محمد معتصم

30 septembre 2018

من صناعة النخب في النظام العالمي الجديد

محمد معتصم

من صناعة النُّخبُ إلى النظام العالمي الجديد

عادة نعود في محاولة فهم المصطلحات والمفاهيم إلى بعدين أساسيين، هما: الجذر اللغوي للكلمة، حتى نستطيع الوقوف على المعنى اللاواعي للمفهوم والذي يتغير مع الزمان وبتحول الوعي كذلك ولكن جذره اللغوي يظل ثابتا كمرجع "نواة"، والاستعمال الوظيفي، وهو المعنى في تحولاته وتقلباته تبعا للمتغيرات الخاصة بتغير موازين القوة المؤثرة على وعي الناس والمتحكمة في محتوى اللفظ ووظيفته الدلالية.

ومفهوم "النخبة" أو "النخب" بالجمع، ظل خاضعا لمعناه اللغوي الجذري (نَخَبَ الشيء)، رغم التحولات التي طرأت عليه بفعل المؤثرات الثقافية والسياسية وتنوع واختلاف وجهات النظر وتغير مواقع الجهات المؤثرة في الوعي والثقافة والفاعلة في تشكيل الوعي وترسيخ السلوك الفردي والجماعي، أي أن مفهوم النخبة أو النخب الاجتماعية والسياسية ظل يعني في باطنه: الفئة المختارة والمنتقاة في المجتمع، أن أنها تلك الفئة الأحسن والأفضل. طبعا وَفْقَ معايير لا يحددها عموم الناس (الشعوب)، بل تحددها الفئات الحاكمة والمسؤولة على وضع الحدود المنظمة للعلاقات داخل مجتمع من المجتمعات، سواء أكانت ذات بعد سياسي أو اقتصادي مالي أو فكري أو عِرْقي أو عقائدي أو اجتماعي.

لذلك ارتبط مفهوم النخبة أو النخب بالفئات العليا اجتماعيا والمميزة بصفات خاصة تختلف عن الرعاع أو عامة الشعب، ومميزة بوضعياتها الاجتماعية السامية، يمكن أن نسميها كما في الفكر العربي قديما "الملأُ"، الفئة المميزة اجتماعيا بالقدرة المادية من جهة، ومن جهة أخرى بالنسب العرقي والسلالة. وهو ما ظل حتى اليوم معروفا تحت مسمى آخر، ولكن في تحالف وطيد، هو: "الأعيان" و"الأشراف"، هذا في مجتمعاتنا العربية. يمتاز هذا التحالف الوطيد الذي يتناسى خلافاته وصراعاته، عندما تتهدد قوى جديدة في المجتمع مصالح أحدهما، ومن هنا التأكيد على "قوة المصلحة المشتركة"، وهي القوى التي تتحكم في النظام وتفرض نمط العلاقات وتسن القوانين وتشرعها في آن، بما يضمن استمرارها أطول أمد ممكن.

يذكرنا هذا بشيئين أساسيين بنظام الدولة في نشوئها وارتقائها، وبالمدينة الفاضلة وجمهورية أفلاطون. إن النخب القديمة، المنتقاة والمختارة من قبل الجهات العليا سياسيا وعقديا وماديا في كل مجتمع، ينبغي أن تتميز بصفات محددة: الولاء، والإيمان القوي بالقوانين والتشريعات الحامية والضامنة لاستمرار منتخبيهم. أي الولاء للفئة التشريعية والقوة السياسية الأم. أما تلك الحشود التي يصفها أفلاطون بـ"الثور"، وهو توصيف رمزي "أليغوري"، يعني به غير النخب، وهم فئة العبيد الذين يقبعون أسفل الهرم الاجتماعي والذين لا يملكون ولا ينبغي لهم امتلاك ثقافة "رفيعة"- التحديد هنا مرتبط بمفهوم ووعي المشرع الفئة الحاكمة- وتكتفي هذه الفئة بالعمل الجسدي (اليدوي) كالثور يجر المحراث ولا يحق له التفكير في نزع النير من رقبته ولا اقتراح رأيه فيما يقوم به من عمل وما يفرض عليه من واجبات ولا حق له ولا نصيب مما ينجزه ويشارك في إنجازه. من ثمة كان شرط أفلاطون لدخول المدينة الفاضلة مدينة النخبة، الأكاديمية الخاصة بصناعة النخب، لأن النخب تصنع في المختبرات وفي مؤسسات خاصة بمواصفات خاصة وبمحددات ومقاييس مسبقة خاصة، أن يكون عضو الأكاديمية عارفا بعلمين مجردين دقيقين هما: الرياضيات والموسيقى. أم أصحاب الأدب من الشعراء، فمن لا يخضع للتعليمات والذي يتمرد على القوانين والتشريعات المملاة عليه والمحددة سلفا من قبل الفئات الحاكمة والمتحكمة، فيتم طرده طردا مهذبا بوضع إكليل الغار على رأسه ورشه بالطيب، وإبعاده عن أسوار الأكاديمية. وفي حال عصيانه وتمرده على النظم أو على النخب الساهرة على تطبيقها وفرضها باللين أو القوة فقد تم تصميم دقيق للمدينة- الدولة برموزها الثلاثة المستمرة حتى وقتنا الحالي: السجن يسار الساحة العامة، والكنيسة (أي بيت للعبادة) يمين الساحة العامة، ثم المشنقة في الوسط لتقديم العبرة للمارقين من غير النخب المختارة والمنتقاة وذات الحظوة.

إذن، فالنخب وسيط يصنعُ في مؤسسات خاصة بين الحاكم والمحكومين، وحسب الهرم الأفلاطوني، بين الآلهة والعبيد. لذلك اتخذ مفهوم النخبة بحسب المتغيرات التاريخية وفي شتى أبعاد تحولاتها صورا عنيفة منها مثلا النخبة والهوية القاتلة، ويتعلق الأمر بالنخب المتعصبة عرقيا أو عقديا، فتقتل نفسها بالانعزال وتحمي نفسها بالإقصاء والعنف تجاه باقي الهويات الثقافية والفكرية والاجتماعية، والنخب الديمقراطية، والتي تنتخبها الشعوبُ بصورة وهمية، ي إيهام الحشود بالدور والوظيفة الاجتماعية لأغراض معلنة حينا ومخفي أخرى، فتنقلب عليها بالموالاة والوفاء للنظام المتحكم في مفهوم النخبة وهو تنفيذ التعليمات والأوامر والتشريعات العليا من الفئة الحاكمة والمتحكمة.

إلا أن الهزة الحقيقية التي خلخلت جوهر مفهوم النخبة المُصَنَّعَة في المختبرات (المؤسسات والمعاهد) بشتى تلويناتها حدثت مع فجر ما يعرف بـِ"النظام العالمي الجديد" وبمختصر "العولمة" والذي من علاماته الكبرى؛ التسويق والتسليع، أي تحويل العالم إلى سوق كبيرة مفتوحة الحدود، والتنوع الثقافي، وضرب المركزيات العِرقية والعقائدية والثقافية والخصوصيات المحلية، لصالح "عالمية الفرد" - نظريا، لأنها لم تستطع كسر الحدود الجغرافية والسياسية وإسقاط سياسة الهجرة العنصرية...، ولكن هذا النظام العالمي الجديد الساعي إلى رسم خريطة جديدة للعالم خاصة العالم القديم والمتدين، الذي يَرفض كل أشكال الانْدماج القصري ومحو الهوية والصفات الخصوصية، شجع على بعث وإحياء الأقليات العِرقية والعقائدية إمعانا في تمزيق المجتمعات الموحدة والمنسجمة والمتماسكة، وهو ما سمح بظهور ثقافة جديدة اصطلح عليها بـِ" الثقافة الشعبوية".

لقد وجدت هذه الثقافة مجالا حيويا لها، الشبكة العنكبوتية الدولية (الانترنيت)، ونشر وتعميم الوسائط والوسائل التكنولوجية من هواتف ذكية وحواسيب وألواح إلكترونية ومبتكرات أخرى، سمحت للشعوب، الحشود، الجماهير، الفئات الناخبة سابقة وغير المنتخبة، التي كانت تميز بثقافة العبيد كما بينا سلفا، سمحت لها بالتعبير عن ذاتها المتنوعة والمختلفة والمتناقضة أحيانا، وسمحت لها بالسخرية من النخب وتسفيهها وبالتالي الانتقال من مفهوم "نخب الشيء"؛ أخذ أحسن وأفضل العناصر في المجتمع والمكونة تكوينا خاصا في المؤسسات والمعاهد في الجمهورية والأكاديمية الأفلاطونية، إلى وضع النخب موضع السؤال والشك والريبة، والكشف عن الوجه الآخر المخفي وراء الأقنعة والخطابات المغلوطة.

لذلك يمكنني وصف حالة النخب اليوم بالحطام الذي جرفه "الطاعون الانفعالي" (ويلهلم رايش) للحشود التي تملأ الفضاء الأزرق وتمارس تأثيرها على الجميع وتوجه وتقرر. وقد ساهم الطاعون الانفعالي الحالي في خلق صراع بين النخب القديمة والنخب المتطفلة أو طفيلية والحشود الجماهيرية. وهذه الفئات غير المتجانسة هوياتيا تتفاعل عاطفيا غالبا ضد كل الأشكال والصيغ التي تمثل التميز الهوياتي (في الهوية الخصوصية)، خاصة هوية التحالف العتيق "الأعيان" الملاك وأصحاب المال، و"الأشراف" المتخندقون في هوية العِرْقِ والنسبِ والمعتقدِ. وقد أصبحت هذه الفئات الجديدة غير المحددة بصفات مميزة ونوعية هي الملأُ الجديد، كونها تملأُ الفضاء الأزرق وتقوم بالتوجيه والتأثير.

 

Posté par motassim à 13:27 - Commentaires [0] - Permalien [#]


06 mars 2018

الهجرة نحو التخييل السردي.

محمد معتصم

28575920_10215760804277688_3621361763817679223_n

 

هل يمكن اعتماد مقولة "زمن الرواية!" كمهيمنة في سياق الحديث عن هجرة الشعراء والقصاصين نحو المتخيل الروائي؟

إن انتقال القصاصين نحو المتخيل الروائي مقبول وممكن جدا، لأن الانتقال يكون في نوع إبداعي واحد، هو: "السرد". بينما الشعر، ومهما تحرر من قيود الإيقاع الخارجي سيظل مرتبطا بالإيقاعات الداخلية وبأكثر الوجوه البلاغية هيمنة واستعمالا في اللغة الشعرية، كالصورالشعرية والانزياح عن أساليب التعبير (النثرية)، لذلك أضاف الشعراء إلى لغة السرد اللغة الشعرية والتدفق السردي باستعمال لغة الحلم والمونولوج. فكانت هذه الهجرة مثمرة في حال توفر الشاعر المهاجر على القدرة على السرد والتخيل والإبداع في آن، كما أغنى القصاصون المتون السردية بالتعدد التركيب على مستوى المحكيات، فابتدعوا السرد المركب حيث نجد في المتخيل الروائي الواحد مثلا، عددا من المحكيات المتجاورة أو المتداخلة التي غيرت في شكل بناء السرد...

لقد هجرة النقاد إلى الرواية، فله دوافع مختلفة، ومنها؛

-العودة إلى الإبداع والتخييل السردي بعد فترة من الانقطاع، وهي غالبا فترات الدراسة والتحصيل العلمي، أو فترة التدريس والانغماس في فهم المناهج والنظريات النقدية الحديثة التي غزت الغرب منذ الشكلانيين الروس والبنيوية بفروعها وامتداداتها والتحليل السيميائي للسرد إلى التداولية والتفكيكية والتأويلية وتحليل الخطاب والتحليل النصي أو نحو النص... فانخرط النقاد في هذه التجربة منذ بدايتها حتى فترة انسحاب بعض الرواد واالهجرة بدورهم نحو الدرس الفلسفي أو السياسي أو التاريخي وإطلاقهم دعوة "موت الأدب". فتوقف الاجتهاد مع هجرة النقاد الغربيين

-استحواذ المتخيل السردي (الرواية) على أهم الجوائز العربية، لما يمنح ذلك الكاتب من انتشار وشهرة ومورد مالي، كما يفتح أمامه الباب نحو المشاركة في أعمال اللجات المحكمة بصفته ناقدا من جهة وبصفته روائيا من جهة ثانية، كما يفتح له، في حال فوزه بإحدى الجوائز، إمكانية الإقامة الدائمة في صفحات بعض المجلات التي تسوق سلعتها اعتمادا على الأسماء المكرسة والرنانة.

-اعتقاد الناقد بأن حيازته الثقافة النقدية وتمرسه على تحليل النصوص وتدريسها كمعرفة علمية وأدبية بأنه قادر على كتابة الرواية، موظفا الحيل السردية الشكلانية أو إعادة إنتاج نماذج سردية عالمية عربيا بنسخه للموضوعة ومسخه الصيغة الكتابية، أو العكس. أو استناده على مقولة مارت روبيرت "بأن الرواية خطاب منفتح على كل أشكال الخطاب" ويمكن للرواية أن تتحول إلى "كولاج" تشكيلي تحت مسمى الحداثة السردية أو إنتاج نصوص سردية تنهض على فكرة تدمير النمط (النمطية) وتكسير السرد (السردية).

