،وتحديداً إلى أصدقائي الشُّعراء المغاربة،ليس للتـّعقيب على بيان جمعية الشعر المغربي-الإيبيري،أو للدّفاع عن بيت الشعر في المغرب الذي لهيئته التنفيذية وحدَها الحقُّ في الرد على ما جاء في البيان المذكور.بل لتقديم بعض التوضيحات لكـُلّ من تابعَ بيانَ الهيئتين حول الخِلاف القائم بينهما في شأن مهرجان الشعر المغربي-الإيبيري،علـَّها تُسهـِم في رفع بعض الالتباسات،اعتبارًا لكوني عضو اللجنة التحضيرية لهذا المهرجان وتابعتُ باسم بيت الشعر، إلى جانب الشاعر الصديق حسن نجمي،أطوارَ تحضيره منذ اللحظة الأولى.

 - عندما طـُرح،خلال الجمع العام الأخير لبيت الشعر في المغرب (1 يوليوز 2006)،مقترحُ إقامة مهرجان للشعر المغربي-الإيبيري ،وتم تبنـّيه من طرف الجمع العام ،صار هذا المقترحُ جزءًا من البرنامج الثقافي والشعري لبيت الشعر،ولم يعد مُهمّاً ،بعد ذلك، التساؤُلُ أو معرفةُ من صاحب الفكرة ،أو من كان المُبادرَ إليها.فأعضاءُ أيِّ جمعية مدعـوّون،خِلال مؤتمرات منظماتِهم، إلى تقديم المقترحات التي من شأنها تطويرُ ممارسة وأداء جمعيتهم،و الارتقاءُ بها إلى آفاق جديدة.وليس طرحها، ونقلها فيما بعد أو تهريبها إلى جهة أخرى.

دُونَ ذلك،سيُصبح العمل الجمعوي مُفرغا من أي التزام أخلاقي .نُقدّم اقتراحاً هنا ،وحين يتأخر تنفيذه أو تواجهه مصاعب مادية أو ما شابه،نُؤسّسُ له جمعية خاصة.إنها التراجيديا التي عاشَها و يعيشُها المشهد السياسي و النقابي ببلادنا،و التي أدت إلى ظواهر العزوف و انعدام الثقة....و أتمنى ألاّ يسقطَ الفعلُ الثقافي في براثن هذه النزعات الضيقة و الشخصية.

 

- تتأسَّسُ أهميةُ المُقترح الذي تبنّاه بيتُ الشعر في المغرب خلال جمعِه العام الأخير،والقاضي بتنظيم مهرجان للشعر المغربي-الإيبيري،على قيمة وأهمية العلاقات الثقافيــــــــــــة

و الشعرية التي ميّزت تاريخًا حيًّا من العبور و التفاعل مع شبه الجزيرة الإيبيرية  في الماضي البعيد و القريب.ومن ثمة،كان اللقاءُ عنوانا لحاجة ثقافية ،ولحظة حضارية ،ستُسهِم في الإجابة ،عبر الشعر و من خلال القصيدة ،على التحديات التي نعيشُها كشعوب (المغرب-إسبانيا-البرتغال) تسعى للتأكيد على قِيم التـَّعايش و الانفتاح و الحوار.

الآن, ما أهمية هذا اللقاء في ظل الدينامية الثقافية و الشعرية التي نتحدّثُ عنها وقد أضحى المُقترح الذي اشتغلنا عليه جميعا :"مهرجان للشعر الإيبيري-العربي"...؟ .

أليس هذا تحويلا ثانيًا يمُسّ الفكرة والمقترح...؟ .لقد تاهت الفكرة.ولم تعد هناك حاجة حقيقة وراء هذا النشاط ،سوى الالتقاء و تبادل قراءة القصائد الشعرية.

- كيف سيبرّر أعضاءُ جمعية مهرجان الشعر المغربي-الإيبيري موقفَهم،تجاه شركائهم،وقد خاطبوهم البارحة باسم بيت الشعر في المغرب، واليوم باسم جمعية أخرى...؟

