محمد معتصم

28 juillet 2017

البلاغة والإيديولوجيا. إعادة نشر

محمد معتصم

 

البلاغة والإيديولوجيا وأنواع الخطاب النثري

 

إن الناظر في كتاب د. مصطفى الغرافي "البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة"[i]، يدرك أنَّ الإشكالَ المعرفي الذي ستسير تحت ضوته وفي طريقه عملية البحث والتنقيب إشكالٌ فكريٌّ ولغويٌّوليسَ إشكالا أدبيا، وسبب ذلك، أن محمولات القول الأولية لدينا عن مفهوم "البلاغة" ومفهوم "الإيديولوجيا" –وهما مكونا العنوان الأصلي للكتاب - تخصان التعريف "المدرسي"، أي الوجه الثاني لمحمول القول، أيَّ قولٍ كان، فصيحا أو غير فصيح، متداولا، ومتخيلا أو غير متخيل، وهو غالبا تعريفُ صانعي الخطب ومُدرسِي الأدب،أي مدرسي البلاغة، ومن ثمة، فالبلاغة لدينا ليست سوى "فنِ القولِ"وتنميقه وتجويده للتظاهر والتفاخر والسفسطة، الذي وَرِثَ "الصراع"، صراع الأقوياء في اليونان القديمة، موطن ومسقط رأس البلاغة، فبسقوط الطغاة، انتهى صراع الأقوياء (la chute des tyrans)، لكن ظهر بعدها مباشرة صِرَاعٌ آخرُتزامن وصعودَ نجمِ الديمقراطية، وهو: "فن القول" أو "فن الكلام"، فمن حق كل مواطن يوناني حر التعبير عن رأيه بحرية دون خوف من الطغاة والعقاب أمام الملأ، وهكذا، توجه التعريف المدرسي للبلاغة من التركيز على الكلام (القول والخطاب) إلى التركيز على حامل الكلام، ومنتجهِ، أي المتكلم والخطيب، أو ما تم الاصطلاح عليه بـِ "صانعي الخطب"، وهو تعبير يقدم الوعي على الفطرة والسليقة، فالصناعة (الصَّنْعَةُ) والتجويد يأتيان بعد الفطرة والسليقة التي تنتج كلاما خاما، معناه ومقصده بيِّنٌ، ومتلقيه لا يبذل مجهودا لإدراكه وفهمه.

 إذن، فالبلاغة في عرف المعلِّمينَ، وفي التعريف المدرسي، لا تنتج فنا، سواء أكان فنا أدبيا أو فنا في مقارعة الأفكار وحد حلبات الجدال، إنه مجرد أداة للتعبير، والبلاغة وسيلة من وسائل التعبير كغيرها من الوسائل، إلى أن ظهر السفسطائيون الذين تسلموا مشعل البلاغة من صناع الخطب في المدارس إلى دهاقنة المحاكم، أي بعد أن ازدهرت البلاغة مع الجمهورية في روما (Rome)، فقد انهارت تماما مع عودة الإمبراطورية، التوسعية الجشعة، التي كان قادتها وتجارها كما هم تجارب الحروب في كل الأزمنة وكل الأمكنة، في حاجة إلى من يدبج الخُطبَ ويُحَسِّنُ القول ويزيف المعنى ويعدده، وإلى من يزين القبيح ويقبح الجميل ويشينه، أي أن انهيار جدار (حصن) الجمهورية التي ضمنت الحرية وحمت المواطن من الخوف والعقاب، أتاح المجال لتلمعَ شمسُ القهر والإذلال والاستعباد، والبلاغة كما اللغة والفكر سيخضعون مرة أخرى لمنطق القوة وصراع الأهواء ونزوات الطغاة، وتحولَ البليغ والخطيب من رجل حَسَنٍ يُحْسِنُ القول و(فن الكلام)، "un homme de bien qui sait parler"، إلى "موظفٍ"، كما نعت ميرلوبونتي (Merleau-Ponty) الفلاسفة بعد أفلاطون، أي بعد سقوط الجمهورية، وفي ظل الإمبراطورية، وصراع المصالح، وتغير موازين القوى (فقد نجا أرسطو من العقاب مصادقة)، هنا بالذات، يمكن الحديث عن الفكرة الأساس في كتاب الدكتور مصطفى الغرافي؛ "إسقاط الغرض العقدي الديني على الغرض الأدبي الجمالي"، أي تحكم الفكر والعقيدة الدينية أو السياسية أو الحزبية... في إنتاج "الخطاب/ Discours" وتدبيج "الكلام/ Parole" وتحسين وبناء "النص/ Texte"، وكلها مفاهيم تلتقي في بؤرة واحدة، وتأخذ معنى واحدا، فبعد نشوء المجتمع الإسلاميِّ وانتهاء عصر الخلفاء الراشدين: (السلف الصالح)، ظهرت ملامح جديدة لمجتمع إسلامي جديد، وقد تطلب الانتقال من نظام "خلافة الشورى" إلى "خلافة الوراثة" أي نظام "الدولة"، ظهور "الصراع" مجددا، في العالم الإسلامي، كما كانت الحال عليه في اليونان القديمة، قبل وبعد "الجمهورية" وفكرة "الديمقراطية"، بدأ الصراع حول الخلافة واحتد مع العباسيين، وتعدد الفرق الكلامية، لم يعد كلام العرب، واحدا وموحدا، في تفسير وشرح وتأويل المعنى، وتَحَوَّلَ المعنى الحرفي (الشرح المعجمي) إلى عائق أمام الوصول إلى المعنى الظاهر من القول (Speech)/ الخطابِ (Discours)/ النص (Text)(التفسير)، الذي أصبح بدوره عائقا أمام معنى المعنى الخفي والباطن من القول/ الخطاب/ النص (التأويل)، لذلك وجب التنبيه إلى هذه الفروق التي تبدو في كثير من الدراسات مترادفات لمعنى واحد، خاصة معنى "التأويل/ L’interprétation" الذي التبس مع سياقه في الدراسات الغربية الفكرية أو النفسية كـ"تأويل الأحلام؛ س. فرويد"، إذن، فقد لجأت الفرق الكلامية إلى الشرح الحرفي لظاهر القول (النص) في الآيات الكريمة دون الحاجة إلى استعمال العقل، لأن استعمال العقل يدعو إلى احتمال الشك، والنص المنقول صحيح لفظا ومعنى، أي لا احتمال فيه للظن، وإلا "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمَسِحِ من أعلاه"، وهذا مذهب أهل السنة، وبالتالي مذهب ومعتقد ابن قتيبة، وهو ما يأخذه على الجاحظ ومن ثمة باقي أتباع مذهب المعتزلة الذين لا يقبلون بكثير من "مسلمات السنة/ أهل النقل" إلا بعد عرض ظاهر القول–الذي يخالف البرهان- على العقل لسبر باطنه، وفي ذلك يقول ابن رشد معرفا التأويل:" ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة – من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز – من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عُدِّدت في تعريف أصناف الكلام المجازي."، وقد شجعهم على ذلك الطريق المسدود الذي وصل إليه سابقوهم من المشتغلين على العهدين القديم والجديد، كما بين ذلك الدكتور محمد مفتاح في قوله:" لعل بداية التأويل الأساسية المسجلة في الوثائق المتداولة بين الناس ما يجده الباحث لدى مؤولي العهدين. فقد عثروا على أمثال رأى بعضهم قبولها على ظاهرها، واقترح آخرون إعمال التأويل فيها لأن معناها الظاهري عبثي يتناقض مع أصول المعتقدات أو مع ظواهر الطبيعة. وبناء على هذا الخلاف فقد رصدت المؤلفات المهتمة بتاريخ التأويل واتجاهاته ثلاثة تيارات أساسية. هناك الاتجاه الحرفي الذي يمكن أن يتخذ نموذجا له (Mopsueste). فقد ناهض أوهام المدرسة التأويلية وتعلق بالمعنى الحرفي.وقد أدى به صنيعه هذا إلى الوقوع في تناقضات مع آيات أخرى، ولذلك وقعت مهاجمته بعد موته واتهم بالابتداع..." (ص:90). وهناك الاتجاه التوفيقي وتأويل التمثيل. وكان من اللازم اللازب وقوع الصراع بين مذهب أهل السنة الذين يمثلهم، كما ورد في كتاب "البلاغة والإيديولوجيا"، ابن قتيبة، ويمكن اعتبار طريقته في القراءة والشرح والتفسير والتأويل "حرفية" بحسب قول د. محمد مفتاح السابق، أما المعتزلة وهم أيضا "أصحاب العدل والتوحيد" كما كانوا يلقبون أنفسهم، "اما العدل فمن قولهم بحرية الإنسان توثيقا لعدالة الحساب، وأما التوحيد فمن تعطيل الصفات لإثبات انفراد الذات الإلهية بالأزلية." (ص:10)، في منطقة "التأويل"، والتأويل كما ورد في القرآن الكريم، وكما تحدثت عنه في "المتخيل المختلف"، محددٌ بالنَّصِّ وموقوفٌ على الله عز وجل، بدليل الآية "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله" (7. آل عمران). وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، أصحاب النقل. فالشرح مرتبط بالمعجم اللغوي والتفسير مرتبط بالتركيب والمعاني القريبة من أفهام الناس بحسب عصورهم وتجاربهم ومستويات الوعي لديهم، أما التأويل فيتعلق بالمعنى الباطن، المعنى الذي لا يدركه الناس العاديون، وبعض الأنبياء والرسل، كما في حادثة موسى والخضر، التي تؤكد على أن الإنسان لا يمكنه أن يفهم الحوادث التي لم يعلمها من قبل، ولا يستطيع عليها صبرا. والحق أن المقابل بين ابن قتيبة إمام أهل السنة والجاحظ إمام المعتزلة، من أجمل وأعمق ما في كتاب "البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة"، وهي مقابلة تبرز بجلاء معنى البلاغة في علاقتها بالإيديولوجيا كمصطلح جديد، على العربية، وأيضا إنتاج أنواع الخطاب، وأنواع النصوص وعلاقتها بمقاصد المُنْتِجِ (الكاتب الموضوعي والخطيب). فمسألة النقل والعقل، تمثل طرفي الوجود، الوجود بمعنى اللغة، لأن اللغة هي المظهر الأصل للإيديولوجيا، إيديولوجية الفرد وإيديولوجية المجتمع، "فالكلمة – يقول ميخائيل باختين- هي الظاهرة الإيديولوجية الأمثل." (ص؛ 23)، كما سنحدده أيضا، في قول الكاتب الدكتور مصطفى الغرافي تعليقا على قول الجاحظ أو اختياره وأتباعه مذهب الشك المتمثل بلاغيا في "الإقناع" عبر تبرير الشيء وضده، وهو بذلك، كمن يعود بالبلاغة إلى ميدانها الأصل في اليونان القديمة، أي ميدان المحاكمة، والخطيب المفوه البليغ من كان قادرا على الدفاع عن موقفه ورأيه في حال الصواب والخطأ، وفي حال الحق والباطل، وفي حال الحقيقة والزَّيْفِ، كما يؤكد العتَّابيَّ، وهو متكلم معتزلي، في تعريفه للبلاغة والخطيب البليغ:" كلُّ مَنْ أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حُبسةٍ، ولا استعانة فهو بليغٌ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة ويفوق كل خطيب فإظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق." (ص؛ 12).