والحقيقة أن الاهتمام الذي لاقته الرواية في العصر الحالي، عربيا، أغرى حتى كتابا كان اهتمامهم العلمي والتدريسي والكتابي مرتبطا بالفكر والفلسفة (العربية والغربية) فكتب محمد عابد الجابري سيرته الذاتية "حفريات في الذاكرة" وكتب عبد الله العروي عددا من الروايات التي ارتبطت بأفق تفكيره منذ الغربة واليتيم حتى المذكرات، وكذلك فعل سعيد بنسعيد العلوي في روايته "مسك الليل" وروايته الجديدة "سبع ليالٍ وثمانية أيام" وقبلهم كتب محمد عزيز لحبابي "إكسير الحياة" وعبد الكبير الخطيبي سيرته الذاتية بالفرنسية "الذاكرة الموشومة"، ثم عبد الإله بلقزيز وعبد الله الساعف وكتب عبد الحي المودن روايته الأولى "فراق في طنجة"... وهؤلاء المفكرون من النقاد كذلك.

وهم حجر أساس لهجرة النقاد نحو الرواية، لكن نقاد يتسلحون بأدوات التحليل ونظريات النقد دون إغفالهم الطبيعة الجوهرية للرواية: السرد والتخييل والبناء. فكل عمل روائي هو في أساسه تخييل وإبداع، وهو كذلك نص سردي ووصفي، ثم بناء لعالم متخيل سواء أكانت مرجعيته واقعية أو تركيب يمزج بين الخيال والحقيقة، والأهم أن الرواية لغة.

ويمكننا تقديم الناقد الروائي محمد برادة نموذجا لهذا النوع من الهجرة نحو التخييل السردي. لقد سبق للكاتب أن كتب القصة القصيرة وتفرغ لكتابة الدراسة النقدية والبحث الأكاديمي فترة مهمة من تاريخه الأدبي، ليفاجئ القراء نهاية الثمانينيات (1987م) بروايته "لعبة النسيان" التي أسالت مدادا كثيرا، فاعتبرها مثلا إبراهيم السولامي سيرة ذاتية قبل انتشار مفهوم التخييل الذاتي في الساحة الثقافية والنقدية المغربية، لكن أغلب الدراسات النقدية انبهرت بثقافة الناقد التي وافقت الانفتاح على النقد الحواري (الحوارية) لميخائيل باخثين، واستثمرها محمد برادة الذي ترجم جزءا مهما من كتاب باخثين إلى العربية، وكان هذا الإشكال الثاني الذي طرحته هجرة محمد برادة مجددا نحو التخييل السردي، أي الاستفادة من الدرس النقدي في توسيع فضاء الكتابة الروائية بعدما استفادة من تقنية التخييل الذاتي وتعدد الروات وتعدد الأصوات ومفهوم الأسلبة وتعدد الخطابات المتخللة للمتن السردي المتخيل. إلا أن نجاح هذه الرواية نقديا لم يكل وراءه فقط العدة النقدية لمحمد برادة، بل كان الأساس في ذلك الانتشار والاهتمام الملكة الإبداعية وقدرة الكاتب على التخييل السردي، وهو ما سيتجلى في باقي أعماله ومنها روايته "موت مختلف" التي تجلى فيها الناقد كمفكر يعيد إنتاج مرحلة تاريخية برمتها، عبر السرد، أي التفكير في الواقع والثقافة والسياسة سرديا.

هذه التجارب التي تضيف إلى الرواية تكون هجرتها إضافة نوعية تطور الشكل وتوسع مضمون وموضوعات الرواية كتخييل سردي ووصفي. ولعل هجرة النقاد والمفكرين نحو قلاع الرواية ليست بالحديثة تماما، إذا ما استرجعنا إلى الأذهان تجربة عميد الأدب العربي طه حسين في سيرته الذاتية "الأيام" وفي "دعاء الكروان" مثلا، وكذلك تجربة عباس محمود العقاد في روايته "سارة"....

إن مثل هذه الهجرات من الشعر والقصة والفكر والنقد نحو التخييل السردي الروائي، تعد محمودة إذا كانت تطور مدونة السرد العربي وتغنيها سواء على مستى الموضوعات أو البنيات والأشكال، أما تلك التي تلهث وراء الشهرة والجوائز والإقامة الدائمة في المهرجانات وصفحات المجلات السخية الدفع، المُوَجَّهَةِ نحو أهداف غير أدبية فهي لن تصيب أبعد مما صبت إليه.    

 

Posté par motassim à 18:44 - Commentaires [0] - Permalien [#]

01 février 2018

سيأتيك الغزال.قراءة في رواية خليل صويلح

محمد معتصم

المحكيات السردية الاستئنافية

 

sayatik lgazal

يعرف المتخيل الروائي العربي المعاصر نشاطا على مستويات عدة نظرا لما تمور به الحياة العربية المعاصرة اجتماعيا وسياسيا وما تجتازه من اختبارات متعلقة بالكينونة والصراع من أجل البقاء، ضد عملية المحو والانسلاخ وطمس معالم الهوية والصفات المميزة، وما تشهده المنطقة من تحولات جغرافية وصراعات إثنية وتمرد الأقليات العِرقية على حساب الأغلبية السائدة لعصور تاريخية، تبعا للحركة العالمية التي ترى في وجه العالم العربي الإسلامي وجها قديما يقف ضد التغيير الذي ترتئيه القوى العظمى. والصراعات والتغييرات الخارجية ليست التجلي الوحيد للمرحلة، بل هناك صراعات اجتماعية أفقرت الشعوب وقضت على آمالها في العيش الكريم، ونشرت منطقا وخطابا زائفين قضيا معا على آمال القوى المدنية الحية.

خليل صويلح الروائي السوري في روايته "سيأتيك الغزال" الصادرة في العام 2015م عم منشورات ضفاف والاختلاف في حدود (141) صفحة من القطع المتوسط،  ترصد حالة انهيار مجتمع صحراوي قبلي وتشتت أهله وتلف مزروعاته والقضاء على الحياة الصاخبة فيه جراء الإهمال الحكومي والإقصاء الاجتماعي. رواية يروي عن محنة الأمكنة، خاصة تلك التي تقع خارج دوائر الاهتمام والنفع، الأمكنة "غير النافعة" التي تتعمد الدوائر الحكومية مؤازرة بالصمت الإعلامي الرسمي والمدني المتخاذل وخوف الفئات المستضعفة وجهلها بحقوقها وبحقيقة وجودها على تدمير الحياة لفئة اجتماعية أو مدينة أو قرية مغضوب عليها سياسيا أو فقط لبعدها عن الاهتمام النفعي.

يسعى السارد الشخصية إلى الإجابة عن هذا السؤال الوجودي القلق: لماذا يَتِمُّ القضاءُ أمكنة بعينها، وعلى حياة نابضة ومميزة بنمطها الصَّحْرَاوِيِّ؟

يصف الساردُ القرية بعدما عاد إليها ليستكشف سر فنائها واندثار الحياة بها وتشرد أهلها:" قرية طينية مهجورة تماما، غادرها أصحابها بعد أن فقدوا أي أمل بالنجاة، كأن حنفيش إحدى الحكايات الخرافية ابتلعتهم جميعا، في ليلة ظلماء. جدران طينية مشققة ومتداعية، أعشاش عصافير مهجورة، وأبواب وشبابيك سدت بقطع من البلوك كنوع من الحماية لما تبقى من أملاك..." ص (136)

إنها صورة لما آلت إليه القرية التي ولد فيها السرد الشخصية، وتحمل طعم الفاجعة، والفقد، والاجتثاث من الجذور، فللأمكنة سيرها وحياتها الخاصة وتاريخها الذي يتشكل من مجموع الذكريات والمشاعر والعلاقات العامة والخاصة الروحية والعرقية العشائرية وهي مجموع ثقافتها المحددة لأبعادها في الجغرافيا العام لبلد ما أو العالم.

فما الذي عاث فسادا في المكان وذاكرته وثقافته؟

يقول السارد بألم متحدثا عن التهجير والإبادة الباردة والصامتة:" مهجرون أم نازحون أم لاجئون؟

"لا توجد تسمية دقيقة لنحو مليون ومئتي شخص، وجدوا أنفسهم في العراء والصمت والعزلة، ليس بسبب الحروب أو الاحتلال، بل تحت وطأة فساد حكومي ومجاعة مستمرة، شردتهم عن مسقط الرأس قسرا، في أضخم هجرة داخلية تشهدها البلاد منذ الاستقلال." ص (138)

وفي خطاب سردي المتخيل السردي فيه وصل درجة الصفر، لأنَّ الواقع فاق كل حدود الخيال، يتابع السارد الشخصية في الفصل الأخير من الرواية، حينما وصلت ذروتها وغايتها في آن:" في مخيم "كناكر" جنوب دمشق، عشوائيات العاصمة، تتوزع أكثر من ثلاثة آلاف عائلة عالقة، منذ سنوات، تعمل في أية مهنة متاحة." ص (138)

إنهم المنبوذون اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا وإنسانيا، لكنهم مجموعة "البارياس" التي تكشف نفاق الحكومات وخطاباتها الزائفة،  وتعري حقيقة المنظمات الدولية المدنية والإنسانية المتواطئة. إن الرواية في هذا المقام تتحول إلى خطاب إدانة وإلى كشاف يسلط الضوء على البؤر المهملة والمناطق المنسية، مناطق الضعف الإنساني ومعاناته الوجودية.

تلك الحياة هي "الرواية"، هي مادة التخييل، وهي مجموع المحكيات السردية التي دوَّنها الساردُ الشخصيةُ والمتعلقة بحياة شخصيات كانت تنبض بحياة مميزة ونمط خاص ومستقلٍ، كل شخصية لها حدود تناسب الحياة الضيقة في تلك القرية الحدودية المهملة، ذات الطبيعة الصحراوية، يصارع أهلها البقاء على قيد الحياة بالتهريب أو السطو على مخلفات شركات النفط أو محجوزات الدولة. ورغم حرص الشخصيات على البقاء على قيد العيش إلا أنها تفني نفسها عبر عادة الثأر والانتقام.

 

الرواية خطارب سرد ووصف مركب، لأن السرد طريقة نسج النص وطريقة تركيب الوقائع والأحداث، ولأن السرد تشكيل زمني للمتواليات يعطي الرواية جمالها وفنيتها، وفي رواية "سيأتيك الغزال" للكاتب السوري خليل صويلح تشكل السرد من ثلاثة أنماط سردية كبرى، وهي:

1. محكي طفولة السارد الشخصية.

2. محكيات سردية استئنافية.

3. مكحيات سردية قصيرة.

 

يعتبر محكي طفولة السارد الشخصية المحكي الإطار الذي يقوم بوظيفة الحبكة في نسيج الرواية، إلا أنه محكي بعيد جدا عن وصفه بالسير ذاتي، لأن السارد اختار الحديث عن المكان [البطل الرئيسي في الرواية] وأهله وعاداتهم وطرائق عيشهم ومقاومتهم من أجل البقاء، وهو أي السارد الشخصية ليس سوى حلقة في تلك السلسلة الطويلة والمركبة.

المناسبات القليلة التي انصب فيها الحديث عن الذات وعن كشف هوية السارد ارتبط بحدث اجتماعي أو سياسي وسم تاريخ المنطقة العربية، من قبيل حديثه عن تاريخ ولادته، حيث يقول:" كانت أمي تؤكد بأنني ولدتُ "سنة جمال"، في إشارة إلى زيارة جمال عبد الناصر إلى الجزيرة السورية في العام 1960، في أوائل الخريف، فقد كان البدو يؤرخون الأحداث تبعا لقوة وقع حادثة محلية ما، في وجدانهم، مثل "سنة الثلج". السنة التي هطل فيها الثلج بغزارة غير مسبوقة، أو "سنة المحلْ"، أو "سنة غزو الجراد"، لكن "سنة جمال" ستبقى محفورة في الأذهان إلى اليوم مثل وشم على رسغ اليد..." ص (22)

هكذا يتحول السرد إلى وثيقة، وينتقل من مستوى التخييل إلى درجة النص التاريخي والحقيقة الواقعية، يعاضد بعضه بعضا، كما يأتي الحديث عن ذات السارد الشخصية لإبراز الخصوصية الذاتية عبر الحديث عن الهوايات الشخصية وبعض الاختيارات والميول، ومنها حديثه عن شغفه بالسينما خاصة أفلام رعاة البقر، ونفوره من الأفلام الهندية، ربما لتشابه بين نمط حياة رعاة البقر ونمط الحياة في القرية،عكس الحدث التاريخي والسياسي، يصبح الحديث عن أنواع الأفلام والأحداث الفنية وسيلة لتأكيد ولإبراز الخصوصية الذاتية للشخصية أو للسارد المشارك، والحقيقة أن سيرة الطفل السارد في رواية "سيأتيك الغزال" وإن وجدت لإبراز سيرة المكان الذي كان يضج بالحياة وتحول إلى خربة قفراء، وتحول أهلها إلى الشتات بالأحياء الخلفية للمدن الكبرى، فهي سيرة جيل عربي تشابهت لتشابه الأحداث التاريخية والسياسية حيث كانت جل الدول العربية إما أنها تقاوم الاحتلال أو أنها حديث العهد بالاستقلال وما تزال الروح الوطنية عالية في صفوف مختلف الفئات الاجتماعية، ثم لم تكن الثورة التكنولوجية قد استبدت بعقد أو عقدين كما هي الحال عليه.