و العجيب في الأمر، أنهم، في المناسبتين معا، وباستثناء بعض التعديلات البسيطة، خاطبوهم بنفس الملف،وبنفس الأرضية.وكيف سيبَرّرُ الشركاءُ موقفهم ،هم الآخرون،و بين أيديهم،ملفان واردان من جمعيتين مختلفتين،تدّعي كل واحدة منهما أحقـّيتَها في تنظيم المهرجان..؟.خاصة أن بيت الشعر في المغرب لم يُعلن تخلّيه عن فكرة تنظيم المهرجان.وعلى عكس ما حاول أعضاء جمعية مهرجان الشعر المغربي –الإيبيري الترويج له بأن بيت الشعر فضّل أعضاؤُه خلال التاريخ الأول الذي اقترح للمهرجان:16-17-18 أكتوبر2008 السفر إلى سوريا،أقول لهم:عارٌ عليكم،و اتقوا الله في صداقة الشعر.فالجميعُ يعلم أنّ بيت الشعر خِلال هذه الفترة كان يُحضّر لاحتفالية جائزة الأركانة العالمية للشعر التي احتضنها المسرحُ الوطني محمد الخامس يوم 24 أكتوبر.و هي اللحظةُ الثقافيةُ و الشعريةُ الرفيعة التي لم يعشْ بيت الشعر مثيلا لها ، واستدعت منه،ومن هيئته، جُهدا تنظيميا كبيرا لمدة شهور

لقد كان البيت مُنخرطا ،خلال هذه الفترة،في عمل ثقافــــــــي

و شعري ،أصيل و حقيقي. عملٌ غير مسبوقٍ، استقطب إليه الاهتمام وأكّد القيمة َالتي مازال يحظى بها الشعرُ لدى الناس.وذاك ما ذهبت إليه عدة ُ شهاداتٍ ومقالاتٍ نُشِرت عن هذا الحفل:أحمد عبد المعطي حجازي،صبحي حديدي،مارسيل خليفة

 

وأخيرا،أود أن أؤكد لبعض أعضاء جمعية مهرجان الشعر المغربي –الإيبيري أن العاملين الحاليين بالهيئة التنفيذية لبيت الشعر،و يوجد من بينهم أعضاء مؤسسون للبيت وساهموا في رسم أفق عمله، ليسوا فقط ورثة لتركة، نعتز بها و نقدرها ،ولكنهم حريصون أشد الحرص على تطوير هذه التركة  وجعلها مواكبة لدينامية المشهد الشعري المغربي التي تتعزز بمختلف الإسهامات و الإضافات الأصيلة لشعراء المغرب لا فرق في ذلك بين شماله وجنوبه

 

مراد القادري

عضو اللجنة التحضيرية لمهرجان الشعر

 المغربي-الإيبيري

 

Posté par motassim à 17:13 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

09 mars 2009

حول أثر الطيب صالح

كنا في عز فورة العصيان والتمرد، ونحن نبحث عن ذواتنا واختلافنا، فترة المراهقة كما يصطلح عليها المربون والتربويون، حين وصلني أصدقائي، ونحن في المرحلة الثانوية (الثانوي التأهيلي حاليا) خبرٌ عن رواية لكاتب سوداني يكتب باللغة العربية ويقيم بإنجلترا كتب رواية جريئة اقتحمت إحدى قلاع المحرم العتيدة وبهرت النقاد والباحثين وعنوانها "موسم الهجرة إلى الشمال". لقد سبق صوت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" صورة الكاتب، كما حدث تماما مع الكاتب والروائي المغربي محمد شكري وروايته "الخبز الحافي"، إلى التهمت أعمالا روائية أخرى لكاتب.

لكن لحظة الانبهار قصيرة جدا، خطاب الإشاعة سريع الانكشاف والزوال. قرأت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" وأعدتها مرات ولم أجد بها ما أذاعه الأصدقاء حول هذه الرواية الغنية بمواقفها، الزاخرة بخصوصيات المحلي، والمستلهمة للموروث الثقافي واللغوي، الشفهي والمكتوب. كانت الرواية، إضافة إلى ذلك حديثة شكلا وصياغة، فيها من ذاتية الكاتب الكثير، كتابة امتزج فيها بدهاء السير ذاتي والروائي المتخيل: تجربة حياة، بل تجربة ذات (محكي الحياة، محكي الذات) توظف الإحالة الجنسية ولا تكتب عن الجنس. أي أنها رواية ليست إيروتيكية أو رواية إباحية أو فضائحية، كما روجت لذلك الإشاعات المغرضة.

وقد كانت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" مدخلا لقراءة روايات أخرى صغيرة الحجم للكاتب برع فيها الطيب صالح، وبرزت مهارته وقدرته على السرد والوصف انطلاقا من المحكي الذاتي وصولا إلى العلاقات الوشيجة مع الغرب، الغرب كمكان مختلف وعادات وتقاليد ثقافية...

