مفهوم القصة القصيرة عند محمد صوف
محمد معتصم
الناقد الأدبي
مفهوم القصة القصيرة عند محمد صوف
شاع بين النقاد والدارسين والمبدعين بأن القصة القصيرة منفلتة من كل تعريف علمي دقيق، وبأن القصة القصيرة تكتب بحسب وعي كاتبها وثقافته السردية والأفق الذي يستشرفه، والحقيقة أن هذا الرأي دفع كثيرين إلى كتابة القصة القصيرة دون الحاجة إلى العودة إلى الكتابات القصصية السابقة المؤسسة لهذا النمط من السرد الجمالي القصير، كما ساهم هذا الزعم في تعدد أنماط الكتابة القصصية إلى حد لم يعد ممكنا معه الحديث عن قصة قصيرة أصيلة ونموذجية.
نتيجة ذلك، أصبحت القصة القصيرة "صوتا منفردا" لا يدل سوى على صاحبه، بل أكثر من ذلك لا يدل سوى على النص القصصي القصير، وهذه معضلة تواجه النقد الأدبي الخاص بالكتابة القصصية في المغرب والعالم العربي. مع ذلك هناك ثوابت نجدها تتكرر في كثير من النصوص القصصية القصيرة التي وقع عليها الإجماع واعترف لأصحابها بالتفرد والجودة.
محمد صوف قاص وروائي أَلَّفَ عددا من الكتب في هذين الصنفين من الكتابة السردية، وتميز فيهما برؤيته الخاصة التي يقوم عليها عالمه (عوالمه المتخيلة) المتخيلُ، ومن أهم ركائزها أن العالم قد وصل نهايته ولم يعد في حاجة إلى المزيد من الحواشي والإضافات، وأنه لم يعد قادرا على احتمال المزيد لأن ذلك المزيد لا يساهم في تطوره وامتداده بل يساهم في تكدس طبقاته وتغضنها. وتميز فيها برؤيته الخاصة إلى الشخصية القصصية التي تخففت من ثقلها، فلا هي شخصية النبيِّ ولا المخَلِّصِ ولا المناضل الطبقي، شخصية محمد صوف القصصية شخصية تفتقد للإرادة، ممسوحة، بلا ملامح بطولية، غريبة الأطوار بلا ردة فعل، وهو التقاط ذكي للإنسان المعاصر الذي طحنته المحن، وتكسرت على رقبته سهام الخسارة، فبات لا يؤمن بشيء، وقد توحدت عن الخسارة والربح، إنسان بلا قيمة، مسلوب الإرادة، يقول الكاتب في قصة "الغريب"(1):" قبل عشرين سنة شردوه. طردوه من قريته. قالوا له سَنُرَحِّلُكَ وسندعك ترحل دون متاع. إياك أن تعود إلى القرية. ورحل الرجل دون أن ينبس ببنت شفة.." ص (165)
الكاتب أيضا لا شيء، بل هو فقط مهرج و"حْلايْقِي" ومتسكع، لا دور له في الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية، صفر على الشمال، لا يغير شيئا، عنصر محايد، لا صفة له ولا حكاية له كما بين الكاتب في قصة "صديقي الكاتب"(2):" ...وعندما قال إنه كاتب اعتقد رجال الشرطة من قبل أنه يعمل في إحدى مصالح العمالة أو المقاطعة أو وزارة ما. لكنه عندما قال إنه يكتب القصص والحكايات قالوا عنه "حلايقي" متحضر.. وأشفقوا عليه. اغتاظ صديقي الكاتب من الأمر. لكنه كتم غيظه وظل كالآخرين ينتظر الفَرَجَ [...] لما سأله الرئيس عن مهنته. رد: كاتب.
ظل السائل ينتظر تتمة الجواب. لم تأت التتمة..
- تريد أن تقول موظف؟
- لا، أنا أديب.
التفت الرئيس إلى الموظف الذي يحرر المحضر وقال:
- اكتب: متسكع." ص (133)
هنا مرتكز قوة وتفرد صوت محمد صوف الكاتب، القاص والروائي؛ الرؤية العميقة إلى واقع الحال وقد تحول فيه الإنسان إلى مجرد نسخة رديئة عن الإنسان "القديم"، قبل الاستقلال وبعده، كما تصوره قصة "المرآة"(3)، الإنسان "القديم" المرتبط بالأرض والمؤمن بأن حقيقة وجوده تتجلى في فعله وتأثيره في مسار التاريخ والحياة.
هاتان الخاصيتان المميزتان تصاحبهما ملامح كتابية وآراء خارج نصية بثها محمد صوف في إحدى شهاداته(4) حول تصوره للقصة القصيرة، نعرضها كالآتي:
1/ الجملة السردية القصيرة:
لكي يوافق الحال واقعه، ولكي تناسب الجملة السردية القصة القصيرة ارتأى محمد صوف توظيف الجملة السردية القصيرة مبتورة النَّفَسِ، وهو تعبير عن ضيق الحيز المكاني، والأهم أن الجملة القصيرة "المحجوزة" النفس تعبر عن رؤية القاص، وتناسب أكثر "حال" الشخصية القصصية التي قلنا عنها أنها شخصية حيادية فاقدة لردة الفعل، والمؤمنة بأن الواقع لا ينهض، ولا سبيل إلى التغيير، وبالتالي لا سبيل إلى الاحتجاج والانفعال والمقاومة، بل الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع هو الطريق القويم والضيق الذي يمكن للإنسان المعاصر دخوله والسير فيه. ويبرز البتر في الجملة السردية القصيرة في خلو القصة القصيرة عند محمد صوف من علامات الترقيم ما خلا النقطة والنقطتان المتتاليتان، وقل أن يستعمل الفاصلة أو النقطة الفاصلة لأنهما يسهمان في توسيع مساحة التركيب في الجملة بإضافات الكثير من الفضلات للتوضيح والشرح والتكرار.
2/ تغييب الواقع وراء الخيال:
القصة القصيرة عند محمد صوف تكتب الواقع لكن من المنظور الذي ساد فترة السبعينيات من القرن المنصرم حين تحكمت الإيديولوجيات الكبرى في الفن والأدب والفكر، في فترة "الالتزام" الفكري والسياسي، حين علا صوت المبدع معلنا أنه "صوت من لا صوت لهم" ويقصد بذلك أن الأدب والأديب ملتزمان بالقضايا الاجتماعية للفئات المستضعفة في المجتمع. فكيف تعامل القاص محمد صوف مع فكرة "الواقع"؟
جل قصص محمد صوف ترتبط بالواقع أحداثا وقيما وشخصيات لكنها لا تضعه في الواجهة، ولا ترصده مثل عين الكاميرا الباردة التي تصف ولا تتفاعل، بل رصد محمد صوف الواقع في لحظة تحوله وهي لحظة متحركة شديدة التقلب، وأفضل مرآة تنعكس على وجهها صورة تحول الواقع هي الشخصية القصصية المتخيلة.
أرى أن ما يرومه محمد صوف من عبارته "القصة عندما تتلفع بالخيال تقرر غياب الواقع في ذاته... تنسفه... تصبح الحقيقة الوحيدة..." ص (130)، أن الواقع الحقيقي هو الواقع المتجلي في القصة القصيرة، كما رآه القاص وشكله في ذهنه، لأن الواقع المادي الخارجي متعدد في ذاته ومتنوع كذلك، بينما واقع "القصة القصيرة" مركز وعميق يشرح الظاهرة أو الظواهر الاجتماعية ويحلل الحالة السلوكية للشخصية القصصية المتخيلة أو الشخص الواقعي.
3/ تجدد خطط القصة القصيرة:
يصف محمد صوف القصة القصيرة بأنها "حرب الاستنزاف" ص (130)، أو حرب عصابات ويعني ذلك أنها حرب غير نظامية ولا تُعْرَفُ لها إستراتيجية محددة، فخططها الحربية متنوعة ليس لهجومها وقتٌ محددٌ، وليس لها جهةٌ محددةٌ يمكن ترقب قدومها منها، والقاص محمد صوف يؤكد الزعم القائل بأن القصة القصيرة "بلا عروض" يقيدها ويجعلها نمطية وذات بعد واحد، يقول:" فضيلة القصة أنها دون عَروضٍ" ص (131)، وهو يحيل على عروض الشعر التي ضاق بها الشعراء ورأوا أنها تحد من طاقاتهم على التخيُّل والإبداع فثاروا عليها لتصبح القصيدة اليوم مجرد صوت يدل على صاحبه ولا علاقة لها بالسابق واللاحق ولا حتى النص الشعري المزامن لها ومجايلها.
مسألة تحرر القصة القصيرة من "العَرُوضِ" التي وضعها النقاد قادت إلى تشظي مفهوم القصة القصيرة إلى أنماط سردية قصصية متنوعة ومختلفة شكلا ومضمونا وصيغة وقد سبق أن حددنا بعض أنماطها في دراسة سابقة(5) كالآتي:
"... القصة
القصة القصيرة
القصة القصيرة جدا (ق.ق.ج)
المتوالية القصصية
القص...جدا" ص (74)
النص القصصي
قصصي القصيرة جدا(6)
فهل سيساهم هذا التشظي في الأنماط إلى غنى الدلالة أو تنوع الصيغ الخطابية وأشكال السرد؟؟؟ لا شك في ذلك، لكنه سيساهم في الوقت ذاته في دخول القصة القصيرة في الشعاب الضيقة المعتمة التي يصبح معها من المستحيل الحكم على نمط مستحدث بالقوة ورده إلى أصل من أصول الكتابة السردية القصيرة مستقبلا. لذلك لا بد من التأكيد على عناصر أساسية تحفظ للنوع خصوصيته النوعية رغم التحولات الخارجية وحتى التغيرات البنيوية حتى لا تصبح الأنماط الجديدة الممكنة مستقبلا مجرد مسوخ أسطورية، مع العلم أن هناك كتابات سردية "مخنثة" لا هي بالقصة القصيرة ولا بالقصيدة الشعرية ولا حتى بالحكاية أو النكتة والخبر، بل هي كل ذلك.
وقد ندرج تحت هذا التنوع النمطي والتعدد في الأشكال الكتابية قول القاص محمد صوف:" القصة تتفجر وتفرض نفسها في زمان ومكان لا يتحكم فيهما أحد غيرها، وتمنح لكل كلمة فيها معاني عدة." ص (132)، فالقصة القصيرة سيدة نفسها مما يعني أنها نوع سردي مستقل بذاته وبوجوده، قد تتقاطع مع أنواع كتابية أخرى سابقة عليه كالسرد الطويل والتاريخي أو مجاورة له كالشعر المنثور خاصة، لكنها ليست إلا ذاتها، وتعدد الدلالة من كثافة معانيها وتركيزها، ومن جملتها السردية القصيرة التي لا تقبل الإطناب والشرح والتفسير والتعليق، وهو ما أصبحت القصة القصيرة المحدثة تستثمره لكتابة على كتابة، أي كتابة سردية شارحة على كتابة سردية تَخَيُّلِيَّةٍ. والقصة القصيرة سيدة ذاتها كذلك لأن لا أحد يتحكم فيها، و"لا أحد" غالبا هو الناقد الخارجي أو الداخلي، وتجد القصة القصيرة نفسها هنا أمام مفترق طرق، الأول يقود إلى الغنى والثراء في الأشكال والمعاني ووفرة في المواضيع والإشكاليات المطروحة على الواقع والكتابة في آن، والثاني يقود نحو النفق المسدود حيث تتوالد القصة القصيرة بكثرة وتفنى بسرعة كحال بعض الكائنات.
لذلك فالقصة القصيرة عند محمد صوف كما هي عند كتاب القصة القصيرة المعترف لهم بالريادة والإبداع والتجديد لها مفهوم محدد المعالم، مثل العناصر التي نقدمها متفرقة الآن، وسنحاول تجميعها في تعريف في نهاية هذه المقالة.
4/ القصة القصيرة مجرد لغة:
رأينا كيف يُقِرُّ محمد صوف بأن القصة القصيرة تُغَيِّبُ الواقعَ وراء ستارة الخيال، لكن يصل القاص إلى أعلى درجة من التجريد وأقصى مراتب نِّهيلْسِيَّةِ عندما يقول بأن القصة القصيرة مجرد لا شيء، فراغ، يُناقض الحقيقة الواقعية، لأن القصة القصيرة ليست سوى "لغةٍ"، واللغة في ذاتها مجردة لا علاقة لها بالواقع والحقيقة المادية، إنها مفاهيم ذهنية، نعم هذه حقيقتها، فهي موجودة في الذهن مثلها مثل جميع الرموز الرياضية أو حتى طلاسم الكهوف، إنها اعتباطية كما يقول اللسانيون، ويقول محمد صوف:" ولو أمعنا التفكير في القصة لوجدنا أنفسنا نقدس اللاشيء... لأنه المصدر.. مدَّ يدك واغرف.. فالقصة شكل زئبقي.. ضوء هارب يصعب القبض عليه واعتقاله. المفهوم فيها يتكئ على شيء اسمه الكلمة... أي اللغة." ص (131)
ومع ذلك فللقصة وظيفة جليلة العالم المعاصر في حاجة شديدة إليها، هي: الأسطورة، فوظيفة القصة كما يقول "أنها تصنع الأساطير" ص (130)، وعجز الإنسان المعاصر على إبداع أساطيره الجديدة دليل على نضوب الخيال لديه، ونضوب الخيال نتيجة قلة الخبرة والتجربة الحقيقية في الحياة، وكأني بالقاص محمد صوف يحاكم القصة القصيرة الجديدة المعاصرة التي ذهبت بها رياح التجريب كل اتجاه، قد أصبحت مجرد "لعب لغوي" و"ظاهرة صوتية" مفرغة من الدلالة وبدون وظيفة اجتماعية حقيقية، وبأن القصة القصيرة قد دخلت منعطفا حاد الانحدار ولا أحد باستطاعته الآن التخفيف من انزلاق القصة القصيرة وليس أمامها سوى الانحدار اللاإرادي نحو النهايات الحتمية. بعدها فقط يمكن أن نكتشف القصة القصيرة الحقيقية التي أمكنها الصمود والمقاومة.
