محمد معتصم

11 mai 2017

مقالتي حول مجموعة الكاتبة "صابرين فرعون" من فلسطين

 

 

  1. ما الذي يجمع القصة القصيرة جدا بجنس القصة أو يجعلهما مختلفتين ومتناقضتين؟

تندرج القصة ضمن السرديات، أي الأجناس والأنواع السردية التي تقوم أساسا على "توليد الأحداث وتتابعها، وعلى تعدد الشخصيات القصصية وتنوعها بالوصف وتحديد الوضعيات الفكرية والاجتماعية والمواقف السياسية، واختلاف وجهات نظرها، وجدلها وسجالها حول "قضايا" تنتجها، و"أخبار" تسمعها وتروج لها، ويراد لها أن تؤدي معنى، وأن يكون لها "هدف" وغاية، ترفيهية أو تعليمية أو حجاجية أو جمالية، أو كل ذلك.

ولقد تفرع عن جنس القصة أجناس أخرى، اختلفت في "طريقة بنائها"، إلا أنها ظلت متماسكة ومتجانسة بخصيصة واحدة عليا، وهي "السرد". أي أن الرواية اختلفت بتركيب مكوناتها وتعددها، عبر "التوليد السردي"، بمعنى، توليد الأحداث وتتابعها إلى ما لا نهاية، في "الرواية النهر" و"رواية الأجيال"، مثلا، أو في استرسال الأحداث وتوترها "خطيا" غالبا، في "القصة" والتي يطلق عليها بعض النقاد "القصة الطويلة"، والاختلاف بين الرواية والقصة الطويلة، اختلاف بين بناء مركب وبناء بسيط ومتسلسل، وكل واحدة منهما تقوم على "السرد"، كما أن هناك أنماطا أخرى من البناء السردي في كليهما، كالتوازي والتضمين والبناء اللولبي، المنفتح الدوائر، وهو ما بيناه سلفا في تعدد المحكيات في الرواية، بخلاف القصة الطويلة، لكن القصة كما حددتها في كتابي "التداعي والمفارقة والتهكم في القصة القصيرة"، كاللآتي: "القصة القصيرة خطابٌ سرديٌ ووصفيٌ، قصيرٌ وممتع، سريعُ النهاية، فجائيُ الحلول، يتخذ من السخرية والمفارقة سلاحا للانتقاد، وللكشف، وللفضح، وللتعبير عن وجهة النظر والموقف من الذات والآخر والعالم والأحداث الطارئة، ينهض على الفكرة الفريدة التي يسندها اليقين والاطمئنان، أو على السر والغموض (والاستثنائي) يسندهما الشك واللايقين، أو يقوم على الحدث ذي البعد الاجتماعي والواقعي أو المتخيل (العجيب والغريب)، أو يقوم على رصد الشخصية الواقعية ذات الصفات المميزة، أو الشخصية الفريدة، العجيبة والغريبة الأطوار".

