محمد معتصم

14 août 2017

في وداع المبدع المغربي الرائد عبد الكريم غلاب

 محمد معتصم

numérisation0016

سؤال الوجود وبناء الواقعية التاريخية.

 

 

1/ الترابط والتطور:

   كغيرها، استطاعت الرواية المغربية أن تحقق لنفسها تراكما كميا ونوعيا، واستطاعت أن تؤسس استمرارها وتحولها، أي تبني تاريخها. فبعد محاولات الاقتباس والترجمة الخجولين والمتعثرين، وبعد محاولات الاستناد إلى الأشكال التعبيرية التقليدية كالمقامة والمقالة، خرجت الرواية المغربية إلى مرحلة التحقق الفعلي، متى كان ذلك؟ يرى الأستاذ أحمد اليابوري(1) أن ذلك بدأ مع الرواية السيرة للتهامي الوزاني "الزاوية"، إلا أن الرواية، في رأيي وهو لا يختلف عن آراء أخرى، قد بدأت خطواتها الثابتة والناضجة مع تجربتين مختلفتين: الأولى لعبد المجيد بن جلون في سيرته الذاتية "في الطفولة"(2)، والثانية لعبد الكريم غلاب في روايته "دفنا الماضي"(3).

 

  1.1/ أول صلة لي برواية "دفنا الماضي" تعود إلى مرحلة الدراسة الثانوية، وقتها كانت صلتنا–نحن الطلاب- بالرواية متقطعة ومختزلة، لأن الدروس كانت تركز على بعض الجوانب وتهمل أخرى، ولأن المناهج المتبعة وقتها لم تكن بالغنى الذي تعرفه الدراسة النقدية اليوم؛ دراسة السرد عموما. ولأن المدرسة المغربية لم تكن قد انفتحت على الدرس النقدي الحديث كما في الجامعة وظلت في الغالب تقليدية. وتكاد لا تدرس الأدب المغربي المعاصر والحديث لأسباب ذاتية ولمواقف شخصية ولاختلافات فكرية، وضمن ذلك الرواية.

 

   وتباعدت صلتنا بها لأن بعض الدراسات الموازية لرواية "دفنا الماضي" ركزت على بعض الجوانب التي لا علاقة لها بجمالية السرد، ولا بالفتوحات التي ابتدرتها هذه الرواية، وركزت على الخلاف الإيديولوجي الخارج نصي(4).

 

   لكن الصلة الحقيقية مع هذا العمل جاءت فيما بعد، عندما بدأ تفكيري في الرواية المغربية والبحث في مكوناتها وخصائصها الجمالية والبحث لها عن ثوابت وركائز تجنسها وتبحث في تربتها الأصيلة، وعن جذورها الممكنة في ذاتها. ولم يكن ممكنا إغفال روايتي المبدع عبد الكريم غلاب "دفنا الماضي" و"المعلم علي"، وأخرى كرواية "الطيبون" لمبارك ربيع، وروايتي "الغربة واليتيم" لعبد الله العروي، و"الزاوية" للتهامي الوزاني، و"النار والاختيار" لخناثة بنونة، ورواية "جيل الظمأ" لمحمد عزيز الحبابي... وروايات أخرى تختلف أيضا من حيث الشكل والهدف والأسلوب والمضامين، مثل روايات محمد زفزاف وأحمد المديني، ومحمد عز الدين التازي، ومحمد برادة، والميلودي شغموم، وإدريس بلمليح، ثم روايات أحمد التوفيق، ومن جيل الشباب وقتها شعيب حليفي، وعبد الكريم الجويطي، وعبد السلام الطويل...

 

   أعلنت الرواية المغربية عن منطلقها الحقيقي والفعلي مع رواية "دفنا الماضي"، ومن خلال الرواية نفسها أعلن المبدع عبد الكريم غلاب عن قدراته الإبداعية وطاقته التخييلية، وعن إمكانياته في رصد التحولات الاجتماعية وسبر أغوار الإنسان المغربي لفترة الاستقلال وما قبلها، وتحديد طبائعه وميوله.

 

   ما يمكن الانتباه إليه في هذه التجربة والتي أراها شكلت خطوات المبدع عبد الكريم غلاب في درب الإبداع؛ الواقعية التاريخية والحياتية. وتتجلى في رصد حركة الواقع العام واليومي المعيش، والقدرة على وصف الشخصية الروائية والتحكم في طبائعها وميولها وغرائزها، والتحكم في تسلسل الأفعال والأحداث وتماسكها وترابطها.

 

وهي واقعية تلتقي مع التجارب السابق دراستها في هذا الكتاب عند يوسف القعيد، وبهاء طاهر، وفتحي غانم...وتزيد عنها ببعدها المحلي والتاريخي والسياسي الذي فرضته على المغرب المرحلة السياسية والتاريخية التي رصدتها الرواية وصدرت فيها؛ أي مرحلة الاستعمار وبداية الاستقلال.

 

  2.1/ إن واقعية الرواية التاريخية تظهر بمعنى آخر في اعتماد البناء على مفهومين نقديين وإجرائيين هما: الترابط والتطور.

 

   . الترابــط:

   يُقْصَدُ من الترابط إجلاء العلاقة القائمة بين الأفعال والأحداث سواء في تسلسلها المتعاقب من البسيط إلى المركب (المعقد) ثم العودة إلى البسيط. أي من البداية إلى الذروة إلى النهاية والحل، أو في تركيباتها المختلفة والمتعددة كالتراجع والتقدم المتعثر والبناءات المنكسرة. ولابدَّ في الترابط من تحقيق انسجام بين أجزاء الرواية وأحداثها، حتى لا يبدو أي أثر للتفكك والخلل. لأن في هذه الحالة إثبات لإمكانات المبدع وقدراته على خلق عوالم متخيلة أو محاكية للواقع، لأن الرواية تمثيل للحياة اليومية المعيشة.

 

   . التطــور:

   تحافظ رواية "دفنا الماضي" على البناء الأول للرواية بحيث تتقدم الأحداث انطلاقا من مبدأ التطور والتنامي، من خلال تتبُّعِ الشخصية الروائية في مراحل متنوعة؛ مراحلها الحياتية وتطورها على مستوى الحالات النفسية والوضعية الاجتماعية.

 

 3.1/ تعتبر رواية "المعلم علي"(5) نموذجا دالا على الواقعية الحياتية. فإذا كانت الرواية السابقة "دفنا الماضي" تتمثل "جيل القنطرة" باسترجاع الأحداث التاريخية وبناء القصة عليها، فإن رواية "المعلم علي" انتقلت إلى الواقعية الحياتية والعملية، فظهر بها مفهوم النقابة والعمل النقابي ومفهوم القانون والحقوق الخاصة بالعمال والحقوق العامة التي تشمل بقية الفئات في المجتمع، وظهرت مفاهيم أخرى كالربح والإنتاج والعامل ورب العمل/المعمل والإضراب والصراع، والدفاع عن العمال والخروج بالعمل النقابي إلى العمل السياسي المناهض للمستعمر والمستغِلِّ. وهو ما سيدفع عبد العزيز (شخصية روائية) إلى أن يشرح ويبين:" مهمة النقابة الدفاع عن مصالح العمال.. هكذا يفهمها زملاؤكم الأجانب، ولكنها عندكم رسالة لإنقاذ إنسانية الإنسان فيكم"(6).

إلا أن مفهوم النقابة يستأثر بالأحداث الصاخبة ويفرض تصوره المخالف لما هو عليه في الغرب وينخرط في عملية التحرير والمقاومة.بذلك تكون رواية "المعلم علي" قد انخرطت في بناء الحياة العمالية، وفي وضع تصور اجتماعي ووطني (سياسي) للنقابة. إنها رواية واقعية اجتماعية.

Posté par motassim à 21:25 - Commentaires [0] - Permalien [#]


13 août 2017

عن الثورة الثقافية في الصين والأدب المعاصر

محمد معتصم

 

في محبة بلزاك

 

 

20170709_234326-1

في رواية الكاتب داي سيجي ذي الأصل الصيني؛ "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" نقف على صورة أخرى منَ "المتخيل المشترك"، وقد استعمل فيها الكاتب متخيلين مختلفين في وقت واحد، هما: المتخيل التاريخي الحديث والمعاصر، كما بيناه في رواية "ميرامار" للكاتب المصري نجيب محفوظ، وخلصنا فيها أن التاريخَ الحديثَ والمعاصرَ ليس سوى محتوى لمفهوم "السياسة" بالمعنى المتداول في وقتِنَا الحاليِّ، وهذا الذي اعتمده داي سيجي عندما جعل منَ "الثورة الثقافية الصينية" خلفية لبناء متخيله الروائي، ثمَّ المتخيل الأدبي، عندما جعل الكاتب من روايات كتاب فرنسيين مشهورين ومعترف لهم بالإبداع من أمثال؛ بالزاك (H. Balzac) وألكسندر دوما (A. Dumas) وغوستاف فلوبير (G. Flaubert) خلفية لبناء "القصة"؛ مادة المحكي السردي لليو والخياطة الصينية الصغيرة ووالدها وشيخ القرية وغيرهم.

 

ومن بين أهم مظاهر استناد الكتاب على المتخيل التاريخي إضفاء قيمة اليقين والواقعية على القصة المتخيلة، لأن التاريخ كما ترسخ في الأذهان، أنه الحقيقة التي لا يتسرب إليها الشك والريبة، فالتاريخ أحداث وقعت بالفعل، وتم تدوينها في حينها، وقد تم تأكيد هذا الحكم عبر وسائط متعددة، كالتعليم والتعريف الموسوعي والمعجمي لكلمة "تاريخ"، إذن، فالتاريخ حقيقة، أو هو وقائع حقيقية، وشخوصه حقيقية وواقعية كانت موجودة بالفعل، في أزمنة معينة وأمكنة ثابتة، ومن هنا رفضت الآراء المتشككة في حقيقة الوقائع وفي نتائجها، تلك التي طرحت بجرأة مسألة "إعادة التفكير" في مفهوم التاريخ وبالضبط في حقيقته المطلقة وواقعيته، من منظور مختلف، قد لا يشكك في حقيقة وجود الأحداث والوقائع والشخوص، ولكنْ "يُعِيدُ صياغة" الأسئلة حول "بناء" الأحداث و"تأويل" النتائج بالعودة إلى الأحداث الثانوية والهامشية والصغرى التي أهملها المؤرخون.

 

وتكمن أهمية اعتماد المتخيل الأدبي في خلق فضاء ثقافي مشترك يجمع بين كل محبي وقراء بالزاك وفلوبير ودوما من كتاب الواقعية والطبيعية، أولئك الكتاب الذين اهتموا بالتاريخ والواقع في الرواية وبالطبيعة سواء الجامدة أو البشرية (العاطفية)، فبالنسبة لهؤلاء الكُتَّابِ فقد تحولوا إلى "حجة" بإبداعيتهم وكثرة منجزهم الروائي، وهو ما جعل منهم كتابا "مدرسيين" كلاسيكيين، اليوم، لكن الكاتب داي سيجي وظفهم للتعبير عن مرحلة تاريخية "مظلمة" من تاريخ الصين الحديثة، فترة تسلم ماو تسي طونغ، وفرض سياسة "ديكتاتورية البروليتاريا"، بما يعني، في عرف الثورة الشيوعية "ثورة الفلاحين والعمال"، وقد رافقها انتقام طبقي من "المثقفين البورجوازيين"، الذين اعتبروا أعداء للشعب فسجنوا وقتلوا، بعدما ألصقت بهم تهم جاهزة في دفاتر الجيش الأحمر، وكأننا أمام الفكرة الجوهرية في أعمال فرنز كافكا "المحاكمة" و"في مستوطنة العقاب" حيث الفرد مدانٌ دون أن يرتكب خطأ أو خطيئة، فكل من لم يكن فلاحا أو عاملا اتهم بالبورجوازية المعادية للشعب ووجب نفيهم وسجنهم وتعذيبهم، وقد صور الكاتب هذه الظاهرة في مشهد عنيف تمت فيه محاكمة والد (ليو) طبيب الأسنان المشهور الذي عالج فيما مضي أسنان ماو من التسوس، وقد ألصقت به تهمة معاشرة ممرضته، وَلَاقَى والد السارد، وهو طبيب أيضا، المصير ذاته (السجن)، وإمعانا في العقاب تم إبعاد أبنائهم إلى القرى النائية من أجل "إعادة التأهيل" على أيدي الفلاحين القرويين.