5/ وضعية القصة القصيرة:
لا تعاني القصة القصيرة من صراعها المرير مع الخيال واللغة والواقع، بل تعاني من القاصين أنفسهم، فهم حسب محمد صوف لا يقرأون القصة، يقول:" كل حقبة تختار الشكل الأدبي الأنسب. في حين أننا نحن في المغرب لا نختار الحقب ولا الأشكال، ولا نعرف أي شكل أنسب لأية حقبة، ولا أدل على ذلك من الوضعية الاعتبارية للقصة حتى لدى القصاصين أنفسهم... فقد أصبح بعض كتاب القصة لا يقرأون القصة." ص (132)
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المنحدر الحاد الذي تنزلق فيه القصة القصيرة اليوم، وتشظي أشكالها وتعدد أنماطها الصغرى، والتباسها مع صيغ خطابية وسردية مختلفة عنها بنيويا ووظيفيا ناجم عن غياب المرجعية الواحدة أو المرجعية المشتركة بين القاصين، فبات كل قاص يناجي قصته هو كما يراها وتتمثل على صفحات الورق البيضاء، وأن القصة تفتقر إلى المرجعية الواحد لدى كاتب قصة واحد. إنها معضلة مرتبطة "بالثقافة القصصية" للقاص، الذي لا يقرأ القصة القصيرة كنص و لا يقرأ تاريخ القصة المحلية والعربية والعالمية بتدبر وتأمل وبحث من أجل الإضافة والتطوير والابتكار الباني، حتى تتبوأ القصة القصيرة مكانتها اللائقة.
هذه الطريقة في العمل هي التي ستنفض عن القصة القصيرة عباءة التقليل والتقزيم، وتصبح قائمة الذات، وتفرض وجودها وحقيقتها كنوع أدبي مستقل، أكبر من أن يكون تكملة في صفحة من صفحات الجرائد، ويصرخ محمد صوف غيرة على القصة القصيرة وعلى القاصين أيضا في هذا المجتزأ:" ثم إن القصة أفقر من فأر في كنيسة... لا تُقبِلُ عليها سوى الجرائد التي لا تمنح تعويضا.. ولا تمنح الجرائد تعويضا لأنها تؤمن بأن القصة مجرد أدب لا يستحق أتعابا، وتنشر الجرائد القصة فقط لملء حيز ضيق." ص (131)
6/ محاولة تحديد المفهوم:
يتبدى من خلال ما سلف أن القاص محمد صوف يتمثل وهو يكتب قصته القصيرة مفهوما محددا، يلتقي فيه مع عدد من القاصين في الثوابت ويختلف عنهم في الفكرة وبناء الحالة القصصية، لذلك فالقصة عنده؛ خطاب سرد ووصف، يتمثل الواقع في جمل سردية قصيرة متعددة الدلالة، تقوم على مماثلة ومقابلة الصور والحالات كالمرآة، وترصد الإنسان في حال انهزامه أمام أقداره التي تتلاعب به، وهو مستسلم لتياراتها كورقة في مهب الرياح.
فالقصة القصيرة لديه ذات وظيفة جمالية وفنية، لكنها نافذة على الواقع المعاصر والإنسان الذي يعيش فيه. إن قارئ مؤلفات محمد صوف القصصية والروائية يجد خيطا رفيعا ناظما لها، ومصدر ذلك الخيط الرفيع الرؤية الفلسفية التي يتبناها وأطلقنا عليها سابقا "اللاأدرية"(7) وهي حالة من الحياد حيث يقف الإنسان (المعاصر) بعيدا عن مجرى التاريخ، ينظر إلى الواقع يتحول لكنه لا يشعر بأي رغبة في ذاتية في المشاركة في توجيه دفته نحو هدف، أي هدف. إنه الإنسان المتفرج على الأحداث، "الغريب" عن ذاته، عن محيطه، عن العالم الذي يعيش فيه. وتلك حال الإنسان الذي فقد الثقة في كل القيم ووقف عاريا تحت السماء ينتظر نهايته الحتمية دون موقف أو ردة فعل. إنه مجرد نسخة عن الإنسان الحق خالية من المشاعر والمواقف والقيم. ذلك هو الهم الذي يشغل القصة القصيرة عند القاص محمد صوف.
الإحالات:
1/ أنطولوجيا القصة القصيرة المغربية. منشورات وزارة الثقافة المغربية. ط1. 2005
2/ نور الدين صدوق. المنتقى؛ نصوص من القصة القصيرة في المغرب. ط1. 2004
3/ أنطولوجيا أدباء الدار البيضاء. اتحاد كتاب المغرب- فرع الدار البيضاء. ط1. 2002
4/ أصوات وأصداء. مجموعة البحث ي القصة القصيرة بالمغرب. ط 1. 2001
5/ تحولات القصة الحديثة بالمغرب. إعداد مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب. منشورات مختبر الدراسات حول القصة القصيرة. ط1. 2010
6/ البويحياوي، إسماعيل: ندف الروح. قصصي القصيرة جدا. منشورات التنوخي. ط1. 2011
7/ معتصم، محمد: الرؤية الفجائعية؛ الرواية العربية في نهاية القرن العشرين. منشورات دار أزمنة. ط1. 2004
رماد الأحلام المجهضة
رماد الأحلام المجهضة
في رواية "تحت ضوء الليل" لمحمد غرناط
أحمد حافظ
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
القنيطرة
1 ـ تقديم:
في روايته "الرحيل بين السهم والوتر" يورد حليم بركات فكرة أعتبرها مسلكا يمكن أن يؤدي إلى جوهر الموضوع الذي أود تناوله في هذه المداخلة. تقول الفكرة بأن الإنسان لا يستطيع أن يحقق أمانيه في الحياة دون اللجوء إلى الحلم.(1) (ص: 73) والحلم حياة ثانية يتم خلالها القفز على المألوف والمعتاد، فهو يساعد على امتلاك الزمن وتسخيره عن طريق الانتقال والتكثيف والتزميز. ولذلك قيل أيضا :"لا ترسم خريطة العالم الذي يمكن تخيله إلا في المنامات". (شارل نودييه Charles Nodier في كتابه: أحلام اليقظة Rêveries Paris,Editions renduel, P : 162) هذا هو المؤشر الفني والجمالي الذي تشتغل عليه بعض النصوص الروائية. فهي تتأسس على الحلم الذي يبني المخيلة وهي في حالة يقظة.
في هذا الإطار نقترح ثلاثة نصوص هي: "تحت ضوء الليل" للقاص والروائي محمد غرناط، و "لعبة البلياردو" للأستاذ عبد الرحيم جيران، و "وطني .. شعبي الجميل" للروائي السينغالي عصمان صامبين، هو نص مكتوب باللغة الفرنسية.
تعرض رواية محمد غرناط "تحت ضوء الليل" ثلاث محطات افتراضية:
ـ الانتظار: يتم التركيز فيه على شخصية الأم الحاجة زينة، المرأة المتقدمة في السن، التي توفي زوجها الحاج بنور وتركها هي وأولادها لمواجهة حياة صعبة. فقد ظلت الأم طيلة هذا القسم تنتظر بكثير من اللهفة والشوق عودة ابنها رياض حمداني من غياب دام سبع سنوات دون أن تعرف عنه أية أخبار. ورياض هذا كان يتابع دراسته الجامعية بمدينة الرباط، لكنه سيعود ذات يوم إلى أسرته ليسافر في الغد إلى بلاد الغربة: صقلية.
ـ العودة: يتناول عودة رياض إلى حي الزيتون الذي يقع في الجهة السفلى من مدينة القلعة رفقة زوجته سيلين الفرنسية الإيطالية. فيجد كل الأهل والأقارب في انتظاره. يحلمون بأشياء كثيرة، ويخمنون ماذا يمكن أن يفعله من أجلهم، خاصة وأنهم يحتاجون إليه للخروج من الحياة الرتيبة التي يعيشون فيها.
ـ المشروع: يعرض فكرة إنشاء مشروع بمدينته القلعة، فيستقر الأمر على شراء مصنع كان قد أُقفِلَت أبوابه بسبب خلاف بين الشركاء.
2 ـ الأحلام المجهضة:
من خلال المحطات السابقة، يظهر أن هاجس الحلم يسيطر على أحاسيس ومشاعر كل أفراد أسرة الحاج بنور والحاجة زينة الذين يُكَوِّنون أهم الشخصيات الروائية. فيبني هؤلاء أفكارهم ونواياهم على الانتظار والحلم بالأفضل. ولذلك يأملون من عودة رياض حمداني أن تحقق انقلابا في حياتهم بل في كل المنطقة التي ينتمون إليها. فقد قضت الأم سنوات في انتظار عودة ابنها رياض من الغربة. رياض الابن المدلل الذي كان لا يجد الراحة إلا بين أحضانها، والذي تدل كل المؤشرات إلى أنه سيصير خليفة أبيه الحاج بنور صاحب القلب الطيب واليد السخية. ونتيجة لهذا التعلق المفرط بشخص رياض، سيحس القارئ، وهو يتقدم في النص، أن معنى الانتظار هنا لا يقتصر على ما يمكن أن تفجره مشاعر العودة من ابتهاج وسعادة وسرور في قلب الأم فقط، بل يتعدى ذلك إلى التفكير في ما ستحمله هذه العودة من أشياء مادية ملموسة، وهي ما ظلت تعبر عنها الأم بـ "الكنز" بمعنى الثروة التي ستخرج، ليس الأسرة وحدها من الفقر والاحتياج، بل العائلة والأقارب ومنطقة حي الزيتون التي تعاني من الإقصاء والتهميش والنسيان.
وبسبب هذه الأحلام المبالغ فيها يرى العم لامين أن رياض سيكون "في حاجة إلى فيلا كبيرة تحيط بها حديقة مزدانة بالنباتات مثل تلك التي توجد بحي النهضة، هناك سيرتاح مع زوجته، ويتخلص من الضوضاء والوجوه التي لا تتقي الله".(2) (الرواية، ص: 124) ويرى عمه عسو "أن رياض في الحقيقة يستحق أكثر من ذلك، فلا بد أن تكون له مزرعة بمساحة شاسعة، مثل وزير أو قبطان، يقيم بها مسكنا كامل الرفاهية، ويتولى خدمتها أبناء عمه ليعود ذلك بالنفع عليه وعليهم. آنذاك سيسعد ويطيب له العيش ".(3) (الرواية، ص: 124ـ125) أما خالته فضيلة فقد "تأكد لها أنه فعلا كنز العائلة الذي سيرفع شأنها ويعيد لها مجد أجدادها الذين عاشوا ودفنوا بزاوية سيدي عبد الله، وشاء القدر أن يتفرق أبناؤهم وأحفادهم هنا، واليوم سيجتمعون حول رياض في مزرعة لا شك سيشعرون فيها بأنهم يولدون من جديد".(4) (الرواية، ص: 129) كل هؤلاء انخدعوا للمظهر، فالزواج بأجنبية، واقتناء سيارة فاخرة من نوع الكات كات، وجمع ثروة مالية مهمة ليس أمرا سهلا في اعتقادهم. والهجرة إلى (الخارج) هي وحدها التي يمكن أن تحقق كل هذه الأشياء.
وهكذا سيظل الأهل والأحباب يعتقدون أن ما سيأتي به رياض سيساهم في تغيير ملامح مدينة القلعة كلها، فتعود لتلبس حلة جديدة تليق بها وبسكانها قاطبة. فإذا كانت ساكنة حي الزيتون تشكو من فراغ نفسي قاتل (فتتحول إلى حشاشين وسكارى ولصوص وعاطلين ومروجي أفكار مملة وعقيمة. تماما كما تمثل ذلك مونية بنت الخياط، وبوزيدان، وولد المولودية، والعقعق، والتيجاني ...الخ، فهذه شخصيات منبوذة مهمشة، لا تفعل شيئا سوى بعث الخوف والهلع في قلوب السكان)، فإن حي الزيتون والأمكنة المجاورة تعاني هي الأخرى من فراغ جغرافي كاسح (يتجلى في عدم توفر أي نشاط من الأنشطة الفاعلة، بالرغم من بعض المرافق الاجتماعية الموجودة في المنطقة، كالمدرسة والفندق والإدارة والمكتبة ...الخ.). كل شيء يبدو معطلا. مما يدفع إلى الاعتقاد بأن الشوق والحنين اللذين ظلا يغمران الحاجة زينة، لا يمثلان في الحقيقة سوى مهاد يؤدي إلى التفكير في ما سيأتي به هذا الابن (الرجل) من مال كثير سيمكنه من تحقيق انتظارات مجموعة من الأفراد والأسر التي تعاني من العوز وقلة العمل. فالكل سار يطمع في رياض الذي سيفتح باب الخير على الجميع: الأم التي كانت دائما تحلم به وتفكر فيه وتنتظر لقاءه.(5) (ص: 99)، وياقوتة بنت خميسة التي تطمع في الزواج به، والعم عسو الذي يرى أن كل العائلة أمل في أنها ستبدأ حياة جديدة مع عودته.(6) (ص: 99) كل هؤلاء يرون أن رياض "صار قادرا على أن يمد يده إلى كل واحد منهم كي يقيهم من شرور هذا الزمن".(7) (ص: 115)
لكنه حينما يعود من بلاد الغربة، سيشتري مصنعا قديما بالمنطقة، ويكلف أحد الأصدقاء بصيانته وإعادة تشغيله مجددا. لكن، في الليلة الأولى من استئناف العمل، سيحترق المصنع كليا، فتتبخر كل أحلام ساكنة حي الزيتون، وتتلاشى ثروة رياض مع تلاشي ألسنة النيران والدخان في الهواء.