من خلال هذا التعريف الأولي، يمكننا تحديد وبالتالي الإجابة عن السؤال الذي طرحناه أعلاه، بصدد المجموعة القصصية القصيرة للكاتبة صابرين فرعون، وعبرها مجاميع قصصية قصيرة جدا أخرى من مختلف الأجناس والبلدان، لتكون القصة القصيرة جدا، تلتقي بالقصة في خصيصة "السرد"، وكل ملزماته ومصاحباته، والمكونات التي تدعمه وتقويه، وهي؛ الحكاية، الحدث والشخصية والفضاء والغاية والهدف. فلا يمكن للسرد أن يكون على المستوى الأولي، وصورته الطبيعية، بدون أن يتضمن حكاية (محكيات مركبة أو بسيطة)، تنهض الحكاية على أحداث متناسلة أو متواترة أو متوازية، تقع لشخصيات متخيلة أو شخوص واقعية، أو حتى كائنات عجيبة وغريبة من الماضي البعيد أو من الفضاء الخارجي، تتفاعل فيما بينها، في فضاء زماني ومكاني، كشرطين محددين للطبيعة البشرية التي تجعل القاص الواقعيا مشاركا في العمل، أو العكس، في حال غياب الكاتب (القاص) وإضماره، ولا يمكن للحكاية والمكونات الأخرى أن تقنع أو تمتع أو تعلم وتقدم خبرة وتجربة للقارئ بدون أن يكون لها موقف أو هدف وغاية، أي "معنى". لكن القصة القصيرة جدا، وهي ليست جنسا جديدا، بل هي، في نظري، جنس مستحدث، بظهور بواعث كثيرة، تنسب إجمالا إلى الزمن المعاصر، وسرعته، وإلى التقنيات الحديثة للتواصل، التي خلقت ذوقا جماليا، متأثرا بالسرعة والعجلة، وهو ما يناقض السرد في الأجناس السابقة كالرواية والقصة الطويلة والقصة التي كان الفضاء فيها ممتدا وشاسعا، فقصة محمد زفزاف "الديدان التي تنحني" تعد في سياق المرحلة الحديثة "رواية قصيرة"، أو النوفيلا الإيطالية، وعلى ذلك تقاص كتابات القصص في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، فالإنسان المعاصر، لا يستريح للبناء المركب والمعقد، ويروم الوصول إلى الخلاصة والنتيجة، أي إلى "الغاية والهدف". إلا أن القصة القصيرة، ليست جنسا خاليا من الزمنية، سواء المتواترة أو المتوازية والمشهدية، المتقطعة، فاعتمدن تقنيات كثيرة، نلخصها ها هنا، في بعض المظاهر الفنية والجمالية والكتابية في مجموعة صابرين فرعون "جريمة نصف زرقاء"، مختزلة:

  1. اعتماد القصة القصيرة على خصيصة السرد "سردنة الوقائع والأحداث"، واعتماد الجملة السردية، وهي جملة فعلية قصيرة، كي توافق حصر الأحداث وتمنع تناسلها وتعددها وتشعبها، وكل كتابة قصيرة جدا لا بد أن تميل إلى الجملة الإسمية الثابتة، التي تصف، فمدار القص القصير جدا على "الاختصار" و"الاختزال" و"الإحالة" و"الإيحاء".
  2. واعتماد الحذف بدلَ التكثيف، لأن الحذف في السرد يشرك القارئ، بينما التكثيف يختزل المعنى. وقد درج كتاب القصة القصيرة جدا على توظيف لفظ "التكثيف"، مما يوحي بأن الفضاء النصي يتضمن الكثير من الأحداث والعديد من الشخصيات والشخوص والمواقف، التي تتراكم فوق بعضها في بناء "متوازي مضغوط" وعلى القارئ في هاته الحالة، إعادة فك هذا التراكم للحصول على مجموع "المحكيات" التي ضغطها القاص في النص القصير جدا، والصواب، في نظري، كما في كثير من قصص القرآن الكريم، حتى الطويلة منها، تقوم على الخصيصات الآتية: الحذف، حذف الزوائد، من أوصاف تستهلك الكثير من الكلمات (الأسماء والأفعال والحروف) واللجوء إلى البناء الصرفي، مثلا، بنية "التصغير". واستعمال النعوت، وهكذا بالنسبة للزمان والمكان. ومن أهم ما يختزل المكونات السردية، بعد الحذف والتوظيف السليم للبنى الصرفية العربية والنحوية، نجد الإحالة، وهي بارزة ومؤثرة في نصوص "جريمة نصف زرقاء".
  3. الإحالة على النصوص المرجعية إثارة للمشرك الثقافي والمتخيل الجمعي بين القاص والنص والقارئ. تعد الإحالة خصيصة مهمة في كتابة القصة القصيرة جدا، وأهميتها تكمن في كونها تخاطب "المرجعيات" بأنواعها المشتركة والموحدة لثقافة محددة في مجتمع أو مجتمعات مختلفة سياسيا لكتها ذات تكوين ومرجعيات واحدة ومتقاربة، وأهميتها كذلك، أنها في نظري، تقوم مقام النص التشعبي، فاعتماد القاص، وهنا القاصة صابرين فرعون، على حادثة أو شخصية أو شخص أو نص (قصيدة أو أغنية أو مثل أو حكاية عجيبة...) يعد بمثابة "رابط تشعبي"، يصل النص الحاضر بالنصوص السابقة عليه، سواء في المتن ذاته (الكتاب) أو متون خارجية، وهذا ما اعتمدته القاصة صابرين فرعون في الرتبة الأولى في كتابة مجموعتها "جريمة نصف زرقاء"، حيث يقف القارئ على عدت "إحالات" توقظ في ذهن القارئ نصوصا أخرى وتبعثها، وهذه الخصيصة الهامة، نجدها كذلك في القصص القرآني، الذي يلون في الصيغة السردية اختزالا لحكاية طويلة سابقة في حكاية قصيرة وتقصر جدا حتى لا تتجاوز وظيفتها ونوعها "الخبر"يَّ، لكن كل نص جديد يضيف شيئا جديدا، معلومة أو صفات، أو حدا أو حلا.