 

ومن أهم التهم التي لا تغتفر في ظل سياسة "الثورة الثقافية" السوفييتية ورديفتها الصينية قراءة الكتب الغربية خاصة الروايات والقصص، لأنها روايات وقصص بورجوازية تتحدث فقط عن الجنس والحب والصراع ضد العالم، يشبه السار في رواية داي سيجي شخصيتاه الرئيسيتان بشخصيات روائية غربية يقول عن (ليو) و(الخياطة الصغيرة)، بعدما اكتشفت الخياطة الصغيرة حملها من صديقها (ليو)، والحال أن الثورة البروليتارية ترفض بحكم السياسة الجديدة وبحكم العادات والتقاليد الريفية والجبلية أيضا الإنجاب خارج مؤسسة الزواج من جهة، ومن جهة أخرى رفض الثورة والنظام الجديد الزواج دون الخامسة والعشرين من العمر، يقول:" لقد نسيت أمرا أساسيا، أي أن أسألها إنْ كانت ترغب في أن تصير أما في الثامنة عشرة من العمر. وكان سبب هذا النسيان بسيطا: استحالة الاحتفاظ بالطفل استحالة مطلقة. ما من مستشفى، ما من قابلة في الجبل، يمكنهما القبول بخرق القانون، عبر الإشراف على وضع طفل لشخصين غير متزوجين. ولا يستطيع ليو الاقتران بالخياطة الصغيرة إلا بعد سبع سنوات، لأن القانون يحظر الزواج قبل سن الخامسة والعشرين. زاد غياب الأمل حدة بعدم وجود مكان غير خاضع للقانون يمكن أن يهرب إليه روميو، وجولييت الحامل، خاصتنا، ليعيشا على طريقة الشيخ روبنسون كروزو، يساعدهما شرطي سابق تحول إلى شخصية "جمعة". فكل سنتمير مربع في هذا البلد هو تحت المراقبة اليقظة لـ "دكتاتورية البروليتاريا" التي تغطي الصين كلها مثل شبكة رحبة الاتساع، لا تنقصها حلقة واحدة." ص (178)

 

يُبْرِزُ هذا المجتزأ سلطة تحكم البروليتاريا في الثقافة الجديدة، وهو ما يناسب فكرة لينين التي ترى الثورة الثقافية من هذا البعد والعمق، المتمثل في خلق جيل جديد ذي ثقافة عمالية جادة، يقول:"... واليوم يتوفر أهم شيء بالنسبة للثورة الثقافية منذ ظفر البروليتاريا بالسلطة، ألا وهو استيقاظ الجماهير وسعيها وراء الثقافة. وينمو أناس جدد خلقهم النظام الاجتماعي الجديد ويصنعون هذا النظام..." ص (151). وقد جمع لينين في ما عرف بـ "مسودة قرار عن الثقافة البروليتارية" بين مفهومين أساسيين في "المتخيل التاريخي" الذي اختاره داي سيجي خلفية لبناء روايته "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة"، وهما: "الثورة الثقافية" و"ديكتاتورية البروليتاريا"، كالآتي:" لا اختلاق ثقافة بروليتارية جديدة، بل تطوير خيرة نماذج وتقاليد ونتائج الثقافة الموجودة من وجهة نظر الماركسية عن العالم وظروف حياة ونضال البروليتاريا في عهد ديكتاتوريتها." ص (93)

 

هناك تناقض بيِّنٌ في مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" ونتج عنه سوء "التأويل" و"التطبيق" في لحظة انتقال المفهوم إلى تجارب خارج الاتحاد السوفييتي وبعيدا عن لينين ذاته الذي تقول عنه كلارا تسيتكين في مقالة جميلة من كتاب: "ذكريات عن لينين" حيث يبدو لينين أكثر انفتاحا ووضوحا في الرؤية وفي الاختيار بين "القديم" و"الحديث" ودرجة الاستيعاب والتوافق مع وعي الجماهير، يقول:" نحن ثوريون جيدون، ولكننا نشعر لسبب من الأسباب بأننا ملزمون بأن نثبت أننا نقف نحن أيضا "في مستوى الثقافة العصرية". بل إني أملك من الجرأة للقول عن نفسي بأني "همجي". ليس في وسعي أن أعتبر مصنفات التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية، وما شاكلها من التيارات، الإفصاح الأسمى عن العبقرية الفنية. فأنا لا أفهمها ولا أشعر بأي فرح بها." ص (135)

 

إن داي سيجي استطاع أن يقرن بين متخيلين مختلفين ويصنع منهما خلفية جيدة للتعبير عن موقف رافض ومناقض للثورة الثقافية وصرامتها في التعامل مع الفن والثقافة الغربية المتهمة بالنزعة البورجوازية المعادية للشعب والخارجة عن "ثقافة البروليتاريا" الجديدة، التي تطمح لبناء ثقافة جديدة وإنسان جديد، وأن يقوم بالانتصار للأدب الغربي وعبره كل الإبداع الحر، الذي يخاطب الإنسان دون تصنيف ضيق، لأن مفهوم الإنسان غير محصور في توصيفات بعينها، وأهم ما يبرز إنسانية الإنسان في الكتابة، البعد السيكولوجي، الذي بينا في روايات كثيرة مدروسة في هذا الكتاب لنجيب محفوظ وهرمان هيسه، كافكا وستيفان زفايغ...، أنها العلامة الفارزة للأدب الجديد بداية القرن العشرين، خاصة بعد ما أصاب الوعي والفكر إبان الحربين العالميتين. وقد جسدهما الكاتب في: الجنس والحب والصراع ضد العالم. وهذا الذي حاربته الثورة الثقافية.

إن التأويل الخاطئ لمفهوم "الأدب" و"الإنسان" وسوء توظيفه في ظل ثورة كانت تنشد التغيير والقضاء على الفوارق الطبقية، والمتمثل في خلق "ديكتاتورية ثقافة البروليتارية"، والسعي وراء إنقاذ الفلاحين والعمال من قيود الأمية والجهل، وإعادة تأهيل أبناء البورجوازية على أيدي القرويين، خلف تفاقما كبيرا في المجتمع، وقضى على الطبقة الوسطى، ولذلك، جاءت رواية داي سيجي، للوقوف أمام هذا الانهيار والهبوط نحو الثقافة الفقيرة بضيق أبعادها، وابتعادها عن الوظيفة الأسمى للأدب: خلق روح إنسانية مشتركة، ومتفاعلة، وخلاقة، ومخترقة لكل الحدود والفوارق.

 

تروي رواية "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" قصة عاطفية على غرار قصص الروايات الواردة في المتن السردي لكتاب عالميين من قبيل بالزاك ودوما وفلوبير ديكنز وشيكسبير...، لكن الأهم أنها رواية تنتصر لـ"القراءة" ولـ"الكتاب"؛ فقد لانت قناة الطبيب أمام كتابين لبالزاك اقترحهما عليه السارد، مقابل إجراء عملية إجهاض الخياطة الصينية الصغيرة، واختراق القانون الذي لم يجرؤ أحد على تجاوزه، خوفا من العقاب. يقول السارد بعد نجاح العملية:" وفضلا عن اتفاقنا، أي كتاب "أورسولا ميروي"، وهبت للطبيب رواية "جان-كريستوف" أيضا، وكان كتابي المفضل في ذلك الوقت. بترجمة السيد فولي نفسه." ص (192)

 

 

سيجي، داي: بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة. ترجمة؛ محمد علي اليوسفي. منشورات المركز الثقافي العربي. ط1. 2004م

 

 

 

Posté par motassim à 21:13 - Commentaires [0] - Permalien [#]

04 août 2017

الطريق إلى بيت لحم لرسمي أبو علي من كتابي "نحو المحكيات السردية

محمد معتصم

 

المحكي السردي بين الصدق والتوثيق والتخييل

 

في الرواية الحديثة والمعاصرة في الأردن وقفنا عند عدد من المحكيات السردية وقد اجتهد كتابها وكاتباتها في ابتداع صيغ سردية حديثة تناسب تطلعات المرحلة وتمتاح من التجارب الجديدة الناجحة في العالم والعالم العربي، بينما الرواية عند الكاتب والشاعر والقاص رسمي أبو علي اختارت أن تخوض تجربة مختلفة، لكن بتبريرات معقولة، منها أنها أن السارد يكتب بوعي حاد بالمرحلة التاريخية التي يروي أحداثها، ويشعر بمسؤولية ذلك حيال الأجيال اللاحقة، إنه سارد مسؤول أو يمكن أن نقول عنه "ملتزم" بمعنى من المعاني، يرغب في نقل الحقائق كما وعاها وهو طفل إبان نزوحه وعائلته من قريتهم الصغيرة المسماة "المالحة" القريبة من القدس، وبداية اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد إعلان الدولة الإسرائيلية سنة 1948م، إنه سرد يحتمي بالصدق قدر الإمكان، أي قدر استطاعة استيعاب واسترجاع ذاكرة طفل دون العاشرة لأحداث جسيمة ما تزال مستمرة حتى وقت كتابة هذه الدراسة، ويستند إلى ضرورة ووعي تاريخيين لأن ما يسرده من محكيات سيكون في وقت من الأوقات "شهادة" حية من قلب العاصفة، من قلب الاجتياح والعنف الإسرائيلي.

 

بهذا الوعي المسؤول اليقظ والحاد كتب رسمي أبو علي روايته "الطريق إلى بيت لحم"، لكنني لا يمكن أن أفصلها عن روايته "تلك الشجرة الجليلة... ذلك الانحدار السحيق (أوراق من عمان الخمسينات)"، أولا لاشتراكهما في خصائص سردية واحدة، وهي محكيات كما سلف تحتمي بالصدق والتوثيق التاريخي والتخييل الأدبي، ومن أهم ملامح السرد فيها ضمير المتكلم وتوافق السارد والشخصية الروائية والمؤلف وحملهم لاسم علم واحد، هو "رسمي أبو علي" أو كما يقول في "أوراق من عمان الخمسينات" على لسان المدرس: "رسمي حسن محمد علي؟

أجبت نعم، هذا هو اسمي الكامل.

قال الأستاذ يمغص نيعك، من أين أنت؟

قلت أنا من المالحة قرب القدس ولكني جئت بعد ذلك من بيت لحم..." ص (458)

 

ثانيا، لأن الرواية الثانية تبدأ محكياتها السردية من النقطة/ السنة التي انتهى إليها السرد في الرواية الأولى وهي سنة 1952م حيث انتقلت الأسرة (العائلة) إلى عَمَّان، يقول المقطع السردي الأخير:"لقد بقينا في بيت لحم أربع سنوات ثم ذهب والدي إلى عمان بحثا عن عمل جديد فلحقنا به في عام 52، ولكن تلك رواية أخرى..." ص (289)، ويقول الطفل السارد في المقطع السردي الافتتاحي للرواية الثانية:" بعد وصولنا إلى عمان قادمين من بيت لحم عام 1952، استأجرنا غرفة واطئة السقف وحيدة في جبل الجوفة تحت عائلة من أصول بدوية، أمامها قطعة جرداء من الأرض يفترض أنها الحديقة، لكن لم يكن بها إلا شجرة تين عجفاء مكسوة بالغبار، فكأنها شجرة غبار على هيئة شجرة تين." ص (453)

 

ثالثا، الفضاء الروائي لم يتغير إلا ليرسم الخط الذي رسمه النزوح والمأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني عبر صورة مصغرة لمأساة ومحنة أسرة السارد الطفل "رسمي حسن محمد علي"، وقد شكل المكان، كما هي العادة في الرواية الفلسطينية التي نقلت الأمكنة إلى اللغة وإلى المتخيل الأدبي حفاظا عليها من الضياع، كما بينت خاصة في دراستي لرواية إميل حبيبي "سعيد أبو النحس المتشائل"، شكل المكان محطات وعلامات للرحلة الشاقة والصعبة من أجل البقاء، كالآتي: المالحة - كرزة- بيت لحم- عَمَّان.

 

ثلاثة أسباب موضوعية تدفع الدارس إلى الجمع بين الروايتين كامتداد سردي: السارد الطفل والفضاء الروائي وتصريحات السارد المتضمنة كتعليق أو شرح وتفسير، ويمكن اعتبارها أساليب إقناع لخطاب حجاجي يروم خلق الانسجام بين المنطلقات ثلاثة التي حددتها في البداية (الصدق في رواية الأحداث، التوثيق التاريخي للشهادة والأمانة، وضمير المتكلم).