بعد اقتناعه بأن كل شيء قد انتهى كما ينتهي الحلم عند صباح غائم.(8) (الرواية، ص: 172) يفكر رياض حمداني في الرجوع إلى صقلية صحبة زوجته التي استيقظت ذات يوم فوجدت نفسها "تشعر باسترخاء غريب وآلام لا عهد لها بمثلها، وراحت تمسح بيدها على بطنها وهي تقول إنها لا شك ستعثر على الكنز الحقيقي الذي أرقها أعواما طويلة".(9) (الرواية، ص: 169)
وهنا نتساءل عن هذا الكنز الحقيقي الذي تأتي الإشارة إليه في نهاية الرواية، متزامنة مع وقت احتراق المصنع. هل هو الجنين الذي طال ارتقابه والذي يمكن أن يكون تعويضا عن الحلم المجهض والثروة الضائعة في لمح البصر؟ أم إن الكنز هنا إشارة إلى شيء آخر لم يكن بمقدور الرواية أن تكشف عنه أكثر مما فعلت لسبب من الأسباب؟
3 ـ تماثلات نصية:
ستشكل تيمة الحلم المجهض هذه إطارا فنيا غنيا بالرموز والدلالات تتقاسمه بوعي عميق ودراية في تناول الأشياء ومساءلتها، رواية محمد غرناط مع نصوص روائية أخرى إن جزئيا أو كليا. في ما يلي، نشير إلى نصين اثنين:
أ ـ النص الأول صدر قريبا تحت عنوان "عصا البلياردو" لعبد الرحيم جيران.(10). في الفصل الأول من هذا النص، يتحدث أحد السراد عن شخصية اسمها العبار الشاب الطموح المناضل الذي لا يكاد يفارق كتبه، والذي سيسافر من الدار البيضاء إلى باريس قصد استكمال دراسته بعد توديع الجميع بمن فيهم نظيمة التي كان ينوي الاقتران بها حالما يعود من بلاد الغربة.(11) (الرواية، ص: 36) فقد "كان يرى فيها ما يتبدى في هيأة إيقاع مقطوعة موسيقية يرتفع معها الواقع والزمن والمادة والأبعاد والفراغ والعدم والهيولى والكتلة.. ".(12) (الرواية، ص: 110) وبعد حصوله على شهادة عليا، سيعود نهائيا إلى البلاد ليتقلد منصب مدير تجاري في مؤسسة وطنية عتيدة. في الوقت الذي وقعت نظيمة ضحية إشاعة تعتقد أنه ربط هناك في بلاد الغربة علاقة ملتبسة مع امرأة عجوز، فكسرت رتابة الانتظار، وارتبطت بشخص آخر غيره.(14) (الرواية، ص: 114)
في خضم أحداث هذا الفصل من الرواية، يطمح العبار في تأسيس أسرة مبنية على التفاهم والحب المتبادل بينه وبين نظيمة الفتاة اليافعة المتعلمة التي كان يرى فيها "حلما لازورديا مضرجا بالضوء والترانيم، ثم انطفأ من دون أن يكتمل، وعاش (...) على الذكرى تنهشه المرارة والحسرة"(15) (الرواية، ص: 18). وفوق ذلك، يحلم بتغيير العالم لصالح النقاء، فلاذ في فترة من حياته بحمى الجماهير ومقولات التاريخ والشعب والكادحين، لكنه خسر نظيمة، وأضاع فرصة تحصين الذات ضد كل الأوبئة المفسدة للصفاء البشري.(16) (الرواية، ص: 68)
ب ـ النص الثاني من إفريقيا لصاحبه عثمان صامبين Osmane Sembène. والمقصود روايته " وطني .. شعبي الجميل". (17) في هذا النص يعالج صاحبه إشكالية الصراع ضد التقاليد، وإشكالية التمييز العنصري. يسافر عمر فاي Omar Faye، الشخصية الرئيسية في الرواية، إلى فرنسا للعمل مدة هناك. فينتظر أهله وأصدقاؤه عودته إلى قريته الصغيرة كازامانس Casamance بالسينغال، التي كانت تعاني هي الأخرى من الفقر وقلة اليد. كان الكل ينتظر عمر فاي الذي سيعمل على تغيير قريته. لكن، حينما عاد برفقة زوجته الفرنسية إيزابيل Isabelle، وهو مسلح بالمعرفة والخبرة الكافيتين لخدمة الأرض وحرثها بطريقة عصرية تتيح الاستغناء اقتصاديا عما يمكن أن يقدمه الاستعمار من مساعدة. يتم إجهاض حلم القرية كلها باغتيال الأمل الوحيد فيها عمر فاي بواسطة يد استعمارية غاشمة، أحست بخطورة المنافسة، فقررت التخلص منه. ولم يبق لزوجته إلا الرجوع إلى فرنسا مباشرة بعد وضع حملها.
4 ـ مناقشة:
في ما تقدم، وقفنا عند مجموعة من التماثلات Homologies. تماثلات بين نصين على الأقل، أو لنقل بين الشخصيتين الرئيسيتين في روايتي صامبين وغرناط، بين عمر فاي الشاب الإفريقي الطموح الذي كان يحلم بتخليص قريته من وصاية الاستعمار باكتشاف وسيلة تطور الإمكانيات الاقتصادية لقرية كازامانس، ورياض حمداني الطالب الذي كان يتمنى هو الآخر تحقيق مشروع اقتصادي يعود بالخير على منطقة حي الزيتون. هناك تماثلات الهجرة إلى الخارج، والزواج بأجنبية، والعودة إلى الوطن بالمال أو الثروة المعرفية، والحلم بإخراج المنطقة من دائرة الفقر والقهر والتسلط ... إلى غير ذلك.
لقد أجهضت أحلام العبار ابن العم حسان الذي قدم مع أسرته من زاوية سيدي أحمد بن رحال ليستقر بالدار البيضاء، قبل أن يتوجه إلى فرنسا. فاستيقظ على حقيقة نظيمة التي انتصبت في روحها فزاعة الأخطاء الآثمة. وضاعت أحلام عمر فاي الذي غادر قريته الصغيرة كازامانس Casamance إلى باريس قصد العمل. لكن، بعد عودته تستيقظ كازامانس المستعمرة على حادث اغتياله.
وتلاشت أحلام رياض حمداني الذي قدم من زاوية سيدي عبد الله، ليستقر مع أهله في مدينة القلعة. ثم يغادر الوطن نحو أوروبا. فاستيقظ ذات يوم هو وأسرته على هدير احتراق مصنعه.
وهكذا أصبح هؤلاء كلهم "مثل الكثيرين ممن بنوا دنيا من الرمال ما لبثت أن تهاوت على رؤوسهم غير مصدقين أن الرياح يمكن أن تخدع وتغدر .. ناموا على حلم جميل فاستيقظوا على الفجيعة، لكنهم ظلوا على وعدهم من دون أمل، كمن يراهن على حصان خاسر في حلبة سباق محسوم سلفا".(18) (الرواية، ص: 117)
هناك ملامح مشتركة كما يرى تسمح باكتشاف الوظائف الفنية المميزة لهذه النصوص. فلكل منها عالمها الخاص في التناول والاشتغال.
وبالإضافة إلى هذا، نجد رواية محمد غرناط تتناول الأحداث والوقائع بلغة واقعية صافية، تاركة فراغات تكشف عنها بعض المبالغات، أو الحلول المفاجئة، أو الإشارة إلى أشياء غير مكتملة في النص(الكنز، المحنة، الوعد ...). وهي فراغات ناتجة عن بعض الصعوبات في التمثل واستكناه الأشياء في حقيقتها. في الوقت الذي تشير فيه الرواية إشارات خاطفة إلى فترة احتلال الاستعمار الفرنسي للمنطقة من خلال ذكر الحاج بنور ورفاقه الذين ناهضوا القوى المحتلة إلى أن أزاحوها عن الأرض، فتم بالمقابل نسيانهم ونسيان المكان الرمز الذي كان يقوم فيه المعمرون بإعدام الوطنيين، وهو حديقة الشهداء التي أضحت وكرا يرتع فيه السكارى والمعربدون.
أما رواية صامبين عصمان فهي نص يتوسل إلى تقنيات سردية تقليدية في بنائه وصياغته، يميل إلى عرض الأحداث والوقائع عوض الاهتمام بشحنات اللغة وقدرتها على نسج خيوط سردية تستفيد من إمكانيات السرد الحديث وتعمل على توظيفها.
أما رواية عبد الرحيم جيران فالأحداث فيها تتسم بإيقاعية خاصة، تغتني بالحلم والوصف وتوالي الحكايات وتعاقبها. بالإضافة إلى أن لغتها شفافة، جارحة، مثقلة بنبض التاريخ وكثافة الأحداث الغائرة في الذات. هي لغة تمزج بين شفافية الشعر والتأمل الفلسفي والإشارات التاريخية البليغة، تكاد تُغْرِق شخصياتها في نقاشات دسمة، تثير كثيرا من القضايا المرتبطة بسياقات تاريخية وثقافية واجتماعية وسياسية (عهد الحماية، قحط الأربعينات وجفافها، نظام البون، المعسكرات الأمريكية...).
ختاما، إن الروايات السالفة، بقدر ما تقدم خطابا متغايرا غنيا بالتأويلات والرموز والإشارات، فهي تطفح بمباهج الأحلام ومتاهات الرؤى وانعراجاتها المؤدية إلى الأفضل والأرحب.
هوامش:
(*) ـ محمد غرناط: تحت ضوء الليل، دار الأمان، الرباط، ط1، 2010
1 ـ حليم بركات: الرحيل بين السهم والوتر، دار الآداب، بيروت، 19، ص: 73
2 ـ الرواية، ص: 124
3 ـ الرواية، 124 ـ 125
4 ـ الرواية، ص: 129
5 ـ الرواية، 99
6 ـ الرواية، ص: 99
7 ـ الرواية، ص: 115
8 ـ الرواية، ص: 172
9 ـ الرواية، ص: 169
10 ـ عبد الرحيم جيران: عصا البلياردو، أفريقيا الشرق، البيضاء، 2010
11 ـ نفسه، 36
12 ـ نفسه، ص: 110
13 ـ نفسه، ص: 116
14 ـ نفسه، ص: 114
15 ـ نفسه، 18
16 ـ نفسه، 68
17-Ousmane Sembene, Ô Pays, mon beau Peuple ! Presses Pocket, Paris, 1982
18 ـ عبد الرحيم جيران، عصا البلياردو، أفريقيا الشرق، البيضاء، ص: 117
المراجع:
(1) ـ بيرنار فاليط: النص الروائي، مناهج وتقنيات، ترجمة: رشيد بنحدو، سليكي إخوان، ط1، 1999.
(2) ـ تيري إيغلتون: نظرية الأدب، مدخل، ترجمة: ثائر ديب، دار المدى للثقافة والنشر، سورية، ط1، 2006.
صدور كتاب اللغة العربية . من سناء الشعلان
صدور كتاب اللغة العربية مستوى (100) عن الجامعة الأردنيّة
عن مركز اللغات في الجامعة الأردنية صدر كتاب "مهارات التّواصل باللغة العربيّة مستوى (100)،والكتاب سيدرّس ضمن مساق إجباريّ مفروض على كلّ طلبة الجامعة الأردنيّة في مستوى البكالوريوس.وقد تشكّلت لجنة تأليف الكتاب من د.سهى نعجة،ود.منى محيلان،ود.مفلح الفايز،ود.إبراهيم أبو عرقوب،ود.حسين ياغي،ود.عطا الله الحجايا.
وقد انتظم المنهاج في ست وحدات دراسيّة؛مهدت لها وحدة تأسيسيّة(وحدة الصّفر) منوطة بشرفات التّواصل الإنسانيّ واللغويّ؛عبر تكثيف مفهوم الاتصال وعناصره،وبيان أهميّة المعجم وآلية استخدامه،وأهمية علاقات التّرقيم يداً ولساناً.
أمّا الوحدات السّت الأخرى فقامت على نصوص أدبيّة من حقول إبداعية متنوعة،وعصور متعدّدة لكتّاب أعلام:عرب ومحلييّن؛كقصيدة"مرحبا" للروائيّ والشّاعر الأردنيّ تيسير سبول،ونصّ"علم الاحترام" للكاتب المصريّ عبّاس محمود العقّاد،ونصّ"إضاءة" من سيرة الشّاعر السّوري نزار قباني،ونصّ" المقامة الموصليّة" للهمذانيّ،وقصّة" حليمة المجنونة" للقاصة الأردنية سناء الشّعلان،ونصّ" حبّ العمل" للشّاعر والرّوائيّ والفنان اللبنانيّ المهجري جبران خليل جبران.
واغتني المنهاج بالوقوف على أبجديات الكتابة الوظيفيّة الجيّدة،فوقف على بناء الجملة البسيطة والجملة المركّبة تمهيداً لبناء الفقرة.ودأبت نصوص الاستماع في الكتاب على تأثيث منظّم مدروس لأدبيّات التّواصل وأخلاقياته،كأدبيات الاتماع،والتحدّث،والحوار،والفرق بين الجدال والحوار والشّجار،كما دأبت على قياس مديات الذّاكرة في الحفظ والتذّكر.
كما اغتني المنهاج بموضوعات حيّة يتحدّث فيها الطلبة؛فرادى أو جماعات على وفق أسس تربويّة في اكتشاف قدرات الطلبة،وتشيع أدبيات الحوار،وقبول الرأي والرأي الآخر في إطار من الحرية المسؤولة.والوظيفة في اللغة والمعجم وفي الموضوعات والأساليب النّحويّة والصّرفيّة وقضايا الإملاء والتّرقيم والكتابة هي أسّ الرؤية المنهجيّة في تأليف هذا الكتاب.وقد زاوجت أساليب التقويم في الكتاب بين عدّة أساليب تستثير الذّاكرة والتّفكير،وتشحذ الهمم للتواصل مع المكتبة وشبكة المعلومات.
ويبقى القول إنّ فلسفة الكتاب تقوم على تمكين الطالب من ارتياد فضاءات اللغة وآفاقها وجمالياتها ووظيفتها بإقدارهم على مهارات الاتصال وأدبياتها في الاستماع والقراءة والكتابة والتحدّث،وهي المهارات التي تمكّن متعاطيها من التّصالح مع الذّات،والتناغم مع الأنا والآخر في مجتمع أمسى قرية صغيرة في ظلّ العولمة واقتصاد المعرفة.
إمنتانوت
امنتانوت
فتيحة أولاد بنعلي
تحملني شهوة
لعينيكِ
يمنحني ظلكِ
مسافات الجنوب
أسافر في شقوق
الماء المنحدر من حيرة الخدود
امنتانوت…
جسد يتدثر
بريح الصباح
بأوراق تغطي
عري الغرباء
ليلا أعبر إليكِ
من جزر العزلة
في محطة لا تعرف
مواعيد الوصول
امنتانوت
امرأة ارتدت لحاف الأجداد
تنظر في مرايا النهار
من تل
خلفها الفراغ
يتربص بالأبناء
أقف منتظرة
همس النجوم،
وهي تضيء طريقا
في ذاكرة سوس
عيوني الحالمة
كحلها الشوق
مخفية أنتِ عن الغرباء
ترافقني خطاكِ
تهيأ لي أزهار اللوز
امنتانوت تبوح للنهر
بسر الخلود
فأهجر من جديد
غبار الأمكنة
لأعود إليك
يا أم الجنوب
شاعرة مغربية، القصر الكبير
الرواية والغواية: قراءة في "سلالم النهار" لفوزية شويش السالم
"سلالم النهار"
للأديبة فوزية شويس السالم
بين
الرواية و الغواية
"الجسد الذي لا يرقص
جسد ميت" ابن عربي
من يعتقد بأن المرأة مجرد جسد للمتعة
فهو واهم،ومن يؤمن بمقاربة النوع و يعتقد بأن الكتابة النسائية تغرف من المخزون
الذكوري و الفحولي ولا تتصف بخصوصيتها الأنثوية
فهو غارق في المغالطات المعرفية التي تجعل كل الأعمال الأدبية في سلة واحدة.