 

لقد استثمرت صابرين فرعون هذه التقنية استغلالا جيدا، فكان النص القصير جدا، "يتسع" معناه بالإحالة على نصوص أخرى معاصرة ومشتركة في العقل والثقافة العربيين. ومن أنواع الإحالة، نجد؛

  1. الإحالة على الواقع، وهي إشاركٌ للحاضر والماضي القريب في نسيج المتخيل وفي فضاء النص ومرجعيته الخارج- نصية ووقائعه التاريخية المشتركة بين القاص والنص والقارئ. تسهم الإحالة الخارج- نصية في إضاءة النص وتوسيعه، وتسهم في ربطه بمحيطه المحلي أو المحيط العام، العربي الإسلامي مثلا، وتتضافر الإحالة المرجعية الثقافية (الذاكرة الثقافية والمقروء المشترك) مع الإحالة المرجعية الخارجية (الوقائع الاجتماعية والسياسية عامة) لتقوم بتأطير النص القصصي القصير وتخلف له امتدادا تشعبية في ذهن القارئ الذي يقوم بفهمه اعتمادا على مخزونه الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي، وبواسطة الفهم يمكن للقارئ الاستمتاع ب "تأويل" النص تأويلا سليما. كما لا ينبغي إغفال الإحالة ذات البعد التاريخي (الذاكرة الجمعية)، لأن لها أهميتها في توسيع النص القصير جدا والمختزل.
  2. تضمين القضية النوعية، المرأة والأنثى في النص، وهي إحالة اجتماعية، تروم إشراك الذات الكاتبة (القاصة الواقعية/ الكاتب الموضوعي) في بناء المتخيل النصي القصصي القصير جدا، وإثارة انتباه مخيلة المختلف النوعي (الرجل والمجتمع الذكوري عامة) ووضعه في قلب الصورة-القضية. والأهم في مجموعة صابرين فرعون القصصية القصيرة جدا "جريمة نصف زرقاء"، أنها لا تجرم الرجل، ولكن تضع المرأة/ الأنثى كذلك موضع المسؤولية، لأنها لم تتخلص بعد من التأثير السلبي للمعتقدات الموروثة التي لا صلة لها بالعقيدة ولا بالعقل، أي بالوعي الحديث ومكانة المرأة في المجتمع والكتابة ودورها في تفعيل المتخيل الأدبي وتحريره من القيود "الوضعية" ومن "المواضعات" والتوصيفات التجارية التي تستغل المرأة ووضعيتها التاريخية لتحولها والرجل معا إلى سلعة.
  3. لا يمكن الحديث عن الإحالة المرجعية، الثقافية أو التاريخية أو الواقعية دون الحديث عن الإيحاء، فهو من خصائص النص القصصي القصير جدا، ويدعم بنية الحذف، وتشذيب النص من العوالق والزوائد، المكتسبة، والإيحاء في حال تجريده من الإحالة المرجعية يصبح ذا وظيفة "شعرية"، تتمثل في "الغموض والالتباس"، لذلك فالإيحاء ملازم للإحالة بأنواعها، وهما معا يؤديان وظيفة "الرابط التشعبي" الذي يوسع مضمون ومعنى النص القصير والقصير جدا.
  4. اللغة/الجملة الشعرية تأكيد على أهمية الحذف الذي تدل عليه الضمائر العائدة، والإيحاء والإحالة، ويمكننا أخيرا، استثمار مفهوم جون كوهن "الانزياح"، وإن كان خصيصة شعرية (الشعر)، إلا أننا نعثر عليه في نصوص قصصية قصيرة جدا لدى بعض القاصين والقاصات العرب، وأغلب مواطنه في النص، "الخرجة" أو "الحل" أو "النهاية" غير المتوقعة، والتي تحدث الالتباس أو كما سماه كمال أبوديب "التوتر"، فالشعرية عنده تكمن في "مسافة التوتر" بين ما يريده النص وما يقع في ذهن ووعي القارئ.
  5. تضمنت مجموعة "جريمة نصف زرقاء" للقاصة صابرين فرعون، الكثير من التقنيات الكتابية، وارتأيت ها هنا، التركيز على هذه الخصيصات التي تضمن للقصة القصيرة جدا، قصرها، ليس على مستوى الحجم فقط، بل حتى على مستوى تراكم الأحداث أو حذفها والإحالة عليها والإيحاء عليها، وفي الوقت ذاته، ضمنت لها البقاء ضمن جنسها "السردي"، دون الخروج إلى "النص الشعري" أو "اللوحة الشعرية" أو "الخبر"...
  6. إنها مجموعة واعدة، ستتيح قراءة كل قصة على حدة الوقوف على إمكانيات أخرى مهمة، وأيضا ستكون عتبة نحو قراءة نصوص قصصية قصيرة جدا موازية لكتاب وكاتبات اختاروا تطويع هذا النوع من الكتابة القصيرة جدا، التي تقع في صلب اللغة العربية وفي قلب "البلاغة"، لأن العربية تقوم على الحذف الذي خصه ابن جني في "الخصائص" بأهمية كبيرة، ولأن العربية تقوم على "ما قل ودل".