 

يمكن تقسيم مستويات المحكي السردي في روايتي رسمي أبو علي إلى ثلاث مستويات كبرى، وهي كالآتي:

 

1/ المحكي التاريخي: وهو سرد يكون فيه كما بين جون ميشيل آدم التخييل في الدرجة الصفر، لأنه يسعى أن تكون الرواية مطابقة للحقيقة في الواقع، ويسعى فيها السارد إلى إبعاد الذاتية وانفعالاتها وجنوحها التخييلي. يقول السارد:" لكن الحقيقة يجب أن تقال، والذي حدث يجب أن ترويه آلاف بل ملايين الأفواه وكل ما أتمناه أن يهبنا الله اللباقة والتصميم لإنجاز هذه المهمة الشاقة لأروي تلك الأحداث بأكبر قدر من الصدق." ص (251)

 

يقرُّ رسمي أبو علي حقيقة نقدية ها هنا، ومفادها أن الأدب (رواية أو شعرا أو قصة أو مسرحية) لا يمكنه أن يكون الحقيقة الواقعية ذاتها ولا حتى أن يحذوها حذو الحافر للحافر كما يقال، لأن للأدب طبيعة تخييلية تبدأ من اللغة في حد ذاتها، فاللغة وبالرغم من أهميتها في نقل الأخبار والأحداث وتصوير الوقائع ورسم ملامح الأشخاص والشخصيات لا يمكنها أن تكون صادقة، لأن للغة صلة بقصدية الكاتب وللغة حمولتها وتراثها وتاريخها الشخصي، ولأن للغة معانيها وتراكيبها ومجازاتها ... لكن يمكن للأدب أن يقربنا من الحقيقة التاريخية، باستعمال المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية الخارجية كما حددها رسمي أبو علي بالنسبة للمكان (المالحة، القدس، بيت لحم، عَمَّان) وللزمان (ربيع وصيف سنة 1948م، والعام 1952م)، أو استعمال المعينات الزمانية والمكانية اللسانية  وهي المعينات اللغوية غير المحددة بما هو خارج نصي.

 

من ملامح المحكي التاريخي الصدق في رواية الأحداث والرسم الدقيق للشخصيات وللأشخاص واعتماد المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية، وأدوات السارد في المحكي التاريخي "العين" الراصدة التي تعاين الوقائع وتنقلها بصدق قدر استطاعة اللغة، وتنهل طبعا في أغلب المقاطع السردية والمتواليات من الذاكرة عبر الاسترجاع والاستدعاء، أي استدعاء حادث بحادث مماثل أو نقيض، والاستذكار، أي حث الذاكرة على فعل ذلك، لكن في لحظات معينة يكون الواقع أعنف من الصدق في السرد، فيتألم السارد، وقد يتوقف السرد أو يحدث السارد "طفرة" يختزل فيها أحداثا ووقائع، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بقول السارد في المقطع السردي الآتي:" إلى هنا والراوي لم يعد يجد ما يضيفه للأحداث التي وقعت في ربيع وصيف السنة المشؤومة: سنة 48.

 

إنه على سبيل المثال يذكر كيف خرجوا من البلد وهذا شيء غريب حقا، فإذا كان ثمة ما هو جدير بالتذكر فقد كان بالتأكيد تفاصيل ذلك الخروج. ولكننا نبحث عبثا في الذاكرة الأعمق لراوينا الفتى والذي أكمل سنته العاشرة آنذاك، عن التفاصيل، فلا نجد شيئا.

 

Posté par motassim à 12:16 - Commentaires [0] - Permalien [#]

31 juillet 2017

محمد معتصم من الكتاب المخطوط "القصة المغربية الحديثة"/ 1987م

محمد معتصم من الكتاب المخطوط "القصة المغربية الحديثة"/ 1987م

hqdefault

نسخ النص ومسخ الشخصيات

عند محمد غرناط

 

 

+ استثمار الموروث:

   1/ تتأسس الكتابة على كتابات سابقة عليها، لكن بمستويات مختلفة. فبعضهم ينسخ القول السابق وقد ينسبه إلى قائله وقد يهمل تلك الإحالة. ومع ذلك يكون سارقا كما قال نقاد الشعر القدماء. وهناك من يُسْقطُ التركيب واللفظ ويبقي على المعنى ويسمى ذلك تضمينا قد يصل إليه ذهن القارئ وقد لا يدركه. وهو الغالب في الإبداعات الشعرية والقصصية (الرواية والقصة القصيرة).

 

   وإذا عاب الناقد القديم على المبدع أخذ معاني غيره من المبدعين، فإن الناقد الحديث "رخص" للمبدع البناء على نصوص وأقوال سابقيه. وهذا ليس عيبا إذا ما وجد المبدع الحق الذي يذهب بالقول السابق إلى حدوده القصوى. فيشتغل على مستويين معا للقول فيغير في التركيب وفي الدلالة.

 

   ونرى اليوم في الكتابات الروائية والقصصية وحتى الشعرية عدم تحرج الكاتب من إقحام بعض الأقوال دون التأشير عليها أو الإحالة على مراجعها وأصحابها المبتكرين. وهنا يكمن الخطأ والخطر في آن واحد. لأن الكتابة تعني تحويلها وتغيرها كليا. وليس العكس. أي محو القول السابق لدلالة وعمق القول اللاحق. ومفهوم التناص أو تداخل النصوص في هذه الحالة يعني محو القول اللاحق لدلالة وتركيب القول السابق في الإبداع. لأن ظروف إنتاج القول السابق تختلف حتما عن ظروف إنتاج القول اللاحق.

 

 

   2/ في بعض الكتابات نجد المؤلف المبدع يتعامل مع الإنتاج السابق والمقروء السابق تعاملا مبدعا وذكيا. حتى لا نكاد نلاحظه. وفي بعض الكتابات الأخرى التي توظف الموروث والمقروء توظيفا جماليا ودلاليا، نجدها قد أدركت الغاية من مفهوم التناص ومفهوم التداخل النصي ومعمارية النصوص. كما تم تحديدها في الدراسات النقدية الغربية والشرقية عند ميخائيل باخثين، وجوليا كريستيفا، وتزيفطان تودوروف، وجيرار جنيت. وإن اختلفت منطلقات كل واحد منهم وكذلك مقاصدهم.

 

   لكن نجد من يوظف مخزون الذاكرة أيضا. أي كل المحكيات الشفوية المتواترة والمتداولة على ألسنة الناس. وبالتالي يخصب الذاكرة القارئة؛ ذاكرة المتلقين المتشبعين بهذا النوع أو ذاك – الموظف في النص – من الثقافات الشعبية الشفوية. ونجد كذلك من يوظف فقط أسماء الأماكن والشخصيات التاريخية والشعبية والبطولية. وهنا نجد أمامنا الإشكاليات ذاتها: التوظيف الفاعل، والتوظيف المهدم والمسطِّح للقول.

 

 

   3/ في مجموعة محمد غرناط الثالثة "داء الذئب" نجده يوظف الموروث الثقافي ومخزون الذاكرة والأسماء التاريخية والأدبية والمتخيلة المبتدَعَة توظيفا جميلا. أعني توظيفا فاعلا.

 

   والتوظيف الفاعل لا يعني ذكر الأسماء والأماكن أو مخزون وموروث ثقافي لأمة ما فقط من أجل إبراز ثقافة المبدع. بل الغاية منه خلق بناءات متوازية، ودلالات متقابلة، تجعل القول المحكي مضاعفا. كما ننظر إلى المرآة فتفاجئنا وجوهنا إلى حد السؤال عن الجوهري والعرضي، عن الوجه الحقيقي والوجه المزيف. والسؤال عن الوجه المادي الملموس والضوء الخادع. لذلك نجد القاص في إحدى قصص المجموعة يصرخ في الشخصية القصصية (بقوة وغضب وعنف) أن تنظر إلى وجهها الحقيقي. وكأن الألفة التي تربطنا بوجوهنا المزيفة الخادعة (خدعة الضوء) أصبحت سلطتها لا تقاوم. وأن إغفالنا لوجوهنا الحقيقية خفف عنا هم السؤال. والسؤال وعي باللحظة المتحدث فيها وعنها. وعي بما يحدث في المكان وأبعاده. وعي تام بالمتحدِّثِ. كذاتٍ متحدِّثَةٍ وكموضوع متحدَّثٍ عنه. ولعل مواضعات المجتمع سارت بالإدراك جهة الوعي بالظاهر وبالمزيف وتغييب الجوهري أو الحقيقي في نسبيته الحسية...

 

   يقول النص:" ها هو وجهك. أخيرا ها أنت تراه بدون توقع. ثابت كنجم صغير مضيء. صاف. وديع. باسم. يناديك كما يناديك ابنك "كبوت". فتقدم نحوه. اضبط خطواتك ونبضات قلبك. رتب أنفاسك وتقدم. خذه بيدك وضعه بحكمتك المعهودة بمكانه لماذا أنت خائف؟ مضطرب؟ تسكنك حيرة شنيعة، ويغطي عينيك سحاب دنيء. شق عليك أن ترى ما حولك. وتتخيل أن شيئا ما رهيبا قد حدث. هو الآن أمامك يطفح بقدر كبير من المرح والخفة. لم يخترق كما قيل لك. فمد يديك نحوه وتقدم بنصف بصرك لتأخذ النصف الآخر وتعيده إلى مكانه. افعل. لا تتردد لا تخف. لا ترتبك. اضبط نفسك وتقدم". (قصة الوجه. ص 85).

 

   إن القول الموظف توظيفا فاعلا وإيجابيا في العمل الإبداعي يجعل الدلالة مضاعفة تماما كما هو الحال بالنسبة للوجه وانعكاسه على المرآة. وقد لا نهتم كثيرا لأيهما الجوهر وأيهما العرض. لأن الجوهري والعرضي وجهان لعملة واحدة. فقط ينبغي أن تكون العملة سليمة غير مزيفة. وأن يكون المبدع فنانا حقيقيا، وصانعا ماهرا، دَرِبا ومحترفا. يصوغ من الألفاظ والتراكيب والمعاني المستعملة حِليا لها سلطة الخداع الجميل. لأن العين والأذن وباقي الحواس يلذُّ لها الخداع. وتجد فيه متعة وغرابة سعيدة.

 

   4/ يستند القاص محمد غرناط في قصصه الأولى من المجموعة على الموروث وعلى مخزون الذاكرة الثقافية من أسماء شعراء عرب ومفسرين ومؤرخين، ومن شخصيات ولدتها الذاكرة والمخيلة الشعرية والإبداعية. مثل: عروة بن الورد، والشنفرى، وهما من الشعراء الصعاليك، أغربة العرب الذين اضطهدتهم قبائلهم أو ثاروا على الأعراف السائدة. وهم شعراء إلى جانب أنهم فرسان ولصوص ولهم رؤيتهم الخاصة إلى العالم من حولهم. ونجده يستعمل كذلك أسماء الشعراء العشاق، كصريع الوجد والحب قيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلى العامرية. كما يردُ ذكر الطبري وهو يفسر بداية الخلق وأيضا ابن ماء السماء.

 

   5/ فهل لهذا التوظيف الفاعل من دلالة في التركيب وبناء قصص محمد غرناط؟

 

   من خلال كتابة محمد غرناط يمكن استخلاص خاصيات يمكن تعميمها على الكتابات القصصية والشعرية التي توظف النصوص الموروثة ومخزون الذاكرة الثقافية والمكتوبة والشفاهية توظيفا جماليا ودلاليا متفاعلا. لهذا نجد الملامح التالية تبرز في مجموعة "داء الذئب"، خاصة القصص الأولى من العمل:

 

   = التفاعل والمشاركة.

 

   نرى أن توظيف المخزون الثقافي له وظيفة أساسية. وتتعلق بنمط العلاقة بين العمل وقارئه. فالمشكلة الأساسية التي (تحلُّها) أو (تقاربها) النصوص السابقة والأسماء (أسماء الشخصيات وأسماء الأماكن) المبثوثة في العمل هي إشراك القارئ في فكِّ رموز العمل، وإجلاء غوامضه، وفتح مستغلقاته. لأن أهم الأسباب التي تفشل العمل الأدبي غياب الصلة بين العمل وقارئه. خصوصا إذا ما كان القارئ متوسط الثقافة أو كانت ثقافته شفوية. وأظن أن هنا يكمن مشكل النصوص التجريبية التي تقوم على البوح أو تدفق معرفي مجرد. لا يهتم إلا باللغة في سيلانها وانهمار الذاكرة وتدفق المشاعر دون ربطها بأسباب أسلوبية وبنائية تحفل بها ذاكرات القارئين المختلفة والمتعددة.