[i]الغرافي، مصطفى؛ البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة. منشورات دار كنوز المعرفة. ط1. 2015م

me

Posté par motassim à 10:05 - Commentaires [0] - Permalien [#]


26 juillet 2017

جزء من دراستي في مفهوم القصة القصيرة عند الكاتب المغربي إدريس الخوري

محمد معتصم

 

دينامية القصة القصيرة

 

   1/ مفهوم القصة.

 

   المفهوم تصور ذهني كما تعرفه العلوم الحقة، وأساسها المنطق. والمفهوم انطلاقا من ذلك؛ تجريد لواقع أو لحالة والسمو بهما إلى مستوى كلي متجاوزا الجزئيات والمكونات الثانوية والدقيقة. ولأن المفهوم تجريد فإن تحديده يختلف من ناقد إلى آخر، ومن مبدع إلى آخر. أي أنه موسوم بالدينامية، لكن تبقى هناك نقاط عدة للتقاطع تحددها مستويات الإدراك وأنماط المعارف وكذلك الإنجاز الفعلي للقصة: أي حقيقتها على الورق بعد خروجها من التجريد إلى الفعل.

 

   إدريس الخوري أحد القصاصين المغاربة الذين أخلصوا لجنس القصة القصيرة، وحققوا تراكما مهما، دعا وزارة الثقافة والاتصال إلى جمع أعماله الكاملة في مجلدين، واستطاعوا من خلال تجربتهم مواكبة تحولات القصة القصيرة وهي تساير متغيرات الواقع ومتغيرات الذات الكاتبة، ومتغيرات الحياة (الساحة الثقافية) خصوصا خلال العقد السبعيني حين أصدر أولى مجاميعه القصصية "حزن في الرأس والقلب" سنة 1973م. ويتفق النقاد على أن العقد السبعيني كان المحور الأساس في تحول الوعي بالكتابة وخروجها من دائرة الاقتباس والتمثل والاتباع إلى دائرة التحليل والتشريح والكشف... والتركيز على العقد السبعيني مهم لأن رؤية إدريس الخوري للقصة القصيرة مرتبطة به، وبالأجواء التي ولدها، وما سيليها من عقود حتى الآن.

 

   مكونات المفهوم.

 

   يتحدد مفهوم القصة القصيرة لدى إدريس الخوري من خلال عدد من العناصر، هي:

 

   1.2/ الطفرة.

 

   يقول إدريس الخوري:" ... إن القصة، في حد ذاتها، لا تعدو أن تكون طفرة لواقع معين، رؤية، منفذا صغيرا للدخول إلى العالم ،،،". ص (9).

 

   إن ما دفع إدريس الخوري إلى تحديد هذا المفهوم كخاصية من خاصيات القصة القصيرة يتحدد انطلاقا من رؤيته الانتقادية والمتفحصة للمنتوج القصصي المجايل له والسابق عليه. فكيف كانت القصة قبل إدريس الخوري؟ لقد كانت قصة مندهشة وانفعالية، والمنطق الذي يحكمها منطق الانعكاس المباشر. وهي بذلك تتنافى وخصوصية القصة كرؤية لا تعكس الواقع بقدر ما تتفاعل معه كمعطى، وتحوله إلى مادة متخيلة، قابلة للتدوين والكتابة. هنا يكمن مفهوم الطفرة: إنه معاكسة الواقعة الحياتية في ماديتها، والطفرة مسافة فاصلة بين الواقع كمادة صلبة حقيقية عينية، وبين الكتابة (القصة) كتصور ورؤية ظنية ومتخيلة عن الواقع. والواسطة والرابطة بين المجالين، الكاتب كذات غير حيادية لكنها أيضا ليست شفافة إلى حد التمثل المثالي للوقائع. إنه وعي متقدم، وعي متجاوز لرؤية كتابية كانت ترى في الكتابة اتباعا (تقليدا) للمنجز السابق (الخبر، المقامة، المقالة… ) وللمنجز اللاحق والمجايل (العقد السبعيني)، انعكاسا آليا وتصويرا جافا للحياة ووقائعها. إن تحديد إدريس الخوري للطفرة كخصوصية كتابية وقصصية يضعه في الصفوف الأولى مع المبشرين بحداثة القصة والخروج بها من الأزمة والمأزق الذي سارت فيه مبتعدة عن ذاتها ككتابة ذات خصوصية وتميز. ووجهه المفهوم نحو الكشف عن العلاقة السليمة بين الواقع (الخارج) والقصة (الكتابة). وقد كان التباس العلاقة بين المعطيين قد دفع الكثيرين إلى التوقف أو إلى تكرار الواقع، وجفاف القصة من ماء الإبداع، ومن الإضافة والكشف والتشريح، ومن التغيير في الوعي والواقع معا.

 

   2.2/ الكذب.

 

   يتساءل إدريس الخوري في إطار مناقشة النقاد الذين تعرضوا لمجموعته القصصية الأولى، فيقول:" هل بإمكاني أن أدعي أم ما أكتبه كذب؟ شيء متخيل منزوع من الماضي والحاضر ومتخيل أيضا للمستقبل؟ ". (10.9).

 

   يكاد مفهوم الكذب أن يكون قدر الإبداع، خصوصا عندما ينظر إليه من منظور أخلاقي، وكأن المبدع الأديب عندما يجهر أنه لا يكتب عن نفسه بدقة، وبأنه لا يستطيع كتابة الواقع في شموليته فإنه يكون كاذبا فيما يقول. وبالتالي فلا طائل يُرْجى منه ويتحول مبدع الأدب إلى جهة المدافع لا عن الأدب، بل عن نفسه مبعدا عنه تهمة الكذب والادعاء الأخلاقيين. وفي مقابل ذلك عليه أن يجهر أمام الملأ بأنه صادق في كتاباته، وأن ما يكتبه واقع حقيقي، وأن ما يرويه عن نفسه وعن شخصياته حقيقة لا يأتيها الباطل ولا يتسرب إليها الشك. إنه ميثاق أبرمه القارئ والكاتب التقليديان مع الكتابة.

التداعي والمفارقة والتهكم

Posté par motassim à 12:26 - Commentaires [0] - Permalien [#]

22 juillet 2017

البنيات الدلالية في شعر مريد البرغوثي/1986م

 محمد معتصم

scan0006

استهلال

 

   تطرح علينا الكتابة اليوم أسئلة معرفية جادة شأنها في ذلك شأن المفاهيم الأخرى المتداولة، وهذه الأسئلة تستند إلى موقف، في نظري، يمتد بجذوره إلى آماد بعيدة مارس الإنسان فيها الكتابة بشكل بسيط جدا وما لبث أن تصاعد اهتمامه بها إلى أن بلغ بها موضعا من التعقيد والتجريد، مسايرا في ذلك تطور مراحل نشوء الكتابة وارتقائها. ونظرا لارتباط الكتابة بالمدينة من حيث كون المدينة تجمع سكاني لا يقوم على العصبية ولكنه يقوم على أمور أخرى تتمثل في العلاقات والتعاملات؛ وهي تعاملات إنسانية واجتماعية وعلاقات اقتصادية وفكرية وثقافية، نظرا لترابطهما العضوي والحميم تم تشاكلهما في الرقي والتطور.

 

   ما يهمنا في هذا الافتراض الذي تقوم عليه الدراسة الحالية لشعر مريد البرغوثي في قصيدة (عكا وهدير البحر)، الذي يهمنا أن الكتابة بنية موحدة أي أنها بنية لها مكوناتها الداخلية ، ثم هي تحتل موقعا هاما إلى جانب البنيات الفوقية التي تنظر للحياة الواقعية أو الفعلية الممارسة.

 

   وقد توجهت في هذه الدراسة نحو القراءة الداخلية للكتابة فحصرت من مكوناتها : النص واللغة والرؤية. ووزعتها عموديا وأفقيا. أما الجانب الأفقي فيضم المكونات المتفاعلة داخل بنية كبيرة هي؛ بنية الكتابة. وفي الجانب العمودي تستقل المكونات بذاتها فتتفاعل كقيم جمالية.

 

   يندرج في هذا السياق العام موضوع دراستي (البنيات الدلالية في شعر مريد البرغوثي). وهو ركن أساسي في ما وصلت إليه من أمر بنية الكتابة ويخص الرؤية أكثر من العناصر الباقية .وهو أساسي لأنه  تناول بالقراءة والتحليل نصا شعريا متميزا (قصيدة ، عكا وهدير البحر)، فاستخرج منه العناصر المكونة لبنية الكتابة الثلاثة:  النص واللغة والرؤية.

 

   فيما يخص المكون الأول فقد اتخذ طابعا شموليا في بداية الأمر فعدت القصيدة نصا أي أنها بنية شمولية. لكن في مرحلة التحليل اتسع المفهوم ليصبح (بنية التضاد). فدرست فيه بناء القصيدة الفني مركزا على المثيرات المباشرة.فتطرقت للتكرار بشكل عام فحددت قيمه الجمالية/الأسلوبية في موضوعة (المواجهة والصمود) وكذلك في (بنية الدياليكتيك وتشكيل المعنى العميق)؛ وهما يكونان الجزء الأول من بنية التضاد، على الأصح فهما البنية السطحية التي سيتبلور فيها عنصر اللغة. وتطرقت للمقطع على اعتبار أنه تكرار صوتي يأتي في آخر الأسطر. وتبين أنه لا يخضع لحركة واحدة وانما اكتفى بالاختلاف من قطعة إلى أخرى في القصيدة. وتنوع موضوع القطعة فجاء صادعا ومجلجلا في مواقف المواجهة معبرا عن الصدامية والمأساوية. يعني ذلك التعبير عن (فضاء القصيدة).وأشرت إلى علاقة الشعر بالغناء واعتبرت القصيدة (ملحمة) حين نظرت إليها من وجهة السرد ، واعتبرتها (مقطوعة غنائية) حين نظرت إليها من وجهة بنائها الفني . فكان تكرار الصوت والكلمة والجملة وأحيانا القطعة (المقطع)  إضافات تنمي الدلالة. كان التكرار دلالة على وجود وزن وإيقاع معينين خاصة أن القصيدة تنشد ليوم الأرض وعيدها الذي يحتفل به الفلسطينيون كامتداد لعادات أهل حوض البحر المتوسط، لكن الفلسطينيين يعطونه نكهة مغايرة لما كان عليه في السابق نظرا لاغتصاب أرضهم وحرياتهم وتشريدهم عن منازلهم.