لقد توصلت مؤخرا بعمل أدبي نسائي وهو عبارة عن
رواية موسومة ب"سلالم النهار" للأديبة الكويتية فوزية شويس السالم،وما
أثارني في هذه الرواية منذ الوهلة الأولى هو إهداء الكاتبة على الصفحة الأولى حيث
كتبت"لقد منعوا كلماتي من تواجدها في معرض الكتاب لكن كلماتي استطاعت الطيران برغم ذلك المنع"مع التوقيع
باسم الكاتبة.
كل هذا لم يسترع انتباهي ولكن الذي
شدني إلى متابعة تفاصيل الرواية هو جرأة الساردة وتمردها وهي تحكي وقائع القص
الروائي بجرأة غير معهودة وغير مسبوقة في المسرودات النسائية،ذكرتني بكتابات
روائيين كبار في مجال الكتابة الشطارية من أمثال جون جيني(مذكرة لص)ومحمد شكري(الخبز
الحافي)ومحمد زفزاف(المرأة و الوردة) ....
ونقصد بالكتابة الشطارية أو الكتابة
البيكارسكية الكتابة التي تميل إلى حد ما إلى السيرة الذاتية حيث يكون الراوي و
السارد هو نفس الشخص أي (البيكارو) أو الشاطر،وقد سبق أن عرفنا في موروثنا الثقافي
العربي مثل هذه الكتابات وهي ما يعرف في شعرنا العربي القديم بشعر الصعاليك،و
الشطار هم فئة من فئات الشعب التي ثارت على الأوضاع الاجتماعية وعبرت عنها أدبا.
فالرواية من الحجم المتوسط عدد
صفحاتها 220 صفحة صدرت عن دار العين للنشر بغلاف أسود أنيق عليه لوحة مرسوم عليها
رجل يفتح باب بيت قديم ويقدم رجله اليمنى متخطيا عتبة البيت،وفي الخارج يبدو ضوء
النهار منبلجا، وفي الداخل تكتسح البيت عتمة الظلام الموغلة في السواد،وفي أعلى
الغلاف كتب العنوان بلون ذهبي عريض يظهر براقا وسط سواد اللون الأسود.
في الحقيقة لم يكن قصدي من هذا الوصف
الدقيق لعتبات الرواية اعتباطيا، ولم أقصد منه وصف الرواية لفاقدي البصر،ولكن كان
هدفي من هذا الوصف إرسال رسالة هامة وجدية لفاقدي البصيرة، لكل مصاب بإعاقة حسية
تمنعه من الاستمتاع بجمال الكتابة الأدبية وجمال الكلمة المعبرة،التي استطاعت بحق
قطع المسافات و الوصول بين يدي لأسبح في فضائها وأستمتع بجمالها و روعة لغتها.
إن الإبداع لا حدود له ولا وصي
عليه،لا يعترف بالقوانين البشرية البائدة ولا يخضع لأوامر أصحاب المال و الجاه،إن
الإبداع لا ينبطح على بطنه كما ينبطح "الخولات" الذين أمعنت الساردة في
وصفهم ،الإبداع لايركع لأي مخلوق ،يثور في أية لحظة،قنبلة موقوتة ينفجر في وجه
الجميع،إنه حصان جامح ينقلب على صاحبه عندما تختل موازينه.
وهكذا تسافر الرواية"سلالم
النهار" وتمر من بين أيدي زبانية الأنظمة المتحجرة،كسرت جميع الحواجز
الجمركية، من الخليج إلى المحيط.
فكل ممنوع مرغوب،و الإنسان بحكم
فضوله المعرفي يريد معرفة هذا الممنوع،يريد معرفة ما في هذا الممنوع من أشياء
جعلته ممنوعا،ليس عنادا ولكن حبا في هذا الممنوع،فالإنسان بطبيعته وبفطرته يحب
الاستطلاع، يحب معرفة الشئ اليوم قبل الغد،الإنسان يريد كشف أسرار هذا
الممنوع،يريد شق حجبه وتمزيق خدره.
المرأة وهي في البحر عارية قد لا
تغري لأنها تكشف عن جسدها ويصبح المشهد عاديا، لكنها تثير فضول الرجل وهي تحت العباءة و تحت
الخمار،يريد معرفة ما تحت هذا المستور،وهذا "الما تحت" هو الذي ستفضحه
الروائية وتكشف أسراره بطريقة تجمع بين الرواية التقليدية و الرواية الجديدة.
فرواية "سلالم النهار
"منعت لأنها عرت عن عورة المجتمع
الكويتي المختبئ وراء دشدشات "الذكور" وعباءات "النساء"،وهي
في الحقيقة عورة مصغرة عن عورات كثيرة في مجتمعاتنا العربية،لقد أزاحت الحجاب عن
وجوه كانت مطلية بالمساحيق وفي الصباح انكشفت وظهرت على حقيقتها،وكانت صفحات
الرواية المرآة التي عكست حقيقة المجتمعات الخليجية خاصة و العربية عامة.
في معرفة العتبات
عندما تناولت سالفا غلاف الرواية
وعنوانها كان القصد من ذلك الوقوف على جزئيات الرواية،التي تبدو بسيطة بالنسبة للقارئ
وعادية يمر عليها مرور الكرام، لكنها في حقيقة الأمر لها أهمية بليغة وبالغة على
رأي جيرار جينيت الذي قال"احذروا العتبات"لأنها هي البوابة التي منها تفهم
أسرار الأعمال الأدبية،فمن بوابة العنوان نكتشف مضمون النص ،على اعتبار أن العنوان
هو نص مواز لمتن النص الروائي،فهو بمتابة المقبلات في الطعام.
وهكذا يأتي العنوان من خلال طريقة
كتابته وبلونه البراق والمضيئ وكأنه كوة ضوء في نفق عميق منه تأمل الساردة في غد أفضل،
وكذلك لوحة الغلاف التي تكشف بشكل سميائي دلالة الرواية ومضمونها من خلال ما تحيل
إليه هذه اللوحة من تداعيات في ذهن المتلقي.
فالرجل المبهم الملامح ذو الملامح
العربية و اللباس التقليدي يأتي من نور النهار قادما إلى عتمة الليل في قلب البيت
الغارق في الظلام،وفي عتمة الليل تلتقط الساردة جزئيات الواقع وتفاصيله، وفي
الصباح تنقل الواقع من زمن الوقائع إلى زمن القص .
فمن بوابة الغلاف إذن ومن عتبة
العنوان تبدأ فصول الرواية التي وإن انتهت على الورق لا يمكن إنهاؤها على الواقع
المتعفن الذي يستحق البتر،وكانت الساردة بمتابة الطبيب الحادق الذي وصف هذا التعفن،
وبينت أسباب تعفنه ونتائج هذا التعفن وتركت الباب مفتوحا أمام المتلقي لاقتراح
وسائل تفادي مثل هذه التعفنات،كل واحد بحسب زاوية رؤياه.
دينامية النص الروائي
قبل الحديث عن الرواية
لابد من معرفة جزئية هامة في هذا المنجز الروائي،وهي عملية القص التي تتجلى في
أبهى معانيها من خلال عملية السرد الروائي.
فمن معاني القص هو
التتبع حيث إن أم موسى عندما وضعت ابنها في اليم قالت لأبنتها "قصيه" أي
تتبعي مساره،وعملية القص في الرواية تعني هنا تتبع تفاصيل الواقع والتقاط مفرداته
وفسيفسائه،لكن الساردة لا تتبع الواقع بشكل آلي وإنما تنقله بشكل متخيل بأن تضفي
عليه ما سماه جاكبسون بأدبية العمل الأدبي.
عند قراءة الرواية تشعر
وكأن الساردة تتنقل بين الأزقة و الدروب وهي تحمل كامرتها وتلتقط مشاهد فظيعة من
الواقع الخليجي الملئ بالمتناقضات الثراء و الفقر،تصف الحي الشعبي الفقير الذي
ترعرعت فيه الساردة مع فئات عريضة من الشعب أغلبهم من البدون الذين لا جنسية
لهم،وذنبهم في ذلك أنهم قادموت من جهات مختلفة من العالم.
الساردة تصف حيها الفقير
الذي تنتشر فيه كل علامات البؤس وبيع المخدرات(الأعمال كلها مباحة بما فيها توزيع
المخدرات و الخمور،واختطاف الخادمات وبيعهن لقواد شبكات الدعارة،و القيام بأعمال
السرقة كلها،من سرقة الأفراد إلى سرقة المشاريع الحكومية.....)سلالم النهار ص24
كما ركزت بشكل خاص على
الأفعال المشينة التي يقوم بها جل أفراد
أسرتها مثلا أخوها "صقوري" الذي يبيع المخدرات و أخوها "بطاح"
الذي يشتغل سواقا للطاكسي وفي نفس الوقت يقوم بمهنة القوادة(وكلما ارتفع منسوب
مياه الرجال من تحتها كلما زادت حصة القواد "كومار" وازدادت نسبة
أخي)سلالم النهار ص32.
هكذا تتحرك الساردة بكامرتها تنقل تفاصيل
الشوارع التي تتنقل فيها الحيوانات بحرية بحثا عن بقايا الخضر المرمية في حاويات
الزبالة،كما التقطت مشاهد من الشعوذة و الزار التي تنتشر في هذا الوسط الفقير الذي
غزته الأمية و الفقر مما أدى بهم إلى البحث عن كل الوسائل وسلك كل السبل التي تأتي
منها الأموال، ولو كان ذلك على حساب المتاجرة في أعراض بنات الأسرة مثلما تسرده
الساردة في هذه الرواية، حيث إن خالها "عواد" كان يأخذها كل ليلة للرقص
أمام أعين الرجال وتحيي لهم الليالي الملاح.
وهكذا نرى بأن مفردات
الواقع تتحول إلى مفردات ملحوظة وملفوظة على رقعة الرواية،وهذه المفردات تنهض
وتتحرك لتبحث عن التركيب،و التركيب بدوره يتحرك للبحث عن التعبير،و التعبير يتحرك
للبحث عن الدلالة،حيث يلتقي الملقي مع المتلقي ويتقاسمان الهم المشترك والقاسم المشترك،وما
يميز الساردة عن المتلقي هو اللغة،فبواسطة اللغة تمكنت الساردة من رصد وتتبع ما
يراه المتلقي من أحداث وقعت في زمن الوقائع،فاختمرت في الذاكرة ثم خلقت لها زمنا
هو زمن القص حيث تلتقي مع المتلقي وتقاطعت معه في كثير من تفاصيل الحياة.
ولهذا نرى في
"سلالم النهار" بأن اللغة الروائية فيها هي لغة دينامية تتجه من حالتها
السانكرونية لتتقاطع مع حركية الواقع الدياكرونية،وهكذا تصبح اللغة أكثر انفجارية
وأكثر حيوية تساعد على استفزاز المتلقي وتصدمه بالتوظيف المناسب لهذه المفردات
التي تبدو غريبة على ثقافة الانسان الخليجي وعلى متخيله الجمعي و الجماعي(تضم
ساقيها إلى صدرها،وتتكئ بظهرها على الوسائد،يسقط الوشاح الأحمر عن وركها،ليتجعد ما
بين فخديها و الشراشف) سلالم النهار ص118
وتستمر الرواية بحركيتها
محاولة تكسير حاجز الخجل بجرأة الساردة المخاتلة التي تورط المتلقي في تأمل وتخيل
المشاهد الساخنة(يحضنني بعنف،ويعصرني ما بين ذراعيه يطويني طيا...ومطارحتنا صياد
وفريسة ...حين يفردني ويطويني،وينفرد بي....وحشيته تدفع الدم بضربات قلبي،وارتفاع سخونة جسدي يمتصني كأنه
سينتزع الروح مني...ينشب أسنانه في لحمي وينقض على صدري،كتفي أو رقبتي ويبقى
للحظات فيها ساكنا صامدا..يداهمني الخوف إن طالت فترة تذوقه للحمي) سلالم النهار
ص120.
وحقيقة الأمر إن هذه
المفردات الجزئية هي الأصل في الانسان هي تعبير ملفوظ عن حالة بيولوجية تنهض
وتتحرك بحكم الفطرة و الغريزة،لكن سلطة الأنا الأعلى هي التي تكبث هذه الحركة و
هذه الرغبة من الخروج إلى الواقع وتمنعها من الظهور مباشرة،لكن الساردة استطاعت
تكسير هذا الطابو والتعبير عما يشعر به الخليجي خاصة و الإنسان العربي عامة،لقد
حولت الواقع البصري إلى مقروء سردي.
إن المتتبع لتفاصيل الرواية يشعر بحركية
اللغة،يشعر بدينامية اللفظة وهي تغازل الأسلوب
ليولد معها شبقية تعبيرية، تعبر فيها لغة اللغة عن لغة الجسد، فيشعر القارئ
بالألف وهو ينتصب وبالباء وهي تنخفظ وبسكون السكون في فضاء الرواية،هكذا يشعر جسد
القارئ برعشة ولذة القراءة بعدما تكون الساردة قد فرغت مداد الكتابة واستمتعت بلذة
الكتابة.
فلغة السرد الروائي بحركيتها تلتقط تفاصيل
ومفردات الواقع وتنقلها بشكل متخيل في فضاء الرواية، وهي بذلك تساعد القارئ على
تتبع تفاصيل الواقع من جهة وتفاصيل الجسد بعهره وقبحه من جهة أخرى،فلغة الجسد هي
التي تجعل من اللغة كائنا حيا يعيش ويموت داخل الرواية ( كتابة الجسد هي ما نعيشه
أنا وأنت....كتابة الجسد هو الحس العارم المتوقد في كل الحواس،في هذا اللهيب
المضرم الضاري...هذا الشعور المحير"المجنن" الذي لا تدرك نهمه ولا
محتواه،ولا اسمه ولا نوعه أو عينته)سلالم النهار ص73
منعطف السرد الروائي
إن القارئ لرواية "سلالم
النهار" سيشعر بانعطافة قوية في مسار السرد وخاصة عندما يموت ضاري الحبيب
الذي طالما تغزلت به الساردة وافتتنت بفحولته وبقوته أثنان المعاشرة وأثناء
التماهي الشبقي الذي يرفعها من عالم إلى آخر لم تستطع نسيانه"موته المباغت في
عز فورته وسطوته وقمة أوج تدفق رغبته،هزني من قاع جذري المحنط في سبات نوم طويل،وأيقظ
إحساسي من بلادة راكدة في زيف بريق عمره القصير"سلالم النهار ص143
لقد كان موت ضار صدمة للبطلة أفاقها
من حلمها الجميل الذي انغمست فيه إلى درجة اللا رجوع، لقد حرك فيها الجانب الثاني
الذي يحث على الفضيلة و وجوب الابتعاد عن كل ما له علاقة بالممارسات الغرامية التي
تأكدت البطلة من خطئها بالشكل الذي تمارسه، لأنها بدأت تشعر بحرمة هذا السلوك الذي
حرمته كل الأديان السماوية و الأعراف الدنوية،ومما زاد من حدة هذه الانعطافة
دخولها مسجد القرية، ومصادفتها لديوان رابعة العدوية الذي يدعو إلى الزهد
"وجدت في مسجد القرية دليلي..ديوان رابعة العدوية كان هناك في انتظاري وعلى
موعد معي...وقرأته حتى شعرت بكياني ذائب في سطوع كلماته،وروحي تاقت إلى الخالق كما
تاقت روح رابعة إليه" سلالم النهار ص161 .