 

   واستثمار المخزون الثقافي والذاكرة الشعبية والثقافة الشفوية لا يسلم من المثالب والمطبات. فإذا كان هذا التوظيف يساعد على تأثيث فضاء القراءة وبالتالي فضاء العمل الإبداعي. فإنه أيضا قد يجلب إلى العمل بعض القضايا الجانبية، كهيمنة الموروث على المبتدع الذي يدل أكثر على صاحبه (المؤلِّف). من هنا يأتي تركيزنا على أهمية التوظيف الفاعل والمتفاعل الذي يتأثر ويؤثر في النصوص السابقة.

 

   = المرآة، الدلالة المضاعفة.

 

   في هذا المستوى نكون بصدد متقابلتين بينهما مشترك يصل إلى المتلقي. وهي صورة موسعة وشاسعة للتشبيهات والاستعارات البلاغية التي تنبني على العلاقة الرابطة بين طرفين الأول مذكور أو موحى به والطرف الثاني مذكور بغاية إيضاح العلاقة وإضفاء بعض الصفات المقصودة من الربط والمشاركة.

 

   فإذا أردنا التمثيل الجزئي لهذه الحالة/الظاهرة الكتابية نجتزئ ما يلي من النص القصصي الأول من المجموعة وهو بعنوان "العداء". يقول النص:" غمرني إحساس غريب بالهلع، فتأبطت جرابي وتقدمت نحو ضوء يضطرب بعيدا في فراغ ليلي مغلق، كتمت خوفي، واندفعت بجلد عروة، وحركة الريح تملأني من كل الجهات". ص (5).

 

   بالنسبة لقصص مجموعة محمد غرناط "داء الذئب" فإنها تفرض علينا نمطا محددا من القراءة وهو التأويل للإشارات والعلامات اللغوية عوض التحليل الذي يشمل مستوى آخر أعم وأوسع وأقصد بناء القصص.

 

   وذكر اسم عروة بن الورد سيجعل النص مندرجا ضمن فضاء قرائي محدد. مرتبط بظروف وطريقة حياة الشاعر الصعلوك. المنحاز إلى الفقراء. وخصال "روبن هود" في المتخيل الشعبي الشفوي ومتخيل القارئ والمشاهد للأفلام الواسعة الانتشار اليوم. وسينعكس ذلك على الألفاظ المستعملة في الفقرة المجتزأة. سواء بالنسبة للقارئ أو المبدع. وبذلك تصبح لفظة "تأبطتُ جرابي" تحمل دلالات واضحة في الذاكرة. وهو فعل قام به شاعر صعلوك آخر له صلة قرابة بالشنفرى الشاعر الصعلوك أيضا، والذي سيرد ذكره في القصة ذاتها. يقول النص:" أنت في حي من أخطر أحياء العرب. بيوته مصقولة وليس فيها شائبة. وأنت إذا طلع عليك الصبح هنا جمعت ذباب الدنيا. وفي هذه الحالة تخرج من هنا كما خرج الشنفرى من قبيلة بني سلامان. هل تعرف الحكاية؟". ص (7).

 

   هذه الإحالات والألفاظ المزروعة في النص تحدد مسار التأويل والقراءة في آن واحد. و "تأبطتُ جِرابي" تحيل على الشاعر تأبط شرا. ويقال أنه تأبط سيفا وهو الشائع. كما يقال أنه تأبط جرابا به عدد من الأفاعي السامة.

 

   = شرح الحالة بالحالة.

 

   وفي النص الثاني المجتزَأ من القصة نفسها يرد ذكر "أحياء العرب" بذات العبارة المستعملة في كتب تاريخ الأدب وكتب الأخبار والتاريخ. وهو ما يؤكد على تقابل الفضاء القرائي والإبداعي لكل من المتلقي والمبدع.

 

   إذا فالمرآوية والدلالة المضاعفة في القصة تقدم للقارئ بناء متوازيا. يحكي عن عالمين واقعيين أو متخيلين، وهما: حياة الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي شعراء التمرد على نظام القبيلة الذي يلغي الاعتراف بأبناء الإماء ويقصي كل من لا يخضع لعرفه السائد وقانونه القائم على سند المال أو النسب. ونستثني هنا عنترة بن شداد الذي قبل الخضوع أولا لنظام القبيلة. أي قبل بتنكر والده له، وقبل بالعبودية إلى أن تقوى وأحب فثار على القبيلة وإخضاعها لرغبته وسلطته. وهذه طريقة "طاكتيكية" أخرى مغايرة في مواجهة نظام القبيلة. وحياة الإنسان المعاصر المضطهد في عيشه وحياته. والدائم البحث عن شيء ما ضاع منه. كما بحث الملك الضليل "امرؤ القيس" عن ملك أبيه فلاقى حتفه، وأكسبته الرحلة شعرا خلده. يقول النص:" فأنا أبحث عن حق ضاع مني منذ زمن طويل". ص (6).

 

   وإذا كان امرؤ القيس قد جنى من بحثه عن ملك أبيه: الموت. وإذا كان المثل السائر يقول:" ما ضاع حق وراءه طالب" فإن الشخصية القصصية في النص الأول من المجموعة ستقضي ردحا من الزمان في الانتظار، انتظار تحقيق أمل الحصول على الإرث المفقود/المسلوب. يقول النص:" تتالت الأزمنة بملل، وفي كل مرة يرتفع وجه علاء، ويردد وعده. ووجهه يشمخ شيئا فشيئا نحو السماء إلى أن اختفى، ولم يعدْ يسمع إلا صوته يأتي من موضع شاهق يملأ الساحة المكتظة. وكنا مثل النمل نجتمع لنتفرق، ثم نجتمع لنتفرق ... غير أن رؤوسنا تزداد كل يوم ضخامة، وعيوننا تزداد صفرة". ص (12). أ ليست بداية للتحول والمسخ؟ ضخامة الرأس واصفرار العيون؟!

 

Posté par motassim à 10:00 - Commentaires [0] - Permalien [#]

30 juillet 2017

قراءتي في رواية "تحت ضوء الليل" للمرحوم محمد غرناط

محمد معتصم

 

"تحت ضوء الليل" لمحمد غرناط

المكان كالشخصية الخفية

 

صدر للكاتب المغربي محمد غرناط رواية جديدة بعنوان "تحت ضوء الليل" عن دار الأمان (2010) بعد ثلاث روايات، هي على التوالي: متاع الأبكم (2001)، ودوائر الساحل (2006)، وحلم بين جبلين (2008). تؤكد رواية الجديدة على خيارات الكاتب الروائية، ومن أهمها: الفضاء المحلي المغربي.

تقوم الرواية عموما على مكونات أساسية تضمن انسجام النص وترابط وحداته وتسلسل متوالياته السردية، كالفضاء الروائي المحلي، وبناء الشخصية الروائية، وأبعاد الزمان والمكان، والفكرة الأساس، والحكاية الإطار والحكايات الصغرى المكملة والفرعية التي تشق جيوبا ومجاري جديدة وتبني محكيات تامة أو تكميلية، بدورها، لتوسيع الحكاية وإثراء أفكارها وإبراز أهدافها. إن الرواية بهذا المعنى، بناء، وإنها مجهود فكري ومتخيل أيضا.

بنى محمد غرناط روايته "تحت ضوء الليل" على فكرة أساس مفادها؛ أن محاولة الخروج من الفقر قد تؤدي إلى كارثة. يسافرُ رياض الشاب الطموح الحالم والمنقذ والمخلِّص إلى إيطاليا ليعودَ محملا بالآمال والأحلام الجميلة كي يُخرِجَ عائلته من الفقر، وليحرر (حي الزيتون) من البؤس:" نحن أيضا بخير، نحد الله على نعمته وإحسانه ولو أن أحوالنا ليست تماما على ما يرام. كنا دائما بانتظارك. أنتَ تعرف مكانتك بقلوبنا. كل العائلة تسأل عنك، وكلها أمل في أنها ستبدأ حياة جديدة مع عودتك" ص (99)، لكنه نسي أن الحقد لا علاقة له بالنوايا وبالأحلام فهو مرض يسكن بواطن الإنسان المقهور، ذلك الحقد هو النار التي قضت على كل آمال وأحلام رياض وزوجته سيلين، وأرجعتهما إلى نقطة الصفر. فهل الفقر قدر؟؟؟ تقول سيلين لزوجها:" ما من شيء يقع إلا وراءه فاعل. النار يا عزيزي يشعلها الحقد والكراهية والعداء." ص (174).

يحمل العنوان "تحت ضوء الليل" معارضة ساخرة ذات دلالة للعبارات الآتية: "تحت حلكة الليل" و"في جنح الظلام" حتى يناسب المضافُ المضافَ إليه، لكن محمد غرناط جعل لليل ضوءا لعله ضوء نار الحقد التي أكلت أخضر ويابس أحلام عائلة بكاملها، عائلة عاشت على أمل التغيير، وعلى حلم الخروج من النفق، وعلى أمل استرجاع أمجاد الماضي، فما وقع تحت جُنح/ضوء نار الليل/الحقد كان تجسيدا لمعنى الخيبة وفقدان الأمل.   

تبدأ الرواية بالانتظار والترقب وتنتهي بفاجعة "ما هذه الفاجعة؟" ص (172). وهو ما جعل المحكي متواترا على مستوى القصة حسب المتواليات الآتية:

° بنية الانطلاق: انتظارات الأم والعائلة، وبناء الأحلام الكبرى.

° بنية الاضطراب: احتفال العائلة بوصول رياض وزوجته سيلين.

° بنية الحل والنهاية: شراء رياض المصنع ووقوع الكارثة.

تُظْهر البنيات السردية الانسجام والترابط بين المتواليات السردية، والتواتر الذي يقوِّي مبدأ التنامي السردي ويدعمه، في هذا العمل الروائي وفي الروايات السابقة عند محمد غرناط، لكن على مستوى بناء الخطاب فقد اعتمد الروائي العديد من التقنيات منها التوسيع عبر المحكي الاسترجاعي (الارتدادي/ السابق) الذي يقوم بوظائف سردية كثيرة كترميم الحكاية الإطار، أو إضاءة جوانب شخصية من الشخصيات الرئيسة في الرواية، أو السماح للساردين بالتناوب على رواية الغامض في القصة وتبادل الأدوار، ومنها كذلك تأجيل التوقعات وإطالتها عبر إدراج شخصيات روائية جديدة ذات صلة بالشخصية المحورية (رياض حمداني) من قريب أو بعيد. لتأجيل وإبطاء تحقيق التوقعات علاقة وطيدة بتضمين الحكايات الصغرى ومحكي الشخصيات الثانوية التي تشكل بنية الانتظار. التقنيتان معا تسهمان في تجلية طبيعة السرد في رواية "تحت ضوء الليل" فهو سرد متواتر يقوم على الترابط والتسلسل والتنامي، لكن هذا النمط من السرد يقع تحت طائل اللعب ببنية الزمن، لذلك نجد السارد، نظرا لحجم الرواية الذي يصل 176 صفحة، يمتص الضغط الزمني المتسلسل بالطفرة والحذف.

في إطار التوسيع والتنويع في بنية الانتظار التي امتدت من أَوَّلِ الروايةِ إلى الفصل (14) حين وصول رياض وزوجته سيلين إلى مدخل حي الزيتون اعتمد محمد غرناط على الزج بشخصية روائية جديدة في كل فصل، أو بالعودة إلى ماضيها أو إلى جزئية قد تشق مسارا جديدا بخلق محكي جديد.

= = = = = = =

للمكان في الرواية مكانة هامة سواء أكان حاضرا فعلا أو متضمنا في السياق تحيل عليه الكلمات كمكان افتراضي في ذهن الراوي والمروي له أو المتلقي، وهو الفضاء الذي يتجسد على أرضته، وفي أبعاده المتخيل الروائي، وهو الصورة القريبة [تجسيم] من الواقع حيث تتكون الشخصية الروائية من خلال أفعالها أو ما يقع لها من أحداث، وفيه تتحقق وتتبلور فكرة العمل الروائي. المكان في الرواية يقوم بمهام (وظائف) كثيرة تتجاوز التحديد الخارجي (أو الظهور كخلفية ثابتة) إلى الفعل والتفاعل مع مكونات العمل الروائي الأخرى.