حالة ثالثة تبرز فيها الذات، ذات السارد الشخصية، ولكن هذه المرة لتقدم وظيفة أخرى من وظائف السرد، وهي ربط المحكي السردي المتخيل والكاتب الواقعي، والانتقال من المتخيل إلى التأكيد الذاتي للوقائع والأحداث والمحكيات، وهو ما يضع السارد معادلا موضوعيا للشاهد والدليل؛ أي أن السارد يتخلى عن وضعية الراوي لفائدة الشاهد لا لينفصل عن الحادثة، ولكن ليؤكد صلته بها وبحقيقة وقوعها، حينَ يقول السارد:" وكان علي أن أدفع حصتي من الدية مثل أي شخص بالغ في العشيرة، لدم رجل، قُتل قبل عشرين عاما، لأسباب لا تخصني، وسأكون جزءا أساسيا من المشكلة من دون أن أتعمد ذلك. كنت سجلتُ هذه الوقائع كما رواها لي نهار الفرج، ثم كتبتها في إطار تخييلي، ونٌشرت على أنها قصة قصيرة في إحدى صحف العاصمة، واسعة الانتشار، وهو ما أثار سخط أقرباء ذياب الفرج وغضبهم من جهة، وشقيق مريم الهلوش من جهة ثانية، باعتبار أن الفضيحة وصلت إلى صفحات الجرائد، فاجتمع الوجهاء مرة أخرى، وبعد نقاش صاخب، قرروا إرسال عريضة للصحيفة، يؤكدون فيها بأنني لا أنتمي إلى عشيرة الجبور، ولا أمثل وجهة نظرهم على الإطلاق، إلى تهديدات وشتائم.

"كانت هذه الحادثة، أحد أسباب مغادرتي هذه القرية الملفعة بالغبار، والأقدار المحتومة، والسراب..." ص (109-110)

بهذا التداخل الوظيفي في السرد بين ذات متخيَّلة وذات واقعية يصبح السرد مركبا ومرآئيا يعكس فيه الواقع المتخيل والعكس، كما تصبح الحدود الفاصلة بين السارد والشخصية والكاتب الموضوعي رهيفة وهينة وشفافة، فلا السرد سيرة ذاتية محض، ولا هو تخييل ذاتي، ولا هو متخيل روائي، بل هو كل ذلك يتنقل بحرية من مستوى إلى آخر.

 

 

صويلح، خليل: سيأتيك الغزال. رواية. منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف. 141 صفحة. ط1. 2015م  

 

 

Posté par motassim à 12:22 - Commentaires [0] - Permalien [#]

14 août 2017

في وداع المبدع المغربي الرائد عبد الكريم غلاب

 محمد معتصم

numérisation0016

سؤال الوجود وبناء الواقعية التاريخية.

 

 

1/ الترابط والتطور:

   كغيرها، استطاعت الرواية المغربية أن تحقق لنفسها تراكما كميا ونوعيا، واستطاعت أن تؤسس استمرارها وتحولها، أي تبني تاريخها. فبعد محاولات الاقتباس والترجمة الخجولين والمتعثرين، وبعد محاولات الاستناد إلى الأشكال التعبيرية التقليدية كالمقامة والمقالة، خرجت الرواية المغربية إلى مرحلة التحقق الفعلي، متى كان ذلك؟ يرى الأستاذ أحمد اليابوري(1) أن ذلك بدأ مع الرواية السيرة للتهامي الوزاني "الزاوية"، إلا أن الرواية، في رأيي وهو لا يختلف عن آراء أخرى، قد بدأت خطواتها الثابتة والناضجة مع تجربتين مختلفتين: الأولى لعبد المجيد بن جلون في سيرته الذاتية "في الطفولة"(2)، والثانية لعبد الكريم غلاب في روايته "دفنا الماضي"(3).

 

  1.1/ أول صلة لي برواية "دفنا الماضي" تعود إلى مرحلة الدراسة الثانوية، وقتها كانت صلتنا–نحن الطلاب- بالرواية متقطعة ومختزلة، لأن الدروس كانت تركز على بعض الجوانب وتهمل أخرى، ولأن المناهج المتبعة وقتها لم تكن بالغنى الذي تعرفه الدراسة النقدية اليوم؛ دراسة السرد عموما. ولأن المدرسة المغربية لم تكن قد انفتحت على الدرس النقدي الحديث كما في الجامعة وظلت في الغالب تقليدية. وتكاد لا تدرس الأدب المغربي المعاصر والحديث لأسباب ذاتية ولمواقف شخصية ولاختلافات فكرية، وضمن ذلك الرواية.

 

   وتباعدت صلتنا بها لأن بعض الدراسات الموازية لرواية "دفنا الماضي" ركزت على بعض الجوانب التي لا علاقة لها بجمالية السرد، ولا بالفتوحات التي ابتدرتها هذه الرواية، وركزت على الخلاف الإيديولوجي الخارج نصي(4).

 

   لكن الصلة الحقيقية مع هذا العمل جاءت فيما بعد، عندما بدأ تفكيري في الرواية المغربية والبحث في مكوناتها وخصائصها الجمالية والبحث لها عن ثوابت وركائز تجنسها وتبحث في تربتها الأصيلة، وعن جذورها الممكنة في ذاتها. ولم يكن ممكنا إغفال روايتي المبدع عبد الكريم غلاب "دفنا الماضي" و"المعلم علي"، وأخرى كرواية "الطيبون" لمبارك ربيع، وروايتي "الغربة واليتيم" لعبد الله العروي، و"الزاوية" للتهامي الوزاني، و"النار والاختيار" لخناثة بنونة، ورواية "جيل الظمأ" لمحمد عزيز الحبابي... وروايات أخرى تختلف أيضا من حيث الشكل والهدف والأسلوب والمضامين، مثل روايات محمد زفزاف وأحمد المديني، ومحمد عز الدين التازي، ومحمد برادة، والميلودي شغموم، وإدريس بلمليح، ثم روايات أحمد التوفيق، ومن جيل الشباب وقتها شعيب حليفي، وعبد الكريم الجويطي، وعبد السلام الطويل...

 

   أعلنت الرواية المغربية عن منطلقها الحقيقي والفعلي مع رواية "دفنا الماضي"، ومن خلال الرواية نفسها أعلن المبدع عبد الكريم غلاب عن قدراته الإبداعية وطاقته التخييلية، وعن إمكانياته في رصد التحولات الاجتماعية وسبر أغوار الإنسان المغربي لفترة الاستقلال وما قبلها، وتحديد طبائعه وميوله.

 

   ما يمكن الانتباه إليه في هذه التجربة والتي أراها شكلت خطوات المبدع عبد الكريم غلاب في درب الإبداع؛ الواقعية التاريخية والحياتية. وتتجلى في رصد حركة الواقع العام واليومي المعيش، والقدرة على وصف الشخصية الروائية والتحكم في طبائعها وميولها وغرائزها، والتحكم في تسلسل الأفعال والأحداث وتماسكها وترابطها.

 

وهي واقعية تلتقي مع التجارب السابق دراستها في هذا الكتاب عند يوسف القعيد، وبهاء طاهر، وفتحي غانم...وتزيد عنها ببعدها المحلي والتاريخي والسياسي الذي فرضته على المغرب المرحلة السياسية والتاريخية التي رصدتها الرواية وصدرت فيها؛ أي مرحلة الاستعمار وبداية الاستقلال.

 

  2.1/ إن واقعية الرواية التاريخية تظهر بمعنى آخر في اعتماد البناء على مفهومين نقديين وإجرائيين هما: الترابط والتطور.

 

   . الترابــط:

   يُقْصَدُ من الترابط إجلاء العلاقة القائمة بين الأفعال والأحداث سواء في تسلسلها المتعاقب من البسيط إلى المركب (المعقد) ثم العودة إلى البسيط. أي من البداية إلى الذروة إلى النهاية والحل، أو في تركيباتها المختلفة والمتعددة كالتراجع والتقدم المتعثر والبناءات المنكسرة. ولابدَّ في الترابط من تحقيق انسجام بين أجزاء الرواية وأحداثها، حتى لا يبدو أي أثر للتفكك والخلل. لأن في هذه الحالة إثبات لإمكانات المبدع وقدراته على خلق عوالم متخيلة أو محاكية للواقع، لأن الرواية تمثيل للحياة اليومية المعيشة.

 

   . التطــور:

   تحافظ رواية "دفنا الماضي" على البناء الأول للرواية بحيث تتقدم الأحداث انطلاقا من مبدأ التطور والتنامي، من خلال تتبُّعِ الشخصية الروائية في مراحل متنوعة؛ مراحلها الحياتية وتطورها على مستوى الحالات النفسية والوضعية الاجتماعية.

 

 3.1/ تعتبر رواية "المعلم علي"(5) نموذجا دالا على الواقعية الحياتية. فإذا كانت الرواية السابقة "دفنا الماضي" تتمثل "جيل القنطرة" باسترجاع الأحداث التاريخية وبناء القصة عليها، فإن رواية "المعلم علي" انتقلت إلى الواقعية الحياتية والعملية، فظهر بها مفهوم النقابة والعمل النقابي ومفهوم القانون والحقوق الخاصة بالعمال والحقوق العامة التي تشمل بقية الفئات في المجتمع، وظهرت مفاهيم أخرى كالربح والإنتاج والعامل ورب العمل/المعمل والإضراب والصراع، والدفاع عن العمال والخروج بالعمل النقابي إلى العمل السياسي المناهض للمستعمر والمستغِلِّ. وهو ما سيدفع عبد العزيز (شخصية روائية) إلى أن يشرح ويبين:" مهمة النقابة الدفاع عن مصالح العمال.. هكذا يفهمها زملاؤكم الأجانب، ولكنها عندكم رسالة لإنقاذ إنسانية الإنسان فيكم"(6).

إلا أن مفهوم النقابة يستأثر بالأحداث الصاخبة ويفرض تصوره المخالف لما هو عليه في الغرب وينخرط في عملية التحرير والمقاومة.بذلك تكون رواية "المعلم علي" قد انخرطت في بناء الحياة العمالية، وفي وضع تصور اجتماعي ووطني (سياسي) للنقابة. إنها رواية واقعية اجتماعية.

Posté par motassim à 21:25 - Commentaires [0] - Permalien [#]

13 août 2017

عن الثورة الثقافية في الصين والأدب المعاصر

محمد معتصم

 

في محبة بلزاك

 

 

20170709_234326-1

في رواية الكاتب داي سيجي ذي الأصل الصيني؛ "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" نقف على صورة أخرى منَ "المتخيل المشترك"، وقد استعمل فيها الكاتب متخيلين مختلفين في وقت واحد، هما: المتخيل التاريخي الحديث والمعاصر، كما بيناه في رواية "ميرامار" للكاتب المصري نجيب محفوظ، وخلصنا فيها أن التاريخَ الحديثَ والمعاصرَ ليس سوى محتوى لمفهوم "السياسة" بالمعنى المتداول في وقتِنَا الحاليِّ، وهذا الذي اعتمده داي سيجي عندما جعل منَ "الثورة الثقافية الصينية" خلفية لبناء متخيله الروائي، ثمَّ المتخيل الأدبي، عندما جعل الكاتب من روايات كتاب فرنسيين مشهورين ومعترف لهم بالإبداع من أمثال؛ بالزاك (H. Balzac) وألكسندر دوما (A. Dumas) وغوستاف فلوبير (G. Flaubert) خلفية لبناء "القصة"؛ مادة المحكي السردي لليو والخياطة الصينية الصغيرة ووالدها وشيخ القرية وغيرهم.

 

ومن بين أهم مظاهر استناد الكتاب على المتخيل التاريخي إضفاء قيمة اليقين والواقعية على القصة المتخيلة، لأن التاريخ كما ترسخ في الأذهان، أنه الحقيقة التي لا يتسرب إليها الشك والريبة، فالتاريخ أحداث وقعت بالفعل، وتم تدوينها في حينها، وقد تم تأكيد هذا الحكم عبر وسائط متعددة، كالتعليم والتعريف الموسوعي والمعجمي لكلمة "تاريخ"، إذن، فالتاريخ حقيقة، أو هو وقائع حقيقية، وشخوصه حقيقية وواقعية كانت موجودة بالفعل، في أزمنة معينة وأمكنة ثابتة، ومن هنا رفضت الآراء المتشككة في حقيقة الوقائع وفي نتائجها، تلك التي طرحت بجرأة مسألة "إعادة التفكير" في مفهوم التاريخ وبالضبط في حقيقته المطلقة وواقعيته، من منظور مختلف، قد لا يشكك في حقيقة وجود الأحداث والوقائع والشخوص، ولكنْ "يُعِيدُ صياغة" الأسئلة حول "بناء" الأحداث و"تأويل" النتائج بالعودة إلى الأحداث الثانوية والهامشية والصغرى التي أهملها المؤرخون.