وفي هذا المشهد الجديد انقلبت
الرواية من سرد المشاهد الغرامية و الاحتكاكات الجسدية إلى رواية الوعظ و
الإرشاد،ومحاسبة الذات وتأنيب الضمير،ومحاولة إصلاح المحيطين بها، أمها
وأقاربها... الذين كانوا ومازالواملتصقين يالرذيلة التي فرضتها عليهم الفئة
المتسلطة بمالها وجاهها الذي يحسسون "البدون" بدونيتهم وأنهم خلقوا في
هذه الأرض لهذه الأغراض الدونية ،إنهاتريد تحسيسهم بكينونتهم وبمساواتهم مع
الآخرين،تريد عتقهم من السلاسل التي تكبل عقولهم، لكن جميع محاولاتها كانت دون
جذوى فتركت الأيام هي التي بإمكانها إصلاح الجميع"ربما يكون للزمن دور
فيها..وربما يكون للوقت دور فيه..إن كان هناك وقت تدوب فيه كل المشاكل"سلالم
النهار ص200 .
محمد يوب
16/12/11
محكي الانتساب العائلي في الكتابة الروائية المعاصرة
رواية " سلالم النهار " أنموذجا
د. حسن المودن
1 ــ عودة الكتابة المتعدّية:
في البداية، أفترض أن الرواية العربية تكتب اليوم وتنتج في بلدان عربية عديدة ومختلفة، فلم تعد الروايات تصلنا من المراكز الكبرى فحسب(مصر، الشام ، العراق)، بل هي صارت تصلنا من بلدان عربية أخرى(السعودية، الكويت، اليمن، الامارات..) لم تتجرأ على الإنتاج في هذا الجنس الأدبي الحديث إلا أواسط القرن الماضي، تقريبا كبلدان المغرب العربي، ولم تتوسع في الإنتاج الكمّي والنوعي إلا أواخر القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة. ولكنها مع كل ذلك استطاعت أن تلفت أنظار القرّاء والنقاد، وأن تحصد جوائز الأدب، وأن تفوز بفرص الترجمة إلى اللغات الأخرى، وأن تتحول إلى رافد أساس من روافد الرواية العربية المعاصرة.
ولاشك في وجود أسباب عديدة، من داخل الأدب ومن خارجه، تقف وراء العناية التي يلقاها أدب هذه البلدان العربية الأخرى. ومع ذلك يمكن أن أزعم أن ما جعل الأدب الروائي القادم من بلدان الخليج يحتل المكانة التي يحتلها اليوم أنه استطاع أن يتجاوز المأزق الذي تشهده الرواية العربية، وخاصة في نماذجها التي نزعت إلى التجريب الشكلاني، وجعلت الكتابة منكفئة على نفسها، تكاد تقطع كل روابطها بالإنسان والمجتمع والتاريخ، فلا تهتم إلا بجمالياتها ومتاهاتها الشكلانية. فالرواية في بلدان الخليج عملت على إعادة الاعتبار للعنصر المرجعي(الذات، المجتمع، التاريخ، الآخرين)، وتميزت بجرأتها على أن تقول ما لايقال، أن تقول الشيء السياسي، وأن تلامس المناطق المحرمة وأن تقتحم فضاءات المسكوت عنه...
وبعبارة أخرى، نفترض أن الأدب الروائي العربي بدأ يعرف، منذ سنوات غير قليلة، نقلة نوعية. وتتميز هذه النقلة النوعية بالعودة إلى الأدب المتعدي La littérature transitive، فلم يعد الأمر يتعلق بتلك الكتابة التي لا تعتني إلا بذاتها وبمشاكلها الخاصة الشكلية والجمالية، بل أضحى الأمر يتعلق بكتابة شيء ما، وقد يصدر هذا الشيء عن الواقع أو الذات أو التاريخ أو الذاكرة أو العائلة ...
وبعبارة أخرى، نجد أن الكتابة الروائية المعاصرة قد صارت تشتغل بواسطة العودة إلى المحكي. فبعد التغيير الذي عرفته الكتابة مع النزعات التجريبية والحساسيات الجديدة ذات النزعة الشكلانية، عادت الكتابة مرة أخرى إلى الاشتغال بواسطة المحكي. وقد لعبت الرواية الخليجية عموما دورا لافتا في تحقيق هذه العودة، مع النجاح، أحيانا، في استثمار التغييرات التي أحدثها المجددون والتجريبيون.
وإذا كانت الكتابة الروائية المعاصرة قد عادت إلى المحكي، فان اللافت للنظر أن المحكي المعاصر يستأنف اشتغاله بروايات الأصول وبالحكايات العائلية التي كانت دوما سندا أساسا للأدب. ونحن نعرف، منذ تعرفنا إلى تحليلات مارت روبير(1) ، إلى أيّ حدّ يخترق العنصر العائلي الكتابة السردية في العمق. ولكن أن تظهر " الرواية العائلية " (2) من جديد، وبقوة، في الرواية العربية المعاصرة، والخليجية بالأساس(3) ، أمر له بلاشك دلالة ما، خاصة إذا كان هذا المحكي العائلي يكشف عن وعي بأن الذات ليست كائنا مستقلا، وليس كائنا من دون محددات، وأن دور الرواية هو أن تسائل الذات من خلال العنصر العائلي الذي يؤسسها، ومن خلال الأصول التي تكونها.
2 ــ محكي الانتساب العائلي:
من خلال تسمية " محكي الانتساب العائلي"، نريد أن نلفت الأنظار إلى اتجاه في الرواية العربية عامة، والرواية الكويتية خاصة، من خلال رواية " سلالم النهار "(2011) للكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم.
و" محكي الانتساب العائلي " مصطلح لم يستعمل إلا في بعض الدراسات النقدية المعاصرة التي صدرت خلال العشرية الأولى من الألفية الثالثة، والفرنسية بالأخص) Laurent Demanze, Dominique Viart ). لكن بدايات المحكي تعود عند الغربيين إلى القرن 19: في إحدى روايات بلزاك، يقول أحد النبلاء الشباب لأمّـه: " اليوم لم يعد هناك وجود للعائلات، فلا وجود إلا للأفراد" (4) . والواقع أنه منذ الثورة الفرنسية، أصبح الفرد الحديث مجرد كائن " مجرد من أصله" (5) ، ولم يعد النظام الجنيالوجي(نظام السلالة) ملائما مع نهاية النظام القديم، وتكاثر اللقطاء واليتامى أواخر القرن 19، وخاصة بعد الحربين العالميتين، ولم تعد العائلة بالانسجام والتماسك السابقين.
وبالطبع، فشروط محكي الانتساب العائلي في مجتمع عربي، كالمجتمع الكويتي، لابد أن تكون مختلفة: الاستعمار، تأسيس الدولة الحديثة، طبيعة المجتمع الذكورية والمحافظة، صدمة الحداثة ... وهذا ما يجعلنا نفترض وجود خصائص عامة مشتركة بين محكي الانتساب في الأدب الغربي ومحكي الانتساب في الأدب العربي( الانتقال من نظام إلى نظام، وضعية الفرد المعاصر، تفكك العائلة، غياب التماسك والانسجام العائليين ..)، ولاختلاف الشروط والخصوصيات، لابد بالطبع من أن يكون لمحكيات الأدب العربي العائلية من الخصائص ما قد يغني المقاربات التي تتناول اليوم محكي الانتساب العائلي.
لكن ليكن تركيزنا أولا على بعض الخصائص الكبرى التي تسمح لنا بأن نفترض انتماء " سلالم النهار " إلى محكي الانتساب العائلي:
2 ــ 1 ــ الخاصية الأولى تتعلق بما يستعيره محكي الانتساب العائلي من أشكال سابقة، وهذه الأشكال هي: الرواية العائلية عند سيغموند فرويد، ورواية الأصول عند مارت روبير، والرواية الجنيالوجية(رواية السلالة).
الواضح أنه من الرواية العائلية، يقتبس محكي الانتساب العائلي نمطا من السرد يعيد تجسيد روابط الذات بالعالم العائلي بطريقة تجمع بين الواقع والتخييل. وفي رواية " سلالم النهار "، نكون أمام محكي أوتوبيوغرافي تخييلي يعيد تجسيد روابط الذات( من خلال شخصيتين مركزيتين: فهدة وابنها) بعالمها العائلي.
ومن رواية الأصول، يستعيد محكي الانتساب العائلي نمطا من التأليف الموسوم بتقاطع الذاكرة العائلية والذاكرة التناصية. والمقصود هنا أن هناك حكاية عائلية أصلية هي، منذ القدم، نواة كل الخرافات والأساطير والآداب السردية. وهذه الحكاية الأصلية حكايتان: " حكاية العالم العائلي المعثور عليه "، وفي هذه الحكاية نجد إعادة صوغ للعائلة الواقعية التي خيّبت الآمال، وتعويضها بعائلة أخرى ملكية ونبيلة. والحكاية الثانية هي حكاية " العالم العائلي المعيش"، وفي هذه الحكاية لا تعوّض العائلة الواقعية بأخرى، بل تتمّ مواجهة عنصر غير مرغوب فيه من عناصر العالم العائلي المعيش(6).
ونزعم أن " سلالم النهار " تتضمن، وبطريقة إشكالية تستدعي الاهتمام، الحكايتين معا، أو لنقل إنها تستثمر الحكاية الأصلية بوجهيها الاثنين: بالنسبة إلى محكي فهدة، وهي راويته، يمكن الحديث، إلى حدّ ما، عن حكاية " العالم المعثور عليه": عائلتها الأصلية تتألف من أب يشتغل في الجيش، ككل أفراد مجتمع الــ " بدون "(بدون هوية؟ بدون أصل؟ بدون جنسية؟...)، وأمّ تمارس وظائف " شعبية " عديدة، وكانت ترافق ابنتها للرقص، سرّا، في مجتمعات أهل المال والقوة والجاه والنسب. وفهدة، الطالبة الجامعية التي بدأت تنفتح، داخل بلدها، ومن خلال صديقتها نورة، على عالم عائلي آخر مغاير جذريا لعالمها الأصلي، لا يمكن إلا أن تكون عائلتها الأصلية قد خيبت آمالها، ولابد من الانتقال إلى ذلك العالم الآخر، وكانت فرصتها أن طلبها ابن عائلة غنية وأصيلة للزواج، واسمه ضاري، والأكثر من ذلك أنه سافر بها إلى الغرب، إلى عالم عائلي مغاير جذريا للعالم الأول من الناحية الثقافية والاجتماعية والسياسية (ينبغي لنا أن نستحضر هنا دلالة تكرار الرحلة إلى الغرب في الرواية العربية من بداياتها إلى اليوم: أهو بحث عن عالم عائلي أنبل وأسمى من العالم العائلي الأصلي؟ هل حكاية " العالم العائلي المعثور عليه" هي الحكاية الأكثر حضورا وقوة في أدبنا الروائي العربي الحديث؟).
وبالرغم من أن موت ضاري المفاجئ قد جعل فهدة تعود إلى موطنها الأصلي، إلا أن الزوج قد ترك فهدة حاملا بمن سيجعل الروابط بين فهدة وعائلة ضاري مستمرة ومتواصلة. ولأسباب عديدة، متعلقة بابنها وبعائلة أبيه وأمه، سينتهي محكي فهدة بالبحث عن عالم عائلي آخر أنبل وأسمى من الاثنين السابقين(عائلتها/عائلة زوجها)، وهو ما عثرت عليه في قمة جبل بعيدا عن المدن، عند عجوزين: خالتها وزوجها اللذين لم ينجبا ولدا ولا بنتا !
أما بالنسبة إلى محكي الابن(ابن فهدة وضاري)، فهو في الرواية من دون اسم، وعائلة أبيه كما عائلة أمه تطلقان عليه، خاصة في مرحلة الطفولة والفتوة، ألقابا ساخرة(خالي الرشوش، ولد المعزب)، ومحكيه الذي هو راويه يقدم حكاية تتأرجح بين الرغبة في السفر بحثا عن عائلة أنبل وأسمى(السفر إلى الغرب للدراسة مثل أبيه)، وبين الرغبة في مواجهة بعض عناصر العائلة: العم جاسم من عائلة الأب والخال مرداس ننه من عائلة الأم. وتنتهي الرواية من دون أي حسم، أو لنقل إن الروائي الذي يتحكم في خيوط المحكيين معا بقي، هو الآخر، متأرجحا بين الحكايتين: السفر بحثا عن عالم عائلي أسمى وأنبل أو مواجهة العالم العائلي المعيش والعمل على تغييره، مع إصراره في النهاية على المواجهة والتغيير وتحقيق العدالة.
ومن المحكي الجنيالوجي(محكي السلالة)، يأخذ محكي الانتساب العائلي بعين الاعتبار ما يشكل عنصرا جوهريا في ذلك المحكي: طول المدة الزمنية. قد لا يتعلق الأمر في " سلالم النهار " بمدة طويلة جدا: هل نقول إن هذه المدة الزمنية تمتد من مابعد الاستعمار إلى ما بعد غزو العراق للكويت؟ لكن ماذا عما قبل ذلك؟ ماذا عن أصول عائلة فهدة؟ ماذا عن أصول عائلة زوج فهدة وعائلة ابنها؟ وربما أن الإشكال الذي تريد الرواية طرحه: ما الذي يبرر هذا التمييز في المجتمع الكويتي بين الدماء المختلطة والدماء الصافية؟ إلى أيّ حدّ يمكن اعتبار أصول الدماء الصافية أصولا صافية؟ ألم يعمل ضاري على إدخال الدم المختلط إلى الدم الصافي، وهو من الدماء الصافية؟ ألا يمكن أن تكون أصول دماء مجتمع الــ " بدون " أصولا صافية؟
2 ــ 2 ــ الخاصية الثانية تتعلق بما يجعل محكي الانتساب العائلي مختلفا عن تلك الأشكال السابقة.