Posté par motassim à 12:55 - Commentaires [0] - Permalien [#]


25 décembre 2016

حواري الجديد مع الصديق عبد الواحد مفتاح

 

 

محمد معتصم: حوار من وضع الأستاذ عبد الواحد مفتاح، نشر بمجلة "ذوات" وبجريدة "الاتحاد الاشتراكي" المغربية.

 

أنت من النقاد المغاربة المعروفين بغزارة إنتاجهم، وتأهبهم الدائم لمتابعة جديد الساحة الثقافية، ألا تجد معي أن المجهود الفردي وحده لن يكون حليف تطوير النقدية المغربية، في ظل غياب مؤسسات مستقلة تدعم الناقد وتكون سندا لاستقلاليته؟

معك حق، المجهود الفردي يستنزف طاقة الباحث والناقد الأدبي، وهو ما يحد من فاعلية التأثير الإيجابي في الحركة الإبداعية من جهة، وفي الحركة النقدية من جهة أخرى. إلا أن العمل الفردي في ظل غياب إي سند ودعم مؤسساتي، يفرض على الباحث والناقد الاجتهاد ومقاومة كل أشكال الإحباط، نظرا للمكانة التي يوضع فيها الإبداع الفكري والأدبي والسياسي في البلدان العربية، عامة، وهي مكانة غير مشرفة، بل يعتبر الفكر والإبداع من بواعث القلق لدى المسؤولين الحكوميين، من أي تيار قدموا، وتحملوا مسؤولية التدبير والتسيير. أي أن التنظيمات الرسمية والمدنية، على السواء، لا تعطي اعتبارا للثقافة في مخططاتها ولا في برامجها الانتخابية، وتكتفي بدعم وتشجيع الظواهر الانفعالية والطارئة التي توهم بالفعل الثقافي وتسوق الادعاء السطحي، ويمكن التأكد من ذلك في شتى الميادين؛ البحث والإبداع والفن.