 

وتكمن أهمية اعتماد المتخيل الأدبي في خلق فضاء ثقافي مشترك يجمع بين كل محبي وقراء بالزاك وفلوبير ودوما من كتاب الواقعية والطبيعية، أولئك الكتاب الذين اهتموا بالتاريخ والواقع في الرواية وبالطبيعة سواء الجامدة أو البشرية (العاطفية)، فبالنسبة لهؤلاء الكُتَّابِ فقد تحولوا إلى "حجة" بإبداعيتهم وكثرة منجزهم الروائي، وهو ما جعل منهم كتابا "مدرسيين" كلاسيكيين، اليوم، لكن الكاتب داي سيجي وظفهم للتعبير عن مرحلة تاريخية "مظلمة" من تاريخ الصين الحديثة، فترة تسلم ماو تسي طونغ، وفرض سياسة "ديكتاتورية البروليتاريا"، بما يعني، في عرف الثورة الشيوعية "ثورة الفلاحين والعمال"، وقد رافقها انتقام طبقي من "المثقفين البورجوازيين"، الذين اعتبروا أعداء للشعب فسجنوا وقتلوا، بعدما ألصقت بهم تهم جاهزة في دفاتر الجيش الأحمر، وكأننا أمام الفكرة الجوهرية في أعمال فرنز كافكا "المحاكمة" و"في مستوطنة العقاب" حيث الفرد مدانٌ دون أن يرتكب خطأ أو خطيئة، فكل من لم يكن فلاحا أو عاملا اتهم بالبورجوازية المعادية للشعب ووجب نفيهم وسجنهم وتعذيبهم، وقد صور الكاتب هذه الظاهرة في مشهد عنيف تمت فيه محاكمة والد (ليو) طبيب الأسنان المشهور الذي عالج فيما مضي أسنان ماو من التسوس، وقد ألصقت به تهمة معاشرة ممرضته، وَلَاقَى والد السارد، وهو طبيب أيضا، المصير ذاته (السجن)، وإمعانا في العقاب تم إبعاد أبنائهم إلى القرى النائية من أجل "إعادة التأهيل" على أيدي الفلاحين القرويين.

 

ومن أهم التهم التي لا تغتفر في ظل سياسة "الثورة الثقافية" السوفييتية ورديفتها الصينية قراءة الكتب الغربية خاصة الروايات والقصص، لأنها روايات وقصص بورجوازية تتحدث فقط عن الجنس والحب والصراع ضد العالم، يشبه السار في رواية داي سيجي شخصيتاه الرئيسيتان بشخصيات روائية غربية يقول عن (ليو) و(الخياطة الصغيرة)، بعدما اكتشفت الخياطة الصغيرة حملها من صديقها (ليو)، والحال أن الثورة البروليتارية ترفض بحكم السياسة الجديدة وبحكم العادات والتقاليد الريفية والجبلية أيضا الإنجاب خارج مؤسسة الزواج من جهة، ومن جهة أخرى رفض الثورة والنظام الجديد الزواج دون الخامسة والعشرين من العمر، يقول:" لقد نسيت أمرا أساسيا، أي أن أسألها إنْ كانت ترغب في أن تصير أما في الثامنة عشرة من العمر. وكان سبب هذا النسيان بسيطا: استحالة الاحتفاظ بالطفل استحالة مطلقة. ما من مستشفى، ما من قابلة في الجبل، يمكنهما القبول بخرق القانون، عبر الإشراف على وضع طفل لشخصين غير متزوجين. ولا يستطيع ليو الاقتران بالخياطة الصغيرة إلا بعد سبع سنوات، لأن القانون يحظر الزواج قبل سن الخامسة والعشرين. زاد غياب الأمل حدة بعدم وجود مكان غير خاضع للقانون يمكن أن يهرب إليه روميو، وجولييت الحامل، خاصتنا، ليعيشا على طريقة الشيخ روبنسون كروزو، يساعدهما شرطي سابق تحول إلى شخصية "جمعة". فكل سنتمير مربع في هذا البلد هو تحت المراقبة اليقظة لـ "دكتاتورية البروليتاريا" التي تغطي الصين كلها مثل شبكة رحبة الاتساع، لا تنقصها حلقة واحدة." ص (178)

 

يُبْرِزُ هذا المجتزأ سلطة تحكم البروليتاريا في الثقافة الجديدة، وهو ما يناسب فكرة لينين التي ترى الثورة الثقافية من هذا البعد والعمق، المتمثل في خلق جيل جديد ذي ثقافة عمالية جادة، يقول:"... واليوم يتوفر أهم شيء بالنسبة للثورة الثقافية منذ ظفر البروليتاريا بالسلطة، ألا وهو استيقاظ الجماهير وسعيها وراء الثقافة. وينمو أناس جدد خلقهم النظام الاجتماعي الجديد ويصنعون هذا النظام..." ص (151). وقد جمع لينين في ما عرف بـ "مسودة قرار عن الثقافة البروليتارية" بين مفهومين أساسيين في "المتخيل التاريخي" الذي اختاره داي سيجي خلفية لبناء روايته "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة"، وهما: "الثورة الثقافية" و"ديكتاتورية البروليتاريا"، كالآتي:" لا اختلاق ثقافة بروليتارية جديدة، بل تطوير خيرة نماذج وتقاليد ونتائج الثقافة الموجودة من وجهة نظر الماركسية عن العالم وظروف حياة ونضال البروليتاريا في عهد ديكتاتوريتها." ص (93)

 

هناك تناقض بيِّنٌ في مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" ونتج عنه سوء "التأويل" و"التطبيق" في لحظة انتقال المفهوم إلى تجارب خارج الاتحاد السوفييتي وبعيدا عن لينين ذاته الذي تقول عنه كلارا تسيتكين في مقالة جميلة من كتاب: "ذكريات عن لينين" حيث يبدو لينين أكثر انفتاحا ووضوحا في الرؤية وفي الاختيار بين "القديم" و"الحديث" ودرجة الاستيعاب والتوافق مع وعي الجماهير، يقول:" نحن ثوريون جيدون، ولكننا نشعر لسبب من الأسباب بأننا ملزمون بأن نثبت أننا نقف نحن أيضا "في مستوى الثقافة العصرية". بل إني أملك من الجرأة للقول عن نفسي بأني "همجي". ليس في وسعي أن أعتبر مصنفات التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية، وما شاكلها من التيارات، الإفصاح الأسمى عن العبقرية الفنية. فأنا لا أفهمها ولا أشعر بأي فرح بها." ص (135)

 

إن داي سيجي استطاع أن يقرن بين متخيلين مختلفين ويصنع منهما خلفية جيدة للتعبير عن موقف رافض ومناقض للثورة الثقافية وصرامتها في التعامل مع الفن والثقافة الغربية المتهمة بالنزعة البورجوازية المعادية للشعب والخارجة عن "ثقافة البروليتاريا" الجديدة، التي تطمح لبناء ثقافة جديدة وإنسان جديد، وأن يقوم بالانتصار للأدب الغربي وعبره كل الإبداع الحر، الذي يخاطب الإنسان دون تصنيف ضيق، لأن مفهوم الإنسان غير محصور في توصيفات بعينها، وأهم ما يبرز إنسانية الإنسان في الكتابة، البعد السيكولوجي، الذي بينا في روايات كثيرة مدروسة في هذا الكتاب لنجيب محفوظ وهرمان هيسه، كافكا وستيفان زفايغ...، أنها العلامة الفارزة للأدب الجديد بداية القرن العشرين، خاصة بعد ما أصاب الوعي والفكر إبان الحربين العالميتين. وقد جسدهما الكاتب في: الجنس والحب والصراع ضد العالم. وهذا الذي حاربته الثورة الثقافية.

إن التأويل الخاطئ لمفهوم "الأدب" و"الإنسان" وسوء توظيفه في ظل ثورة كانت تنشد التغيير والقضاء على الفوارق الطبقية، والمتمثل في خلق "ديكتاتورية ثقافة البروليتارية"، والسعي وراء إنقاذ الفلاحين والعمال من قيود الأمية والجهل، وإعادة تأهيل أبناء البورجوازية على أيدي القرويين، خلف تفاقما كبيرا في المجتمع، وقضى على الطبقة الوسطى، ولذلك، جاءت رواية داي سيجي، للوقوف أمام هذا الانهيار والهبوط نحو الثقافة الفقيرة بضيق أبعادها، وابتعادها عن الوظيفة الأسمى للأدب: خلق روح إنسانية مشتركة، ومتفاعلة، وخلاقة، ومخترقة لكل الحدود والفوارق.

 

تروي رواية "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" قصة عاطفية على غرار قصص الروايات الواردة في المتن السردي لكتاب عالميين من قبيل بالزاك ودوما وفلوبير ديكنز وشيكسبير...، لكن الأهم أنها رواية تنتصر لـ"القراءة" ولـ"الكتاب"؛ فقد لانت قناة الطبيب أمام كتابين لبالزاك اقترحهما عليه السارد، مقابل إجراء عملية إجهاض الخياطة الصينية الصغيرة، واختراق القانون الذي لم يجرؤ أحد على تجاوزه، خوفا من العقاب. يقول السارد بعد نجاح العملية:" وفضلا عن اتفاقنا، أي كتاب "أورسولا ميروي"، وهبت للطبيب رواية "جان-كريستوف" أيضا، وكان كتابي المفضل في ذلك الوقت. بترجمة السيد فولي نفسه." ص (192)

 

 

سيجي، داي: بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة. ترجمة؛ محمد علي اليوسفي. منشورات المركز الثقافي العربي. ط1. 2004م

 

 

 

Posté par motassim à 21:13 - Commentaires [0] - Permalien [#]


04 août 2017

الطريق إلى بيت لحم لرسمي أبو علي من كتابي "نحو المحكيات السردية

محمد معتصم

 

المحكي السردي بين الصدق والتوثيق والتخييل

 

في الرواية الحديثة والمعاصرة في الأردن وقفنا عند عدد من المحكيات السردية وقد اجتهد كتابها وكاتباتها في ابتداع صيغ سردية حديثة تناسب تطلعات المرحلة وتمتاح من التجارب الجديدة الناجحة في العالم والعالم العربي، بينما الرواية عند الكاتب والشاعر والقاص رسمي أبو علي اختارت أن تخوض تجربة مختلفة، لكن بتبريرات معقولة، منها أنها أن السارد يكتب بوعي حاد بالمرحلة التاريخية التي يروي أحداثها، ويشعر بمسؤولية ذلك حيال الأجيال اللاحقة، إنه سارد مسؤول أو يمكن أن نقول عنه "ملتزم" بمعنى من المعاني، يرغب في نقل الحقائق كما وعاها وهو طفل إبان نزوحه وعائلته من قريتهم الصغيرة المسماة "المالحة" القريبة من القدس، وبداية اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد إعلان الدولة الإسرائيلية سنة 1948م، إنه سرد يحتمي بالصدق قدر الإمكان، أي قدر استطاعة استيعاب واسترجاع ذاكرة طفل دون العاشرة لأحداث جسيمة ما تزال مستمرة حتى وقت كتابة هذه الدراسة، ويستند إلى ضرورة ووعي تاريخيين لأن ما يسرده من محكيات سيكون في وقت من الأوقات "شهادة" حية من قلب العاصفة، من قلب الاجتياح والعنف الإسرائيلي.

 

بهذا الوعي المسؤول اليقظ والحاد كتب رسمي أبو علي روايته "الطريق إلى بيت لحم"، لكنني لا يمكن أن أفصلها عن روايته "تلك الشجرة الجليلة... ذلك الانحدار السحيق (أوراق من عمان الخمسينات)"، أولا لاشتراكهما في خصائص سردية واحدة، وهي محكيات كما سلف تحتمي بالصدق والتوثيق التاريخي والتخييل الأدبي، ومن أهم ملامح السرد فيها ضمير المتكلم وتوافق السارد والشخصية الروائية والمؤلف وحملهم لاسم علم واحد، هو "رسمي أبو علي" أو كما يقول في "أوراق من عمان الخمسينات" على لسان المدرس: "رسمي حسن محمد علي؟

أجبت نعم، هذا هو اسمي الكامل.

قال الأستاذ يمغص نيعك، من أين أنت؟

قلت أنا من المالحة قرب القدس ولكني جئت بعد ذلك من بيت لحم..." ص (458)

 

ثانيا، لأن الرواية الثانية تبدأ محكياتها السردية من النقطة/ السنة التي انتهى إليها السرد في الرواية الأولى وهي سنة 1952م حيث انتقلت الأسرة (العائلة) إلى عَمَّان، يقول المقطع السردي الأخير:"لقد بقينا في بيت لحم أربع سنوات ثم ذهب والدي إلى عمان بحثا عن عمل جديد فلحقنا به في عام 52، ولكن تلك رواية أخرى..." ص (289)، ويقول الطفل السارد في المقطع السردي الافتتاحي للرواية الثانية:" بعد وصولنا إلى عمان قادمين من بيت لحم عام 1952، استأجرنا غرفة واطئة السقف وحيدة في جبل الجوفة تحت عائلة من أصول بدوية، أمامها قطعة جرداء من الأرض يفترض أنها الحديقة، لكن لم يكن بها إلا شجرة تين عجفاء مكسوة بالغبار، فكأنها شجرة غبار على هيئة شجرة تين." ص (453)

 

ثالثا، الفضاء الروائي لم يتغير إلا ليرسم الخط الذي رسمه النزوح والمأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني عبر صورة مصغرة لمأساة ومحنة أسرة السارد الطفل "رسمي حسن محمد علي"، وقد شكل المكان، كما هي العادة في الرواية الفلسطينية التي نقلت الأمكنة إلى اللغة وإلى المتخيل الأدبي حفاظا عليها من الضياع، كما بينت خاصة في دراستي لرواية إميل حبيبي "سعيد أبو النحس المتشائل"، شكل المكان محطات وعلامات للرحلة الشاقة والصعبة من أجل البقاء، كالآتي: المالحة - كرزة- بيت لحم- عَمَّان.