وهكذا، يبدو أن ما يميز محكي الانتساب العائلي أنه لا يسرد الحكاية العائلية بطريقة كرونولوجية، من الأجداد إلى الأحفاد، بل هو محكي ينكتب من الحاضر، وهو ثمرة بحث ويتقدم في شكل غير مكتمل. وان كانت الطريقة الكرونولوجية في الحكي حاضرة إلى حدّ ما في " سلالم النهار " ، فان المحكي لا يخضع لخط كرونولوجي مسترسل من البداية إلى النهاية، أي من الماضي إلى الحاضر، أولا لأن المحكي مقسّم إلى مجزوءات بعناوين موضوعاتية، ويتناوب ساردان(فهدة/ابنها) تناوبا يوحي هو نفسه بتناوب الماضي(الأم) والحاضر(الابن). والأكثر من هذا أن الساردين معا ينطلقان من الحاضر، بما يطرحه من أسئلة وإشكالات، في اتجاه الماضي، ومن الماضي في اتجاه الحاضر. ويتقدم المحكي، في مجموعه، في شكل غير مكتمل، وإضافة إلى أن بياضات عديدة تبقى حاضرة في محكي فهدة كما في محكي ابنها، فان نهاية الرواية بقيت هي الأخرى مفتوحة، وبقي السؤال معلقا: كيف انتهت حكاية فهدة العائلية؟ كيف انتهت حكاية الابن العائلية؟
ويمكن أن نزعم أن أهم ما يميّز محكي الانتساب العائلي هو هذه العلاقة الإشكالية بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهناك ما يسميه لورانت دمانز: " مشقة في النقل والانتقال" من زمن إلى آخر، بحيث يبدو أن السؤال الإشكالي المطروح هو: هل هناك خيوط بين الماضي والحاضر والمستقبل بإمكانها أن تنسج مسارا متماسكا؟ هل يصلح الماضي ليكون الرحم المولّـد للحاضر؟ هل المستقبل قابل للإدراك؟
وفي المحكيين معا(محكي فهدة/محكي ابنها)، يبدو السارد في شكل وارث إشكالي، وتبدو علاقة محكيه بالماضي علاقة إشكالية، فهذا المحكي ليس محكيا للأيام السعيدة الماضية التي تستعيدها الذات بغير قليل من الحنين(باستثناء محكي فهدة عن زوجها ضاري في المجزوءات الأولى من الرواية، لكنها ستعود إلى نقد تلك المرحلة في نهاية الرواية). فالماضي في " سلالم النهار " هو موضوع مساءلة وقلق، ويشكل حملا ثقيلا على الذات، ويتقدم في شكل لغز، وهو لا يقدم نماذج أو مثلا عليا من أجل تفسير الحاضر وبناء المستقبل.
ومن هنا، نجد الذات(الساردة)، في المحكيين معا، تشعر بالذنب من دون أن تكون مذنبة، وتكتشف أنها من دون هوية، يتيمة تبحث عن فهم زمانها والارتباط بماضيها، وتبحث عن تجسيد لذاتها من خلال مختلف أوجه الماضي الأبوية والأموية:
" من أكون؟ ... لم أحلم بأيّ نمط، ولم يكن هناك لديّ أيّ نمط أو نموذج أو قالب جاهز. لا شيء
يشدني ... لاشيء يثبتني في الحضور. لهب في داخلي ... هو البحث الحائر، هو السؤال الذي لا
يكنّ ولا يهدأ، لشيء مجهول، غامض، يتخبّط فيّ"(ص152).
ومن هنا، فان أهم ما يميّز محكي الانتساب العائلي عن الرواية العائلية ورواية الأصول والرواية الجنيالوجية أنه محكي أكثر مما هو رواية، حريص على أن يقدم عملا نقديا يسائل الماضي أكثر مما هو حريص على الحبكة الروائية. وبعبارة أخرى، ففي محكي الانتساب العائلي يتمّ الاشتغال بالمادة البيوغرافية دون أن تكون مسألة الجنس الأدبي هي مركز الانشغال والاهتمام، فالمحكي في " سلالم النهار " يقف على حدود الرواية والأوتوبيوغرافيا، وتتشابك فيه المقالة والنقد الشعري الأدبي(نقد الرومانسية ونزار قباني) والأفكار النقدية الفنية والسوسيولوجية(لنلاحظ المجزوءة الأولى حول الرقص) وأدب الجسد والجنس والأفكار الدينية والروحانية...
2 ــ 3 ــ الخاصية الثالثة في محكي الانتساب العائلي تتعلق بما يمكن تسميته بــ " الهوية الغائبة "، بحيث تتقدم الذات(الساردة) مجردة من انتماء مشهود عليه إلى عائلة معينة: تنتمي فهدة إلى مجتمع الــ " بدون"، إلى عائلة غير معترف بها، إلى عائلة من دون أصل أو هوية. وابنها يبقى من دون اسم، لا اسم له، ولا هوية له، يبقى موزعا بين عائلة أمه(عائلة الــ " بدون ") وعائلة أبيه(عائلة أصيلة وغنية ولكنها لا تعترف بانتمائه إليها، ولا يهمها هذا الابن في شيء، ما يهم هو مال أبيه الذي ينبغي أن يبقى في أيدي العائلة).
ومن خلال فكرة " الهوية الغائبة "، يقدم محكي الانتساب العائلي تصورا عن الإنسان باعتباره " طبقات من الهويات المتتابعة"(7) ، ومعنى هذا أن الهوية تتميز بالتعدد، وتتأسس في شكل طبقات من الحيوات السابقة: فهدة ابنة البدون، فهدة الطالبة الجامعية، فهدة الراقصة، فهدة زوجة ضاري، فهدة المتدينة المتشددة.../ ابن فهدة لا اسم له في الرواية/ ابن فهدة دمه مختلط من جهة الأم ودمه صاف من جهة الأب/ ابن فهدة هو ولد المعزب/ ابن فهدة هو خالي الرشوش/ ابن فهدة لعبة في أيدي خاله وعمه...
ولنلاحظ ما تقوله فهدة عن أمها:
" شخصيات وأقنعة تدخل فيها وتخرج منها بكل سلاسة وسهولة، من غير اصابات ولا ضرر.
طبيعتها المرنة والمطواعة مكنتها من تمثيل الأدوار كلها، والتلبس فيها بالتطابق الكامل. وفي الكل
كانت صادقة ومقنعة ومقتنعة بما تعمله وتصفه وتقوله، ومؤثرة تمام التأثير"(ص 147).
وفي أكثر من مكان، تشير الرواية إلى هذا التعدد في هوية شخصياتها: لنلاحظ تعدد هويات العم جاسم، والتحول في هوية أبو الكلام، ولنقرأ ما يقوله ابن فهدة عن الخال مرداس ننه:
" مرداس ننه ... موهوب بالفطرة وقادر على الدخول في كل الأدوار والأطوار. وفي كل دور منها
هو مقنع جدا، صادق، وواثق"(ص 156).
في رواية " سلالم النهار " يحتل البحث في الأصول العائلية ومساءلة الحكاية العائلية مكانة أولية، وبشكل يقدم أوجها مختلفة للذات، وينسج صورة صارخة عن هشاشة الهوية، وبطريقة يتقدم بها الماضي العائلي كأنه حمل ثقيل أو جرح غائر في الأعماق.
لنسجل أن محكي الانتساب العائلي في " سلالم النهار " يكشف النقاب عن قلق في الذاكرة، قلق من الأصول العائلية الغريبة المقلقة. وهذه الغرابة المقلقة مصدرها أشياء عديدة، منها أساسا أن فهدة تعود أصولها العائلية إلى مجتمع الــ"بدون "، هل نقول بدون جنسية، بدون هوية، بدون اعتراف بالمواطنة، لنترك الراوية صاحبة الشأن تعبّـر عن أصولها العائلية وعن الفوارق الاجتماعية في مجتمع طبقي منقسم إلى فئات وطبقات، لبعضها الحق في كل شيء، ولا حق لأخرى في أيّ شيء:
" الأشياء التي تفرق بيننا وبينهم كثيرة.
لعل أوقعها وأصعبها على الروح هو أنهم فيها مواطنون ومنتمون اليها.
ونحن ليس لنا حق في مواطنتها، ولا الانتماء اليها ولا التمتع فيها..
نحن لسنا بوافدين..
ولسنا بمقيمين ..
ولا جئنا باتفاقات وعقود ..
نحن " بدون "
بدون أيّ شيء يحمينا أو يغطينا أو يؤمننا ..
نحن عراء منبوذ في بدون."(ص 23 ــ 24).
ولنلاحظ ثانيا هذا الغياب الكبير للأب داخل المحكي، فالراوية فهدة لا تقول الشيء الكثير عن أبيها، ويبدو من كلماتها أن الأب هو الغائب الأكبر من ذاكرتها، ولا يمكن لذلك إلا أن يكون مصدر قلق وغرابة:
" لا أحفظ تفاصيل وجه أبي، ولا كثيرا من ذكرياته".
" غالبا البنات ليس لوجودهم أية أهمية على خريطة الوالد، الحظوة ــ لو وجدت ــ فهي من حظ
الذكور فقط".
" والدي لم يهتم بي ولم يعلم بدراستي الجامعية إلا بعد حصولي على شهادة التخرج"
وفي محكي الابن، لا نجد كلاما كثيرا عن الأب، فقد ازداد الابن بعد موت أبيه، ويتم استحضار أعضاء آخرين من العائلة، كالأم والجدة والخال والعم، ولا نجد إلا إشارات قليلة عن الأب، وان كانت لا تخلو من دلالة، من مثل كراهية الابن لأبيه.
وفي المحكيين معا(محكي فهدة ومحكي ابنها)، يمكن أن نفترض أن غياب الأب مستقر في قلب الذاكرة وفي قلب المحكي العائلي. بل إن ماضي الأب وأصوله(خاصة أب فهدة) يكادان يؤلفان الفصل الفارغ أو شبه الفارغ في الذاكرة.
ولاشك أن غياب الأب، وما يحفره هذا الغياب في قلب النفس والذاكرة، هو الذي يجعل السارد الابن يمارس لعبة غريبة مقلقة حين يمزج بين الماضي والحاضر، ويقلب أدوار الزمن، مدعيا أنه هو الأصل أما أبوه فهو الصورة لا الأصل(ص144).
وانطلاقا مما تقدم أعلاه، هل يحق لنا أن نربط بين الإبداع وغياب الأب والهوية المتعددة الهجينة؟
يمكن أن نسجل أولا أن الرواية نفسها تربط بين هذه " الهوية الغائبة المتعددة الهجينة" وبين الإبداع والفن، مدعية " أن كل من يعمل في الفن هنا هم من ذوي الدماء المهجنة ... الإبداع في هذا البلد لم يأت من ذوي الدماء الزرقاء أو الأصول الأصيلة، بل كلها الإبداعات جاءت وولدت من الدماء المختلطة"(ص155).
وينبغي لنا أن نسجل ثانيا أن الرواية عند فوزية شويش السالم(وباستحضار رواياتها السابقة بالأساس)تبدو كأنها عبارة عن جمع إشكالي يستخدم المرايا والعاكسات، ويعتمد التضعيفات التخييلية، ويستحضر محكيا آخر داخل المحكي، ويجمع بين السرد والشعر، ويدمج الميتا تخييل داخل التخييل، ويخلق زواجا خلاقا بين عناصر متنافرة: أوتوبيوغرافية وبيوغرافية حقيقية وعناصر روائية تخييلية وشعرية رمزية، ويعدّد أصوات السرد وزوايا النظر...
وبعبارة أخرى، فالنص الذي تكتبه فوزية الشويش هو نص يجمع بين عناصر متنافرة، ويعمل من أجل أن تنصهر وتذوب في بعضها البعض، ويتحول بذلك إلى نصّ هجين، يرفض الارتباط بالقيمة التي كانت لـ"طهارة" الجنس وصفائه ونقائه، فهوية النص الروائي، مثل هوية الكائن الإنساني، لا يمكن أن تكون إلا هجينة مركبة متعددة، ذلك أن اللاتجانسية أي التعايش هو ما يشكّل الواقع، واقع الإنسان كما واقع الكتابة.
3 ــ محكي من داخل الألم:
وأخيرا، يبقى أن نسجل أن أهمية محكي الانتساب العائلي تعود، في افتراضنا، إلى خاصيتين رئيستين: أنه يشكل نوعا أدبيا جديدا في الأدب الإنساني، وأنه نوع مثمر لأنه يشكل نوعا من التفكير المعمق في الحاضر والماضي، في العصر والذاكرة، وأنه محكي يتأسس على كلام يبدو أنه نابع من داخل الوجع والألم، يريد أن يؤلف مشروع استعادة وتركيب للماضي، ومشروع تفكير في المستقبل والمصير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1 ــ- Marthe Robert, Roman des origines et origines du roman, Gallimard, Paris,
1977(Grasset,1972).
2 ــ " الرواية العائلية " مصطلح نفساني وضعه مؤسس التحليل النفسي س. فرويد في نص أصدره سنة 1909 تحت
عنوان: رواية العصابيين العائلية. وتعتبر مارت روبير أول من وظف هذا المصطلح النفساني في قراءة الأدب الروائي
في كتابها المذكور في الهامش أعلاه، وقد ترجمه وجيه أسعد سنة 1987(منشورات اتحاد كتاب العرب) تحت عنوان:
رواية الأصول وأصول الرواية".
3 ــ لقد سبق أن تناولنا بالدرس نموذجا من الرواية السعودية في دراستنا: بلاغة " الرواية العائلية "، رواية المنبوذ
نموذجا، ضمن كتاب: الرواية والتحليل النصي، منشورات الدر العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف، 2009،
ص ص 207 ــ 222.
4 - Balzac, Ursule Mirouet, La comédie humaine, tome 3, Gallimard, Paris, 1976 – 1981.
5 - Laurent Demanze, Encres orphelins, Josi Corti, Paris, 2008, p31.
6ـــ مارت روبير: رواية الأصول وأصول الرواية، الرواية والتحليل النفسي، ترجمة وجيه أسعد، منشورات اتحاد كتاب
العرب، 1987.
7-- Laurent demanze, Ibid, p59.