ماذا أضافت جائزة المغرب للكتاب لمحمد معتصم؟

الجوائز من وجهة نظري ضروريَّة لتحفيز الكُتَّاب على اقتراح الأفضل، وبالتالي، خلق مجال للمنافسة العلمية والمعرفية والإبداعية، تتميز بالاجتهاد في ابتكار الأحسن، وهكذا تكون الثقافة المغربية كواجهة، وكذلك في باقي بلدان العالم، تبرز الطاقات الحيوية التي تزخر بها البلاد، لأن الثقافة في سياقاتها الطبيعية خزان واسع للمعارف الوطنية (الإنسانية)، ومن ثمة تكون الثقافة رافعة للتنمية، خاصة منها البشرية، مع العلم أن المغرب يمتلك طاقة بشرية كبيرة وقوية ينبغي استثمارها الاستثمار الجيد، عبر تعليمها تعليما جيدا، نافعا، منفتحا على العالمية، وتوظيفها في المراكز الحيوية في البلاد، لأنها هي صمام الأمان من جهة، ومن جهة ثانية فهي القادرة على مواكبة التحولات العالمية من داخل حركية التحول لا من خارجها. لذلك فجائزة المغرب التي منحت لكتابي "الرؤية الفجائعية في الرواية العربية في نهاية القرن العشرين"، لدورة 2005م، كانت بالنسبة لي اعترافا بكل ما كتبته من جهة، ومن جهة أخرى حافزا على العمل أكثر وعلى إبداع أفكار مرتبطة بالمرحلة فكريا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وقد ألَّفْتُ كتبا أخرى بعد هذا الكتاب، وأعتقد أنني كنت فيها وفيا للنهج الذي خططته لقلمي منذ البداية، لكن يحتاج كل نقد إلى دراسات نقدية من قبيل "نقد النقد" لاستخلاص الخلاصات والرؤى الكامنة، وهو ما ليس متوفرا في الساحة المغربية والعربية اليوم. لأن روح الجائزة تكمن في التشجيع على العمل المتواصل، لا ينبغي أن تكون الجوائز مؤشرا على النهاية وانغلاق الدائرة الإبداعية، ولا أعتبر الجوائز علامة على التفوق والتعالي على الإبداع، لأن الإبداع حالة من التحول المستمر والتجدد بحسب حركية الواقع والفكر والتصورات الخاصة بكل مرحلة على حدة، وخاصة بكل جيل من الأجيال التي تشكل حلقات متماسكة حتى في مغايرتها واختلافها.

أنت روائي وشاعر أيضا إلا أن عملك النقدي غطى على ذلك كثيرا، حتى أننا لا نسمع إلا عن محمد معتصم الناقد، أمازلت إلى اليوم تجد نفسك في النقد أكثر؟

نعم، كتبت رواية بعنوان "سيرة سفر"، وكان موضوعها خاصا جدا، ارتبط بمرحلة تحملت فيها مسؤولية نقابية، وكانت تجربة عنيفة، خاصة في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، ولأنني كاتب، متفاعل مع الحياة عامة، ومع الواقع خاصة، ولأنني أعتقد أن من مهام الكاتب أن يكون كذلك، وأن يكون واعيا ليس فقط بالمرحلة ومتطلباتها وقضاياها، بل عليه أيضا أن يهتم بالخطاب السياسي والثقافي والفكري والإبداعي، وأن يدرس آليات اشتغاله من حيث التأثير والتوجيه في المتلقي والمرحلة، ومن الفطنة والانتباه إلى الخطابات المضادة وميكانيزماتها كذلك، وبالمناسبة أيضا الانتباه إلى الخطابات الزائفة،،، وجدتني منخرطا في كتابة كل ما عشته وما رأيته واستخلصته من تلك التجربة التي لا تختلف عن باقي التجارب في الحياة، لها إيجابيات وسلبيات، في تلك الرواية.