يتحول المكان في رواية "تحت ضوء الليل" من حالة الثبات والسكون إلى حالة المشاركة الفاعلة في تشكيل الصورة والقيمة اللتين يروم الكاتب عبرهما الوصول إلى تجسيم فكرة الرواية، فالأوصاف المرتبطة بحي الزيتون وبأهله تساهم بحظ وفير في جعل النتيجة (الفاجعة) منطقية بل نتيجة حتمية؛ ومن المظاهر المميزة للمكان (حي الزيتون) نجد الآتي:

° الفقر والحاجة. تساءل سيلين زوجها رياض:" - وحي الزيتون الذي قلت أن أسرتك تقيم فيه..هل هو الأشد خطرا؟

-         أظن، لأن الفقر انتشر فيه بكثرة." ص (89)

° الرعب وانتشار الجريمة

° الشطط في استعمال السلطة واستغلال القوي للضعيف:" يسعدها دائما أن ترى أخاها مبتهجا حول المائدة يحدثها عن طرائف يشهدها في المدرسة التي يعمل بها، وهي تحدثه عن رئيس المقاطعة الرابعة الذي يرتكب كل يوم حماقات جديدة." ص (47)

° تدني سلم القيم والانحلال والتفكك الأسري والاجتماعي:"...هي تعلم أن جارتهم مونية بنت الخياط تفعل العجب تحت أنظار الجيران ولا أحد يتكلم فيها. تحدث الرجال دون أن تبالي بالمارة والواقفين قرب مساكنهم، هم تعودوا على ذلك ولسان والدها أطول من قامته، فقد لا يتورع في إشهار سلاحه إن تجرأ أحد وفاه بما يغضبه." ص (48)

هذه السلسلة من المظاهر والأوصاف تندرج ضمن ما نطلق عليه "المتخيل الوضيع" الذي انخرط في بناء قضائه التخييلي عدد من الكتاب ومنهم الكتاب المغاربة الذين تشكل وعيهم الفني والإبداعي في سياق التحول الثقافي والفكري والاجتماعي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي كمحمد زفزاف ومحمد شكري كعلامة بارزة في مجال الرواية المغربية الحديثة والمعاصرة.               

في ظل مفهوم "المتخيل الوضيع" يصبح المكان (بل الفضاء) ملتحما بالسرد وبوجهة النظر وبالفكرة الأساس التي ينهض عليها العمل الروائي، ويصبح المكان عنصرا فاعلا وشخصية خفية لهما التأثير القوي في/على مسار تشكيل الحكاية الإطار. وهذه الفقرة الطويلة نسبيا تقوم برسم حدود المكان (حي الزيتون) وبتقديم لوحة (مشهد) طوبوغرفية لمداخل المكان:" من أي جهة سيدخل رياض حمداني كي يصل إلى البيت سالما؟ هناك جهتان محفوفتان بالمخاطر. الجهة المطلة على الغابة الصغيرة الممتدة خلف الحي التي يؤمها أثناء الليل السكارى والحشاشون، بعضهم يتوغل بداخلها وسط الأشجار الكثيفة، آخرون يجانبون بيوت الحي ويطلقون أصواتهم الصاخبة التي لا يحدها احتجاج أو سيارة أمن تمرق من وقت لآخر. الجهة الأكثر خطرا هي تلك التي تشرف على حفرة مهولة كانت مقلع أحجار ثم تحولت إلى مزبلة شاسعة تتجول بها كلاب وقطط متسخة. الأبواب التي تقابلها تنفتح نهارا وتغلق مع غروب الشمس، فلا يمر من أمامها أحد إلا وكان مهيأ للفرار. عليه إذن أن يأخذ الطريق المؤدي إلى ساحة داماس حيث موقف السيارات، مقهى السانية، ومقهى صغير يتجمع به عمال مياومون وعاطلون لا يؤذون أحدا. كان يريد أن يجتاز الدروب تحت ضوء النهار، لكنه خشي أن يقع في كارثة. من الأفضل أن يأتي ليلا ويأخذ الطريق الذي يربط حي الزيتون بوسط المدينة، ثم يتابع إلى بيته دون أن يتوقع حدوث مفاجأة. ومع ذلك عليه أن يحترز، فضوء الليل نفسه قد يفضح وجهه." ص (88.87)

تشير العبارات المضغوطة من قبلنا على الخوف والتوجس وتوقع الخطر بل توقع الكارثة، وكأن رياض حمداني لا يدخل حيا به ولد وترعرع ودرس، حيا به أسرته ويعود إليه بعد غياب دام سبع سنوات عاشها أهله مترقبين ومؤملين أنفسهم بالعودة الميمونة التي ستخلصهم من الفقر والحاجة. تشير العبارات إلى طبيعة المكان ووضاعته التي يكتسبها من غياب الأمن والاطمئنان بين السكان، وسيادة الخوف والانحراف والبطالة، فهي عبارات جعلت المكان عنصرا فاعلا في توقع النهاية/ الفاجعة.

لا يمكن للمكان أن يكون مجرد أبعاد هندسية وفضاء جامد لذلك فالمكان لا تدب فيه الحياة ويقترب من الدلالة الواقعية إلا بفضل الشخصيات الروائية المتخيلة التي تتعايش فيه وتستمد من طبيعته شخصيتها، فيتبادلان التأثير والتأثر الموجب والسالب تماما كما في رواية محمد غرناط "تحت ضوء الليل".

مَكانٌ مريع محفوف بالمخاطر كالَّذِي مَرَّ بِنَا وَصْفُهُ لا يمكنه إلا أن ينتج نسبة كبيرة من الرعب في قاطنيه، ستعبر عن ذلك الرعب شخصية سيلين زوجة رياض حمداني الإيطالية التي لم تهنأ بمقامها في حي الزيتون رغم طمأنة رياض لها، فترة الطمأنينة هي التي قضتها بمدينة مراكش، تقول لزوجها:"

-         عزيزي.. أريد أن أبتعد كثيرا من هنا.

فرد عليها وهو يضغط على المحرك:

-         سآخذك حيث تشائين.

-         خذني بعيدا.. أريد أن أرى شيئا جديدا. حيكم وناسكم وكل شيء ملأ قلبي رعبا. ما أن أشعر بالراحة لحظة حتى أنتكس وتعود إلي المخاوف." ص (163)

وفي حوار بينها وبين رياض تقول:"

-         لكن لا تنس أنني قلقة. أريد أن أضع حدا لهذه المحنة. أنت لا تعرف كم عانيت خلال هذه المدة القصيرة، لا أخفيك أنني أتعذب.

لاح الحزن على وجهها وهي تضيف:

-         هذا الشبح الجديد، ياقوتة، حيرتني كثيرا. نظراتها تشبه قذيفة لا تحمل معها شيئا غير الموت." ص (152)

مجتزأ الحوارين يبيِّنُ حجم الرعب المكبوت في باطن شخصية سيلين منذ هاجمها الكلب الشرس بالساحة أول وصولهما إلى حي الزيتون تحت ضوء الليل، يقول السارد:"انتفضتْ فجأة على صوت كلب ينبح وينطح زجاج السيارة. رأت أنيابه الطويلة فصرخت صرخة عالية هرع على إثرها رياض وأهله يتصايحون. انطلق الكلب هاربا دون أن يتوقف عن النباح. هبطت مرتعدة تكاد تنهار من الرعب." ص (101)

يتضافر الفضاء الروائي والفكرة الأساس [الفكرة الشعرية] في الرواية لرسم الملامح المحددة للمتخيل الروائي في رواية "تحت ضوء الليل". وتعمل الأوصاف والنعوت الخاصة بالشخصية الروائية ووضعياتها داخل المحكي على الانحدار بالمسار من الترقب وبناء أمل الخلاص إلى الكارثة والفاجعة حيث يتم القضاء على فرص التغيير.

المكان كما تمثل في الرواية قدر محتوم غير قابل للتغيير بالنسبة لشخصية رياض وأنه مصدر الرعب والفشل بالنسبة لشخصية سيلين. وهو سجن كبير تتحرك في حدوده الضيقة أسرة وعائلة رياض حمداني التي تعاني من الانحطاط والانحدار الاجتماعي، مثلها مثل باقي سكان (حي الزيتون) الذين يعاني بعضهم من التشرد، والبعض الآخر من البطالة وقلة ذات اليد، وآخرون يقضون قسطا من أعمارهم في الحبس، ومنهم من وضع حدا لحياته التافهة المتوقفة. يصف المجتزأ الآتي استبداد اللصوص وخوف الأهالي المستتب:" صرخت [زينة] في انفعال أن هذا لا يدعو للضحك بل لنحيب طويل على فواجع لا تليق ببني آدم الذي كرمه الله. سوَّى عسُّو جلبابه فوق كتفيه وقال إن كثرة الهم تضحك المرء ولو كان واقفا على قبر أبيه، ثم أضاف إنه كلما كان المطر وافيا وافرا، قل عدد اللصوص، لكن الحقيقة هي أن هؤلاء كرهوا الحياة حتى خلت قلوبهم من الرحمة، أو لم تعد لديهم قلوب، ولا شك أنهم هم أيضا لا يرحمهم أحد، لذلك يطوفون بوجوه حانقة ويظهرون في كل ساعة متأهبين لغدر من يعبر بدرب دون أن يفكروا في الخالق." ص (78)

هناك علاقة متينة بين تشكيل المكان وتكوين الشخصية الروائية، وليس بغريب أن تكون الاتجاهات المختلفة في كتابة الرواية ذات صلة بطبيعة المكان، فالرواية الواقعية لا يمكنها أن تقوم إلا بالتحديد الدقيق للمكان ومكوناته، بل جعلت الرواية الواقعية من وصف المكان أو جزء منه مدخلا ومفتتحا سرديا، أما الرواية ذات المنحى السردي التجريبي فقد انصب اهتمامها على المكان والشخصية الروائية، فعملت على تقويض المكان وتفكيك مكوناته لنزع هالة القداسة عليه، وعمدت إلى الشخصية الروائية وعملت على طمس ملامحها المحددة لطبيعتها المطابقة للكائن في الواقع. يمكن قول الشيء ذاته بالنسبة للسرد النفسي الذي يتم فيه التركيز على الانفعالات، وعلى منطق التداعي للأحلام، وعلى الاستيهام والفنطاستيك، والمونولوج والمناجاة... كل ذلك محاولات يائسة للتخلص من سلطة المكان ومن سلطة الشخصية الروائية وتأثيرها على باقي مكونات النص السردي.

محمد غرناط في روايته "تحت ضوء الليل" لا يصارع المكان والشخصية الروائية بل يحاول العمل على أن يجعل منهما مكونا واحدا، متداخلا، ومتلاحما، منسجما، يمثل هذه الحالة من التوحد الشخصيات الرئيسة في الرواية: رياض حمداني القلق والمنتفض الذي يسعى للخروج من حبس المكان وتغييره، وكأنه ينتفض ضد ذاته ليحررها من قدرها المحتوم، وسيلين الإيطالية التي تتغير أحوالها بتغير الأمكنة، فهي في حي الزيتون مرعوبة فزعة مضطربة النفس، بينما في مدينة مراكش هانئة مرحة ومطمئنة النفس.     

 

 

   

 

 

hqdefault

Posté par motassim à 16:25 - Commentaires [0] - Permalien [#]


28 juillet 2017

البلاغة والإيديولوجيا. إعادة نشر

محمد معتصم

 

البلاغة والإيديولوجيا وأنواع الخطاب النثري

 

إن الناظر في كتاب د. مصطفى الغرافي "البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة"[i]، يدرك أنَّ الإشكالَ المعرفي الذي ستسير تحت ضوته وفي طريقه عملية البحث والتنقيب إشكالٌ فكريٌّ ولغويٌّوليسَ إشكالا أدبيا، وسبب ذلك، أن محمولات القول الأولية لدينا عن مفهوم "البلاغة" ومفهوم "الإيديولوجيا" –وهما مكونا العنوان الأصلي للكتاب - تخصان التعريف "المدرسي"، أي الوجه الثاني لمحمول القول، أيَّ قولٍ كان، فصيحا أو غير فصيح، متداولا، ومتخيلا أو غير متخيل، وهو غالبا تعريفُ صانعي الخطب ومُدرسِي الأدب،أي مدرسي البلاغة، ومن ثمة، فالبلاغة لدينا ليست سوى "فنِ القولِ"وتنميقه وتجويده للتظاهر والتفاخر والسفسطة، الذي وَرِثَ "الصراع"، صراع الأقوياء في اليونان القديمة، موطن ومسقط رأس البلاغة، فبسقوط الطغاة، انتهى صراع الأقوياء (la chute des tyrans)، لكن ظهر بعدها مباشرة صِرَاعٌ آخرُتزامن وصعودَ نجمِ الديمقراطية، وهو: "فن القول" أو "فن الكلام"، فمن حق كل مواطن يوناني حر التعبير عن رأيه بحرية دون خوف من الطغاة والعقاب أمام الملأ، وهكذا، توجه التعريف المدرسي للبلاغة من التركيز على الكلام (القول والخطاب) إلى التركيز على حامل الكلام، ومنتجهِ، أي المتكلم والخطيب، أو ما تم الاصطلاح عليه بـِ "صانعي الخطب"، وهو تعبير يقدم الوعي على الفطرة والسليقة، فالصناعة (الصَّنْعَةُ) والتجويد يأتيان بعد الفطرة والسليقة التي تنتج كلاما خاما، معناه ومقصده بيِّنٌ، ومتلقيه لا يبذل مجهودا لإدراكه وفهمه.