حوار مع سعدي يوسف الشاعر العراقي
الشاعر سعدي يوسف
في حديث المكان والشعر والثورة:
وجدنا أنفسنا أمام لاشيء، وهذه خيبة كبيرة
إعداد: عبد السلام دخان، عماد الورداني، محمد العناز:
أخلص الشاعر سعدي يوسف للشعر مند ديوانه
الأول"
القرصان" الصادر عن مطبعة البصري ببغداد ، وتجربته الشعرية التي راكمت أكثر
من ثلاثة وأربعين ديوانا تعد اليوم بمثابة منجز شعري وجمالي رفيع ساهم في تطور التجربة الشعرية العربية على نحو
متفرد. نال عدة جوائز تقديرا لإبداعه الشعري منها: جائزة سلطان العويس، والجائزة
الايطالية العالمية، وجائزة كافافي من الجمعية الهلّينية. و جائزة فيرونيا
الإيطالية لأفضل مؤلفٍ أجنبيّ. إلتقينا به بطنجة أثناء زيارته للمغرب وكان لنا معه الحوار
التالي. .
-
الشاعر سعدي يوسف أنت الآن في مدينة طنجة، جُلت في شوارعها، ومقاهيها،
ودروبها، وكَتبت عن هذه المدينة. ماذا يشكل لك هذا المكان باعتباره موضوعا شعريا؟
عندما جئت إلى طنجة كنت قد فكّرت
قبل مجيئي بزمان طويل في أن تكون زيارتي شخصية وخاصة، وأن أتيح لنفسي فرصة التمتع
بحرية الشخص المجهول، أعني أدور في المدينة في أزقتها أجلس في المقاهي في الحانات
أتعرف بأناس جدد،أتصل بجميع أصدقائي فيها. بالتأكيد تاريخ المدينة يشكل دائما
هاجسا حاضرا لدي: التاريخ الثقافي، التاريخ السياسي الناس الذين مروا بها وأقاموا
فيها، هذا كله جزء من بانوراما المدينة. أنا الآن أكاد أكمل شهرا في طنجة، سعيد
بهذا الشيء وسعيد أيضا لأني كتبت فيها عشر قصائد مهداة إلى المدينة.
-
يشكل المكان مكونا أساسيا في نصوصك الأخيرة، هل
المكان يعد الآن جزءا من الهوية المشتركة بينك وبين هذه المعالم المتعددة سواء هنا
في المغرب أو في البلدان الأوربية أو العربية؟
إن التأكيد على
المكان ليس شيئا جديدا، لكني الآن أكثر تشبتا ببه ربما لأنه لدي رد فعل شديد إزاء
ما يبدو من انقطاع عن الحياة في كثير من النصوص الشعرية التي تنشر، وهذا رد الفعل
جعلني أكثر تمسكا بالمكان الذي أعتبره عاملا فنيا وليس ديكورا للنص، هو فاعل بحد
ذاته المكان عنصر مثل اللغة مثل الصورة، المكان نفسه هو عنصر فني؛ إنه مكون وليس
هامشا المكان ليس مكانا المكان فاعل في النص باعتباره عنصرا جماليا هاما وأساسيا.
-
هل يمكن القول أن
التحول الجديد في مفهوم القصيدة؛ أي الانتقال بالمكان من عنصر مؤثث إلى عنصر فاعل
في تكوين القصيدة يشكل ملمحاً أساسيا في تجربتك الشعرية ؟
الاهتمام بالمكان، واعتباره أساسا في بناء النص الشعري، ليس أمرا جديدا؛
أنا من الناس الذين يحترمون امرؤ القيس تماما وأستشهد به دائما في جماليات النص
الشعري العربي، هذه الجماليات التي نسيناها مع الزمن؛ معنى ذلك أن الاهتمام
بالمكان وبالطبيعة اللامجاز إذا كان يصح لنا الاستعارة في أدناها يعني أن العالم
عند امرؤ القيس ليس عالم استعارات إنه عالم حقيقي. وهناك شيء أنا طورته مع الزمن
أدعوه استخدام اللغة المادية. هذه اللغة المادية تعتمد على الإسم الجامد وعلى
الفعل وتتحاشى مئة بالمئة استعمال المصدر في النص لأن المصدر ليس مادة خامة، أعتقد
أن الشاعر كالنجار وكالنحات يستخدم الحجر مادة خام الموسيقي لديه سلم موسيقي ومادة
خام، والشاعر باعتباره فنانا ينبغي أن يتناول المادة الخام التي يشتغل عليها ويحور
ويغير، ومن هنا تنبع أشكال الاهتمام
بالمكان باعتباره يستوعب اللغة المادية هذه الأخيرة ضرورية لأننا نقول هذا باب، وهذه
طاولة..أنا إذن بصدد تكوين علائق بين هذه المادة الخام وأعيد تشكيلها وأقدمها
بطريقة تأويلي للكون.
-
هل يمكن القول إن
القصيدة لديك هي تأويل للعالم على نحو شعري ؟
هي تأويل؛ لأنها محاولة تغيير،لأن الفن لا يقبل الواقع كما هو؛ الفنان يغير
والفن عملية نقدية كبرى وهائلة تريد أن تعيد تشكيل الكون، تعيد تشكيل عوائد البشر
وطريقة تصرفهم. الفن يريد أن يرهف الحواس أكثر فأكثر يعني يجعل سماعنا أرق وأدق
بالموسيقى يجعل عيوننا أكثر تدريبا على اللون والرسم وهكذا والملمس إلى آخره. فأنا
ضمن هذا الاتجاه أعيد تشكيل العالم.
-
تجربتك الشعرية في مرحلة السبعينيات كانت
تراهن على قضايا معينة، لتعبر عن صوت الذات الشاعرة في ارتباطها بقضايا مثل الوطن
وقضايا فكرية إلى غير ذلك، لكن الآن نلاحظ على أنك تراهن على نقل الأحاسيس
الإنسانية في علاقتها بالزمان وفي علاقتها بالعالم. ما مرد هذا التحول ؟
أحيانا في فترة التحولات الكبرى أو ما تبدو فترة تحولات كبرى. أنا أشعر أن
الشاعر يحس بمسؤولية عامة، ولا يريد أن يتخلى عن هذه المسؤولية العامة، فيدخل في
المعمعة بالصوت العالي، وهذا يحتاج إلى جماليات مختلفة، يحتاج إلى بيان مختلف
يحتاج إلى صوتية .يحتاج إلى ما أسميه استخدام اللفظ النعت والحال والإضافة..ولكن
عندما تنتهي هذه الفورة الكاذبة في معظم الأحيان، أنت تعود إلى الإشكالات الحقيقية
في الفن. الفن دائما يقدم مسألة صعبة يقول لك أنت عاطفي جدا ..أنت كذاب جدا..أنت
تحاول أن تخدع القارئ فشيئا فشيئا تتخلى عن كثير من الجماليات الملتصقة بغائية
معينة وأنت تقول لا داعي لها
-
رسم البيان الشيوعي خطوطا
، ومعايير محددة للمجتمع ولعلاقته بالسلطة. هل يمكن القول إن الشعر يرسم لحدود
معين، ولتفاصيل دقيقة في بيانه اتجاه السلطة، واتجاه المجتمع؟
يصف امبرطو إيكو البيان الشيوعي بقوله : إنه أجمل قصيدة كتبها البشر. ومع
أمبيرطو إيكو البيان الشيوعي هو نداء تغيير لازال مستمرا وفاعلا؛ لأن الأسئلة التي
قدمهالم يجري حلها حتى بعد ثورة أكتوبر في روسيا. الشاعر لا يمكن إلا أن يكون
قارئا للبيان الشيوعي على الأقل.
-
هذا يعكس جانبا من
التزام الشاعر بقضايا خاصة لكن كيف يمكن لنا أن نربط بين هذه القضايا، وبين
التجربة الشعرية ذات السياق المخصوص خاصة وأن هذه التجربة لدى سعدي يوسف مرت
بمنعطفات سياسية كبرى كان لها الأثر الحاسم في تغيير مسار التجربة ككل؟
العمدية في اختيار الاتجاه ليست هي الحل الأمثل؛ أي أنك تصل إلى ما يبدو
حلولا في فترات مختلفة، حتى هذه الحلول من الأفضل أن لا تعتبرها دائمة، لا حل دائم
في الفن أبدا. كلما أفسحت مجالا للمراجعة كانت أحسن. لا استقرار في الفن على
الإطلاق، معنى ذلك أن مراجعة الحياة نفسها كفيلة بالمراجعة، وليس شرطا أن تكون
المراجعة فكرية، الحياة تقول لك هكذا ينبغي التصرف، هكذا ينبغي أن تخاطب
الناس...أن ننتج قناعات. دائما لدي هذا الهاجس أريد للنص الذي أكتبه أن يصل. أقدم
مفاتيح معينة إغراءات معينة للدخول في التأويل الصعب تبدو القصيدة يسيرة جدا وليس
فيها شيء وقد تبدو فقط رصدا لمعالم خارجية . مستويات القراءة لها نصيبها ولها حقها
في أن تتمتع بالنص أنت تكتب نصا ليس من أجل أن تتمتع به النخبة لا، وإنما من أجل
شخص متوسط المعرفة شخص أقل تكوينا أيضا تتيح له مدخلا لقراءته ومفاتيح معينة وهذا
ما يبدو خارجا أو ظواهر خارجية هو جزء من اللعبة الفنية لتقريب النص.
-
تحدثنا عن علاقة النص
الشعري بالتاريخ كيف تنظر إلى علاقة النص الشعري بالفلسفة إذا ما استحضرنا تجارب
مثل علاقة هايدغر بهوردلين ؟
الشعر لصيق بالفلسفة، لكن مسلك الشعر يختلف عن طريق الفلسفة التي تتجه نحو التعميم
بعد رصد الظواهر للخروج برأي أو بتصور عام للكون وللحياة. الشعر مدخله لأنه مرتبط بالحالة الفردية للظواهر المنعزلة التي تبدو لا
علاقة بينها، والشعر يحاول أن يقيم بينها ويشيد
تصوراً لعالم مختلف. وفي النهاية يلتقي الشعر والفلسفة في البحث عن تغيير، عن عالم
مختلف.
-
يعني هذا القول ان
سعدي يوسف شيد مدينة جديدة لا إقصاء فيها لأي مكون؟
أن معنى باستعاب حضارة الإنسان لأستوعب
منجزات العلم لذلك أتابع الفلسفة ، وأقرأ بغزارة، أتابع ما يحدث في العالم من
تغيير، وهذا ينفعني بالتأكيد في سيرورة النص الشعري.
-
ارتبطت ثورة 1968
بفرنسا بأراء سياسية وبتجربة شعرية خصبة. ألا يمكن القول إن الحراك الذي يشهده
العالم العربي مؤخرا في تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا والمغرب وغيرها من البلدان
العربية له ما يوازيه من رؤى شعرية؟
المشكلة أنه ما بدا راديكاليا لم يكن راديكاليا بحق، ولهذا أنا لا أنتظر أي
تعبير شعري عميق؛ لأن ما حدث كان سطحيا جدا..كان عملية جراحية سطحية، الجيش يحكم
مصر والجيش يحكم تونس، والإسلاميون في الواجهة ومن بعد تبدو المسألة هكذا مثل
فقاعة كبيرة لها انفجار ودوي، ولكن لما انفجرت هذه الفقاعة وجدنا أنفسنا أمام
لاشيء، وهذه خيبة كبيرة، هذا كلام قلته مبكرا في القدس العربي لما نشرت أي ربيع
عربي هذا؟ في وقت مبكر جدا وتلقيت نقدا لاذعا وهجوما إعلاميا علي. كيف وأنت
راديكالي وأنت لا تؤمن...المسألة ليست هكذا أنا من حقي أن أقرأ ما يجري، أقرأ تاريخا
معاصرا حياً. ويبدو أن قراءتي لم تكن بمعنى خاطئة ومتعجلة بالوصول إلى نتائج معينة
لكن هذه النتائج تبثث الآن، وبالتالي توقعت أشياء تحدث الآن بالفعل.
-
هل يمكن القول إن
القصيدة خلاص الشاعر من كل التشوهات الإيديولوجية التي تصيب العالم بين الفينة
والأخرى؟
التجلي الفني هو قمة الجمال، وما يمكن أن ينجزه بني البشر، والقصيدة ضمن
هذا السياق تعتبر الصوان الوحيد في عالم قبيح وشرير.
-
إذا عدنا إلى قصائدك
الأخيرة نلاحظ أنها تراهن على نثرية باذخة، وعلى الاستعارة الكلية للقصيدة ككل ليس
الاستعارة بمفهومها البلاغي الكلاسيكي. هل معنى ذلك أن الشاعر الآن يجدد طرائق
الكتابة بهدف الوصول إلى القصيدة التي يحلم بكتابتها؟
المدخل الاستعاري التقليدي في النص الشعري مدخل خاطئ بلا شك، ولكن ربما
نقول الاستعارة الكبرى التي تعني أن تحاول أن تصل إلى واقع ثان، أو أحيانا واقع
ثالث. أي الإنطلاق من الواقع الأول المتسم بالقبح بغية الوصول إلى عالم مدروس
بعناية لكي يكون جميلا، ولكي يستمتع به بني الإنسان.
-
ترجم منجزكم الشعري
إلى لغات عالمية: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية وغيرها. باعتبارك
شاعرا كيف تنظر إلى نصوصك وهي تسافر إلى لغات أخرى؟
على العموم أنا أشعر بسعادة بنصوصي عندما تكون في لغات أخرى، ونصوصي في
اللغات لا تفقد من قيمتها الأساسية؛ لأنها بشكل ما تجنح إلى أن تكون ما يسمى
بالشعر الملموس المحسوس وليست عندي جماليات بيانية أو خاصة باللغة العربية خاصة في
فترة السنوات العشر الأخيرة، ولهذا فالنص لن يفقد شيئا، عموما النص يفقد في أفضل
الترجمات حسب بعض الدراسات ثلاثين في المئة من قيمته في لغته الأصلية، لكني لا
أشعر بفقدان الكثير.أنا دائما مرتاح عندما أجد نصي بلغة أخرى أحيانا أقوم بترجمت
نصي إلى اللغة الإنجليزية ولكن من ترجمني لم يلق صعوبة. لهذا السبب أنا ليست عندي
جماليات أو تخليت عن الجماليات البيانية. وأعني الصوت العالي أو ماشابهه لقد تخليت
بالتدريج عنها. الجماليات هامة ولكن مع الزمن وجدت أني أستطيع الاستغناء عنها، بأشياء
أخرى.