أما الشعر، فإنه متعة عميقة فكرية وفلسفية ورؤية نافذة للوجود وإمكانية لتوسيع آفاق الذات واختبار حقيقي للغة، وإنتاج الخطاب البياني خاصة (البلاغي) الذي احتضن منذ البدء الصراعات الإنسانية كلها. وأجملُ من الشعر الذي كتبته قراءاتي للشعر العربي والعالمي، وما أكتبه حتى الآن - شذرات- أعتبره بؤرَ تركيزِ أفكار ومشاعر خاصة بالحالة التراجيدية للوجود الإنساني، أحب مسحة الحزن في الشعر، والمأساة الوجودية للكائن. يظلُّ النقد الأدبي من أكثر المجالات إغراء عندي، لأنه يوافقُ القلق الذي أعيشه، ويسمح لي بالتكلم عبر كلام غيري، يمتعني كثيرا الاشتغال على أفكار غيري وإعادة صياغتها وتجميلها من جهة، وتحميلها من جهة أخرى كلَّ ما أفكر فيه وما أراه، لذلك أعتقد أن النقد ضرورة قصوى لكل أدب ولكل مجتمع يسعى نحو الرقيِّ، لأن النقد ميدان تعايش وتفاعل وسجال الأفكار التي تحبل بها المجتمعات وهو كذلك مهد التطلعات والتصورات الناشئة، بالإضافة إلى وظيفته التقليدية؛ تمحيص الكتابات والوقوف على ما تميَّزَ بالإبداعية والجدة والانفتاح على العالم والوعي بالخصوصية المحلية في آن ... 

كيف ترى لواقع الحركة الشعرية اليوم؟ هل القصيدة المغربية بخير؟

أهم ما يميز الحركة الشعرية، كما أقول دائما، أنها ميدان تتعايش فيه جل التجارب، من القصيدة التقليدية بموضوعاتها (الأغراض الشعرية) وعمود الشعر (بنية القصيدة ومراحلها)، إلى قصيدة التفعيلة، والنص الشعري المتحرر من أي قيد، كقصيدة النثر أو النص الشعري الأبيض الذي أطلق عليه البعض اللاقصيدة حيث تمَّحي الحدود الفاصلة بين الأنواع. هذا بالنسبة لي مظهر مهم جدا، لأنه يدل على حيوية الحركة الشعرية المغربية، ولا شك في أنه سيفرز ظاهرة شعرية مغربية خاصة، وأرى ملامحها قوية في مواقع التواصل الاجتماعي ونسبة التفاعل مع نصوص دون غيرها؛ أي أن هناك وعيا جديدا لدى المتلقي الجديد، بالرغم مما يقال عن الكتابة في هذا الفضاء الأزرق وانفعاليتها وسطحيتها، وهذه أخكام قيمة انفعالية بدورها لا يمكن اعتبارها نقدا.

الملمح المميز كذلك للحركة الشعرية المغربية المعاصرة أجده في إنتاج الدواوين الشعرية، وطبع الكثير منها خارج المغرب، وهذا الملح يدل على كسر الحواجز والأغلال التي فرضت على القصيدة المغربية تاريخيا، من جهة، وسياسيا، من جهة أخرى، ثم فكريا، لأن الشاعر المغربي يمتاز بتعاملٍ الخاص مع اللغة الشعرية، وميله نحو التفكير الفلسفي والتنظير الإبداعي/ إبداعيا، وهذه جمالية خاصة مختلفة عن الجمالية الغنائية والإنشادية... كل هذا يدل على أن القصيدة المغربية، بعيدا عن التكتلات الضيقة، بخير، وتحتاج إلى مواكبة نقدية واعية بخصوصية الشخصية المغربية والموروث الشعري المغربي المدون وغير المدون، والإدراك العميق كذلك للتنوع الثقافي المغربي والجغرافي...