 

   أما فيما يتعلق باللغة فقد تطرقت للتراكيب وضبطتها في جدول وأضفتها إلى آخر البنيات التي تقسم حسب القصيدة، وهو تقسيم يعتمد على الرؤية الباطنية للنص. واستعنت بالجدول حتى أبين خاصية التكرار ذات الملمح الطقوسي الذي ترتئيه الكتابات الملحمية الشعرية.

 

   لقد شملت الرؤية حيزا كبيرا في هذه الدراسة و من التحليل وكان ذلك نتيجة لطبيعة هذه الدراسة التي كتبت في العام 1986م، وقد جرى ماء كثير بينها وبين ما يحدث الآن على أرض الواقع إلاأننا نرى أن الكتابة الفلسطينية قد حافظت على بنياتها المستخلصة في هذه الدراسة لأننا أردنا لها أن تكون دراسة في الأساسيات لافي الأمور العرضية الزائلة والقارئ المتتبع للشعر الفلسطيني وكذا الرواية والقصة القصيرة  سيقف حتما على البنيات الدلالية التالية: بنية المواجهة والصمود في وجه العدو، وبنية التجاوز والتخطي التي تتضمن معنى المقاومة من أجل تخطي كل المعوقات الفكرية والسياسية والعسكرية والأدبية في آن واحد.وأخيرا بنية الإصرار والاستمرارية ، وطبعا لا نصر بدون استمرار في المواجهة والصمود.وقد تركت بعض القيم الجمالية والفنية حتى أحافظ للدراسة على وحدتها

Posté par motassim à 18:19 - Commentaires [0] - Permalien [#]

21 juillet 2017

جزء من دراسة موسعة في ثلاث روايات للكاتب المغربي عمر والقاضي ورواية للكاتب المغربي محمد صوف

 

 

محمد معتصم. من كتاب "الرؤية الفجائعية"

numérisation0017

الواقعية والرؤية الفجائعية.

 

   1/ تقديم:

   1.1/ تتمثل واقعية الرواية في محاولة الاقتراب من الواقع المعيش (الحاضر)، أو من الواقع المنصرم (الوقائع التاريخية)، أو من الحقائق العلمية (العالم والفضاء الخارجي)، أو أنها كما يقول عنها موباسان " الإيهام بالواقع". وفي كل ذلك اعتراف ضمني وصريح في آن بأن واقعية حرفيةً غير ممكنة لاعتبارات عدة:

        ·الواقع المادي يختلف عن الواقع المتخيل.

        ·الواقع المتخيل عبارة عن صورة ذهنية للواقع الحقيقي.

        ·الواقع المادي كل لا يتجزأ والواقع المتخيل أجزاء متراصة في صورة فسيفساء.

        ·الواقع مادي ملموس والواقع الإبداعي لغة وصور وأصوات.

 

   2.1/ فهل الواقعية بهذا المعنى غير ممكنة، أو أنها غير موجودة، وما هو موجود ليس إلا (اللاواقعية)؟

   والجواب على هذا الإشكال الأدبي يجد ضالته في تحديد اللاواقعية في نظرية الأدب، وفي الاقتراح السليم للمعنى الأدبي (للواقعية). فالواقعية في الأدب الحديث ليست المحاكاة الصرف للواقع، لأن الواقع له خصوصياته التي لا تلائم تماما اللغة الأدبية والكتابة. ولا تستطيع قنوات التحويل أن تبقى على كل ما هو مادي صلب إبقاء تاماً وسليما. لذلك فالواقعية الأدبية واقعية ممكنة، واقعية الممكن رصده وتحويله إلى متخيل بواسطة الوصف، والتحيين الزماني والمكاني، وباستخدام القرائن والمعينات؛ كالإشارة للأشخاص والأشياء والأمكنة، أو التواريخ العددية للأيام والشهور والسنوات والقرون. والتعليق المستند إلى معطيات خارجية (المرجع التاريخي والسياسي مثلا)، أو الخطابات التمهيدية والمقدماتية التي يشهد فيها الكاتب بأنه ينقل إلى القراء الحقيقة و لا شيء غير الحقيقة، والعتبات التي تقرن العمل الأدبي الإبداعي بحدث اجتماعي أو شخصية عامة؛ سياسية أو ثقافية أو نقابية أو اجتماعية،،،. كما أن الواقعية في الإبداع تستند كثيرا إلى الشخصية الأدبية لأنها تستجيب للوصف الخارجي والداخلي ولتحديد الأوضاع الاجتماعية وأنماط الأوعاء وتتصارع وتتجادل داخل العمل. وبذلك تكون أكثر إيهاما بالواقعية والحياة. وأنها تحمل أسماء وقدرةً على الكلام؛ كالتدخل والتعليق والرفض والحجاج. لكن أهم ما تركز عليه الواقعية هو الجانب النفسي، المشاعر والعواطف. لأنه يستجيب للغة وينساب عبر قنوات التخييل. وبذلك يخلق الكاتب فجوات داخل النص عبر الأحلام والاستيهامات وشلال الأفكار الغزيرة والشعور بالتذمر أو اليأس والحزن الشديد وحالات الاكتئاب، حيث تنجلي الرؤية الفجائعية في أقتم مظاهرها. واللغة؛ أي زمانيتها (سيرورتها) التي هي خاصيتها الأساس، تستجيب بقوة لمثل هذه التدفقات، والسرد كخاصية خطابية يستجيب بدوره إلى هذا التدفق.

   فالواقعية الممكنة تراهن على القارئ الذي لا يسأل عن أصول الأشياء ويسلم بالوقائع ويتتبع خيط الحكاية مستلذا مستمتعا بالنقلات التي يحدثها الخطاب الإبداعي في ذهنه وآثارها على مشاعره.

   3.1/ ليست اللاواقعية هي عدم القدرة على نقل الواقع حسب المرجعيات الاجتماعية والتاريخية والثقافية والسياسية والنفسانية بل اللاواقعية في النقد الأدبي هي اختيار المبدع عالم الخوارق الذي لا يستند إلى الحقائق العلمية والعملية بل يكون سابقا عليها كما في الخيال العلمي مثلا، أو بعيدا عنها ومناقضا لها كما في الحكايات الشفهية الشعبية أو في الحكايات المصورة للأطفال. واللاواقعية بهذا المعنى لها تقنياتها الكتابية ولها غاياتها الأدبية وآثارها على القارئ في آن.

   4.1/ في هذه الدراسة المركبة ستتجلى للقارئ من خلال ثلاث روايات متفاوتة، درجات ومستويات الواقعية في الأدب، كما ستتجلى الرؤية الفجائعية بمستويات مختلفة؛ نجد الروائي المغربي (عمر والقاضي) مهموما بالقضايا الاجتماعية والحقوقية والسياسية لمغرب حديث ناهض يريد قطع كل صلة مع الماضي المظلم. ونجد الروائي المغربي (محمد عز الدين التازي) وقد ركز على آثار حرب الخليج الثانية على الثقافة والمثقف حيث سيقع في شبه غيبوبة أو يدخل في مغارة مظلمة ومنزويا منعزلا عن العالم يعاني وحدته القاتلة. ونجد الروائي المغربي (محمد صوف) وقد اتخذ من العلاقات العاطفية موضوعا موفقا للتعبير عن التحلل والفشل السياسي والاجتماعي والقيمي. إنها نماذج سردية متفاوتة من حيث القيمة والأساليب التعبيرية الفنية لكنها تبرز عزلة الذات في العالم الجديد المنفتح على التيه.

   في هذه الدراسة سنحافظ لكل رواية على استقلالها مع بعض الإحالات والإشارات. والروايات المدروسة هي:

  1.       1.        رائحة الزمن الميت لعمر والقاضي(1).
  2.       2.        ضحكة زرقاء لمحمد عز الدين التازي(2).
  3.       3.        دعها تسير لمحمد صوف(3).

 

  

 

 

 

2/ المأساة والواقعية:

   1.2/ تشهد الرواية المغربية تنوعا على مستوى الخطابات وتكاد تجمع حول موضوع الواقعية والمباشرة؛ أي أنها تطرح باستمرار سؤال صياغة الواقع. هل الرواية كتابة مباشرة لما يحدث في الواقع من قضايا وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية ؟ هل الرواية كتابة استعارية تستعير من الواقع مادتها وتعمد إلى تشكيلها وفق تصور نظري ورؤى تخييلية ؟

   بالرغم إشكالية الكتابة التجريبية وبعدها عن الهم الواقعي وقضايا الناس في المجتمع إلا أننا نراها-الرواية المغربية والعربية-لم تستطع في وقتنا الراهن الفكاك من قبضتي الواقعية، وليست التجريبية إلا محاولة لرؤية الواقع من زاوية الأدب المحض؛ أي من خلال الخطاب.

Posté par motassim à 18:51 - Commentaires [0] - Permalien [#]

19 juillet 2017

مقالة في إبداع المرحوم محمد زفزاف

محمد معتصم

محمد زفزاف وروح الإبداع

 

تميز العصر الحديث في الأدب المغربي، خاصة بعد الاستقلال، بروح المبادروحماسة المساهمة في بناء صورة ثقافية جديدة تساير روح المغرب الجديد وقد تخلص من قيد الحماية الفرنسية وتبعاتها، كما أن كتاب المرحلة كانوا عقدوا العزم على تجاوز مرحلة التقليد والاقتباس، لما شعروا به في داخلهم من شعلة متوقدة نحو آفاق جديدة لمغرب جديد.

محمد زفزاف واحد من كوكبة الكتاب المبدعين الذين وسموا المرحلة وساهموا في إعطاء الأدب المغربي روحا جديدا، انتقل فيه الأدب عامة والسرد خاصة إلى ما يمكن تسميته بمغربة الأدب، وهي مرحلة ترتبط بفترة تأصيل الأدب المغربي. لقد اختار الكتاب المغاربة والكاتبات كذلك هدفا واحدا لكن بطرائق مختلفة، نظرا للتنوع الثقافي المغربي، واختلاف الرؤى الفنية والجمالية؛ لقد اختارت جماعة نهج تطوير الأدب انطلاقا من فكرة الامتداد وتطوير وتطويع الموروث السردي والشعري العربي المشترك، في الوقت الذي اختار فيه جماعة أخرى مسايرة ما استجد في الساحة العالمية والفرنسية تحديدا، إبان انفتاح النقد الأدبي والفكري على المووث الشكلاني الروسي، وظهور النزعة التجريبية والعلمية للأدب، فاجتهد الكتاب كل بحسب فهمه وإدراكه لأبعاد التجربة.

وقد اختار محمد زفزاف المسار الثالث مع المجموعة الثالثة التي أثرت الساحة الثقافية والفكرية، ومن أهم معالمها:

1.التوجه بالأدب نحو المجتمع الجديد.

2.الوقوف عند الظواهر الاجتماعية الطارئة.

3.خيبة الأحلام واتساع الفوارق الاجتماعية.

4.ظهور أدب الأحياء الخلفية.

5. ظهور شعرية اليومي والتفاصيل الهامشية...