-
الشعار سعدي يوسف
الشعراء الأوائل الذين استفادوا من التقنية الإنترنيت بشكل أساس، نشرت نصوصا في
مواقع إلكترونية لديك حساب في الصفحة الإجتماعية في الفايس بوك..ماذا أضافت لك التقنية
في تجربتك؟ وهل يمكن اعتبارها بديلا عن النشر الورقي؟
أنا الآن نشرت حوالي ثمانين كتابا، و ستغرب أن أقول لك أني لم أقبض درهما
واحدا عن الكتب الثمانية التي نشرتها، فكرت في أحد الأيام قلت صحيح أني أنشر كتبي
المطبوعة ولكن هذا الكتاب الذي يطبع 1000 نسخة أو في الأحسن 2000 نسخة هذه دورة
كتاب بطيئة جدا، وما في النظام السياسي والتجاري العربي حواجز أمام دخول الكتاب
ورقابات متعددة بحيث أن 2000 نسخة قد تستغرق سنوات حتى تباع. أولا أنا الآن أتيح
فرصة للناس لقراءة أعمالي، وأتيح لنفسي بأن أكون مع الناس وأيضا أخلصهم من قبضة
الناشرين (يضحك عاليا) يستطيعون تحميل دواوين كاملة من الموقع . إنها خدمة متبادلة
أنا أخدم قارئي ليس بشكل افتراضي لأنه قارئ حقيقي.لقد وجدت مثلا في هذا الصباح أن
قراء قصيدة "ريتس أطيل" أكثر من
4000 قارئ. لم أطبع ديواناً بأربعة آلاف نسخة فكيف بقصيدة واحدة في ظرف ثلاثة أيام
وصلت إلى 4000 قد تصل إلى خمس آلاف وهذا حلم وأنا حريص على هذا الشيء الذي أواصله
يوميا.
-
في فترة معينة صرحتم
بكون التجربة الشعرية الرائدة ستكون من المغرب العربي، في فترة هيمنة
ما يسمى بالنشر الورقي. الآن بعد دخول التقنية. ما هو تقييمك لهذه التجربة
الشعرية ؟
راهنت على التجربة الشعرية المغربية قبل حوالي عشرين عاما، وكانت القصيدة
العربية في الشرق الأوسط والمنطقة العالمية قد وصلت إلى طريق مسدود، والشعراء كلهم
صاروا يشتغلون في الصحافة؛ إذا دخلت إلى لبنان مثلا كل الصحافيين شعراء وكل
الشعراء صحافيون، وهذا شيء يؤثر سلبا على حرية الشاعر. هنا في المغرب، المسألة
مختلفة لأنه لا يوجد احترام في الصحافة أصلا. الصحافة ليست إمبراطورية راسخة مثل
بعض الإمبراطوريات الصحافية في الشرق الأوسط، ولا تدفع أجورا للناس وإذا دفعت تدفع
شيئا تافها الناس تفضل أن لا تشتغل في الصحافة. من هنا يظل الشاعر في المغرب يتمتع
بحرية أكثر بقدرة على الاشتغال، بقدرة على أن يكون مستقلا، يشتغل في التعليم هذا
شيء يعطيك وضعية ذات استواء معين أنت تتصرف هكذا لكنك لست في حاجة أن تبيع نصك. أنت
لست بحاجة إلى أن تكون كاذبا أو تتلملق أحدا..كلما صار المبدع مستقلا صرنا ننتظر
أعمالا إبداعية وأنا مازلت أراهن على أن الحرية المكتسبة لدى المبدع المغربي لا
تزال هي الضمانة للنصوص المقبلة لن أقف لأجزي لنفسي التحدث بتفصيل عن الساحة
الشعرية الآن في المغرب ليس لي حق في هذا لأن اطلاعي لا يزال محدودا، واللوحة ليست
متكاملة لدي لكن لي ثقة في هذا الشيء ضمن هذه النظرة الاجتماعية الثقافية المنتجة
للنص في المغرب.
-
كلمة أخيرة عن طنجة؟
صباح الأحد في طنجة
في الهواء قواقعُ بحريــةٌ
رَخَويّاتُ ماءَينِ أسماهُما قومُنا
الـمتوسِّطَ والأطلسيّ ...
كأنّ قماشاً نقيعاً يلفُّ المدينةَ ،
والناسُ شِبْهُ سكارى
وما هُم سكارى ...
يقولُ ليَ الفندقيُّ : المدينةُ مخنوقةٌ .
قلتُ : طنجةُ قد أحيَت الليلَ ،
والآنَ يحلو لها أن تنام ...
ولكنني سوف أمضي إلى الشاطىء المتطاوِلِ حيثُ الـمـدافعُ ،
لن تتبدّى ليَ أندلُسٌ في البعيدِ :
الهواءُ قواقعُ
أمّا النوارسُ فهي التي تجعلُ الأحدَ الجـهْـمَ
أضغاثَ عِــيـــد
...
طنجة 26.06.2011
شتات البياض
زوليخا موساوي الأخضري
حصاة الطريق تحدث هسيسا خلف ظهري وأنا أمشي في شارع خال إلا مني و مني. أشعر بلهاثها الحارق. أتحسس رقبتي. ألتفت. لا أرى أحدا في مرايا الطريق.
أسمع أصواتا و صراخا و نهيقا و زغاريد.
أين تقودني خطاي؟ إلى أين أنا ذاهبة في مملكة لا أحلام فيها.
أنت مستيقظة قال لي الصوت الخشن.
لم أتبين ملامحه. لم يكن الوقت ليلا. لكن الشمس لم تكن في الميعاد.
هل أستمر في المشي؟ سمعتني أسأل الصوت الخشن .
لم يسمعني؟ أم كنت أكلم نفسي؟
مشيت ثانية.. أم ألفا مشيت؟
رغم الحواجز التي أقفز فوقها برجلي المكسورة و رغم السدود العالية الهادرة في
وجهي و رغم الشوك الذي يملأ أجفاني.
مشيت.. و مشيت.. و لم يتعبني المشي.
اللعين! هذا السواد الكالح.. يتلوى بين خطاي كثعبان مارد متحفزا لكل شيء.
يحوّلني فقاعات تطير في الهواء الثقيل الممتد في متاهات المشهد.أنكمش.. أشيح عنه
بوجهي. يلفحني أزيزه الطائش.. هل يضطرني أن أغيّر جلدي؟ أم كالسلحفاة أحتمي مني
فيّ. غريبة عنه. غريبة عن خطاي.أتفقد عزلتي. أبحث عن شتات البياض في غبار الممشى.
أشباح.. خيالات تجتاحني تطوقني. تنشب مخالبها فيما بقي من ظلي.
ماذا تزرعين يا ابنتي في مهب الريح؟ كيف تحاولين القبض على الجذري.. على القبح
في دمك و الأشلاء تمارس طقوسها في الآفاق؟ ألم تدركي بعد أن القبعات تجرّب عربدتها
حول الفتيل الخافت للشمعة الوحيدة في المنار المهجور؟ و الطواحين؟ آه منها تقيم في
الفراغ الصامت المحدق في المسافة و حفر الطريق!!!
ثم الضجيج.. هذا الكوني الذي يصيب الأيام بالفتور! يسكن تدريجيا في دمنا. يملي
شروطه في تكثيف العلاقة بين الأنا و الآخر. يفتح هشاشتنا على الصور الخليعة و
الجثث المكدسة في الشاشات.
متى نتحرر من فتنته؟
...................
لماذا تقهقه؟
.................
كيف يمكن أن تكون لي قدرا و أكون غطاءك أو أكون قدرا و تكون غطائي؟
هل هذه نظرية فلسفية؟
لا فقط تشبيه لما كان عليه إبداع غاتاري و دولوز. ألم تعرف أنهما كانا يكملان
بعضهما؟
’’ هو البرق في ليلة عاصفة و أنا الواقية التي تمتص الصاعقة كي تختزنها في باطن
الأرض’’ قال دولوز محاولا تقريب الصورة عن علاقة فلسفته بتفكير غاتاري.
...................
لماذا لا تسمعني؟
لن أترك أخيلتك الماجنة تفسد سلطتي.
حوار إدريس علوش مع الشاعرة نسيمة الراوي
حوار على ورق.. الشاعرة
نسيمة الراوي: الكتابة اغتيال الذاكرة
أجرى الحوار: الشاعر
إدريس علوش
نسيمة الرّاوي طالبة تخصص تدبير المقاولات، وهي عضو نادي
حوارات الأدب والفكر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان. تنشر إبداعاتها بعدد
من المنابر الأدبية مثل جريدة القدس العربي اللندنية، جريدة أخبار الأدب المصرية،
والملحق الثقافي لجريدة الدستور الأردنية، والعرب الأسبوعي اللندنية، الاتحاد
الاشتراكي.. وكذا بعدد من المجلات العربية والدولية: الغاوون، الكلمة اللندنية،
عشتروت الكندنية، أبابيل السورية،الدوحة القطرية، المجلة العربية السعودية، طنجة
الأدبية... وقد شاركت في عدد من الأمسيات و المهرجانات الشعرية الدولية والعربية
والوطنية.
- ماذا
تكتبين الآن ..؟
- نص لا أريده أن ينتهي كي لا أنزل من أعالي البحر؛ إنها قصيدة Atlantica.
- آخر كتاب قرأته ..؟
- رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي. وهي قصة فتاة قسنطينية الأصل والروح تحاول
ملء ثقوب ذاكرتها، وقصة رجل يفرغ ذاكرته من أوزار خلفتها الحرب التي ابتلعت يده.
ذاكرة الجسد مساحات شاسعة من الشعر والرسم ورحلات إسراء بين باريس وقسنطينة
الذاكرة.
- كتاب تتمنين قراءته ..؟
- رواية «زوربا اليوناني» لنيكوس كازانتزاكيس لأتعلم كيف أحزن إلى درجة الرقص،
ولأنني أحمل لرقصة زوربا ذكرى جميلة حيث أن أبي المولع بها اقترح علي أن أجربها في
سهرة على النيل بالقاهرة ورقصنا كثيرا.
- كتاب أثر في مسارك الإبداعي ..؟
- لا أعتقد أن لكتاب واحد مهما كانت قيمته الإبداعية القدرة على التأثير في المسار
الإبداعي لمبدع شاب؛ فالمسألة مسألة ترسبات طبقات تشيد في الذاكرة، ومزيج من
المقروء والمرئي والمسموع والمعاش يمارس تأثيره بطريقة غير مباشرة و دون أن نشعر
نحن بهذا التأثير.
- كتاب تتمنين لو تعيدي قراءته..؟
- «حكاية بحار غريق» لغابرييل غارسيا ماركيز التي تحول فيها البحر إلى مقبرة
جماعية بعد غرق سفينة كولومبية.
- هل كتبت نصك المشتهى ..؟
- من الصعب الإجابة عن هذا السؤال؛ لأنني الآن أكتب قصيدة تمارس علي تأثيرها،
وتوهمني بأنها القصيدة المشتهاة تماما كما فعلته بي القصائد الأخرى من قبلها.
- لو لم تكوني كاتبة أي مهنة كنت ستختارين..؟
- عازفة بيانو.
في كلمة ، كلمتين ، كلمات ...
- الفلسفة ..؟
- أن ترى ما لا يراه غيرك.
- الحياة ..؟
- صعود إلى الأسفل.. سقوط إلى الأعلى .. الموت يطاردنا دائما.
- الحب ..؟
- أن تخلع أبواب قلبك في وجه عابر قد لا يعبر أبدا.
- السينما ..؟
- رواية تتنكر للأبيض والأسود.
- الإنترنيت ..؟
- قلعة أوهام وصور.
- الشعر ..؟
- أن يتعرى الكلام من فساتينه، ويلبس السحر والموسيقى.
- الرواية ..؟
- حياة أخرى ترقى إلى الشعر والحلم والحرية.
- الموسيقى ..؟
- في كل مرة أكتب، أشعر أن الورقة بيانو، وأن أصابعي تؤلف معزوفة ستخلد. أحب هذا
الوهم. وربما من أجله أكتب الشعر.
- المسرح ..؟
- الفيضانات الأخيرة دموع طنجة على سربانطيس.
- المرأة ..؟
- كالرجل تماما.
- الكتابة ..؟
- اغتيال الذاكرة.
هذه المدن ...
- طنجة..؟
- قصيدتي الأكثر زرقة.
- القصر الكبير..؟
- فراش يخط خطوطه الأولى على قلب منهك بالأسفار..إن قُلتُ القصر الكبير سأقُولُ
محمد العناز.
- القاهرة ..؟
- صور مشتتة في ذاكرتي، ورقصة الزوربا على النيل رفقة أبي.
- البندقية ..؟
- أحلم بزيارتها لأمشي فوق الماء.
- عمان ..؟
- بدايتي مع الشعر بمركز الفنون الأدائية.
- باريس ..؟
- مطار شارل دو غول والمقاهي الأنيقة.. برج إيفل الشاهق، وقلبي الذي ينساب انسياب
نهر السين كلما تَذَكَّرْتُني طفلة بباريس.
- الريو دي جانيرو؟
- رقصة السامبا بكوبا كابانا، والسمبوسك بالجبن، وطلقات النار عند آخر الليل، وأمي
التي تطيل الوقوف عند البحر، وصديقي جوستافو الذي ودعني قائلا: سأتذكرك كلما أشرقت
الشمس.
- بغداد..؟
- كرم ميخائيل سالم.. عازف اضطر إلى بيع البيانو ليشترى تذكرة إلى دمشق.
هؤلاء الراحلون في كلمات ..؟
- غارسيا لوركا..؟
- أكثر الأحزان فرحا أن تموت شاعرا..
- محمود درويش ..؟
- للوطن شكل أنثى.. للنسيان ذاكرته.. وللحقيقة خلف البحر معنى جديد.
- بورخيس..؟
- أكد أن العتمة منبع للضوء.
- نزار قباني ..؟
- مات وفي قلبه الياسمين.
- بدر شاكر السياب ..؟
- كلما ذكر سقط المطر: مطر مطر مطر...
- تشايكوفسكي..؟
- علمني تشايكوفسكي أن النوتات قطرات ماء تعرف طريقها إلى الروح، وأن الروح في عطش
دائم.
- محمد شكري..؟
- ذاكرة طنجة.
- جبران خليل جبران..؟
- علمني جبران أن النسيان شكل من أشكال الحرية، وأن للنور أعمدة، وأن البحر يظل
أبدا.
- منير بولعيش ..؟
- لأن تسريحات نجوم هوليود لا تروقه، مشى منير على سجاد من غيم؛ ولأن طنجة ليست
عالية بما يكفي، مشى منير على سجاد من غيم نحو الأعلى.
