كناقد كيف ترى لما بات منتشرا من نقد صحفي، هل يقدم دفعة للمشهد الثقافي؟

أولا، النقد الصحافي نوع من أنواع النقد، وهو ضرورة للتعريف بالكتب التي تنتجها المطابع المحلية والعربية وغير العربية في اللغات الحية الأخرى العالمية. والنقد الصحافي مهم لدعم التثاقف وتبادل الخبرات والمعلومات والتعريف بالنظريات الأدبية التي عرفها ويعرفها الميدان المعرفي والنقدي والثقافي والإبداعي، لكنه وحده، نظرا لضعف البنيات التحتية المنتجة للكتاب محليا، ومنها غياب المجلات المنتظِمَة، والمحكمة والعلمية التي لا تعتمد فقط على الأسماء والميزات والقرابة المهنية أو الإخوانية،،، بل التي تقوم على تصور علمي يدرك الواقع المغربي في حركيته والأهم تدرك حاجياته وتطلعاته وتكون عنصرا مساهما في بناء ذلك التصور الذي تسعى الدولة (رسمية ومدنية) إلى تحقيقه من أجل الخروج من حالة الركود والكمون، لمسايرة حركية أكبر وأوسع تحت عنوان "البحث العلمي" و"مجتمع المعرفة" و"الدولة الإنسانية والعالمية"،،، لكنَّ النقد الصحافي وحده لن يتمكن من الكشف عن حقيقة الأفكار والصراعات المعرفية والتطلعات، لأن وظيفته محدودة في "تقديم" الكتب وأصحابها و"التعريف" بها وبكتابها وكاتباتها، وهناك نقاد صحافيون متخصصون في مجلات وصحف غربية كان لهم دور كبير في التعريف بكُتَّابٍ مغمورين، وفي تقديم روايات ودواوين شعرية ودراسات نقدية لجوائز قيمة محترمة، لم يتمكن البحث الأكاديمي لطبيعته ووظيفته المختلفة، ولا النقد الأدبي من اكتشافها ودراستها ولا حتى معرفة وجودها ووجود كتابها وكاتباتها. إذن، إذا ما تم الوعي الحقيقي بوظيفة النقد الصحافي وآليات اشتغاله وحدود مجاله وتأثيره، يمكن القول بأنه ضرورة من ضرورات النهوض بأي حركة نقدية وثقافية جادة.  

كيف ترى للتجارب الشعرية الشابة هل هي تكرار لسابقيها، أو هناك نوع من الجدة والأصالة في تجربتها، في وقت يرى عدد من النقاد أن هذه التجارب لم تجتز كثيرا مراحل بقصيدة النثر؟

تجنبا للحساسية التي ترافق لفظ "الشابة"، أعود بالمناسبة إلى ما كنت أطلقته على الكتابات "الشابة" في الثمانينيات؛ "التجربة الجديدة"، لأن لفظ "شابة" قياس بالعمر، فالشباب مرحلة عمرية، بينما لفظ "الجديدة" فيحيل على الخصوصية الإبداعية، أي أن هناك كتابة مغايرة، وهو ما يشمل أكثر من جيل، منخرط في بلورة رؤية شعرية موحدة، تنبثق من استنزاف تجربة شعرية سابقة عليها، أو بروز متغيرات جديدة فكرية وسياسية وثقافية واجتماعية، والحق أن الواقع المغربي عرف في الآونة الأخيرة (العشرية الأخيرة) العديد من المتغيرات المحلية والمحيطة به جغرافيا والدولية (العالمية)، وهي تحتمل دلالة أكثر من تعبير التحول، لأنها فعلا هزات وزلازل غيرت ملامح الخارطة السياسية وأنتجت فكرا كان محدودا ومحصورا وكامنا، كما في السياسة، اختفت دول كبرى وتجمعات كبيرة لصالح تكتلات صغرى وأقليات محدودة التفاعل والتأثير، إنه انقلاب وانفجار كوني و"مجتمعي"، ومن العيب أن يبقى الفكر والإبداع متشبثا بما قبل هذه الزلازل، ليس فقط "التجربة الجديدة" التي تقول عنها "شابة"، ولكن كل التجارب المتعايشة في الميدان.

أما قصيدة النثر فهي تجربة إبداعية ووسيلة من وسائل التعبير الفني والجمالي، التي جاءت كضرورة للتفاعل الثقافي، وجاءت كرد فعل على الإحباط السياسي وخاصة انكسار الأفق الثقافي المغربي، أمام الكتاب الجدد،  اصطدمت أحلامهم ليس بالفاعل السياسي وحده، كما في سنوات الستينيات من القرن الماضي، بل اصطدمت بالفاعل الثقافي، المتمثل في نهاية أفق المثقف الإيديولوجي... وأعتقد أن قصيدة النثر ما تزال قادرة على لعب أدوار ريادية في اللحظة السياسية والثقافية والاجتماعية الآنية، أما ما عرف باللا نص أو باللا قصيدة، فهذه تحتاج إلى مزيد من الحفر في جمالياتها ووظائفها المعرفية من قِبلِ شعراء جميع الأجيال، ونقاد الأدب، وأستبعد أن يبحث فيها الأكاديميون العربُ، لأنها لم تنتج بعد نظريتها الخاصة أو منهجها ليتناقلوه فيما بينهم.