لقد تميز الكاتب محمد زفزاف ضمن هذه المجموعة بخصائص فكرية وأسلوبية يمكن أن نجمل بعضها كذلك في الآتي:

1.الحساسية اللغوية: لقد استطاع محمد زفزاف الجمع بين الأفق التنظيري والممارسة الكتابية، أي أنه مارس الكتابة بوعي نظري، كان سائدا في تلك الفترة عالميا، وهو الفكر الذي أنتجته الحرب العالمية، والذي عرف بالوجودية والتزام الأدب، وهي طبعا معادلة صعبة التحقق؛ كيف تبدع فنا جميلا من خلال الاشتغال على موضوعات هامشية أو قضايا اجتماعية لفئات محرومة وكل همها تدبير يومها لأجل البقاء على قيد الحياة. والصعوبة تكمن في محتوى مفهوم الأب عامة والفن خاصة. ومشتركهما "الجمال". وبالفعل استطاع محمد زفزاف بقدراته الإبداعية وحساسيته الجمالية واللغوية تحقيق المعادلة. فجعل من القبيح جمالا ومن الهامشي مركزا.وحول فكرة "النقاء" من مستوى المثالية الأستقاطية إلى مستوى الموضوعية الواقعية، وهو ما عرفته بالأدب المختلف الذي وقف بعد تساقط الأحلام والأقنعة في وجه الأدب "الرفيع" الذي يترفع عن الواقع وقضاياه اليومية. لذلك كان من اللازم تأثر اللغة السردية بهذا التحول فجاءت لغة السرد عند محمد زفزاف وسطية تمتاح من الفصيح والعامي، خاصة الألفاظ والأساليب (التراكيب) الفصيحة المصحفة سواء بالحذف أو القلب في حوفها لتوافق الموضوعات التي تعالجها وتناسب مسويات إدراك الشخوص الواقعية والشخصيات المتخيلة في القصة والرواية.

2.مغربة السرد: لقد انتقل محمد زفزاف (والتيار الذي صاحبه) بالأدب من الالتباس في الهوية إلى الأدب المغربي المحلي، ومن مظاهر المحلية المغربية التوظيف السليم (الأسلبة) للألفاظ العامية المغربية والأمثال السائرة والحوارات التي تجعل من الفصيح عاميا ومن العامي فصيحا (اللغة التواصلية الوسطى) وهو ما جعل الحدس اللغوي عند محمد زفزاف مقتربا من معنى "التداولية" وهو كذلك من ميز اللغة السردية عنده عند الجمع بين وظيفتي الوصف الخارجي للأشياء والشخصيات والوقائع والتعبير الوظيفي الذي ينتج متخيلا جديدا يتناسب الموضوعات والقضايا المطوقة في القصص كما في الروايات.

ومن أهم الملامح الدالة على مغبة السرد من سلف ووقفت عنده في قصة "السابع" التي وثق فيها محمد زفزاف لعادة انقرضت من عادات الاحتفال عند المغاربة والمعروفة باسمى "جوقة العميان"، وكان الرجل يأتي بهم عى تلك الصفة حتى لا تحرج النساء من المرح والرقص، وفلا حرج على الأعمى،وهنا تأتي الميزة الأسلوبية في كتابات محمد زفزاف؛ المفارقة والسخرية. وهذه القصة من أمتع وأجمل القصص التي قرأتها في القصة المغربية، والسخرية والمفارقة ظاهرة بلاغية تتفرع عنها كثير من المستويات بلاغية أخرى وعلى رأسها "الباروديا" أو المفارقة الساخرة.

في هذه القصة ذكر وتوثيق للعادات المغربية في الاحتفال وتأكيد على النميمة ومماحكات النساء والضرائر والتنابز في الأوصاف بين أهل المدن والقرويين والوافدين إليها بحثا عن الرزق والعمل والاستقرار.

3.العمق الفلسفي: لم ينخدع محمد زفزاف بالكليشيهات التي رافقت كتاباته، ولم يقبل أن تكون كتاباته مجرد وصف لوقائع حياة عادية لفئات اجتماعية تميزت بالهشاشة وقضت عمرها في صراع من أجل التكاثر ولقمة العيش، ولم ينجرف نحو الأي الذي جعل من كتاباته كتابة جنسية (بورنوغرافية) يقرأها المراهقون في الخفاء. لقد وعى محمد زفزاف قدراته الإبداعية وصنع لنفسه عالما متخيلا وجماليا عبرهنقل تصوه للحياة وللأدب كما ينبغي أن يكون عليه في حينه أو على الأقل تيارا من تيارات الأدب المعاصر الاجتماعي، فلا يعدم القارئ النبيه أو الباحث والناقد العثور على نماذج من الأفكا والمقولات الفلسفية والفكرية المتمحورة حول تجربته الشخصية التي استوحاها من الحياة أو تشكلت فو الكتابة والعثو كذلك على أفكار وجودية تعمق السؤال حول الوجود والكينونة وسؤال الذات وسؤال الموت وحقيقة البعث وهذا الملمح الفكري والفلسفي من بين أهم ما جعل كتابات محمد زفزاف تخترق حدود المغرب لتجد صدى طيبا في العالم العربي وحتى في بلدان غربية.

4.النوفيلا أو الرواية القصيرة: لن أفوت الفرصة هنا للحديث عن ملمح مائز كذلك للكاتب المرحوم المغربي محمد زفزاف وهو في عمومه يجيب عن إشكال معرفي ونقدي: حول كم العمل الروائي. لقد اختار محمد زفزاف كتابة الرواية القصيرة "النوفيلا الإيطالية" التي تراوح في عدد كلماتها ما بين 10000 و20000 كلمة وهي مساحة كافية لبناء عالم متخيل متكامل، يتضمن كل مكونات السرد الروائي، والسر في ذلك متعلق بثقافة وخبرة الكاتب وموهبته.         

  

MZafzaf

Posté par motassim à 10:00 - Commentaires [0] - Permalien [#]


18 juillet 2017

السجال الثقافي في رواية "من يبكي النوارس؟" للمغربية زهرة المنصوري. من كتابي "مكون الشخصية الروائية"

محمد معتصم

 

 

مكون الشخصية الروائية

السجال الثقافي في رواية "من يبكي النوارس؟"

 

 

1/ من الفرد إلى الجماعة:

في رواية أسمهان الزعيم "ما قيل همسا" توصلنا على طرح أسئلة حول الرواية النسائية المغربية المعاصرة، من حيث جرأتها على اقتحام الموضوعات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي يمور بها الواقع الحالي. ورأينا كيف أنها – الرواية النسائية المغربية – تحاول الابتعاد عن الهموم الشخصية والذاتية بالانفتاح على القضايا العربية والدولية. وما يمثل هذه الطفرة بصورة جيدة وموسعة رواية "من يبكي النوارس ؟" للروائية المغربية زهرة المنصوري الحائزة على جائزة المغرب للكتاب، صنف الإبداع للعام 2006م عن روايتها "البوار". والروايتان معا صدرتا على نفقة الكاتبة وفي السنة ذاتها.

 

تمتاز الرواية بحجمها الذي يفوق الثلاثمائة صفحة. مرة أخرى يكون الحجم لافتا للانتباه مقارنة بين الروايات النسائية المغربية السابقة. وهو ما يعطي الانطباع الأولي باختيار المرأة الكتابة في جنس الرواية لأنه الأقدر على احتواء المقول الروائي، ولأنه القادر على خلق المساحة الممكنة للسجال والحجاج. وهذه ميزة لافتة أيضا في رواية "من يبكي النوارس؟". أي أنها رواية سجال وحجاج. وهو ما يبرر العنوان الذي اخترته مدخلا لدراسة الرواية.

 

لقد اتهمت الرواية النسائية المغربية وغير المغربية بالذاتية والاهتمام بقضايا شخصية وذاتية، لكن رواية زهرة المنصوري تأتي لتبين، كما فعلت خناثة بنونة منذ روايتها الأولى "النار والاختيار"، أن المرأة المغربية المعاصرة لا تختلف في المواطنة عن الرجل، وبالتالي فهي قادرة على الاهتمام بالقضايا الكبرى الوطنية والقومية والدولية، وقادرة على الإسهام في النقاش العام واقتراح الحلول الممكنة وإبداء الرأي سواء أكان ذلك في صيغة المقال السياسي أو الإبداع الأدبي.

 

وتبدو الذاتية أو الانشغال بالقضايا والهموم الفردية، على الرغم من أهميتها، خافتة في رواية "من يبكي النوارس؟" وتبرز عكس ذلك الهموم الوطنية والقومية والدولية. وهذه أول رواية نسائية مغربية تتطرق لقضايا جد حساسة في وقت واحد، وتعد من قضايا المرحلة التي ما تزال طور النقاش والمداولة، وهي:

 

  • فكرة التعايش والتسامح، وهي فكرة انفرد بها المجال الفكري والسياسي والمقال الصحافي.
  • أحداث 11 سبتمبر بنيويورك، وآثارها على العالمين الغربي والعربي الإسلامي.
  • فكرة الوحدة بين الشعوب العربية.
  • فكرة الدفاع عن الأوطان ضد الهجمات التي تقلل من دورها الثقافي والحضاري اليوم.
  • تعرية الفكر الفلكلوري الذي يغازل الغرب على حساب الوطنية والعروبة.
  • مكانة التقاليد والعادات في النفس البشرية والسلوك الإنساني.
  • كيف يمكن تذويب الفوارق الاجتماعية والثقافية والحضارية بين الشعوب والأمم؟

 

لذلك تتأسس الرواية على فكرة الجماعة بدلا من فكرة الفرد. وهذا ما ستبينه القصة المحورية، وميثاق الشرف الذي ستعلن عنه الجماعة في لقائها الجماعي بعد تعافي جسيكا دو بوا من مرضها، في مفتتح الرواية (الفصل الأول).

 

فالرواية النسائية العربية المعاصرة كما بينا في الكتابين السابقين لا تقوم فقط على البكائية وعلى الهموم الشخصية، بل تقوم على فكرة الانخراط الفاعل والجاد في البحث عن الحلول للقضايا الكبرى التي تتخبط في حبالها الأمة. وهي البداية التي انطلقت منها الرواية المغربية المعاصرة مع الكاتبة المغربية خناثة بنونة كما أسلفنا في رواية "النار والاختيار". ومن هنا ينبغي دراسة الرواية المغربية دراسة علمية ومنصفة في آن. دراسة لا تقوم على التمييز الجنسي، ولا تستند على الكليشيهات (الصور الثابتة) في الأذهان التي تروم شيئا واحدا هو التقليل من إسهام المرأة المغربية في التنوير والتوعية والتنمية والخلف الجمالي.

 

وهذه الخلاصة تبين أن المرأة المغربية والعربية أيضا قادرة على أن تحلل الوضع بعين حادة مستوعبة لكل ما يجري في الواقع، وبعين مستشرفة تستشعر الآتي وتخوض فيه. وهذه الرواية لزهرة المنصوري " من يبكي النوارس؟" دليلنا على ذلك.  