 

ثلاثة أسباب موضوعية تدفع الدارس إلى الجمع بين الروايتين كامتداد سردي: السارد الطفل والفضاء الروائي وتصريحات السارد المتضمنة كتعليق أو شرح وتفسير، ويمكن اعتبارها أساليب إقناع لخطاب حجاجي يروم خلق الانسجام بين المنطلقات ثلاثة التي حددتها في البداية (الصدق في رواية الأحداث، التوثيق التاريخي للشهادة والأمانة، وضمير المتكلم).

 

يمكن تقسيم مستويات المحكي السردي في روايتي رسمي أبو علي إلى ثلاث مستويات كبرى، وهي كالآتي:

 

1/ المحكي التاريخي: وهو سرد يكون فيه كما بين جون ميشيل آدم التخييل في الدرجة الصفر، لأنه يسعى أن تكون الرواية مطابقة للحقيقة في الواقع، ويسعى فيها السارد إلى إبعاد الذاتية وانفعالاتها وجنوحها التخييلي. يقول السارد:" لكن الحقيقة يجب أن تقال، والذي حدث يجب أن ترويه آلاف بل ملايين الأفواه وكل ما أتمناه أن يهبنا الله اللباقة والتصميم لإنجاز هذه المهمة الشاقة لأروي تلك الأحداث بأكبر قدر من الصدق." ص (251)

 

يقرُّ رسمي أبو علي حقيقة نقدية ها هنا، ومفادها أن الأدب (رواية أو شعرا أو قصة أو مسرحية) لا يمكنه أن يكون الحقيقة الواقعية ذاتها ولا حتى أن يحذوها حذو الحافر للحافر كما يقال، لأن للأدب طبيعة تخييلية تبدأ من اللغة في حد ذاتها، فاللغة وبالرغم من أهميتها في نقل الأخبار والأحداث وتصوير الوقائع ورسم ملامح الأشخاص والشخصيات لا يمكنها أن تكون صادقة، لأن للغة صلة بقصدية الكاتب وللغة حمولتها وتراثها وتاريخها الشخصي، ولأن للغة معانيها وتراكيبها ومجازاتها ... لكن يمكن للأدب أن يقربنا من الحقيقة التاريخية، باستعمال المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية الخارجية كما حددها رسمي أبو علي بالنسبة للمكان (المالحة، القدس، بيت لحم، عَمَّان) وللزمان (ربيع وصيف سنة 1948م، والعام 1952م)، أو استعمال المعينات الزمانية والمكانية اللسانية  وهي المعينات اللغوية غير المحددة بما هو خارج نصي.

 

من ملامح المحكي التاريخي الصدق في رواية الأحداث والرسم الدقيق للشخصيات وللأشخاص واعتماد المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية، وأدوات السارد في المحكي التاريخي "العين" الراصدة التي تعاين الوقائع وتنقلها بصدق قدر استطاعة اللغة، وتنهل طبعا في أغلب المقاطع السردية والمتواليات من الذاكرة عبر الاسترجاع والاستدعاء، أي استدعاء حادث بحادث مماثل أو نقيض، والاستذكار، أي حث الذاكرة على فعل ذلك، لكن في لحظات معينة يكون الواقع أعنف من الصدق في السرد، فيتألم السارد، وقد يتوقف السرد أو يحدث السارد "طفرة" يختزل فيها أحداثا ووقائع، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بقول السارد في المقطع السردي الآتي:" إلى هنا والراوي لم يعد يجد ما يضيفه للأحداث التي وقعت في ربيع وصيف السنة المشؤومة: سنة 48.

 

إنه على سبيل المثال يذكر كيف خرجوا من البلد وهذا شيء غريب حقا، فإذا كان ثمة ما هو جدير بالتذكر فقد كان بالتأكيد تفاصيل ذلك الخروج. ولكننا نبحث عبثا في الذاكرة الأعمق لراوينا الفتى والذي أكمل سنته العاشرة آنذاك، عن التفاصيل، فلا نجد شيئا.

 

Posté par motassim à 12:16 - Commentaires [0] - Permalien [#]

31 juillet 2017

محمد معتصم من الكتاب المخطوط "القصة المغربية الحديثة"/ 1987م

محمد معتصم من الكتاب المخطوط "القصة المغربية الحديثة"/ 1987م

hqdefault

نسخ النص ومسخ الشخصيات

عند محمد غرناط

 

 

+ استثمار الموروث:

   1/ تتأسس الكتابة على كتابات سابقة عليها، لكن بمستويات مختلفة. فبعضهم ينسخ القول السابق وقد ينسبه إلى قائله وقد يهمل تلك الإحالة. ومع ذلك يكون سارقا كما قال نقاد الشعر القدماء. وهناك من يُسْقطُ التركيب واللفظ ويبقي على المعنى ويسمى ذلك تضمينا قد يصل إليه ذهن القارئ وقد لا يدركه. وهو الغالب في الإبداعات الشعرية والقصصية (الرواية والقصة القصيرة).

 

   وإذا عاب الناقد القديم على المبدع أخذ معاني غيره من المبدعين، فإن الناقد الحديث "رخص" للمبدع البناء على نصوص وأقوال سابقيه. وهذا ليس عيبا إذا ما وجد المبدع الحق الذي يذهب بالقول السابق إلى حدوده القصوى. فيشتغل على مستويين معا للقول فيغير في التركيب وفي الدلالة.

 

   ونرى اليوم في الكتابات الروائية والقصصية وحتى الشعرية عدم تحرج الكاتب من إقحام بعض الأقوال دون التأشير عليها أو الإحالة على مراجعها وأصحابها المبتكرين. وهنا يكمن الخطأ والخطر في آن واحد. لأن الكتابة تعني تحويلها وتغيرها كليا. وليس العكس. أي محو القول السابق لدلالة وعمق القول اللاحق. ومفهوم التناص أو تداخل النصوص في هذه الحالة يعني محو القول اللاحق لدلالة وتركيب القول السابق في الإبداع. لأن ظروف إنتاج القول السابق تختلف حتما عن ظروف إنتاج القول اللاحق.

 

 

   2/ في بعض الكتابات نجد المؤلف المبدع يتعامل مع الإنتاج السابق والمقروء السابق تعاملا مبدعا وذكيا. حتى لا نكاد نلاحظه. وفي بعض الكتابات الأخرى التي توظف الموروث والمقروء توظيفا جماليا ودلاليا، نجدها قد أدركت الغاية من مفهوم التناص ومفهوم التداخل النصي ومعمارية النصوص. كما تم تحديدها في الدراسات النقدية الغربية والشرقية عند ميخائيل باخثين، وجوليا كريستيفا، وتزيفطان تودوروف، وجيرار جنيت. وإن اختلفت منطلقات كل واحد منهم وكذلك مقاصدهم.

 

   لكن نجد من يوظف مخزون الذاكرة أيضا. أي كل المحكيات الشفوية المتواترة والمتداولة على ألسنة الناس. وبالتالي يخصب الذاكرة القارئة؛ ذاكرة المتلقين المتشبعين بهذا النوع أو ذاك – الموظف في النص – من الثقافات الشعبية الشفوية. ونجد كذلك من يوظف فقط أسماء الأماكن والشخصيات التاريخية والشعبية والبطولية. وهنا نجد أمامنا الإشكاليات ذاتها: التوظيف الفاعل، والتوظيف المهدم والمسطِّح للقول.

 

 

   3/ في مجموعة محمد غرناط الثالثة "داء الذئب" نجده يوظف الموروث الثقافي ومخزون الذاكرة والأسماء التاريخية والأدبية والمتخيلة المبتدَعَة توظيفا جميلا. أعني توظيفا فاعلا.

 

   والتوظيف الفاعل لا يعني ذكر الأسماء والأماكن أو مخزون وموروث ثقافي لأمة ما فقط من أجل إبراز ثقافة المبدع. بل الغاية منه خلق بناءات متوازية، ودلالات متقابلة، تجعل القول المحكي مضاعفا. كما ننظر إلى المرآة فتفاجئنا وجوهنا إلى حد السؤال عن الجوهري والعرضي، عن الوجه الحقيقي والوجه المزيف. والسؤال عن الوجه المادي الملموس والضوء الخادع. لذلك نجد القاص في إحدى قصص المجموعة يصرخ في الشخصية القصصية (بقوة وغضب وعنف) أن تنظر إلى وجهها الحقيقي. وكأن الألفة التي تربطنا بوجوهنا المزيفة الخادعة (خدعة الضوء) أصبحت سلطتها لا تقاوم. وأن إغفالنا لوجوهنا الحقيقية خفف عنا هم السؤال. والسؤال وعي باللحظة المتحدث فيها وعنها. وعي بما يحدث في المكان وأبعاده. وعي تام بالمتحدِّثِ. كذاتٍ متحدِّثَةٍ وكموضوع متحدَّثٍ عنه. ولعل مواضعات المجتمع سارت بالإدراك جهة الوعي بالظاهر وبالمزيف وتغييب الجوهري أو الحقيقي في نسبيته الحسية...

 

   يقول النص:" ها هو وجهك. أخيرا ها أنت تراه بدون توقع. ثابت كنجم صغير مضيء. صاف. وديع. باسم. يناديك كما يناديك ابنك "كبوت". فتقدم نحوه. اضبط خطواتك ونبضات قلبك. رتب أنفاسك وتقدم. خذه بيدك وضعه بحكمتك المعهودة بمكانه لماذا أنت خائف؟ مضطرب؟ تسكنك حيرة شنيعة، ويغطي عينيك سحاب دنيء. شق عليك أن ترى ما حولك. وتتخيل أن شيئا ما رهيبا قد حدث. هو الآن أمامك يطفح بقدر كبير من المرح والخفة. لم يخترق كما قيل لك. فمد يديك نحوه وتقدم بنصف بصرك لتأخذ النصف الآخر وتعيده إلى مكانه. افعل. لا تتردد لا تخف. لا ترتبك. اضبط نفسك وتقدم". (قصة الوجه. ص 85).

 

   إن القول الموظف توظيفا فاعلا وإيجابيا في العمل الإبداعي يجعل الدلالة مضاعفة تماما كما هو الحال بالنسبة للوجه وانعكاسه على المرآة. وقد لا نهتم كثيرا لأيهما الجوهر وأيهما العرض. لأن الجوهري والعرضي وجهان لعملة واحدة. فقط ينبغي أن تكون العملة سليمة غير مزيفة. وأن يكون المبدع فنانا حقيقيا، وصانعا ماهرا، دَرِبا ومحترفا. يصوغ من الألفاظ والتراكيب والمعاني المستعملة حِليا لها سلطة الخداع الجميل. لأن العين والأذن وباقي الحواس يلذُّ لها الخداع. وتجد فيه متعة وغرابة سعيدة.

 

   4/ يستند القاص محمد غرناط في قصصه الأولى من المجموعة على الموروث وعلى مخزون الذاكرة الثقافية من أسماء شعراء عرب ومفسرين ومؤرخين، ومن شخصيات ولدتها الذاكرة والمخيلة الشعرية والإبداعية. مثل: عروة بن الورد، والشنفرى، وهما من الشعراء الصعاليك، أغربة العرب الذين اضطهدتهم قبائلهم أو ثاروا على الأعراف السائدة. وهم شعراء إلى جانب أنهم فرسان ولصوص ولهم رؤيتهم الخاصة إلى العالم من حولهم. ونجده يستعمل كذلك أسماء الشعراء العشاق، كصريع الوجد والحب قيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلى العامرية. كما يردُ ذكر الطبري وهو يفسر بداية الخلق وأيضا ابن ماء السماء.

 

   5/ فهل لهذا التوظيف الفاعل من دلالة في التركيب وبناء قصص محمد غرناط؟

 

   من خلال كتابة محمد غرناط يمكن استخلاص خاصيات يمكن تعميمها على الكتابات القصصية والشعرية التي توظف النصوص الموروثة ومخزون الذاكرة الثقافية والمكتوبة والشفاهية توظيفا جماليا ودلاليا متفاعلا. لهذا نجد الملامح التالية تبرز في مجموعة "داء الذئب"، خاصة القصص الأولى من العمل:

 

   = التفاعل والمشاركة.

 

   نرى أن توظيف المخزون الثقافي له وظيفة أساسية. وتتعلق بنمط العلاقة بين العمل وقارئه. فالمشكلة الأساسية التي (تحلُّها) أو (تقاربها) النصوص السابقة والأسماء (أسماء الشخصيات وأسماء الأماكن) المبثوثة في العمل هي إشراك القارئ في فكِّ رموز العمل، وإجلاء غوامضه، وفتح مستغلقاته. لأن أهم الأسباب التي تفشل العمل الأدبي غياب الصلة بين العمل وقارئه. خصوصا إذا ما كان القارئ متوسط الثقافة أو كانت ثقافته شفوية. وأظن أن هنا يكمن مشكل النصوص التجريبية التي تقوم على البوح أو تدفق معرفي مجرد. لا يهتم إلا باللغة في سيلانها وانهمار الذاكرة وتدفق المشاعر دون ربطها بأسباب أسلوبية وبنائية تحفل بها ذاكرات القارئين المختلفة والمتعددة.

 

   واستثمار المخزون الثقافي والذاكرة الشعبية والثقافة الشفوية لا يسلم من المثالب والمطبات. فإذا كان هذا التوظيف يساعد على تأثيث فضاء القراءة وبالتالي فضاء العمل الإبداعي. فإنه أيضا قد يجلب إلى العمل بعض القضايا الجانبية، كهيمنة الموروث على المبتدع الذي يدل أكثر على صاحبه (المؤلِّف). من هنا يأتي تركيزنا على أهمية التوظيف الفاعل والمتفاعل الذي يتأثر ويؤثر في النصوص السابقة.