أكثر الظواهر أثارتني في تجربة الكاتب السوداني الطيب صالح تبرمه من الكتابة، وتصويره فعل الكتابة كعملية لذيذة وأليمة في آن واحد. لقد دفعه هذا الإحساس بالألم اللذيذ إلى التقتير في السرد والكتابة، وربما يمكن اعتبار الطيب صالح من الأوائل الذين كتبوا الرواية القصيرة فنيا مراعيا خصائصها ومكوناتها الجمالية.

من أهم ما كتب عن الطيب صالح ورواياته، فيما قرأت دراسة أكاديمية جادة ومتفحصة ومفيدة في آن واحد للكاتب والناقد الأدبي الصديق حسن المودن، وعنوانها "لاوعي النص في روايات الطيب صالح: قراءة من منظور التحليل النفسي. 2002". لقد أضاءت دراسة حسن المودن، التي أشرف عليها الروائي والناقد الأدبي محمد برادة وقدم الكتاب أيضا، العديد من خصوصيات وخصائص الكتابة السردية لدى الكاتب، وقد قارب الباحث أعمال الطيب صالح انطلاقا من التحليل النفسي للأدب، وهي دراسة فريدة.

إن وفاة الطيب صالح مناسبة لإعادة قراءة أعماله، وقد اكتملت دورتها، والالتفات إلى البحوث والدراسات النقدية، التي صاحبت إبداعه لإثارة خصوصية الكتابة بعيدا عن الأحكام الجاهزة والتصورات الذهنية الثابتة، التي رسختها الإشاعات واختزلت تجربة الكاتب في عمل واحد التهم كل أعماله وإسهاماته في إثراء المدونة السردية العربية الحديثة والمعاصرة.

إن الطيب صالح (أعماله السردية) عندي مؤشر من المؤشرات على تحول السرد العربي وتأصيل له في تربة الحداثة.

03:03:2009

سلا. المغرب

نشر بجريدة أخبار اليوم يوم الجمعة: 05.03.2009 ص 13

 

 

Posté par motassim à 20:10 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]