 

 

2/ العتبات النصية:

لقد بينا في الفصل السابق كيف اهتمت أسمهان الزعيم بالعتبات النصية (المتعاليات النصية)، بل أضافت إليها من عندها ما يميزها عن كاتبات وكتاب آخرين. والأهم أن العتبات النصية كانت تشتغل في وفاق مع مضمون الرواية، تحيل عليه، وتلخص محتواه وفكرته في آن. لكن رواية زهرة المنصوري تبدو غير معتمة بالقدر ذاته بالعتبات النصية، فجاءت مختزلة عندما اكتفت بالرسم الكاليغرافي الموحد على امتداد الرواية، وعندما جاء العنوان في صيغة السؤال عن العاقل بدلا من غير العاقل، وجاء الإهداء مختصرا. لكن أرضية الغلاف الأول وصورته كانا موحيين وقويين، وأكثر دلالة على محتوى الرواية وفكرتها الجوهرية. وسنقوم بقراءة في هذه العتبات محاولين استخراج دلالاتها التي تضيء النص الروائي، وتحدد أبعاده الفكرية والمعرفية.

 

1.2/ العنوان:

اختارت الكاتبة زهرة المنصوري العنوان التالي لروايتها :" من يبكي النوارس؟"، وهو سؤال عن العاقل. أي أن شخصا ما قام بفعل جعل النوارس تبكي. ولفظ النوارس غير واضح تماما ولا موح بمحتوى النص الروائي، سوى إذا اعتبرنا، وهذا هو المعنى القائم والمتداول، النوارس كناية على المهاجرين المغاربة والعرب، البعيدين عن أوطانهم، والمكتوين بصقيع الغربة والوحدة.

 

في المعجم العربي الأساسي، نجد شرح النورس (ن و ر س)، مقتضبا كالتالي: " طير من مجموعة النوارس ريشه رمادي فاتح من أعلى وأبيض ناصع من أسفل." العمود (2)، الصفحة (1241). لكن في المعجم الموسوعي الفرنسي لهاشيت ( Hachette) نجد بعض الإضافة كالتالي:" طائر كبير يعيش في البحار..." العمود (3)، الصفحة (40). وقد تغنى الشاعر الفرنسي شار بودلير بالنورس "الطائر البحري" الذي يكون سيدا في الفضاء، لكنه يصبح مثيرا للسخرية على الأرض. وهو ما حدث لشخصيات الرواية؛ تحمل في داخلها مجدا تليدا وثقافيا وحضاريا، لكنها في الواقع، واقع الغربة والعزلة تصبح هدفا سهلا يصطاده الآخر ويوقع به (مروان الصحافي نموذجا). وتغنى به الشاعر العربي والفلسطيني خصوصا، لأنه رأى فيه بعضا من وضعيته. كما وظفته شخصيا في ديوان شعري " كتاب السفر" صدر تباعا على صفحات جريدة البيان المغربية بداية التسعينيات بالحمولة ذاتها، أي الغربة والوحدة والعزلة على شواطئ البحار. (علميا هناك اختلاف بين أنواع عديدة من النوارس من حيث حجمها ونسلها).

 

من خلال هذه الدلالة يمكن اعتبار العنوان مرتبطا بمحتوى النص الروائي، ويتساءل عن السباب التي جعلت الأحداث في الرواية تنحدر نحو المأساة، ونحو الفاجعة: قتل شخصية الصحافي مروان الذي عاد متذمرا منهارا مما شاهده خلال تغطيته أحداث الحرب على أفغانستان والمأساة الإنسانية هنالك. هروب نجوى إلى صديقتها لمياء بسويسرا لإنجاب ابنتها بعيدا عن جماعة الأصدقاء، وعن الأب الذي تنكر لهوية نجوى خوفا من والده. انعزال كرستفر عن الأصدقاء بعد اختفاء نجوى ودخوله في حال من اليأس والعزلة...لكن رغم كل ذلك فالرواية لا تنتهي نهاية مأساوية بل تركت الكاتبة الباب مواربا أمام فسحة الأمل من خلال تراجع ميسون رامي عن نشر كتابها المسيء للعرب والمسلمين، واختيار لمياء تبني مولودة (براء) نجوى في حال وفاتها بعد الإنجاب وتعقيد مضاعفاته، واختيار لمياء إخبار الأصدقاء وكرستفر بما حدث وسيحدث لنجوى؛ الشخصية المحورية في القصة المركزية الكبرى.

 

فالنوارس إذا هي تلك الذوات المهاجرة بعيدا عن أوطانها، وتعاني الغربة والعزلة والوحدة، وعليها في الآن ذاته الدفاع عن أوطانها وعن ثقافتها وحضارتها، كما عليها التصدي لصقيع الغربة والوحدة والعزلة في المهجر.

Posté par motassim à 11:42 - Commentaires [0] - Permalien [#]

17 juillet 2017

من كتابي "المرأة والسرد". دار الثقافة. الدار البيضاء-المغرب. 2004م

محمد معتصم

 

السرد والكتابة النسائية

numérisation0010

 

  1/ تقديم:

 

   يتوزع هذا المدخل محوران: الأول أطرح فيه مجموعة من القضايا الخاصة بالكتابة وبالكتابة الإبداعية لدى المرأة؛ وظائفها، وصيغها، ومغايرتها. والثاني محاولة لقراءة الإبداع النسائي من خلال كاتبة مغربية رائدة في الكتابة السردية (قصة قصيرة، ورواية)، أقصد خناتة بنونة إلى جانب نساء مغربيات توقفن عن الكتابة لأسباب لا نعرف حقيقتها كالكاتبة مليكة الفاسي (المرأة الوحيدة الموقعة على وثيقة الاستقلال)، وآمنة اللوه، ورفيقة الطبيعة.

 

   2/ الكتابة والكتابة النسائية المغربية.

 

   لعل التفكير في وضع حد موضوعي ونهائي للكتابة في ظل متغيرات الوضع الحالي، يبدو ضربا من الخيال، ونوعا من المستحيل. إذ كيف يمكن الإمساك بالمتعدد اللامتجانس وحصره ضمن الواحد المنفرد المنسجم. وأقصد المفهوم والمصطلح.

 

   بهذا السبب أفسر الاختلافات الكبيرة والكثيرة في تحديد مصطلح الكتابة عند العديد من الكتاب. لكن ما لا يمكن الإمساك بجوهره يمكن إدراكه من خلال مظاهره وتجلياته. والكتابة تنتمي لهذه الكائنات المتغيرة والمختلفة. والكتابة تنتمي لهذه الكائنات التي تبدو بدون جوهر أو حقيقة باطنية ومجردة. بل هي كائن جوهره في عرضه. مثلها في ذلك مثل الإنسان. الكائن الذي تجهل حقيقته وتدرك فقط تجلياته عبر العصور: أفعاله وأقواله. أفعاله التي غيرت المحيط وسيطر بها على قواه وكوارثه. وأقواله التي غيرت الوعي وحولت كل الماديات إلى مجردات. وحولت كل "الكليات" إلى "جزئيات" حتى يتسنى للجميع، على اختلاف إرادتهم وأوعائهم، فهمَ ما يجري على البسيطة. وحتى تجعل من الإنسان سيدا.

 

   والكتابة قضية شائكة. مثلها في ذلك مثل المرأة العربية. لا يمكن إدراك جوهرها الباطن إلا من خلال تجلياتها ومظاهرها السلوكية.

 

   وهذا ما ينبغي أن تضطلع به المرأة المعاصرة. وهذا ما يجب تجذيره في كتاباتها بوعي. وهذا أيضا ما يبحث عنه القارئ والناقد في الكتابة النسائية على اختلافها وتنوعها.

 

   وإذا كان التعبير التالي:" كتابة نسائية" يثير الكثير من القضايا، من مثل: هل هناك معايير خاصة، نقدية تميز في الكتابة بين ما هو نسائي وبين ما هو رجالي؟ هل نطلق هذا التعبير على كل كتابة صارة عن امرأة كاتبة؟ ألا يمكن اعتبار بعض كتابات الرجال كتابة نسائية، لما تركز عليه من أدوار وظيفية هامة للمرأة؟ سواء أ كانت المرأة شخصية محورية أم شخصية ثانوية وهامشية..

 

   أقول، إذا كان هذا التعبير "الكتابة النسائية" يحتاج في حد ذاته إلى تحديد حتى يصبح إجرائيا، فإنني أرجح إرساله على كل أنماط الكتابة الصادرة عن المرأة سلوكا فاعلا أو منفعلا أو متفاعلا. وذلك من خلال الكتابة النقدية والإبداعية أو الاجتماعية والحقوقية ... إلى آخره.

 

   يتوزع الكتابة النسائية ثلاثة محاور عامة نصنفها كالتالي:

 

   الكتابة كإقرار بوضع قائم.

 

   يندرج في هذا المحور كل الكتابات التي اعتمدت على الدراسة والبحث الميدانيين اعتمادا على (في تحليلاتها ومقارناتها ومقارباتها) الدرس السوسيولوجي، والدرس النفساني أو التحليل النفسي. وهي دراسات مفيدة ومهمة تحاول أن تنقل بصدق الوضعية العامة للمرأة. ونشيد هنا بمجموعة من الفعاليات النسائية والذكورية المغربية خاضت في مياه مائجة ورياض بكر من العوالم المنسية في تاريخ الكتابة والفكر. وهي كتابات غالبيتها باللغة الفرنسية.

 

   الكتابة كتخطيب لوعي قائم ومظاهر سائدة.

 

   هنا نخوض في نمط آخر من الكتابات. كتابة ترى في التفكير والبوح النسائيين خطرا. بل يمكن أن نطلق على ذلك بالقياس والتشبيه اسم ومعنى "العورة". فالمرأة إذا باحت بتفكيرها وبما يزخر به مكنونها من أماني وهواجس ورغبات وتذمر وإحباط ... تكون قد كشفت عما لا يمكن الكشف عنه. وهذا الفعل إباحية مرفوضة.

 

   وفي هذا المحور ندرجُ نمطا آخر من الكتابات، وإن بدا مناقضا للأول في ظاهره، ففي عمقه وقصده، يبدو مماثلا له. لأنهما معا ينظران إلى المرأة كمعطي أنثوي. الأول؛ أي الكتابة التي تحظر على المرأة البوح بأنوثتها وإبرازها وتحبذ كتمانها وإقبارها وقمعها. وتأمرها بالعودة إلى حظيرة الحريم.

 

   الثاني؛ الكتابة التي تغيب المرأة ككينونة اجتماعية. وتجهر، عكس الأولى، بمظاهرها ومفاتنها. والتركيز عليها كسلطة قاهرة. يمكن بها إخضاع الآخر: الرجل. وهذا النوع من الخطابات ساد في بدايات التاريخ عندما استيقظ في ذهن الرجل ما قام به من إقصاء للمرأة وعزلها عن أدوارها. فمنحها سلطة الجسد. ومنحها إمكانية الخروج به من شيْئِيَّتِهِ وجموده إلى الحيوية والدينامية. ولا ننكر أن الجسد قد اكتسب ذاكرته الخاصة على مدى سنين طويلة. وهذه الذاكرة هي التي تستغلها الكتابات التخطيبية ضمن لغة جديدة في الإشهار التجاري، والملصقات الإعلانية والإخبارية، والمجلات النسائية التي ترقص على محوري الفحولة والأنوثة.