 إذن، فالبلاغة في عرف المعلِّمينَ، وفي التعريف المدرسي، لا تنتج فنا، سواء أكان فنا أدبيا أو فنا في مقارعة الأفكار وحد حلبات الجدال، إنه مجرد أداة للتعبير، والبلاغة وسيلة من وسائل التعبير كغيرها من الوسائل، إلى أن ظهر السفسطائيون الذين تسلموا مشعل البلاغة من صناع الخطب في المدارس إلى دهاقنة المحاكم، أي بعد أن ازدهرت البلاغة مع الجمهورية في روما (Rome)، فقد انهارت تماما مع عودة الإمبراطورية، التوسعية الجشعة، التي كان قادتها وتجارها كما هم تجارب الحروب في كل الأزمنة وكل الأمكنة، في حاجة إلى من يدبج الخُطبَ ويُحَسِّنُ القول ويزيف المعنى ويعدده، وإلى من يزين القبيح ويقبح الجميل ويشينه، أي أن انهيار جدار (حصن) الجمهورية التي ضمنت الحرية وحمت المواطن من الخوف والعقاب، أتاح المجال لتلمعَ شمسُ القهر والإذلال والاستعباد، والبلاغة كما اللغة والفكر سيخضعون مرة أخرى لمنطق القوة وصراع الأهواء ونزوات الطغاة، وتحولَ البليغ والخطيب من رجل حَسَنٍ يُحْسِنُ القول و(فن الكلام)، "un homme de bien qui sait parler"، إلى "موظفٍ"، كما نعت ميرلوبونتي (Merleau-Ponty) الفلاسفة بعد أفلاطون، أي بعد سقوط الجمهورية، وفي ظل الإمبراطورية، وصراع المصالح، وتغير موازين القوى (فقد نجا أرسطو من العقاب مصادقة)، هنا بالذات، يمكن الحديث عن الفكرة الأساس في كتاب الدكتور مصطفى الغرافي؛ "إسقاط الغرض العقدي الديني على الغرض الأدبي الجمالي"، أي تحكم الفكر والعقيدة الدينية أو السياسية أو الحزبية... في إنتاج "الخطاب/ Discours" وتدبيج "الكلام/ Parole" وتحسين وبناء "النص/ Texte"، وكلها مفاهيم تلتقي في بؤرة واحدة، وتأخذ معنى واحدا، فبعد نشوء المجتمع الإسلاميِّ وانتهاء عصر الخلفاء الراشدين: (السلف الصالح)، ظهرت ملامح جديدة لمجتمع إسلامي جديد، وقد تطلب الانتقال من نظام "خلافة الشورى" إلى "خلافة الوراثة" أي نظام "الدولة"، ظهور "الصراع" مجددا، في العالم الإسلامي، كما كانت الحال عليه في اليونان القديمة، قبل وبعد "الجمهورية" وفكرة "الديمقراطية"، بدأ الصراع حول الخلافة واحتد مع العباسيين، وتعدد الفرق الكلامية، لم يعد كلام العرب، واحدا وموحدا، في تفسير وشرح وتأويل المعنى، وتَحَوَّلَ المعنى الحرفي (الشرح المعجمي) إلى عائق أمام الوصول إلى المعنى الظاهر من القول (Speech)/ الخطابِ (Discours)/ النص (Text)(التفسير)، الذي أصبح بدوره عائقا أمام معنى المعنى الخفي والباطن من القول/ الخطاب/ النص (التأويل)، لذلك وجب التنبيه إلى هذه الفروق التي تبدو في كثير من الدراسات مترادفات لمعنى واحد، خاصة معنى "التأويل/ L’interprétation" الذي التبس مع سياقه في الدراسات الغربية الفكرية أو النفسية كـ"تأويل الأحلام؛ س. فرويد"، إذن، فقد لجأت الفرق الكلامية إلى الشرح الحرفي لظاهر القول (النص) في الآيات الكريمة دون الحاجة إلى استعمال العقل، لأن استعمال العقل يدعو إلى احتمال الشك، والنص المنقول صحيح لفظا ومعنى، أي لا احتمال فيه للظن، وإلا "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمَسِحِ من أعلاه"، وهذا مذهب أهل السنة، وبالتالي مذهب ومعتقد ابن قتيبة، وهو ما يأخذه على الجاحظ ومن ثمة باقي أتباع مذهب المعتزلة الذين لا يقبلون بكثير من "مسلمات السنة/ أهل النقل" إلا بعد عرض ظاهر القول–الذي يخالف البرهان- على العقل لسبر باطنه، وفي ذلك يقول ابن رشد معرفا التأويل:" ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة – من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز – من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عُدِّدت في تعريف أصناف الكلام المجازي."، وقد شجعهم على ذلك الطريق المسدود الذي وصل إليه سابقوهم من المشتغلين على العهدين القديم والجديد، كما بين ذلك الدكتور محمد مفتاح في قوله:" لعل بداية التأويل الأساسية المسجلة في الوثائق المتداولة بين الناس ما يجده الباحث لدى مؤولي العهدين. فقد عثروا على أمثال رأى بعضهم قبولها على ظاهرها، واقترح آخرون إعمال التأويل فيها لأن معناها الظاهري عبثي يتناقض مع أصول المعتقدات أو مع ظواهر الطبيعة. وبناء على هذا الخلاف فقد رصدت المؤلفات المهتمة بتاريخ التأويل واتجاهاته ثلاثة تيارات أساسية. هناك الاتجاه الحرفي الذي يمكن أن يتخذ نموذجا له (Mopsueste). فقد ناهض أوهام المدرسة التأويلية وتعلق بالمعنى الحرفي.وقد أدى به صنيعه هذا إلى الوقوع في تناقضات مع آيات أخرى، ولذلك وقعت مهاجمته بعد موته واتهم بالابتداع..." (ص:90). وهناك الاتجاه التوفيقي وتأويل التمثيل. وكان من اللازم اللازب وقوع الصراع بين مذهب أهل السنة الذين يمثلهم، كما ورد في كتاب "البلاغة والإيديولوجيا"، ابن قتيبة، ويمكن اعتبار طريقته في القراءة والشرح والتفسير والتأويل "حرفية" بحسب قول د. محمد مفتاح السابق، أما المعتزلة وهم أيضا "أصحاب العدل والتوحيد" كما كانوا يلقبون أنفسهم، "اما العدل فمن قولهم بحرية الإنسان توثيقا لعدالة الحساب، وأما التوحيد فمن تعطيل الصفات لإثبات انفراد الذات الإلهية بالأزلية." (ص:10)، في منطقة "التأويل"، والتأويل كما ورد في القرآن الكريم، وكما تحدثت عنه في "المتخيل المختلف"، محددٌ بالنَّصِّ وموقوفٌ على الله عز وجل، بدليل الآية "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله" (7. آل عمران). وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، أصحاب النقل. فالشرح مرتبط بالمعجم اللغوي والتفسير مرتبط بالتركيب والمعاني القريبة من أفهام الناس بحسب عصورهم وتجاربهم ومستويات الوعي لديهم، أما التأويل فيتعلق بالمعنى الباطن، المعنى الذي لا يدركه الناس العاديون، وبعض الأنبياء والرسل، كما في حادثة موسى والخضر، التي تؤكد على أن الإنسان لا يمكنه أن يفهم الحوادث التي لم يعلمها من قبل، ولا يستطيع عليها صبرا. والحق أن المقابل بين ابن قتيبة إمام أهل السنة والجاحظ إمام المعتزلة، من أجمل وأعمق ما في كتاب "البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة"، وهي مقابلة تبرز بجلاء معنى البلاغة في علاقتها بالإيديولوجيا كمصطلح جديد، على العربية، وأيضا إنتاج أنواع الخطاب، وأنواع النصوص وعلاقتها بمقاصد المُنْتِجِ (الكاتب الموضوعي والخطيب). فمسألة النقل والعقل، تمثل طرفي الوجود، الوجود بمعنى اللغة، لأن اللغة هي المظهر الأصل للإيديولوجيا، إيديولوجية الفرد وإيديولوجية المجتمع، "فالكلمة – يقول ميخائيل باختين- هي الظاهرة الإيديولوجية الأمثل." (ص؛ 23)، كما سنحدده أيضا، في قول الكاتب الدكتور مصطفى الغرافي تعليقا على قول الجاحظ أو اختياره وأتباعه مذهب الشك المتمثل بلاغيا في "الإقناع" عبر تبرير الشيء وضده، وهو بذلك، كمن يعود بالبلاغة إلى ميدانها الأصل في اليونان القديمة، أي ميدان المحاكمة، والخطيب المفوه البليغ من كان قادرا على الدفاع عن موقفه ورأيه في حال الصواب والخطأ، وفي حال الحق والباطل، وفي حال الحقيقة والزَّيْفِ، كما يؤكد العتَّابيَّ، وهو متكلم معتزلي، في تعريفه للبلاغة والخطيب البليغ:" كلُّ مَنْ أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حُبسةٍ، ولا استعانة فهو بليغٌ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة ويفوق كل خطيب فإظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق." (ص؛ 12).



[i]الغرافي، مصطفى؛ البلاغة والإيديولوجيا؛ دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة. منشورات دار كنوز المعرفة. ط1. 2015م

me

Posté par motassim à 10:05 - Commentaires [0] - Permalien [#]

26 juillet 2017

جزء من دراستي في مفهوم القصة القصيرة عند الكاتب المغربي إدريس الخوري

محمد معتصم

 

دينامية القصة القصيرة

 

   1/ مفهوم القصة.

 

   المفهوم تصور ذهني كما تعرفه العلوم الحقة، وأساسها المنطق. والمفهوم انطلاقا من ذلك؛ تجريد لواقع أو لحالة والسمو بهما إلى مستوى كلي متجاوزا الجزئيات والمكونات الثانوية والدقيقة. ولأن المفهوم تجريد فإن تحديده يختلف من ناقد إلى آخر، ومن مبدع إلى آخر. أي أنه موسوم بالدينامية، لكن تبقى هناك نقاط عدة للتقاطع تحددها مستويات الإدراك وأنماط المعارف وكذلك الإنجاز الفعلي للقصة: أي حقيقتها على الورق بعد خروجها من التجريد إلى الفعل.

 

   إدريس الخوري أحد القصاصين المغاربة الذين أخلصوا لجنس القصة القصيرة، وحققوا تراكما مهما، دعا وزارة الثقافة والاتصال إلى جمع أعماله الكاملة في مجلدين، واستطاعوا من خلال تجربتهم مواكبة تحولات القصة القصيرة وهي تساير متغيرات الواقع ومتغيرات الذات الكاتبة، ومتغيرات الحياة (الساحة الثقافية) خصوصا خلال العقد السبعيني حين أصدر أولى مجاميعه القصصية "حزن في الرأس والقلب" سنة 1973م. ويتفق النقاد على أن العقد السبعيني كان المحور الأساس في تحول الوعي بالكتابة وخروجها من دائرة الاقتباس والتمثل والاتباع إلى دائرة التحليل والتشريح والكشف... والتركيز على العقد السبعيني مهم لأن رؤية إدريس الخوري للقصة القصيرة مرتبطة به، وبالأجواء التي ولدها، وما سيليها من عقود حتى الآن.

 

   مكونات المفهوم.

 

   يتحدد مفهوم القصة القصيرة لدى إدريس الخوري من خلال عدد من العناصر، هي:

 

   1.2/ الطفرة.