11 février 2009

عالم الاجتماع المغربي عبد الصمد الديالمي

أركيولوجي الحدائق السرية للمجتمع
عبد الرحيم العطري**
شذرة البدء:"الكتابة هي انفتاح جرح ما" كافكا
كان الراحل بيير بورديو يردد دوما بأن علماء الاجتماع، هم أشبه ما يكونون بمشاغبين يفسدون على الناس حفلاتهم التنكرية، فعلماء الاجتماع يزعجون فعلا كما يؤكد آلان تورين، و لربما يصدق هذا التوصيف أكثر على عالم الاجتماع المغربي الدكتور عبد الصمد الديالمي، خصوصا و أنه يشتغل من داخل مشروع فكري مثير للخلاف بدل الاختلاف، فضلا عن كونه يشتغل في ظل مجتمع يدمن صناعة و تدبير أزمنة الحفل التنكري.
فأن تجعل من الطابو أفقا للاشتغال و مشروعا فكريا خالصا للبحث و التحليل، فذاك هو الإزعاج فعلا، و ذاك هو الإرباك المتواصل لخطاب الارتياح البليد، و لأنه متحدر بالضبط من مدرسة القلق السوسيولوجي، فإنه سينتصر لاختياره، تاركا وراءه كل طعنات التعجيز و التبخيس التي يتقنها أعداء النجاح من ممتهني المقاربات الكسولة و المطمئنة.
بدءا من ستينيات القرن الماضي سيختار عبد الصمد الديالمي الارتحال إلى قارة السؤال الفلسفي، ليستمر في النهل من معين مختلف، يتوزع على علم النفس و علم الاجتماع فضلا عن افتتانه بالفقه و أدب النوازل، و ليلتحق بعدا بفضاءات الدرس الثانوي مدرسا للفلسفة و الفكر الإسلامي في زمن مغربي مفتوح على التوتر و الاختلال.
لكنه لن يظل برفقة تلاميذ الصف الثانوي، بل سينتقل إلى المركز التربوي الجهوي بالبيضاء مدرسا هذه المرة لعلم النفس، ليلتحق بعدئذ بفاس متخصصا في علم الاجتماع، و منها إلى الرباط، ممارسا للشغب المعرفي، فيما يشبه البحث عن الاكتمال. لكنه في مساره العلمي هذا لم يكن دوما مدعيا للكمال أو الاكتمال، إنه يسافر بالفكرة إلى مداراتها الممكنة، يفككها، يروضها، يعيد قراءتها، ليهدينا نهاية نصوصا ذات منسوب عال من التوتر و الجرأة.
و لا عجب في ذلك، ما دام قد اختار في "قضيته السوسيولوجية" أن يرتكن إلى السوسيولوجيا القلقة بدل الأخرى السعيدة التي تناجي يوتوبياها الافتراضية، إنه أركيولوجي في جبة سوسيولوجي، مهنته الحفر الأركيولوجي في الطابوات، في مناطق الظل و العتمة، التي نتهيب الاقتراب منها، لأنها تتصل بالثالوث المقدس" الدين، السياسة و الجنس"، هذا هو عبد الصمد الديالمي مبدع السوسيولوجيا القلقة التي تصير أركيولوجيا للجنس في مجتمع الحفلات التنكرية.
في أوائل الثمانينيات سيلفت الديالمي إليه الأنظار، بمنجزه الجامعي حول الجنس، و الذي صدر بين دفتي كتاب سنة 1985 موسوما ب "المرأة و الجنس في المغرب"، و الذي "أثار جدلا واسعا بسبب مسألتين. الأولى أنه اعتبر موقف الإسلام من المرأة قضية قراءة, أما الثانية فلكونه شكك في أسلمة كل القبائل المغربية في مطلع القرن العشرين. والكتاب كان في مجمله مزعجا لأنه شكل أول سوسيولوجيا للجنسانية المغربية, خصوصا وأن تلك السوسيولوجيا أتت باللغة العربية وكرسالة جامعية".
لتتواتر الإنتاجات باللغتين الفرنسية و العربية، فالديالمي يكتب بعربية سليمة غادرها إلى لغة موليير، و منها إلى لغة سكشبير، مقدما للقارئ المفترض متونا تتوزع على "المعرفة و الجنس" و "القضية السوسيولوجية" و "نحو ديمقراطية جنسية إسلامية" و "الجنس و الخطاب بالمغرب" و "النسائية الصوفية" و " السكن و الجنس و الإسلام" و " الشباب و السيدا و الإسلام" فضلا عن عدد الدراسات و الأبحاث المنجزة لفائدة مؤسسات وطنية و منظمات دولية.
فما يميز عبد الصمد الديالمي هو أنه يشتغل من داخل مشروع، فثمة خيط ناظم يكاد يجمع بين كل أعماله، و ثمة استراتيجية متبعة في بناء مشروعه هذا، فقد أسس له في البدء، بالاغتراف من علم النفس و الإقبال بشهية مفتوحة على رايش الذي لم يكن له الحظ الكبير مع المغاربة، و لهذا يقول في إحدى حواراته الصحفية "لهذا اكتشفت رايش وأعجبت به و رأيت فيه عالما ومفكرا توفق في التوفيق بين قطبين: ماركس وفرويد... توفق في نقد التنظيم الاجتماعي البورجوازي للجنس... كان رايش بالنسبة لي المدخل الحقيقي إلى علم الاجتماع, وإلى ضرورة علم الاجتماع من أجل إحلال نظام جنساني
شفاف... بفضله أحول الجنس إلى مدخل, إلى مفتاح يمكن من فهم المجتمع المغربي."، الذي يعرف آنا انفجارا جنسيا غير مسبوق.