 

   3/ الكتابة كإنتاج وعي مغاير.

 

   في هذا المحور يتركز اهتمامنا. لأن أي وعي مغاير ومختلف ينطلق من معطيات سابقة، هي ذاتها المتحدث عنها في المحورين السالفين. فيقوض بنيتهما ويستخلص ما يمده بالاستمرار وقوة الإبداع والخلق.

 

   إلا أن السؤال المفترض طرحه الآن هو، هل هذا النوع من الكتابة وجد سبيله وعمَّقها بين سبيلي النمطين السالفين؟

 

   لا شك أن بعض الدراسات المستقبلية حفرت في هذا الاتجاه. فأوضحت تصورها الدقيق والمحدد لوضعيات المرأة. داخل السياق الثقافي وداخل التركيبة المجتمعية. لأنهما المجرى الشرعي لسلوك المرأة: أقوالها وأفعالها.

 

   لكن يبقى الإبداع أكثر قدرة على ارتياد المناطق البكر والخوض في مجاهل عديدة نفسانية ومعرفية. أي أنماط العلاقات الداخلية، من مشاعر وأحاسيس وهواجس.

 

   وفي هذا المجال هناك خصوصيات العمل التي تحدد بدورها مواقف المرأة من ذاتها وتصوراتها لوظائفها. ففي مجال الشعر يتصاعد صوت البوح حينا يعلن عن التذمر والاندحار عندما تختنق الذات وتحاصرها هموم الداخل والخارج. وحينا يعلن الارتياح والتواطؤ والاستكانة. وهو صوت يعبر بطريقة عكسية عن تخاذل الذات والموضوع، وعدم التواصل بينهما. وهو الذي يصلح تسميته هنا ب "الاستلاب". وحينا يصعد الصوت متفائلا مزهوا بذاته.

 

   يبدو أن قضية المرأة قضية استيطان. فكيف للمرأة تحرير ذاتها واستخلاص كينونتها الحق؟ هل بتدخل الآخر؟ هل بالجلوس معه على مائدة المفاوضات؟ هل تقبل بأنصاف الحلول؟ إذا كيف تستطيع المرأة أن تحرر جسدها من الميول التي ترسبت به منذ أزمنة غابرة؟ كيف تشذب الروح وتقلمها؟ هل يجب قتل الأنثوي بالضرورة؟

 

   وهذا السؤال يبدو مركزيا في إبداع قاصة وروائية مغربية، هي: خناثة بنونة.

 

   في مجموعتها القصصية "الكتابة خارج النص" تميز بين امرأتين:

 

        · امرأة بقضية.

        · امرأة بدون قضية.

 

   وتميل القاصة إلى النمط الأول وتتعاطف معه. أي المرأة ذات القضية التي تناضل على الواجهة السياسية وتتصرف وفق تصورات جميعها تتحرك نحو التغيير. وكأن الصراع خارج الدائرة السياسية لا يمكنه أن يؤدي بالمرأة إلى التحرر من المكبوتات التاريخية التي تسيجها وتكبل فعلها. والقاصة تنطلق من مرحلة دقيقة في المغرب.

 

   وفي هذا الباب نجد تصورا مختلفا تماما عند الروائية الفلسطينية "سحر خليفة" التي تجعل من العمل الاجتماعي واجهة أساسية للنضال من أجل التحرر. لأن القضايا السياسية ونظرا لعمومياتها وشموليتها تجعل من القضايا الخاصة محورا ثانويا. فالذي يجب على المرأة القيام به هو تفكيك وعي وتقويض بنية نفسانية وفكرية ومعرفية وسلوكية متجذرة في لا وعي المرأة وأطراف الصراع الأخرى: الرجل، والذات، والمؤسسة الاجتماعية/المدنية.

 

   من هذا المنطلق يصبح السياسي خاضعا للاجتماعي. أي أنماط العلاقات المغايرة. وتغيُّر رؤية أطراف الصراع وشد اهتمامها إلى ما تعتبره المرأة قضيتها المركزية. لأن الوعي السياسي وعي تقريري، وأكثر من ذلك وعي طاكتيكي متحول باستمرار. بينما النمط العلائقي سلوك قائم وراسخ في اللاوعي. وإذا كان السلوك غير مشوش ساعد على تصحيح الوضع.

 

   وإذا كانت "خناتة بنونة" قد اعتبرت المرأة بدون قضية امرأة زائدة عن الحاجة. وفضلة يجب استئصالها أو تهميشها لأنها تزيد وضعية المرأة تأزما. فإن المرأة بدون قضية عند "سحر خليفة" هي التي يجب التركيز عليها وتقويمها. ليس بحشوها بالأفكار والمواقف بل بتربية سلوكها وتهذيبه، كيف؟

 

   للجواب على هذا السؤال وضعت "سحر خليفة" روايتها "باب الساحة". وركزت فيها على شخصية "نزهة". وجعلت من الدفء الاجتماعي حافزا قويا على تفجير وطنيتها التي كُبِتتْ بفعل الجفاء والجمود العلائقي: الجمود الاجتماعي والإهمال، الذي يعتبر مصدر قلق وضيق وضجر عند روائية أخرى من لبنان، هي: "حنان الشيخ".

 

   ترى حنان الشيخ في الوظيفة (العمل) ، وهو سلوك اجتماعي، إمكانية يحقق من خلالها الفرد استقلاله وحريته، وينمي به مهاراته وقدراته الفكرية والجسدية. ترى في الوظيفة الاجتماعية واجهة أخرى للنضال من أجل التحرر والانعتاق.

 

   4/ أطراف الصراع في الكتابة النسائية.

 

   يمكن حصر توجهات الكتابة النسائية موضوعاتيا وفق ما يلي:

 

        · كتابات موجهة نحو الرجل.

        · كتابات موجهة نحو المؤسسات المجتمعية/المدنية.

        · كتابات موجهة نحو الذات.

 

   هذه التوجهات الثلاثة تحدد لدى المتلقي والناقد خصوصا الزاوية التي يصدر عنها الخطاب وبالتالي تحديد الدوافع المتحكمة في الرؤية والمشكلة للمقاصد.

 

   والكتابة الموجهة  نحو الرجل كثيرة جدا. تقوم بنياتها على نمط خاص من الصراع. فالرجل يمثل السلطة القاهرة والعائق الحقيقي أمام المرأة. ولكي تنطلق المرأة بكل حرية عليها أن تجتاز عقبة الرجل. لذلك نجد شخصية الرجل مشوهة ومبتورة ومهزوزة مثلا كما في رواية "ليلى الأطرش" "صهيل المسافات". يقول النص:"مهزوز أنا حتى أخال أني أنكسر، ووحيد أنا ما زلت ألوب على الطريق خارج العاصمة في درب متعرج رملي..". ص (34). في مقابل صورة المرأة القوية الحنون المتزنة والجذابة. يقول النص مادحا:" كم تغيرت زهرة!

  

   ما بين طفلة تحمل ضفيرتين سوداوين تناسبان سمرة وجهها واتساع عينيها.. وامرأة اليوم.. مسافة النضج والخبرة وقدرة الرفض.. وجامحة هي ظلت منذ البدايات الأولى". ص (35). يأتي القول في الرواية على لسان الزوج صالح أيوب. لكن صوت المرأة الكاتبة أقوى.

 

   هنا يتحول معنى الرجل من مجرد شخص بسيط عادي إلى مستوى الصراع مع نظام معرفي وتركيبة نفسية وذهنية سادت فيما يطلق عليه "المجتمع الأبوي". حيث تتبوأ المرأة الهامش والأدوار الثانوية المكملة لنشاطات الرجل الأ ساسية. والصراع هنا يقوم على أساس واحد هو: التملك. فما دام الرجل يملك المرأة والمجتمع يثمن ملكيته تلك، فعلى المرأة أن تعكس هذا النظام (Systeme) أو تقوم بتبديل الأدوار داخله. وهذا يعني تحويل المجتمع الرجالي إلى مجتمع نسائي. وصراع من هذا النوع لا يمكن إلا أن يكون عملية انتحار واندحار جماعية. لأن تطاحن الجنسين يغيب من حسابه، ويسقط من الاعتبار ضرورة التعايش من أجل خوض صراعات التقدم والتغيير نحو الأفضل والأحسن.

 

   إذا فموضوعة التملك تقوم على التصفية الدموية والعرقية للجنسين معا. لأن في تنحية الجنس الرجالي تنحية للجنس النسائي. ولأن تنحية الخصائص والخصوصيات الأساسية للنسائي تجعل من المرأة أداة طيعة وسهلة بيد مستويات أخرى أو سلط أخرى اجتماعية وسياسية وثقافية ومعرفية.

 

   هذا الذي حدث فعلا عندما اكتشف الرجل وكذلك المرأة أنهما يتخبطان في حبال شرك المؤسسة، التي تؤكد الآن خطابات تعزف على الأنثوي في المرأة، وعلى الفحولة عند الرجل.

 

   وقد استفادت هذه الكتابات من الصراع الدموي والعنيف الذي تحقق فعلا وقولا، واقعا وكتابة بين الجنسين. وطعنت الوعي الأبوي والوعي الأمومي في عمقيهما وولدت خطابها الجديد. في تصورها ينبغي أن ينحصر وعي الرجل وتفكيره في إثبات الفحولة من خلال مؤهلاته التي منحتها الطبيعة إياه ورسختها في ذهنه الثقافات وأنماط المعرفة التي أرخت لمسيرته الطويلة. وينبغي أن ينحصر وعي المرأة في الأنوثة واستعمالها كسلطة للإكراه والإرغام والإذعان.

 

  في هذا السياق يمكن العودة إلى كتابات "خناتة بنونة" التي اعتبرت المرأة بدون قضية امرأة مستلبة الإرادة. والذي سلبها إرادتها هو الخطاب المؤسساتي الذي عزز الهوة بين الجنسين. فرأت المرأة التي بدون قضية تتخلى عن قضايا المرأة عامة وبذلك طلبها الحماية من الجماعة (المؤسسة بكل معانيها كفعل وكخطاب).

 

   من قصة "فصل من العذاب" نسوق هذا الحوار بين شخصيتين:

 

   " وتقول مليكة:

  

-         أنت سارحة، لقد أخذتك المدينة مني؟ أليس لي أن أسمعك؟ كما حاولت وفشلت ألا تأخذك المهنة، ألا يسرقك الرصيد البنكي، ألا تلغي صوتك المواصفات الاجتماعية، لكن…

 

-         كما تعرفين، فأنا لست توابل موسمية.

 

   اندهشت مليكة وكانت بها رغبة للمزيد:

 

-         ولكني محتاجة لصوتك، لك بالخصوص، حيث يتكسر التبلد المحيط بي في المهنة، حينما أحاصر بالحيثيات والفصول والبنود والأحكام.