 

   = المرآة، الدلالة المضاعفة.

 

   في هذا المستوى نكون بصدد متقابلتين بينهما مشترك يصل إلى المتلقي. وهي صورة موسعة وشاسعة للتشبيهات والاستعارات البلاغية التي تنبني على العلاقة الرابطة بين طرفين الأول مذكور أو موحى به والطرف الثاني مذكور بغاية إيضاح العلاقة وإضفاء بعض الصفات المقصودة من الربط والمشاركة.

 

   فإذا أردنا التمثيل الجزئي لهذه الحالة/الظاهرة الكتابية نجتزئ ما يلي من النص القصصي الأول من المجموعة وهو بعنوان "العداء". يقول النص:" غمرني إحساس غريب بالهلع، فتأبطت جرابي وتقدمت نحو ضوء يضطرب بعيدا في فراغ ليلي مغلق، كتمت خوفي، واندفعت بجلد عروة، وحركة الريح تملأني من كل الجهات". ص (5).

 

   بالنسبة لقصص مجموعة محمد غرناط "داء الذئب" فإنها تفرض علينا نمطا محددا من القراءة وهو التأويل للإشارات والعلامات اللغوية عوض التحليل الذي يشمل مستوى آخر أعم وأوسع وأقصد بناء القصص.

 

   وذكر اسم عروة بن الورد سيجعل النص مندرجا ضمن فضاء قرائي محدد. مرتبط بظروف وطريقة حياة الشاعر الصعلوك. المنحاز إلى الفقراء. وخصال "روبن هود" في المتخيل الشعبي الشفوي ومتخيل القارئ والمشاهد للأفلام الواسعة الانتشار اليوم. وسينعكس ذلك على الألفاظ المستعملة في الفقرة المجتزأة. سواء بالنسبة للقارئ أو المبدع. وبذلك تصبح لفظة "تأبطتُ جرابي" تحمل دلالات واضحة في الذاكرة. وهو فعل قام به شاعر صعلوك آخر له صلة قرابة بالشنفرى الشاعر الصعلوك أيضا، والذي سيرد ذكره في القصة ذاتها. يقول النص:" أنت في حي من أخطر أحياء العرب. بيوته مصقولة وليس فيها شائبة. وأنت إذا طلع عليك الصبح هنا جمعت ذباب الدنيا. وفي هذه الحالة تخرج من هنا كما خرج الشنفرى من قبيلة بني سلامان. هل تعرف الحكاية؟". ص (7).

 

   هذه الإحالات والألفاظ المزروعة في النص تحدد مسار التأويل والقراءة في آن واحد. و "تأبطتُ جِرابي" تحيل على الشاعر تأبط شرا. ويقال أنه تأبط سيفا وهو الشائع. كما يقال أنه تأبط جرابا به عدد من الأفاعي السامة.

 

   = شرح الحالة بالحالة.

 

   وفي النص الثاني المجتزَأ من القصة نفسها يرد ذكر "أحياء العرب" بذات العبارة المستعملة في كتب تاريخ الأدب وكتب الأخبار والتاريخ. وهو ما يؤكد على تقابل الفضاء القرائي والإبداعي لكل من المتلقي والمبدع.

 

   إذا فالمرآوية والدلالة المضاعفة في القصة تقدم للقارئ بناء متوازيا. يحكي عن عالمين واقعيين أو متخيلين، وهما: حياة الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي شعراء التمرد على نظام القبيلة الذي يلغي الاعتراف بأبناء الإماء ويقصي كل من لا يخضع لعرفه السائد وقانونه القائم على سند المال أو النسب. ونستثني هنا عنترة بن شداد الذي قبل الخضوع أولا لنظام القبيلة. أي قبل بتنكر والده له، وقبل بالعبودية إلى أن تقوى وأحب فثار على القبيلة وإخضاعها لرغبته وسلطته. وهذه طريقة "طاكتيكية" أخرى مغايرة في مواجهة نظام القبيلة. وحياة الإنسان المعاصر المضطهد في عيشه وحياته. والدائم البحث عن شيء ما ضاع منه. كما بحث الملك الضليل "امرؤ القيس" عن ملك أبيه فلاقى حتفه، وأكسبته الرحلة شعرا خلده. يقول النص:" فأنا أبحث عن حق ضاع مني منذ زمن طويل". ص (6).

 

   وإذا كان امرؤ القيس قد جنى من بحثه عن ملك أبيه: الموت. وإذا كان المثل السائر يقول:" ما ضاع حق وراءه طالب" فإن الشخصية القصصية في النص الأول من المجموعة ستقضي ردحا من الزمان في الانتظار، انتظار تحقيق أمل الحصول على الإرث المفقود/المسلوب. يقول النص:" تتالت الأزمنة بملل، وفي كل مرة يرتفع وجه علاء، ويردد وعده. ووجهه يشمخ شيئا فشيئا نحو السماء إلى أن اختفى، ولم يعدْ يسمع إلا صوته يأتي من موضع شاهق يملأ الساحة المكتظة. وكنا مثل النمل نجتمع لنتفرق، ثم نجتمع لنتفرق ... غير أن رؤوسنا تزداد كل يوم ضخامة، وعيوننا تزداد صفرة". ص (12). أ ليست بداية للتحول والمسخ؟ ضخامة الرأس واصفرار العيون؟!

 

Posté par motassim à 10:00 - Commentaires [0] - Permalien [#]

30 juillet 2017

قراءتي في رواية "تحت ضوء الليل" للمرحوم محمد غرناط

محمد معتصم

 

"تحت ضوء الليل" لمحمد غرناط

المكان كالشخصية الخفية

 

صدر للكاتب المغربي محمد غرناط رواية جديدة بعنوان "تحت ضوء الليل" عن دار الأمان (2010) بعد ثلاث روايات، هي على التوالي: متاع الأبكم (2001)، ودوائر الساحل (2006)، وحلم بين جبلين (2008). تؤكد رواية الجديدة على خيارات الكاتب الروائية، ومن أهمها: الفضاء المحلي المغربي.

تقوم الرواية عموما على مكونات أساسية تضمن انسجام النص وترابط وحداته وتسلسل متوالياته السردية، كالفضاء الروائي المحلي، وبناء الشخصية الروائية، وأبعاد الزمان والمكان، والفكرة الأساس، والحكاية الإطار والحكايات الصغرى المكملة والفرعية التي تشق جيوبا ومجاري جديدة وتبني محكيات تامة أو تكميلية، بدورها، لتوسيع الحكاية وإثراء أفكارها وإبراز أهدافها. إن الرواية بهذا المعنى، بناء، وإنها مجهود فكري ومتخيل أيضا.

بنى محمد غرناط روايته "تحت ضوء الليل" على فكرة أساس مفادها؛ أن محاولة الخروج من الفقر قد تؤدي إلى كارثة. يسافرُ رياض الشاب الطموح الحالم والمنقذ والمخلِّص إلى إيطاليا ليعودَ محملا بالآمال والأحلام الجميلة كي يُخرِجَ عائلته من الفقر، وليحرر (حي الزيتون) من البؤس:" نحن أيضا بخير، نحد الله على نعمته وإحسانه ولو أن أحوالنا ليست تماما على ما يرام. كنا دائما بانتظارك. أنتَ تعرف مكانتك بقلوبنا. كل العائلة تسأل عنك، وكلها أمل في أنها ستبدأ حياة جديدة مع عودتك" ص (99)، لكنه نسي أن الحقد لا علاقة له بالنوايا وبالأحلام فهو مرض يسكن بواطن الإنسان المقهور، ذلك الحقد هو النار التي قضت على كل آمال وأحلام رياض وزوجته سيلين، وأرجعتهما إلى نقطة الصفر. فهل الفقر قدر؟؟؟ تقول سيلين لزوجها:" ما من شيء يقع إلا وراءه فاعل. النار يا عزيزي يشعلها الحقد والكراهية والعداء." ص (174).

يحمل العنوان "تحت ضوء الليل" معارضة ساخرة ذات دلالة للعبارات الآتية: "تحت حلكة الليل" و"في جنح الظلام" حتى يناسب المضافُ المضافَ إليه، لكن محمد غرناط جعل لليل ضوءا لعله ضوء نار الحقد التي أكلت أخضر ويابس أحلام عائلة بكاملها، عائلة عاشت على أمل التغيير، وعلى حلم الخروج من النفق، وعلى أمل استرجاع أمجاد الماضي، فما وقع تحت جُنح/ضوء نار الليل/الحقد كان تجسيدا لمعنى الخيبة وفقدان الأمل.   

تبدأ الرواية بالانتظار والترقب وتنتهي بفاجعة "ما هذه الفاجعة؟" ص (172). وهو ما جعل المحكي متواترا على مستوى القصة حسب المتواليات الآتية:

° بنية الانطلاق: انتظارات الأم والعائلة، وبناء الأحلام الكبرى.

° بنية الاضطراب: احتفال العائلة بوصول رياض وزوجته سيلين.

° بنية الحل والنهاية: شراء رياض المصنع ووقوع الكارثة.

تُظْهر البنيات السردية الانسجام والترابط بين المتواليات السردية، والتواتر الذي يقوِّي مبدأ التنامي السردي ويدعمه، في هذا العمل الروائي وفي الروايات السابقة عند محمد غرناط، لكن على مستوى بناء الخطاب فقد اعتمد الروائي العديد من التقنيات منها التوسيع عبر المحكي الاسترجاعي (الارتدادي/ السابق) الذي يقوم بوظائف سردية كثيرة كترميم الحكاية الإطار، أو إضاءة جوانب شخصية من الشخصيات الرئيسة في الرواية، أو السماح للساردين بالتناوب على رواية الغامض في القصة وتبادل الأدوار، ومنها كذلك تأجيل التوقعات وإطالتها عبر إدراج شخصيات روائية جديدة ذات صلة بالشخصية المحورية (رياض حمداني) من قريب أو بعيد. لتأجيل وإبطاء تحقيق التوقعات علاقة وطيدة بتضمين الحكايات الصغرى ومحكي الشخصيات الثانوية التي تشكل بنية الانتظار. التقنيتان معا تسهمان في تجلية طبيعة السرد في رواية "تحت ضوء الليل" فهو سرد متواتر يقوم على الترابط والتسلسل والتنامي، لكن هذا النمط من السرد يقع تحت طائل اللعب ببنية الزمن، لذلك نجد السارد، نظرا لحجم الرواية الذي يصل 176 صفحة، يمتص الضغط الزمني المتسلسل بالطفرة والحذف.

في إطار التوسيع والتنويع في بنية الانتظار التي امتدت من أَوَّلِ الروايةِ إلى الفصل (14) حين وصول رياض وزوجته سيلين إلى مدخل حي الزيتون اعتمد محمد غرناط على الزج بشخصية روائية جديدة في كل فصل، أو بالعودة إلى ماضيها أو إلى جزئية قد تشق مسارا جديدا بخلق محكي جديد.

= = = = = = =

للمكان في الرواية مكانة هامة سواء أكان حاضرا فعلا أو متضمنا في السياق تحيل عليه الكلمات كمكان افتراضي في ذهن الراوي والمروي له أو المتلقي، وهو الفضاء الذي يتجسد على أرضته، وفي أبعاده المتخيل الروائي، وهو الصورة القريبة [تجسيم] من الواقع حيث تتكون الشخصية الروائية من خلال أفعالها أو ما يقع لها من أحداث، وفيه تتحقق وتتبلور فكرة العمل الروائي. المكان في الرواية يقوم بمهام (وظائف) كثيرة تتجاوز التحديد الخارجي (أو الظهور كخلفية ثابتة) إلى الفعل والتفاعل مع مكونات العمل الروائي الأخرى.

يتحول المكان في رواية "تحت ضوء الليل" من حالة الثبات والسكون إلى حالة المشاركة الفاعلة في تشكيل الصورة والقيمة اللتين يروم الكاتب عبرهما الوصول إلى تجسيم فكرة الرواية، فالأوصاف المرتبطة بحي الزيتون وبأهله تساهم بحظ وفير في جعل النتيجة (الفاجعة) منطقية بل نتيجة حتمية؛ ومن المظاهر المميزة للمكان (حي الزيتون) نجد الآتي:

° الفقر والحاجة. تساءل سيلين زوجها رياض:" - وحي الزيتون الذي قلت أن أسرتك تقيم فيه..هل هو الأشد خطرا؟

-         أظن، لأن الفقر انتشر فيه بكثرة." ص (89)

° الرعب وانتشار الجريمة

° الشطط في استعمال السلطة واستغلال القوي للضعيف:" يسعدها دائما أن ترى أخاها مبتهجا حول المائدة يحدثها عن طرائف يشهدها في المدرسة التي يعمل بها، وهي تحدثه عن رئيس المقاطعة الرابعة الذي يرتكب كل يوم حماقات جديدة." ص (47)

° تدني سلم القيم والانحلال والتفكك الأسري والاجتماعي:"...هي تعلم أن جارتهم مونية بنت الخياط تفعل العجب تحت أنظار الجيران ولا أحد يتكلم فيها. تحدث الرجال دون أن تبالي بالمارة والواقفين قرب مساكنهم، هم تعودوا على ذلك ولسان والدها أطول من قامته، فقد لا يتورع في إشهار سلاحه إن تجرأ أحد وفاه بما يغضبه." ص (48)

هذه السلسلة من المظاهر والأوصاف تندرج ضمن ما نطلق عليه "المتخيل الوضيع" الذي انخرط في بناء قضائه التخييلي عدد من الكتاب ومنهم الكتاب المغاربة الذين تشكل وعيهم الفني والإبداعي في سياق التحول الثقافي والفكري والاجتماعي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي كمحمد زفزاف ومحمد شكري كعلامة بارزة في مجال الرواية المغربية الحديثة والمعاصرة.               