في مستوى ثان من الاشتغال يعمد الديالمي إلى بناء جهازه المفاهيمي، ليس في إطار الترف الفكري و لكن تحت طائلة الضرورة المنهجية التي يفترضها الانتماء الحقيقي إلى البراديغم السوسيولوجي، هنا سيقطع مع يقينيات و ينبغيات الحس المشترك، و سيرفض كثيرا من الكليشيهات التي تتردد على نطاق واسع في تدبير خطاطات المسألة الجنسية، سيرفض الديالمي توصيف البغاء بالبغاء، على اعتبار أنه "مفهوم غير محايد، فهو يحتوي على حكم أخلاقي اتجاه الظاهرة.. بينما العمل الجنسي يبدو مفهوما أكثر حيادا".
في مستوى ثالث و أخير يأتي رهان الاستمرارية، و لو في ظل ظروف مأزقية لا يمثل فيها البحث العلمي إلا 0,03 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، و في ظل تبرم واضح من إمكان فتح نقاش علمي حول أسئلة الجنس و الدين، إنه بالرغم من ذلك كله، يستمر في تأصيل مقارباته لهذه الدوائر الموضوعاتية الملتهبة، حتى في اللحظة التي يعز فيها الاعتراف و تتواتر فيها حملات التشكيك و هدر الدم كما حدث له بإحدى الدول العربية.
لنستمع إليه و هو يحكي بمرارة الباحث عن الحقيقة الذي يعسر عليه الوصول إلى حبة فهم، كلما أقيمت المتاريس في وجه فكرته المضيئة، يحكي بألم باذخ عن مشاركته الموقوفة التنفيذ في جامعة الصحوة الإسلامية بالقول "تسلمت رسالة الدعوة إلى المشاركة قبل أسبوع فقط من انعقاد الدورة... لم أتوصل بهذه الدعوة عن طريق البريد... اضطررت إلى استلامها بيدي من نظارة الأوقاف بفاس... أخبرتني النظارة هاتفيا بضرورة الحضور إليها كي أستلم استدعاء عاجلا... تجاوزت هذه المسألة في سبيل خدمة القضية النسائية ومن أجل ربط علاقة تعاون علمي مع وزارة الأوقاف. وأجبت فورا
الوزارة بالقبول رغم تأخر الدعوة, أكثر من ذلك, اقترحت ألا تقتصر مساهمتي في مناقشة العروض... اقترحت إلقاء مداخلة تحت عنوان: «سوسيولوجيا الممارسات الدينية عند المرأة بالمغرب». إنه بحث ميداني لم أتمكن لحد الآن من تحريره رغم تقادمه,  لم أتلق أي جواب من الوزارة بصدده. رغم ذلك, سافرت إلى الرباط على نفقتي تحملت مقاسمة غرفة الفندق مع أستاذ لا أعرفه و يعاني من شخير مرضي منعني من النوم...طبعا الأستاذ الشاخر معذور لأن شخيره خارج عن إرادته... قلت في نفسي: لا تهم كل هذه الأمور, المهم هو الاستفادة العلمية, المهم هو النقاش واللقاء... و كم كانت خيبتي
كبيرة حين حرمني السيد الوزير من المساهمة في النقاش الذي دعاني من أجله... طلبت التدخل مرتين, كتابة كما كان مطلوبا... ولا أعرف لحد الآن المقاييس التي اعتمدت لإعطاء الكلمة للبعض ولحرمان آخرين منها... ما كان مني إلا أن أقضي ليلة شاخرة ثانية وأن أغادر الدورة قبل نهايتها في احتجاج صامت, متأسفا في أعماقي على عقلية مدبري الشأن الديني في المغرب...".
إنه نص غني عن التعليق، صادم من فرط انسيابيته و فداحته، يحكي عن صورة المثقف الملتزم، الذي اختار الحفر الأركيولوجي في طبقات الجنس و الدين، لكنه بالرغم من فداحة اللحظة و كاريكاتوريتها فإن صاحبنا لا ينضم إلى مؤامرة الصمت، فهو يرى دوما بأن الحياة تكمن قيمتها القصوى في تحويلها إلى مبحث علمي، و تكتمل أكثر من خلال تحويل ذلك المبحث إلى شيء تعيش من أجله ومن أجله تموت، إنه الالتزام الذي يجعله يصيخ السمع فقط للحقيقة في البدء و الختام، و إنه نفس الالتزام الذي يؤدي فاتورته في صيغة عزلة المثقف، فلا أحد يريد سماع حقيقة تخص الحدائق السرية
للمجتمع. إنها واقعة تتكرس باستمرار و تقود نهاية إلى الشعور بالاغتراب في رحم الوطن.
قد تختلف مع الديالمي في تفهمه لأسئلة الدين و الجنس، و قد لا تتفق مطلقا مع خلاصاته و أجهزته المفاهيمية خصوصا في استعمالاته للأصولية كمرادف لمن يجدون في المرجعية الدينية الانتماء و الحضور، أو في إفراطه في ربط كثير من الديناميات الاجتماعية و المجالية بما هو جنسي، لكن بالرغم من ذلك كله فإنك مدعو لاحترامه كصوت علمي لا يكتمل الحديث عن مسار السوسيولوجيا المغربية بدونه. إنه أركيولوجي الحدائق السرية للمجتمع، المزعج دوما و الكاشف لأقنعة حفلاتنا التنكرية، فهنيئا لنا به مبدعا فوق العادة في قارة معرفية ما زالت تعرف حالة الاستثناء.
ـــــــــــ
*
ورقة مقدمة للمقهى الأدبي المتمحور حول كتاب "النسائية بالمغرب" المنظم من طرف فيلا الفنون و جمعية الأدب المقارن، و المنعقد يوم الجمعة 16 يناير 2009 بفيلا الفنون بالرباط.
**
أستاذ علم الاجتماع

Posté par motassim à 18:31 - Libre/حر - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]



« Accueil  1  2  3  4   Page suivante »