 

   ضربت عائشة حافة المائدة، كأنها تستشهدها على الواقع ولم تسامح:

 

   بل حينما تحاصرين نفسك في الوضع الجديد الذي فضلته: الاسم ولائحة الاسم والواجهة والرصيد البنكي، ثم تساءلت بالصمت:

 

   هل ذلك هو مداها، بعدها النهائي الذي تستطيع أن ترحل إليه؟ أن تكسب من خلاله اسما وأبهة ومركبا فاخرا.

 

   ودافعت مليكة:

 

-         ولكنها مهنتي.

 

   فأوضحت عائشة:

 

-         المهنة قد تكون معك أو ضدك، فاختاري منها ما تشائين.

 

   فتعجبت مليكة بألم، هي تغرس بصرها في الأخرى:

 

-         لكن كيف؟

 

-         أ لست محاصرة بجماعة لا تتحدث سوى عما استطاعت جلبه من أوروبا، عن نوع الديكور الذي غيرن به القديم في بيوتها، عن أنواع الماسات وأثمانها، عن…

 

   وصاحت مليكة:

 

-         ولكنهم رفقاء ورفيقات المهنة.

 

   حين ذاك وقفت عائشة. كان ذلك حدها الذي تقف عنده في الحديث، حينما تجد أبوابا مقفلة عن قصد لا عن ضرورة". ص (71،72،73).

 

   ليست المهنة فقط الحاجز، والوضع الاجتماعي للمرأة، بينها وبين الرجل، الذي تغذيه بوعي الخطابات المؤسساتية. ولكن هناك أشكال أخرى توغلت حتى عمق المرأة ذات القضية.

 

   ولكي لا نجعل من هذا المدخل العام دراسة تحليلية، لأنها ستأتي فيما سيلي، نشير إلى بعض الحواجز المستنبطة من المجموعة القصصية "الكتابة خارج النص". كالحاجز النفسي في قصة "العزلة الموقوتة" بين أحمد وبطلة القصة. فالشعور بالتخاذل والانكسار والإحباط حطموا الطموح في التواصل والاتصال بين الجنسين. فتحوَّل الرابط بينهما إلى مجرد الشوق والحنين. وهي مشاعر لا يمكنها أن تخترق حاجز الهزيمة (الشعور بالهزيمة). الشعور ذاته والإحساس نفسه يسودان قصة "السهرة اليتيمة". وفي كلا القصتين يكون السجن سببا في القهر والانكسار.

 

   في قصة "فصل من العذاب" يصبح الحاجز اجتماعيا. فالمهنة تحتم على الشخصية – بقصد – مجاراة الوعي الذي تنتجه المؤسسة. وفي قصة "الانتماء المؤجل" يصبح الوضع الظرفي والنسبي سببا في الحيلولة بين الأم وابنها، بالإضافة إلى جموح الأم وتوقها إلى الرحيل الدائم.

 

   إذا أصبح الخطاب في الكتابات النسائية تقويضا لمفهوم التملك وحل محله مفهوم التوحد أو التكتل من أجل تقويض الخطابات السائدة. وهنا يصعد إلى الذهن بجلاء خطاب "سحر خليفة" المشار إليه. فالتغيير الحقيقي يبدأ نتغيير الأنماط العلائقية بين الجنسين ضمن تركيبة مجتمعية جديدة تقوم على التعايش حتى يحمي الإنسان بقاءه ولا يتحول إلى شيء.

 

   5/ التركيب.

 

   لقد أسهمت المرأة عموما في بلورة الفكر الإنساني بطرحها موضوعات جديدة على الإنسان. سواء في مجال الفكر السياسي، أو القضايا الحقوقية، أو القضايا الاجتماعية. وخصوصا التفكير والإبداع الأدبي والنقدي. وما حصرنا للتوجهات العامة الموضوعاتية للكتابة النسائية إلا محاولة منا لتلمس الجرح الذي ينزف عند هذا الكائن الجميل والصامد. وكذلك رصد مقارباته لقضاياه الجوهرية والوقوف عند الزوايا المختلفة والمتعددة التي تُموضِعُ المرأة نفسها فيها خلال صراعها الأبدي من أجل تحقيق الكينونة الحقة. ولأجل المساهمة في التعريف بالمرأة الكاتبة العربية والمغربية يأتي هذا العمل.

 

محمد معتصم. الدار البيضاء.

 

 

     

 

  

 

   

 

 

    

 

Posté par motassim à 19:05 - Commentaires [0] - Permalien [#]

في أدب السجون: الساحة الشرفية لعبد القادر الشاوي

محمد معتصم: من كتابي "الذاكرة القصوى" دار الثقافة. الدار البيضاء-المغرب. 2006م

em

1.2/ البناء المتوازي:

 

لقد بنى عبد القادر الشاوي روايته "الساحة الشرفية" بناء متوازيا. بحيث يمكن للقارئ أن يوزعها إلى روايتين مستقلتين. أو أن يقراهما من منطلق التوضيح والإضاءة، كما يمكنه إعادة ترتيب أحداث القصة (المتن الحكائي) وقف تطور الأحداث إلا أنني أميل إلى قراءة الرواية على صورتها التي وضعها عليها الكاتب. وعلى اعتبار الفصول اللاحقة من أخبار الشخصيات الروائية ليست إلا إضاءة عميقة لأسباب هروب "سعد الأبرامي" إلى مدينة "براندة" . والروايتان هما:

 

  • أخبار براندة الممتدة من أول الرواية إلى (93).
  • أخبار الشخصيات الروائية، وتشمل باقي مجموع الرواية.

 

في أخبار "براندة" يحكي السارد الوقائع وكأنه يؤرخ للمدينة المتخيلة. منذ وصلها هاربا من جحيم الذكريات، ومن خيبات الرفاق الذين تفرقت بهم السبل. بعد خروجهم من السجن. في الأسبوع الذي تلا الاحتفال بذكرى 20غشت.

 

وفي محكي "براندة" تكتمل مقومات الرواية: الزمان المحدد بدقة. رغم تنقله بحرية بين الحاضر (حاضر الحكاية) وبين ماضي براندة (في الحكاية كذلك). المكان المحدد الأبعاد. الشخصيات الروائية الفاعلة والمنفعلة. الأحداث التاريخية (وجود الجنود الأغراب) والأحداث الاجتماعية (الاختطاف، والصراع على الماء...)، واللغة الروائية (السرد التاريخي). والمتكلم في النص العالم يكل شيء والمتحكم في خيوط القصة (السارد الكلي المعرفة/ Omniscient).

 

وقد بنى الكاتب "أخبار براندة" بناء متسلسلا، تعاقبت فيه الأحداث بصورة منتظمة. يتحكم فيها الصراع الحاد والدائم بين "أولاد بن عبيد" و "أهل المراح". ويحتدم الصراع بين الجماعتين حول "السانية" أولا، ثم حول "البئر" ثانيا. ويمكن حصر المراحل الأساس التي مر بها تاريخ براندة حسب المحكي فيما يلي:

 

  • البئر.
  • السانية.
  • الهاتف
  • التجنيد العسكري بفرنسا.
  • استرجاع خطبة علال الفاسي في 20 غشت.

 

وأهم ما ميز محكي براندة الحكايات المحورية التي تألف منها. وكان محورها الشخصيات الرئيسية التالية:

 

  • العلامة ابن يرماق.
  • القائد ابن سلام.
  • حانة االيهودية.
  • أحمد شكيب.
  • الحاج العربي.
  • شامة

 

أما محكي الشخصيات فإنه استرجاع مفجع للفترة التي قضاها سعد الأبرامي مع رفاقه في السجن. استرجاع للصراع المرير داخل السجن. الاتهامات المتبادلة. الصراع من أجل الزعامة. المقاومة والصمود من أجل الحفاظ على بعض الأمل في الحياة. التأقلم مع السجن والتعذيب والتخوين. وقد جاء الاسترجاع استجابة نفسية للصورة الفوتوغرافية في الساحة الشرفية للسجن المركزي. ورسالة إدريس العمراوي. وبعض من يوميات أحمد الريفي...

 

تعد رواية محكي الشخوص الروائية إضاءة مفيدة لفهم أسباب هروب سعد الأبرامي إلى براندة. وبالتالي تحديد موقع المتكلم في النص الروائي. وكذلك الزاوية التي يتم منها الملفوظ الروائي. والمنطلقات المحفزة على تنامي السرد.

 

2.2/ المنظور السردي:

 

ولكل شخصية روائية عالمها الخاص ضمن العالم العام المشترك. أي أن الشخصيات في الرواية تعيش في عالمين مختلفين. عالم السجن الخارجي بكل ما يحمله السجن من إكراه، وتحالف، وتعسف، وحركة يومية من أجل مقاومة الضعف والسقوط. وعالم داخلي حميم تركن فيه الشخصية الروائية لهمومها وجروحها الدفينة.

 

في محكي "براندة" نجد السارد ( يبدو ) كعالم بكل شيء. يحكي بضمير الغائب، لأن مضمون الحكاية تاريخي، واسترجاع، لأحداث من الماضي. وخاصة عندما يسترسل السارد في رواية الوقائع بانتظام متسلسل ومنطقي. لكنه في مدخل الرواية يفتتح السارد السرد بضمير المتكلم. وكأنه سيحكي عن ذاته. عما وقع له عند وصوله إلى "براندة" يقول النص:" عندما وصلت إلى براندة، في تلك الأيام من شهر غشت، كانت سنوات الجفاف، فعلا، قد قست نوعا ما على تلك المناطق الجبلية المنيعة...أو هكذا توهمت!" ص (5).

 

بعد المدخل الرئيسي يتحول المنظور السردي إلى التعميم من خلال وصف المكان. ووصف آثاره على الناس وطباعهم، والأرض. وهذا النمط من الحكي الوصفي يسود محكي براندة.

 

 ثم هناك منظور سردي ثالث يكون فيه السارد في الرواية دون معرفة الشخصيات. وتسمى هذه الرؤية السردية رؤية من الخارج. وتستخلص في السرد في "الساحة الشرفية" من صيغة الفعل المبني للمجهول. وترتبط بالحكايات أو الأخبار التي ترد على لسان الشخصيات الروائية، من الذاكرة، وتخص الفترة ما قبل "وصول سعد الأبرامي إلى براندة". كما في المقتطف التالي:" ومن أغرب ما يحكى هنا أن الجفاف لم يصب هذه الديار إلا بسبب تلك المخلوقة الفاسدة الهامدة. فقد طاردها الله بعد أن تغلبت على البشر، وجعلها بينهم أمثولة للاعتبار، حتى إذا كان الجفاف أخرجها عليهم ليتدبروا بالعبرة وحكمته في الأرض اليباب." ص (42).