في ظل مفهوم "المتخيل الوضيع" يصبح المكان (بل الفضاء) ملتحما بالسرد وبوجهة النظر وبالفكرة الأساس التي ينهض عليها العمل الروائي، ويصبح المكان عنصرا فاعلا وشخصية خفية لهما التأثير القوي في/على مسار تشكيل الحكاية الإطار. وهذه الفقرة الطويلة نسبيا تقوم برسم حدود المكان (حي الزيتون) وبتقديم لوحة (مشهد) طوبوغرفية لمداخل المكان:" من أي جهة سيدخل رياض حمداني كي يصل إلى البيت سالما؟ هناك جهتان محفوفتان بالمخاطر. الجهة المطلة على الغابة الصغيرة الممتدة خلف الحي التي يؤمها أثناء الليل السكارى والحشاشون، بعضهم يتوغل بداخلها وسط الأشجار الكثيفة، آخرون يجانبون بيوت الحي ويطلقون أصواتهم الصاخبة التي لا يحدها احتجاج أو سيارة أمن تمرق من وقت لآخر. الجهة الأكثر خطرا هي تلك التي تشرف على حفرة مهولة كانت مقلع أحجار ثم تحولت إلى مزبلة شاسعة تتجول بها كلاب وقطط متسخة. الأبواب التي تقابلها تنفتح نهارا وتغلق مع غروب الشمس، فلا يمر من أمامها أحد إلا وكان مهيأ للفرار. عليه إذن أن يأخذ الطريق المؤدي إلى ساحة داماس حيث موقف السيارات، مقهى السانية، ومقهى صغير يتجمع به عمال مياومون وعاطلون لا يؤذون أحدا. كان يريد أن يجتاز الدروب تحت ضوء النهار، لكنه خشي أن يقع في كارثة. من الأفضل أن يأتي ليلا ويأخذ الطريق الذي يربط حي الزيتون بوسط المدينة، ثم يتابع إلى بيته دون أن يتوقع حدوث مفاجأة. ومع ذلك عليه أن يحترز، فضوء الليل نفسه قد يفضح وجهه." ص (88.87)

تشير العبارات المضغوطة من قبلنا على الخوف والتوجس وتوقع الخطر بل توقع الكارثة، وكأن رياض حمداني لا يدخل حيا به ولد وترعرع ودرس، حيا به أسرته ويعود إليه بعد غياب دام سبع سنوات عاشها أهله مترقبين ومؤملين أنفسهم بالعودة الميمونة التي ستخلصهم من الفقر والحاجة. تشير العبارات إلى طبيعة المكان ووضاعته التي يكتسبها من غياب الأمن والاطمئنان بين السكان، وسيادة الخوف والانحراف والبطالة، فهي عبارات جعلت المكان عنصرا فاعلا في توقع النهاية/ الفاجعة.

لا يمكن للمكان أن يكون مجرد أبعاد هندسية وفضاء جامد لذلك فالمكان لا تدب فيه الحياة ويقترب من الدلالة الواقعية إلا بفضل الشخصيات الروائية المتخيلة التي تتعايش فيه وتستمد من طبيعته شخصيتها، فيتبادلان التأثير والتأثر الموجب والسالب تماما كما في رواية محمد غرناط "تحت ضوء الليل".

مَكانٌ مريع محفوف بالمخاطر كالَّذِي مَرَّ بِنَا وَصْفُهُ لا يمكنه إلا أن ينتج نسبة كبيرة من الرعب في قاطنيه، ستعبر عن ذلك الرعب شخصية سيلين زوجة رياض حمداني الإيطالية التي لم تهنأ بمقامها في حي الزيتون رغم طمأنة رياض لها، فترة الطمأنينة هي التي قضتها بمدينة مراكش، تقول لزوجها:"

-         عزيزي.. أريد أن أبتعد كثيرا من هنا.

فرد عليها وهو يضغط على المحرك:

-         سآخذك حيث تشائين.

-         خذني بعيدا.. أريد أن أرى شيئا جديدا. حيكم وناسكم وكل شيء ملأ قلبي رعبا. ما أن أشعر بالراحة لحظة حتى أنتكس وتعود إلي المخاوف." ص (163)

وفي حوار بينها وبين رياض تقول:"

-         لكن لا تنس أنني قلقة. أريد أن أضع حدا لهذه المحنة. أنت لا تعرف كم عانيت خلال هذه المدة القصيرة، لا أخفيك أنني أتعذب.

لاح الحزن على وجهها وهي تضيف:

-         هذا الشبح الجديد، ياقوتة، حيرتني كثيرا. نظراتها تشبه قذيفة لا تحمل معها شيئا غير الموت." ص (152)

مجتزأ الحوارين يبيِّنُ حجم الرعب المكبوت في باطن شخصية سيلين منذ هاجمها الكلب الشرس بالساحة أول وصولهما إلى حي الزيتون تحت ضوء الليل، يقول السارد:"انتفضتْ فجأة على صوت كلب ينبح وينطح زجاج السيارة. رأت أنيابه الطويلة فصرخت صرخة عالية هرع على إثرها رياض وأهله يتصايحون. انطلق الكلب هاربا دون أن يتوقف عن النباح. هبطت مرتعدة تكاد تنهار من الرعب." ص (101)

يتضافر الفضاء الروائي والفكرة الأساس [الفكرة الشعرية] في الرواية لرسم الملامح المحددة للمتخيل الروائي في رواية "تحت ضوء الليل". وتعمل الأوصاف والنعوت الخاصة بالشخصية الروائية ووضعياتها داخل المحكي على الانحدار بالمسار من الترقب وبناء أمل الخلاص إلى الكارثة والفاجعة حيث يتم القضاء على فرص التغيير.

المكان كما تمثل في الرواية قدر محتوم غير قابل للتغيير بالنسبة لشخصية رياض وأنه مصدر الرعب والفشل بالنسبة لشخصية سيلين. وهو سجن كبير تتحرك في حدوده الضيقة أسرة وعائلة رياض حمداني التي تعاني من الانحطاط والانحدار الاجتماعي، مثلها مثل باقي سكان (حي الزيتون) الذين يعاني بعضهم من التشرد، والبعض الآخر من البطالة وقلة ذات اليد، وآخرون يقضون قسطا من أعمارهم في الحبس، ومنهم من وضع حدا لحياته التافهة المتوقفة. يصف المجتزأ الآتي استبداد اللصوص وخوف الأهالي المستتب:" صرخت [زينة] في انفعال أن هذا لا يدعو للضحك بل لنحيب طويل على فواجع لا تليق ببني آدم الذي كرمه الله. سوَّى عسُّو جلبابه فوق كتفيه وقال إن كثرة الهم تضحك المرء ولو كان واقفا على قبر أبيه، ثم أضاف إنه كلما كان المطر وافيا وافرا، قل عدد اللصوص، لكن الحقيقة هي أن هؤلاء كرهوا الحياة حتى خلت قلوبهم من الرحمة، أو لم تعد لديهم قلوب، ولا شك أنهم هم أيضا لا يرحمهم أحد، لذلك يطوفون بوجوه حانقة ويظهرون في كل ساعة متأهبين لغدر من يعبر بدرب دون أن يفكروا في الخالق." ص (78)

هناك علاقة متينة بين تشكيل المكان وتكوين الشخصية الروائية، وليس بغريب أن تكون الاتجاهات المختلفة في كتابة الرواية ذات صلة بطبيعة المكان، فالرواية الواقعية لا يمكنها أن تقوم إلا بالتحديد الدقيق للمكان ومكوناته، بل جعلت الرواية الواقعية من وصف المكان أو جزء منه مدخلا ومفتتحا سرديا، أما الرواية ذات المنحى السردي التجريبي فقد انصب اهتمامها على المكان والشخصية الروائية، فعملت على تقويض المكان وتفكيك مكوناته لنزع هالة القداسة عليه، وعمدت إلى الشخصية الروائية وعملت على طمس ملامحها المحددة لطبيعتها المطابقة للكائن في الواقع. يمكن قول الشيء ذاته بالنسبة للسرد النفسي الذي يتم فيه التركيز على الانفعالات، وعلى منطق التداعي للأحلام، وعلى الاستيهام والفنطاستيك، والمونولوج والمناجاة... كل ذلك محاولات يائسة للتخلص من سلطة المكان ومن سلطة الشخصية الروائية وتأثيرها على باقي مكونات النص السردي.

محمد غرناط في روايته "تحت ضوء الليل" لا يصارع المكان والشخصية الروائية بل يحاول العمل على أن يجعل منهما مكونا واحدا، متداخلا، ومتلاحما، منسجما، يمثل هذه الحالة من التوحد الشخصيات الرئيسة في الرواية: رياض حمداني القلق والمنتفض الذي يسعى للخروج من حبس المكان وتغييره، وكأنه ينتفض ضد ذاته ليحررها من قدرها المحتوم، وسيلين الإيطالية التي تتغير أحوالها بتغير الأمكنة، فهي في حي الزيتون مرعوبة فزعة مضطربة النفس، بينما في مدينة مراكش هانئة مرحة ومطمئنة النفس.     

 

 

   

 

 

hqdefault

Posté par motassim à 16:25 - Commentaires [0] - Permalien [#]

28 juillet 2017

البلاغة والإيديولوجيا. إعادة نشر

محمد معتصم

 

البلاغة والإيديولوجيا وأنواع الخطاب النثري

 

إن الناظر في كتاب د. مصطفى الغرافي "البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة"[i]، يدرك أنَّ الإشكالَ المعرفي الذي ستسير تحت ضوته وفي طريقه عملية البحث والتنقيب إشكالٌ فكريٌّ ولغويٌّوليسَ إشكالا أدبيا، وسبب ذلك، أن محمولات القول الأولية لدينا عن مفهوم "البلاغة" ومفهوم "الإيديولوجيا" –وهما مكونا العنوان الأصلي للكتاب - تخصان التعريف "المدرسي"، أي الوجه الثاني لمحمول القول، أيَّ قولٍ كان، فصيحا أو غير فصيح، متداولا، ومتخيلا أو غير متخيل، وهو غالبا تعريفُ صانعي الخطب ومُدرسِي الأدب،أي مدرسي البلاغة، ومن ثمة، فالبلاغة لدينا ليست سوى "فنِ القولِ"وتنميقه وتجويده للتظاهر والتفاخر والسفسطة، الذي وَرِثَ "الصراع"، صراع الأقوياء في اليونان القديمة، موطن ومسقط رأس البلاغة، فبسقوط الطغاة، انتهى صراع الأقوياء (la chute des tyrans)، لكن ظهر بعدها مباشرة صِرَاعٌ آخرُتزامن وصعودَ نجمِ الديمقراطية، وهو: "فن القول" أو "فن الكلام"، فمن حق كل مواطن يوناني حر التعبير عن رأيه بحرية دون خوف من الطغاة والعقاب أمام الملأ، وهكذا، توجه التعريف المدرسي للبلاغة من التركيز على الكلام (القول والخطاب) إلى التركيز على حامل الكلام، ومنتجهِ، أي المتكلم والخطيب، أو ما تم الاصطلاح عليه بـِ "صانعي الخطب"، وهو تعبير يقدم الوعي على الفطرة والسليقة، فالصناعة (الصَّنْعَةُ) والتجويد يأتيان بعد الفطرة والسليقة التي تنتج كلاما خاما، معناه ومقصده بيِّنٌ، ومتلقيه لا يبذل مجهودا لإدراكه وفهمه.