 

   يقول إدريس الخوري:" ... إن القصة، في حد ذاتها، لا تعدو أن تكون طفرة لواقع معين، رؤية، منفذا صغيرا للدخول إلى العالم ،،،". ص (9).

 

   إن ما دفع إدريس الخوري إلى تحديد هذا المفهوم كخاصية من خاصيات القصة القصيرة يتحدد انطلاقا من رؤيته الانتقادية والمتفحصة للمنتوج القصصي المجايل له والسابق عليه. فكيف كانت القصة قبل إدريس الخوري؟ لقد كانت قصة مندهشة وانفعالية، والمنطق الذي يحكمها منطق الانعكاس المباشر. وهي بذلك تتنافى وخصوصية القصة كرؤية لا تعكس الواقع بقدر ما تتفاعل معه كمعطى، وتحوله إلى مادة متخيلة، قابلة للتدوين والكتابة. هنا يكمن مفهوم الطفرة: إنه معاكسة الواقعة الحياتية في ماديتها، والطفرة مسافة فاصلة بين الواقع كمادة صلبة حقيقية عينية، وبين الكتابة (القصة) كتصور ورؤية ظنية ومتخيلة عن الواقع. والواسطة والرابطة بين المجالين، الكاتب كذات غير حيادية لكنها أيضا ليست شفافة إلى حد التمثل المثالي للوقائع. إنه وعي متقدم، وعي متجاوز لرؤية كتابية كانت ترى في الكتابة اتباعا (تقليدا) للمنجز السابق (الخبر، المقامة، المقالة… ) وللمنجز اللاحق والمجايل (العقد السبعيني)، انعكاسا آليا وتصويرا جافا للحياة ووقائعها. إن تحديد إدريس الخوري للطفرة كخصوصية كتابية وقصصية يضعه في الصفوف الأولى مع المبشرين بحداثة القصة والخروج بها من الأزمة والمأزق الذي سارت فيه مبتعدة عن ذاتها ككتابة ذات خصوصية وتميز. ووجهه المفهوم نحو الكشف عن العلاقة السليمة بين الواقع (الخارج) والقصة (الكتابة). وقد كان التباس العلاقة بين المعطيين قد دفع الكثيرين إلى التوقف أو إلى تكرار الواقع، وجفاف القصة من ماء الإبداع، ومن الإضافة والكشف والتشريح، ومن التغيير في الوعي والواقع معا.

 

   2.2/ الكذب.

 

   يتساءل إدريس الخوري في إطار مناقشة النقاد الذين تعرضوا لمجموعته القصصية الأولى، فيقول:" هل بإمكاني أن أدعي أم ما أكتبه كذب؟ شيء متخيل منزوع من الماضي والحاضر ومتخيل أيضا للمستقبل؟ ". (10.9).

 

   يكاد مفهوم الكذب أن يكون قدر الإبداع، خصوصا عندما ينظر إليه من منظور أخلاقي، وكأن المبدع الأديب عندما يجهر أنه لا يكتب عن نفسه بدقة، وبأنه لا يستطيع كتابة الواقع في شموليته فإنه يكون كاذبا فيما يقول. وبالتالي فلا طائل يُرْجى منه ويتحول مبدع الأدب إلى جهة المدافع لا عن الأدب، بل عن نفسه مبعدا عنه تهمة الكذب والادعاء الأخلاقيين. وفي مقابل ذلك عليه أن يجهر أمام الملأ بأنه صادق في كتاباته، وأن ما يكتبه واقع حقيقي، وأن ما يرويه عن نفسه وعن شخصياته حقيقة لا يأتيها الباطل ولا يتسرب إليها الشك. إنه ميثاق أبرمه القارئ والكاتب التقليديان مع الكتابة.

التداعي والمفارقة والتهكم

Posté par motassim à 12:26 - Commentaires [0] - Permalien [#]

22 juillet 2017

البنيات الدلالية في شعر مريد البرغوثي/1986م

 محمد معتصم

scan0006

استهلال

 

   تطرح علينا الكتابة اليوم أسئلة معرفية جادة شأنها في ذلك شأن المفاهيم الأخرى المتداولة، وهذه الأسئلة تستند إلى موقف، في نظري، يمتد بجذوره إلى آماد بعيدة مارس الإنسان فيها الكتابة بشكل بسيط جدا وما لبث أن تصاعد اهتمامه بها إلى أن بلغ بها موضعا من التعقيد والتجريد، مسايرا في ذلك تطور مراحل نشوء الكتابة وارتقائها. ونظرا لارتباط الكتابة بالمدينة من حيث كون المدينة تجمع سكاني لا يقوم على العصبية ولكنه يقوم على أمور أخرى تتمثل في العلاقات والتعاملات؛ وهي تعاملات إنسانية واجتماعية وعلاقات اقتصادية وفكرية وثقافية، نظرا لترابطهما العضوي والحميم تم تشاكلهما في الرقي والتطور.

 

   ما يهمنا في هذا الافتراض الذي تقوم عليه الدراسة الحالية لشعر مريد البرغوثي في قصيدة (عكا وهدير البحر)، الذي يهمنا أن الكتابة بنية موحدة أي أنها بنية لها مكوناتها الداخلية ، ثم هي تحتل موقعا هاما إلى جانب البنيات الفوقية التي تنظر للحياة الواقعية أو الفعلية الممارسة.

 

   وقد توجهت في هذه الدراسة نحو القراءة الداخلية للكتابة فحصرت من مكوناتها : النص واللغة والرؤية. ووزعتها عموديا وأفقيا. أما الجانب الأفقي فيضم المكونات المتفاعلة داخل بنية كبيرة هي؛ بنية الكتابة. وفي الجانب العمودي تستقل المكونات بذاتها فتتفاعل كقيم جمالية.

 

   يندرج في هذا السياق العام موضوع دراستي (البنيات الدلالية في شعر مريد البرغوثي). وهو ركن أساسي في ما وصلت إليه من أمر بنية الكتابة ويخص الرؤية أكثر من العناصر الباقية .وهو أساسي لأنه  تناول بالقراءة والتحليل نصا شعريا متميزا (قصيدة ، عكا وهدير البحر)، فاستخرج منه العناصر المكونة لبنية الكتابة الثلاثة:  النص واللغة والرؤية.

 

   فيما يخص المكون الأول فقد اتخذ طابعا شموليا في بداية الأمر فعدت القصيدة نصا أي أنها بنية شمولية. لكن في مرحلة التحليل اتسع المفهوم ليصبح (بنية التضاد). فدرست فيه بناء القصيدة الفني مركزا على المثيرات المباشرة.فتطرقت للتكرار بشكل عام فحددت قيمه الجمالية/الأسلوبية في موضوعة (المواجهة والصمود) وكذلك في (بنية الدياليكتيك وتشكيل المعنى العميق)؛ وهما يكونان الجزء الأول من بنية التضاد، على الأصح فهما البنية السطحية التي سيتبلور فيها عنصر اللغة. وتطرقت للمقطع على اعتبار أنه تكرار صوتي يأتي في آخر الأسطر. وتبين أنه لا يخضع لحركة واحدة وانما اكتفى بالاختلاف من قطعة إلى أخرى في القصيدة. وتنوع موضوع القطعة فجاء صادعا ومجلجلا في مواقف المواجهة معبرا عن الصدامية والمأساوية. يعني ذلك التعبير عن (فضاء القصيدة).وأشرت إلى علاقة الشعر بالغناء واعتبرت القصيدة (ملحمة) حين نظرت إليها من وجهة السرد ، واعتبرتها (مقطوعة غنائية) حين نظرت إليها من وجهة بنائها الفني . فكان تكرار الصوت والكلمة والجملة وأحيانا القطعة (المقطع)  إضافات تنمي الدلالة. كان التكرار دلالة على وجود وزن وإيقاع معينين خاصة أن القصيدة تنشد ليوم الأرض وعيدها الذي يحتفل به الفلسطينيون كامتداد لعادات أهل حوض البحر المتوسط، لكن الفلسطينيين يعطونه نكهة مغايرة لما كان عليه في السابق نظرا لاغتصاب أرضهم وحرياتهم وتشريدهم عن منازلهم.

 

   أما فيما يتعلق باللغة فقد تطرقت للتراكيب وضبطتها في جدول وأضفتها إلى آخر البنيات التي تقسم حسب القصيدة، وهو تقسيم يعتمد على الرؤية الباطنية للنص. واستعنت بالجدول حتى أبين خاصية التكرار ذات الملمح الطقوسي الذي ترتئيه الكتابات الملحمية الشعرية.

 

   لقد شملت الرؤية حيزا كبيرا في هذه الدراسة و من التحليل وكان ذلك نتيجة لطبيعة هذه الدراسة التي كتبت في العام 1986م، وقد جرى ماء كثير بينها وبين ما يحدث الآن على أرض الواقع إلاأننا نرى أن الكتابة الفلسطينية قد حافظت على بنياتها المستخلصة في هذه الدراسة لأننا أردنا لها أن تكون دراسة في الأساسيات لافي الأمور العرضية الزائلة والقارئ المتتبع للشعر الفلسطيني وكذا الرواية والقصة القصيرة  سيقف حتما على البنيات الدلالية التالية: بنية المواجهة والصمود في وجه العدو، وبنية التجاوز والتخطي التي تتضمن معنى المقاومة من أجل تخطي كل المعوقات الفكرية والسياسية والعسكرية والأدبية في آن واحد.وأخيرا بنية الإصرار والاستمرارية ، وطبعا لا نصر بدون استمرار في المواجهة والصمود.وقد تركت بعض القيم الجمالية والفنية حتى أحافظ للدراسة على وحدتها

Posté par motassim à 18:19 - Commentaires [0] - Permalien [#]

21 juillet 2017

جزء من دراسة موسعة في ثلاث روايات للكاتب المغربي عمر والقاضي ورواية للكاتب المغربي محمد صوف

 

 

محمد معتصم. من كتاب "الرؤية الفجائعية"

numérisation0017

الواقعية والرؤية الفجائعية.

 

   1/ تقديم:

   1.1/ تتمثل واقعية الرواية في محاولة الاقتراب من الواقع المعيش (الحاضر)، أو من الواقع المنصرم (الوقائع التاريخية)، أو من الحقائق العلمية (العالم والفضاء الخارجي)، أو أنها كما يقول عنها موباسان " الإيهام بالواقع". وفي كل ذلك اعتراف ضمني وصريح في آن بأن واقعية حرفيةً غير ممكنة لاعتبارات عدة:

        ·الواقع المادي يختلف عن الواقع المتخيل.

        ·الواقع المتخيل عبارة عن صورة ذهنية للواقع الحقيقي.

        ·الواقع المادي كل لا يتجزأ والواقع المتخيل أجزاء متراصة في صورة فسيفساء.

        ·الواقع مادي ملموس والواقع الإبداعي لغة وصور وأصوات.

 

   2.1/ فهل الواقعية بهذا المعنى غير ممكنة، أو أنها غير موجودة، وما هو موجود ليس إلا (اللاواقعية)؟

   والجواب على هذا الإشكال الأدبي يجد ضالته في تحديد اللاواقعية في نظرية الأدب، وفي الاقتراح السليم للمعنى الأدبي (للواقعية). فالواقعية في الأدب الحديث ليست المحاكاة الصرف للواقع، لأن الواقع له خصوصياته التي لا تلائم تماما اللغة الأدبية والكتابة. ولا تستطيع قنوات التحويل أن تبقى على كل ما هو مادي صلب إبقاء تاماً وسليما. لذلك فالواقعية الأدبية واقعية ممكنة، واقعية الممكن رصده وتحويله إلى متخيل بواسطة الوصف، والتحيين الزماني والمكاني، وباستخدام القرائن والمعينات؛ كالإشارة للأشخاص والأشياء والأمكنة، أو التواريخ العددية للأيام والشهور والسنوات والقرون. والتعليق المستند إلى معطيات خارجية (المرجع التاريخي والسياسي مثلا)، أو الخطابات التمهيدية والمقدماتية التي يشهد فيها الكاتب بأنه ينقل إلى القراء الحقيقة و لا شيء غير الحقيقة، والعتبات التي تقرن العمل الأدبي الإبداعي بحدث اجتماعي أو شخصية عامة؛ سياسية أو ثقافية أو نقابية أو اجتماعية،،،. كما أن الواقعية في الإبداع تستند كثيرا إلى الشخصية الأدبية لأنها تستجيب للوصف الخارجي والداخلي ولتحديد الأوضاع الاجتماعية وأنماط الأوعاء وتتصارع وتتجادل داخل العمل. وبذلك تكون أكثر إيهاما بالواقعية والحياة. وأنها تحمل أسماء وقدرةً على الكلام؛ كالتدخل والتعليق والرفض والحجاج. لكن أهم ما تركز عليه الواقعية هو الجانب النفسي، المشاعر والعواطف. لأنه يستجيب للغة وينساب عبر قنوات التخييل. وبذلك يخلق الكاتب فجوات داخل النص عبر الأحلام والاستيهامات وشلال الأفكار الغزيرة والشعور بالتذمر أو اليأس والحزن الشديد وحالات الاكتئاب، حيث تنجلي الرؤية الفجائعية في أقتم مظاهرها. واللغة؛ أي زمانيتها (سيرورتها) التي هي خاصيتها الأساس، تستجيب بقوة لمثل هذه التدفقات، والسرد كخاصية خطابية يستجيب بدوره إلى هذا التدفق.