 

يوظف السارد في رواية "الساحة الشرفية" المنظورات السردية الثلاثة بحسب تغير مستوى الحكي، وتحول منطلقه الزمني. والتفريق بين المنظورات السردية لا يتم حقيقة إلا على المستوى النظري. خاصة في الرواية الحديثة والمعاصرة. وبعدما تحول وعي الكاتب النقدي. ولم تعد الرواية كتابة عفوية بل تخطيطا. ولم يعد الكاتب عفويا بل أصبحت ثقافته واسعة ومرجعيته الأدبية والنقدية وافرة. ولهذا نجد السارد في "الساحة الشرفية" ومن خلال محكي "براندة" يتقلب بين المنظورات السردية المعروفة:

 

  • الرؤية من خلف
  • الرؤية مع
  • الرؤية من الخارج

 

وتختلف الرؤية السردية عن التبئير كما ورد في دراستنا لرواية الراحل محمد زفزاف " محاولة عيش". وعموما سيرد تحديدها ضمن الملحق/ المعجم في نهاية المؤلف.

 

إذا كان المنظور السردي في أخبار "براندة" متأرجحا بين المنظور الكلي، "الرؤية من خلف" وبين "الرؤية من الخارج". في الحكايات المسترجعة من الذاكرة. فإنه في محكي "أخبار الشخصيات الروائية" يعتمد على إشراك الشخصيات من خلال نقل أقوالها عبر "الخطاب المباشر". سواء في صورة استجواب، أو من خلال نقل مقتطفات من الخطاب المكتوب: "الرسالة" أو "اليوميات". وهذا النوع من الخطاب لم يرد في المحكي الخاص ببراندة. مما أثر على المنظور السردي، وعلى تنامي السرد.

 

3.2/ التنامي السردي:

التنامي السردي أو كيف يتحول الحكي؟ صيغة أساسية لكل خطاب أدبي شفاهي أو مكتوب. وقد وضع تودوروف التحول شرطا أساسيا من شروط الحكي/المحكي ( Récit). وتحدد عموما شروط الحكي (المحكي) في ما يلي:

 

  • تعاقب الأحداث في الزمن.
  • تنامي الوحدات الدلالية.
  • تحول الشخصيات الروائية.
  • تطور الوحدات الفاعلية (الحركية).
  • التعاقب الزمني (المراحل)
  • الهدف/القصدية.

 

ويلاحظ من خلال هذه الخطاطة مكانة التحول في بناء النص السردي. فكيف تنامى النص السردي في "الساحة الشرفية" ؟

 

بينت في البداية كيف بني النص الروائي على التوازي بين خطاب "أخبار براندة" وبين خطاب "أخبار الشخصيات الروائية". لكن كل خطاب يتنامي عبر وحدات دلالية. سواء بالتركيز على الأحداث أو بالتركيز على تحول الشخصيات وتبادلها المواقع والأدوار في الحكاية. وسأحاول رسم الخطوات الأساسية في تحول وتنامي السرد في رواية الكاتب عبد القادر الشاوي.

 

يتنامى محكي "براندة" عبر موضوعة (Thème) الصراع. فأهل مراح في صراع دائم مع أولاد بن عبيد. بسبب الماء. وأيضا لاختلاف المواقع الجغرافية وهي مواقع تؤثر على الشخصية. فأهل السفح يختلفون في طباعهم ومواقفهم عن أهل المرتفع. وأن الصراع لم يكن طبيعيا بل كان يفعل القائد بن سلام. صراع من أجل الفرقة وتثبيت السيادة.

 

لكن الصراع المفرق لا يمكنه أن يكون مساعدا في التنامي السردي دون وجود نقيضه. وهو ما سيبرزه السارد من خلال الموضوعات التالية:

 

  • "السانية" التي سيتوحد حولها أفراد القبيلتين. لأنها موقع الملاذ والشهوات والمتع الشخصية. (حكايتا خانة وشامة).
  • "البئر" التي ستوحد الشباب من القبيلتين المتصارعتين. وتبتلعها تربته الرخوة (حكاية البئر).

 

وأهم ما يمكن اعتماده كوحدات دلالية بالغة التأثير، تلك الحكايات الصغرى التي أثث بها السارد حكايته المركزية؛ حكاية "براندة". وهي حكايات مرتبطة بأبطالها الفاعلين. وكل شخصية روائية لها وظيفة في التنامي السردي، كما سأورد بعجالة في هذا المقام.

 

  • العلامة ابن يرماق (ممثل المعارضة في براندة)
  • القائد ابن سلام (المعيق، ومذكي نار الفتنة والتفرقة)
  • الحاج العربي (المستفيد، التائب).
  • خانة اليهودية (صاحبة الماخور والسانية وكاشفة أسرار علية القوم. وتبرز قصتها بعد حادثة النهر. ص: 40).
  • أحمد شكيب (المستهيم بخانة، والممسوس، الذي فقد كل ممتلكاته.ص: 56)
  • شامة (المرأة التي ائتلف واختلف حول قصتها أهل القبيلتين معا، وفي قصة قتل زوجها (احميدو) لها الغامضة. ص: 74).

 

أما تنامي السرد في "أخبار الشخصيات الروائية". فقد جاء مترادفا حسب رغبة السارد. وهو ينظر إلى الصورة الفوتوغرافية، ويسترجع وقائع الماضي، وأحداث السجن. لكن لم يكن التنامي مسترسلا كما في "أخبار براندة". بل خص الكاتب كل شخصية بفصل مستقل. يحكي فيه قصة الشخصية من منظوره الخاص. بعيدا عن الوشاية والإشاعات التي كانت تطلق جزافا لأغراض مرتبطة بالسلطة داخل المجموعة "التنظيم" المعتقلة في السجن.

 

وقد جعل الكاتب التنامي السردي ثنائي القطبين. كل شخصية تركن إلى ذاتها وعالمها الخاص والحميم. وكأنها تهرب من الجحيم اليومي للسجن، إلى لوعة النفس، وما افتقدته في العتمة. لذلك كانت الشخصية الروائية مقترنة برفيقة. بمعنى بجرح خاص. يلخص حالة الحرمان وعدم الاكتمال. لأن العلاقة العاطفية غير مكتملة. غير منسجمة. وهذا من آثار السجن. من آثار التعثر الذي أحدثه السجن في نفس ومسار حياة كل شخصية روائية. باستثناء شخصية أحمد الريفي وهي التي سيكون مصيرها مفجعا ومؤلما أكثر، كما سيتضح بعد حين.

 

وتظهر الخطاطة الثنائية هذه العلاقات كالتالي:

 

  • إدريس العمراوي/ سلبيا (زوجته).
  • مصطفى الدرويش/ فتحية (أخته).
  • عبد العزيز صابر/ فهيمة (رفيقته).
  • سعد الأبرامي/ نفزة (زوجته).

 

وقد بنى الكاتب كل فصل على خطين متوازيين: خط الحاضر (المسترجع) بالسجن أيام الاعتقال. وخط الواقع بعد الخروج من السجن وصعوبة التأقلم، ولم انكسار النفس وشروخ الذات. وليس أدل على كل ذلك من النهايات المؤلمة والمفجعة للشخصيات الروائية.

Posté par motassim à 12:11 - Commentaires [0] - Permalien [#]

14 juillet 2017

كتابة المرأة المغربية. حوار السؤال الأول

محمد معتصم

20151222_100045

 

س1/ نلاحظ في المغرب، وفي المغرب العربي ككل قلة الدراسات التي تتناول الإبداع النسوي، فأقصى جهد (بعض) الناقد أن يشير إلى بعض الكاتبات في صفحات من كتابه دون أن يخصص لها كتابا نقديا خاص. في رأيك ما سبب ذلك؟

من الممكن اقتراح هذه الأسباب؛

أ) مسألة المصطلح والمفهوم في حد ذاتها، فهناك اختلاف في تحديد مضمون معقول والاتفاق حوله بين النقاد والباحثين، ثم تعدد التسميات، والأهم تطور تاريخ النقد النسوي عربيا وعالميا، وتطور تاريخ الرؤى الإبداعية سواء تلك التي تصدر عن المرأة ذاتها أو التي تصدر عن الرجال بوعي أو بدونه.

ب) تشبث عدد من الكاتبات برفض التصنيف النقدي لكتاباتهن، بدعوى أن الإبداع إنساني ولا يحتمل التمييز النوعي (رجالي/ ذكوري أو نسوي/ أنثوي).

ج) ندرة الإبداع الذي تكتبه المرأة العربية في المغرب والمغرب العربي عامة، بداية الاستقلال، ففي المغرب لم يكن عدد النساء الكاتبات المعروفات أصابع اليد الواحدة: آمنة اللوه، ومليكة الفاسي، وخناثة بنونة، وفاطمة الراوي، ورفيقة الطبيعة (اسم مستعار)... ثم ليلى أبو زيد. ولم تنطلق الكتابة النسائية إلا مع ثمانينيات القرن الماضي لتطور في البنيات المجتمعية ونشاط الجمعيات الثقافية المرتبطة بالأحزاب والنقابات أو المستقلة، الشيء الذي لفت اهتمام النقاد والناقدات والباحثين والباحثات فكانت مشاركة المرأة علامة دالة على أهمية الموضوع فكتبت رشيدة بن مسعود كتابين في المجال، وهما؛ "المرأة والكتابة، سؤال الخصوصية/ بلاغة الاختلاف" و"جمالية السرد النسائي وزهور كرام في "السرد النسائي العربين مقاربة في المفهوم والخطاب" وفاطمة كدو في "الخطاب النسائي ولغة الاختلاف، مقاربة للأنساق الثقافية" والسباعي خلود  في "الجسد الأنثوي وهوية الجندر" ونعيمة هدي المدغري في "النقد النسوي: حوار المساواة في الفكر والأدب" وأحمد شراك في "الخطاب النسائي في المغرب، نموذج فاطمة المرنيسي" ومحمد معتصم في "المرأة والسرد" و"بناء الحكاية والشخصية في الخطاب الروائي النسائي العربي"، والحبل على الجرار....

الآن هناك عدد كبير من النساء المغربيات الكاتبات في شتى أجناس الإبداع الأدبي ناهيك عن حضورها الهام في مجالات الحياة والفكر والسياسة والحقوق والأدب. 

Posté par motassim à 22:12 - Commentaires [0] - Permalien [#]

10 juillet 2017

مقالتي بجريدة القدس الأسبوعي الأحد 9يوليوز

 

الروائي الأردني زياد محافظة في "أفرهول": وعي السارد الجمالي ومقصدية الكاتب الموضوعي

هل الرواية حكاية يقصها شخص يجيد فن الكلام؟ سؤال يحتوي عددا من كلمات علم السرد أو السرديات، لكنها ليست منه، بل هي تعبير عن معنى القص، والحكي، قبل أن يصبح لفظ "السرد" قاعدة أساسية لعلم حديث يهتم بدراسة الأجناس التعبيرية والإبداعية التي تتخذ "السرد" نوعا لها، من قبيل: المذكرات واليوميات والحكاية الشعبية والعجيبة والسيرة الذاتية والمرويات التاريخية، والمرويات الوعظية...

http://www.alquds.co.uk

 

Posté par motassim à 20:49 - Commentaires [0] - Permalien [#]