 إذن، فالبلاغة في عرف المعلِّمينَ، وفي التعريف المدرسي، لا تنتج فنا، سواء أكان فنا أدبيا أو فنا في مقارعة الأفكار وحد حلبات الجدال، إنه مجرد أداة للتعبير، والبلاغة وسيلة من وسائل التعبير كغيرها من الوسائل، إلى أن ظهر السفسطائيون الذين تسلموا مشعل البلاغة من صناع الخطب في المدارس إلى دهاقنة المحاكم، أي بعد أن ازدهرت البلاغة مع الجمهورية في روما (Rome)، فقد انهارت تماما مع عودة الإمبراطورية، التوسعية الجشعة، التي كان قادتها وتجارها كما هم تجارب الحروب في كل الأزمنة وكل الأمكنة، في حاجة إلى من يدبج الخُطبَ ويُحَسِّنُ القول ويزيف المعنى ويعدده، وإلى من يزين القبيح ويقبح الجميل ويشينه، أي أن انهيار جدار (حصن) الجمهورية التي ضمنت الحرية وحمت المواطن من الخوف والعقاب، أتاح المجال لتلمعَ شمسُ القهر والإذلال والاستعباد، والبلاغة كما اللغة والفكر سيخضعون مرة أخرى لمنطق القوة وصراع الأهواء ونزوات الطغاة، وتحولَ البليغ والخطيب من رجل حَسَنٍ يُحْسِنُ القول و(فن الكلام)، "un homme de bien qui sait parler"، إلى "موظفٍ"، كما نعت ميرلوبونتي (Merleau-Ponty) الفلاسفة بعد أفلاطون، أي بعد سقوط الجمهورية، وفي ظل الإمبراطورية، وصراع المصالح، وتغير موازين القوى (فقد نجا أرسطو من العقاب مصادقة)، هنا بالذات، يمكن الحديث عن الفكرة الأساس في كتاب الدكتور مصطفى الغرافي؛ "إسقاط الغرض العقدي الديني على الغرض الأدبي الجمالي"، أي تحكم الفكر والعقيدة الدينية أو السياسية أو الحزبية... في إنتاج "الخطاب/ Discours" وتدبيج "الكلام/ Parole" وتحسين وبناء "النص/ Texte"، وكلها مفاهيم تلتقي في بؤرة واحدة، وتأخذ معنى واحدا، فبعد نشوء المجتمع الإسلاميِّ وانتهاء عصر الخلفاء الراشدين: (السلف الصالح)، ظهرت ملامح جديدة لمجتمع إسلامي جديد، وقد تطلب الانتقال من نظام "خلافة الشورى" إلى "خلافة الوراثة" أي نظام "الدولة"، ظهور "الصراع" مجددا، في العالم الإسلامي، كما كانت الحال عليه في اليونان القديمة، قبل وبعد "الجمهورية" وفكرة "الديمقراطية"، بدأ الصراع حول الخلافة واحتد مع العباسيين، وتعدد الفرق الكلامية، لم يعد كلام العرب، واحدا وموحدا، في تفسير وشرح وتأويل المعنى، وتَحَوَّلَ المعنى الحرفي (الشرح المعجمي) إلى عائق أمام الوصول إلى المعنى الظاهر من القول (Speech)/ الخطابِ (Discours)/ النص (Text)(التفسير)، الذي أصبح بدوره عائقا أمام معنى المعنى الخفي والباطن من القول/ الخطاب/ النص (التأويل)، لذلك وجب التنبيه إلى هذه الفروق التي تبدو في كثير من الدراسات مترادفات لمعنى واحد، خاصة معنى "التأويل/ L’interprétation" الذي التبس مع سياقه في الدراسات الغربية الفكرية أو النفسية كـ"تأويل الأحلام؛ س. فرويد"، إذن، فقد لجأت الفرق الكلامية إلى الشرح الحرفي لظاهر القول (النص) في الآيات الكريمة دون الحاجة إلى استعمال العقل، لأن استعمال العقل يدعو إلى احتمال الشك، والنص المنقول صحيح لفظا ومعنى، أي لا احتمال فيه للظن، وإلا "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمَسِحِ من أعلاه"، وهذا مذهب أهل السنة، وبالتالي مذهب ومعتقد ابن قتيبة، وهو ما يأخذه على الجاحظ ومن ثمة باقي أتباع مذهب المعتزلة الذين لا يقبلون بكثير من "مسلمات السنة/ أهل النقل" إلا بعد عرض ظاهر القول–الذي يخالف البرهان- على العقل لسبر باطنه، وفي ذلك يقول ابن رشد معرفا التأويل:" ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة – من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز – من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عُدِّدت في تعريف أصناف الكلام المجازي."، وقد شجعهم على ذلك الطريق المسدود الذي وصل إليه سابقوهم من المشتغلين على العهدين القديم والجديد، كما بين ذلك الدكتور محمد مفتاح في قوله:" لعل بداية التأويل الأساسية المسجلة في الوثائق المتداولة بين الناس ما يجده الباحث لدى مؤولي العهدين. فقد عثروا على أمثال رأى بعضهم قبولها على ظاهرها، واقترح آخرون إعمال التأويل فيها لأن معناها الظاهري عبثي يتناقض مع أصول المعتقدات أو مع ظواهر الطبيعة. وبناء على هذا الخلاف فقد رصدت المؤلفات المهتمة بتاريخ التأويل واتجاهاته ثلاثة تيارات أساسية. هناك الاتجاه الحرفي الذي يمكن أن يتخذ نموذجا له (Mopsueste). فقد ناهض أوهام المدرسة التأويلية وتعلق بالمعنى الحرفي.وقد أدى به صنيعه هذا إلى الوقوع في تناقضات مع آيات أخرى، ولذلك وقعت مهاجمته بعد موته واتهم بالابتداع..." (ص:90). وهناك الاتجاه التوفيقي وتأويل التمثيل. وكان من اللازم اللازب وقوع الصراع بين مذهب أهل السنة الذين يمثلهم، كما ورد في كتاب "البلاغة والإيديولوجيا"، ابن قتيبة، ويمكن اعتبار طريقته في القراءة والشرح والتفسير والتأويل "حرفية" بحسب قول د. محمد مفتاح السابق، أما المعتزلة وهم أيضا "أصحاب العدل والتوحيد" كما كانوا يلقبون أنفسهم، "اما العدل فمن قولهم بحرية الإنسان توثيقا لعدالة الحساب، وأما التوحيد فمن تعطيل الصفات لإثبات انفراد الذات الإلهية بالأزلية." (ص:10)، في منطقة "التأويل"، والتأويل كما ورد في القرآن الكريم، وكما تحدثت عنه في "المتخيل المختلف"، محددٌ بالنَّصِّ وموقوفٌ على الله عز وجل، بدليل الآية "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله" (7. آل عمران). وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، أصحاب النقل. فالشرح مرتبط بالمعجم اللغوي والتفسير مرتبط بالتركيب والمعاني القريبة من أفهام الناس بحسب عصورهم وتجاربهم ومستويات الوعي لديهم، أما التأويل فيتعلق بالمعنى الباطن، المعنى الذي لا يدركه الناس العاديون، وبعض الأنبياء والرسل، كما في حادثة موسى والخضر، التي تؤكد على أن الإنسان لا يمكنه أن يفهم الحوادث التي لم يعلمها من قبل، ولا يستطيع عليها صبرا. والحق أن المقابل بين ابن قتيبة إمام أهل السنة والجاحظ إمام المعتزلة، من أجمل وأعمق ما في كتاب "البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة"، وهي مقابلة تبرز بجلاء معنى البلاغة في علاقتها بالإيديولوجيا كمصطلح جديد، على العربية، وأيضا إنتاج أنواع الخطاب، وأنواع النصوص وعلاقتها بمقاصد المُنْتِجِ (الكاتب الموضوعي والخطيب). فمسألة النقل والعقل، تمثل طرفي الوجود، الوجود بمعنى اللغة، لأن اللغة هي المظهر الأصل للإيديولوجيا، إيديولوجية الفرد وإيديولوجية المجتمع، "فالكلمة – يقول ميخائيل باختين- هي الظاهرة الإيديولوجية الأمثل." (ص؛ 23)، كما سنحدده أيضا، في قول الكاتب الدكتور مصطفى الغرافي تعليقا على قول الجاحظ أو اختياره وأتباعه مذهب الشك المتمثل بلاغيا في "الإقناع" عبر تبرير الشيء وضده، وهو بذلك، كمن يعود بالبلاغة إلى ميدانها الأصل في اليونان القديمة، أي ميدان المحاكمة، والخطيب المفوه البليغ من كان قادرا على الدفاع عن موقفه ورأيه في حال الصواب والخطأ، وفي حال الحق والباطل، وفي حال الحقيقة والزَّيْفِ، كما يؤكد العتَّابيَّ، وهو متكلم معتزلي، في تعريفه للبلاغة والخطيب البليغ:" كلُّ مَنْ أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حُبسةٍ، ولا استعانة فهو بليغٌ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة ويفوق كل خطيب فإظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق." (ص؛ 12).



[i]الغرافي، مصطفى؛ البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة. منشورات دار كنوز المعرفة. ط1. 2015م

me

Posté par motassim à 10:05 - Commentaires [0] - Permalien [#]

26 juillet 2017

جزء من دراستي في مفهوم القصة القصيرة عند الكاتب المغربي إدريس الخوري

محمد معتصم

 

دينامية القصة القصيرة

 

   1/ مفهوم القصة.

 

   المفهوم تصور ذهني كما تعرفه العلوم الحقة، وأساسها المنطق. والمفهوم انطلاقا من ذلك؛ تجريد لواقع أو لحالة والسمو بهما إلى مستوى كلي متجاوزا الجزئيات والمكونات الثانوية والدقيقة. ولأن المفهوم تجريد فإن تحديده يختلف من ناقد إلى آخر، ومن مبدع إلى آخر. أي أنه موسوم بالدينامية، لكن تبقى هناك نقاط عدة للتقاطع تحددها مستويات الإدراك وأنماط المعارف وكذلك الإنجاز الفعلي للقصة: أي حقيقتها على الورق بعد خروجها من التجريد إلى الفعل.

 

   إدريس الخوري أحد القصاصين المغاربة الذين أخلصوا لجنس القصة القصيرة، وحققوا تراكما مهما، دعا وزارة الثقافة والاتصال إلى جمع أعماله الكاملة في مجلدين، واستطاعوا من خلال تجربتهم مواكبة تحولات القصة القصيرة وهي تساير متغيرات الواقع ومتغيرات الذات الكاتبة، ومتغيرات الحياة (الساحة الثقافية) خصوصا خلال العقد السبعيني حين أصدر أولى مجاميعه القصصية "حزن في الرأس والقلب" سنة 1973م. ويتفق النقاد على أن العقد السبعيني كان المحور الأساس في تحول الوعي بالكتابة وخروجها من دائرة الاقتباس والتمثل والاتباع إلى دائرة التحليل والتشريح والكشف... والتركيز على العقد السبعيني مهم لأن رؤية إدريس الخوري للقصة القصيرة مرتبطة به، وبالأجواء التي ولدها، وما سيليها من عقود حتى الآن.

 

   مكونات المفهوم.

 

   يتحدد مفهوم القصة القصيرة لدى إدريس الخوري من خلال عدد من العناصر، هي:

 

   1.2/ الطفرة.

 

   يقول إدريس الخوري:" ... إن القصة، في حد ذاتها، لا تعدو أن تكون طفرة لواقع معين، رؤية، منفذا صغيرا للدخول إلى العالم ،،،". ص (9).

 

   إن ما دفع إدريس الخوري إلى تحديد هذا المفهوم كخاصية من خاصيات القصة القصيرة يتحدد انطلاقا من رؤيته الانتقادية والمتفحصة للمنتوج القصصي المجايل له والسابق عليه. فكيف كانت القصة قبل إدريس الخوري؟ لقد كانت قصة مندهشة وانفعالية، والمنطق الذي يحكمها منطق الانعكاس المباشر. وهي بذلك تتنافى وخصوصية القصة كرؤية لا تعكس الواقع بقدر ما تتفاعل معه كمعطى، وتحوله إلى مادة متخيلة، قابلة للتدوين والكتابة. هنا يكمن مفهوم الطفرة: إنه معاكسة الواقعة الحياتية في ماديتها، والطفرة مسافة فاصلة بين الواقع كمادة صلبة حقيقية عينية، وبين الكتابة (القصة) كتصور ورؤية ظنية ومتخيلة عن الواقع. والواسطة والرابطة بين المجالين، الكاتب كذات غير حيادية لكنها أيضا ليست شفافة إلى حد التمثل المثالي للوقائع. إنه وعي متقدم، وعي متجاوز لرؤية كتابية كانت ترى في الكتابة اتباعا (تقليدا) للمنجز السابق (الخبر، المقامة، المقالة… ) وللمنجز اللاحق والمجايل (العقد السبعيني)، انعكاسا آليا وتصويرا جافا للحياة ووقائعها. إن تحديد إدريس الخوري للطفرة كخصوصية كتابية وقصصية يضعه في الصفوف الأولى مع المبشرين بحداثة القصة والخروج بها من الأزمة والمأزق الذي سارت فيه مبتعدة عن ذاتها ككتابة ذات خصوصية وتميز. ووجهه المفهوم نحو الكشف عن العلاقة السليمة بين الواقع (الخارج) والقصة (الكتابة). وقد كان التباس العلاقة بين المعطيين قد دفع الكثيرين إلى التوقف أو إلى تكرار الواقع، وجفاف القصة من ماء الإبداع، ومن الإضافة والكشف والتشريح، ومن التغيير في الوعي والواقع معا.

 

   2.2/ الكذب.

 

   يتساءل إدريس الخوري في إطار مناقشة النقاد الذين تعرضوا لمجموعته القصصية الأولى، فيقول:" هل بإمكاني أن أدعي أم ما أكتبه كذب؟ شيء متخيل منزوع من الماضي والحاضر ومتخيل أيضا للمستقبل؟ ". (10.9).

 

   يكاد مفهوم الكذب أن يكون قدر الإبداع، خصوصا عندما ينظر إليه من منظور أخلاقي، وكأن المبدع الأديب عندما يجهر أنه لا يكتب عن نفسه بدقة، وبأنه لا يستطيع كتابة الواقع في شموليته فإنه يكون كاذبا فيما يقول. وبالتالي فلا طائل يُرْجى منه ويتحول مبدع الأدب إلى جهة المدافع لا عن الأدب، بل عن نفسه مبعدا عنه تهمة الكذب والادعاء الأخلاقيين. وفي مقابل ذلك عليه أن يجهر أمام الملأ بأنه صادق في كتاباته، وأن ما يكتبه واقع حقيقي، وأن ما يرويه عن نفسه وعن شخصياته حقيقة لا يأتيها الباطل ولا يتسرب إليها الشك. إنه ميثاق أبرمه القارئ والكاتب التقليديان مع الكتابة.

التداعي والمفارقة والتهكم

Posté par motassim à 12:26 - Commentaires [0] - Permalien [#]