   فالواقعية الممكنة تراهن على القارئ الذي لا يسأل عن أصول الأشياء ويسلم بالوقائع ويتتبع خيط الحكاية مستلذا مستمتعا بالنقلات التي يحدثها الخطاب الإبداعي في ذهنه وآثارها على مشاعره.

   3.1/ ليست اللاواقعية هي عدم القدرة على نقل الواقع حسب المرجعيات الاجتماعية والتاريخية والثقافية والسياسية والنفسانية بل اللاواقعية في النقد الأدبي هي اختيار المبدع عالم الخوارق الذي لا يستند إلى الحقائق العلمية والعملية بل يكون سابقا عليها كما في الخيال العلمي مثلا، أو بعيدا عنها ومناقضا لها كما في الحكايات الشفهية الشعبية أو في الحكايات المصورة للأطفال. واللاواقعية بهذا المعنى لها تقنياتها الكتابية ولها غاياتها الأدبية وآثارها على القارئ في آن.

   4.1/ في هذه الدراسة المركبة ستتجلى للقارئ من خلال ثلاث روايات متفاوتة، درجات ومستويات الواقعية في الأدب، كما ستتجلى الرؤية الفجائعية بمستويات مختلفة؛ نجد الروائي المغربي (عمر والقاضي) مهموما بالقضايا الاجتماعية والحقوقية والسياسية لمغرب حديث ناهض يريد قطع كل صلة مع الماضي المظلم. ونجد الروائي المغربي (محمد عز الدين التازي) وقد ركز على آثار حرب الخليج الثانية على الثقافة والمثقف حيث سيقع في شبه غيبوبة أو يدخل في مغارة مظلمة ومنزويا منعزلا عن العالم يعاني وحدته القاتلة. ونجد الروائي المغربي (محمد صوف) وقد اتخذ من العلاقات العاطفية موضوعا موفقا للتعبير عن التحلل والفشل السياسي والاجتماعي والقيمي. إنها نماذج سردية متفاوتة من حيث القيمة والأساليب التعبيرية الفنية لكنها تبرز عزلة الذات في العالم الجديد المنفتح على التيه.

   في هذه الدراسة سنحافظ لكل رواية على استقلالها مع بعض الإحالات والإشارات. والروايات المدروسة هي:

  1.       1.        رائحة الزمن الميت لعمر والقاضي(1).
  2.       2.        ضحكة زرقاء لمحمد عز الدين التازي(2).
  3.       3.        دعها تسير لمحمد صوف(3).

 

  

 

 

 

2/ المأساة والواقعية:

   1.2/ تشهد الرواية المغربية تنوعا على مستوى الخطابات وتكاد تجمع حول موضوع الواقعية والمباشرة؛ أي أنها تطرح باستمرار سؤال صياغة الواقع. هل الرواية كتابة مباشرة لما يحدث في الواقع من قضايا وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية ؟ هل الرواية كتابة استعارية تستعير من الواقع مادتها وتعمد إلى تشكيلها وفق تصور نظري ورؤى تخييلية ؟

   بالرغم إشكالية الكتابة التجريبية وبعدها عن الهم الواقعي وقضايا الناس في المجتمع إلا أننا نراها-الرواية المغربية والعربية-لم تستطع في وقتنا الراهن الفكاك من قبضتي الواقعية، وليست التجريبية إلا محاولة لرؤية الواقع من زاوية الأدب المحض؛ أي من خلال الخطاب.

Posté par motassim à 18:51 - Commentaires [0] - Permalien [#]

19 juillet 2017

مقالة في إبداع المرحوم محمد زفزاف

محمد معتصم

محمد زفزاف وروح الإبداع

 

تميز العصر الحديث في الأدب المغربي، خاصة بعد الاستقلال، بروح المبادروحماسة المساهمة في بناء صورة ثقافية جديدة تساير روح المغرب الجديد وقد تخلص من قيد الحماية الفرنسية وتبعاتها، كما أن كتاب المرحلة كانوا عقدوا العزم على تجاوز مرحلة التقليد والاقتباس، لما شعروا به في داخلهم من شعلة متوقدة نحو آفاق جديدة لمغرب جديد.

محمد زفزاف واحد من كوكبة الكتاب المبدعين الذين وسموا المرحلة وساهموا في إعطاء الأدب المغربي روحا جديدا، انتقل فيه الأدب عامة والسرد خاصة إلى ما يمكن تسميته بمغربة الأدب، وهي مرحلة ترتبط بفترة تأصيل الأدب المغربي. لقد اختار الكتاب المغاربة والكاتبات كذلك هدفا واحدا لكن بطرائق مختلفة، نظرا للتنوع الثقافي المغربي، واختلاف الرؤى الفنية والجمالية؛ لقد اختارت جماعة نهج تطوير الأدب انطلاقا من فكرة الامتداد وتطوير وتطويع الموروث السردي والشعري العربي المشترك، في الوقت الذي اختار فيه جماعة أخرى مسايرة ما استجد في الساحة العالمية والفرنسية تحديدا، إبان انفتاح النقد الأدبي والفكري على المووث الشكلاني الروسي، وظهور النزعة التجريبية والعلمية للأدب، فاجتهد الكتاب كل بحسب فهمه وإدراكه لأبعاد التجربة.

وقد اختار محمد زفزاف المسار الثالث مع المجموعة الثالثة التي أثرت الساحة الثقافية والفكرية، ومن أهم معالمها:

1.التوجه بالأدب نحو المجتمع الجديد.

2.الوقوف عند الظواهر الاجتماعية الطارئة.

3.خيبة الأحلام واتساع الفوارق الاجتماعية.

4.ظهور أدب الأحياء الخلفية.

5. ظهور شعرية اليومي والتفاصيل الهامشية...

لقد تميز الكاتب محمد زفزاف ضمن هذه المجموعة بخصائص فكرية وأسلوبية يمكن أن نجمل بعضها كذلك في الآتي:

1.الحساسية اللغوية: لقد استطاع محمد زفزاف الجمع بين الأفق التنظيري والممارسة الكتابية، أي أنه مارس الكتابة بوعي نظري، كان سائدا في تلك الفترة عالميا، وهو الفكر الذي أنتجته الحرب العالمية، والذي عرف بالوجودية والتزام الأدب، وهي طبعا معادلة صعبة التحقق؛ كيف تبدع فنا جميلا من خلال الاشتغال على موضوعات هامشية أو قضايا اجتماعية لفئات محرومة وكل همها تدبير يومها لأجل البقاء على قيد الحياة. والصعوبة تكمن في محتوى مفهوم الأب عامة والفن خاصة. ومشتركهما "الجمال". وبالفعل استطاع محمد زفزاف بقدراته الإبداعية وحساسيته الجمالية واللغوية تحقيق المعادلة. فجعل من القبيح جمالا ومن الهامشي مركزا.وحول فكرة "النقاء" من مستوى المثالية الأستقاطية إلى مستوى الموضوعية الواقعية، وهو ما عرفته بالأدب المختلف الذي وقف بعد تساقط الأحلام والأقنعة في وجه الأدب "الرفيع" الذي يترفع عن الواقع وقضاياه اليومية. لذلك كان من اللازم تأثر اللغة السردية بهذا التحول فجاءت لغة السرد عند محمد زفزاف وسطية تمتاح من الفصيح والعامي، خاصة الألفاظ والأساليب (التراكيب) الفصيحة المصحفة سواء بالحذف أو القلب في حوفها لتوافق الموضوعات التي تعالجها وتناسب مسويات إدراك الشخوص الواقعية والشخصيات المتخيلة في القصة والرواية.

2.مغربة السرد: لقد انتقل محمد زفزاف (والتيار الذي صاحبه) بالأدب من الالتباس في الهوية إلى الأدب المغربي المحلي، ومن مظاهر المحلية المغربية التوظيف السليم (الأسلبة) للألفاظ العامية المغربية والأمثال السائرة والحوارات التي تجعل من الفصيح عاميا ومن العامي فصيحا (اللغة التواصلية الوسطى) وهو ما جعل الحدس اللغوي عند محمد زفزاف مقتربا من معنى "التداولية" وهو كذلك من ميز اللغة السردية عنده عند الجمع بين وظيفتي الوصف الخارجي للأشياء والشخصيات والوقائع والتعبير الوظيفي الذي ينتج متخيلا جديدا يتناسب الموضوعات والقضايا المطوقة في القصص كما في الروايات.

ومن أهم الملامح الدالة على مغبة السرد من سلف ووقفت عنده في قصة "السابع" التي وثق فيها محمد زفزاف لعادة انقرضت من عادات الاحتفال عند المغاربة والمعروفة باسمى "جوقة العميان"، وكان الرجل يأتي بهم عى تلك الصفة حتى لا تحرج النساء من المرح والرقص، وفلا حرج على الأعمى،وهنا تأتي الميزة الأسلوبية في كتابات محمد زفزاف؛ المفارقة والسخرية. وهذه القصة من أمتع وأجمل القصص التي قرأتها في القصة المغربية، والسخرية والمفارقة ظاهرة بلاغية تتفرع عنها كثير من المستويات بلاغية أخرى وعلى رأسها "الباروديا" أو المفارقة الساخرة.

في هذه القصة ذكر وتوثيق للعادات المغربية في الاحتفال وتأكيد على النميمة ومماحكات النساء والضرائر والتنابز في الأوصاف بين أهل المدن والقرويين والوافدين إليها بحثا عن الرزق والعمل والاستقرار.

3.العمق الفلسفي: لم ينخدع محمد زفزاف بالكليشيهات التي رافقت كتاباته، ولم يقبل أن تكون كتاباته مجرد وصف لوقائع حياة عادية لفئات اجتماعية تميزت بالهشاشة وقضت عمرها في صراع من أجل التكاثر ولقمة العيش، ولم ينجرف نحو الأي الذي جعل من كتاباته كتابة جنسية (بورنوغرافية) يقرأها المراهقون في الخفاء. لقد وعى محمد زفزاف قدراته الإبداعية وصنع لنفسه عالما متخيلا وجماليا عبرهنقل تصوه للحياة وللأدب كما ينبغي أن يكون عليه في حينه أو على الأقل تيارا من تيارات الأدب المعاصر الاجتماعي، فلا يعدم القارئ النبيه أو الباحث والناقد العثور على نماذج من الأفكا والمقولات الفلسفية والفكرية المتمحورة حول تجربته الشخصية التي استوحاها من الحياة أو تشكلت فو الكتابة والعثو كذلك على أفكار وجودية تعمق السؤال حول الوجود والكينونة وسؤال الذات وسؤال الموت وحقيقة البعث وهذا الملمح الفكري والفلسفي من بين أهم ما جعل كتابات محمد زفزاف تخترق حدود المغرب لتجد صدى طيبا في العالم العربي وحتى في بلدان غربية.

4.النوفيلا أو الرواية القصيرة: لن أفوت الفرصة هنا للحديث عن ملمح مائز كذلك للكاتب المرحوم المغربي محمد زفزاف وهو في عمومه يجيب عن إشكال معرفي ونقدي: حول كم العمل الروائي. لقد اختار محمد زفزاف كتابة الرواية القصيرة "النوفيلا الإيطالية" التي تراوح في عدد كلماتها ما بين 10000 و20000 كلمة وهي مساحة كافية لبناء عالم متخيل متكامل، يتضمن كل مكونات السرد الروائي، والسر في ذلك متعلق بثقافة وخبرة الكاتب وموهبته.         

  

MZafzaf

Posté par motassim à 10:00 - Commentaires [0] - Permalien [#]