كيف ترى لواقع الساحة النقدية المغربية اليوم؟

أنظر إلى النقد المغربي نظرة تعاطف، وقد أثبت الناقد المغربي حضوره عبر: الدراسات النقدية التحليلية، والبحوث الجامعية، والنقد الصحافي، والترجمة. ويقوم كل فرع من هذه الفروع العامة بوظائف ومهام تثري النص الأدبي (المغربي والعربي) وتكشف عن خصوصياته الجمالية. وإذا أضفنا إليها النقد الفكري (الفلسفي) نجد أن ما ينقص النقد المغربي هو الدعم المادي والمعنوي، وتهيئة ميدان الكِتَابِ، طباعة ونشرا وتحفيزا وتخصيص وسائل دعائية متنوعة ومختلفة جادة، لأن في استغلال هذه الطاقات يمكننا الوقوف أما كل الدعاوى المخربة التي تسعى جاهدة إلى فصل المغرب عن جذوره ومحيطه بضرب اللغة العربية الفصحى لصالح اللهجات المحلية العامية المتنوعة والمختلفة، والتي تسعى إلى طمس الهوية المغربية بتغريبها، معتمدة شعارات زائفة ودعاوى مغالطة، فكل البلدان التي عرفت "نهضة حقيقية" بدأت بإحياء اللغة وتطويرها لتكون واجهة وأساس الوحدة الوطنية ... والوقوف أيضا أمام غير ذلك من التهديدات الحقيقية للكينونة المغربية وخصوصياتها.

لا نرى زخما كميا للرواية المغربية، لكننا نجدها قوية وحاضرة نوعيا على المستوى العربي، ما مرد ذلك في نظركم؟

ولكن هناك كتاب وكاتبات رواية جدد، الذي ينقص هو التعريف بهم، والتنقيب عنهم وعن أعمالهم، وتشجيعهم، محليا، أما عن النوعية، فانفتاح أفق وعي وتنوع تجربة الكتاب الجدد وفهمهم أكثر لحقيقة وجودهم ولحقيقة ذواتهم، أو تصالحهم مع الذات في قوتها وفي حالات ضعفها، هو ما خرج بالإبداع من الضيق الإيديولوجي والمحلي (الفلكلوري) إلى المجال الإنساني الرحب. وهذا ما يحتاجه أي أدب حقيقي؛ أي يحتاج نبذ كل تفكير عصبي ضيق.

 
كيف قرأتم تجاوز نوبل لأدونيس هذه السنة أيضا، رغم أنه أحد أقدم مطارديها؟ وهل تعتقد أنها لو منحت له لكان ذلك اعترافا ضمنيا إضافيا لقصيدة النثر العربية التي يعتبر من روادها الكبار؟

أعتقد أن لجائزة نوبل للآداب منطقها الخاص، وأن أدونيس وكثير من الكتاب والكاتبات في اللغة العربية يستحقونها، إما لمساراتهم العلمية والأدبية والفكرية، أو لالتزامهم بقضايا مجتمعاتهم والمجتمع الإنساني أيضا، وبذلك يكونون قد قدموا إضافات مهمة للآداب العالمية، أو لإبداعاتهم، أي ابتداعهم طرائق جديدة في التعبير الأدبي شعرا وسردا ومسرحا، ولكن هناك قوانين خفية تتحكم في الجوائز، شخصيا لست مهتما بفوز أدونيس بالجائزة أو عدمها، لأن المسألة مرتبطة ببنية تحتية ثقافية عربية إسلامية (الدول العربية والدول الإسلامية)، فكيف يمكن مطالبة العالم بالاعتراف بآدابنا ونحن نضع الثقافة والأدب والفكر في آخر الاهتمامات السياسية وتخطيطات ومخططات التنمية، بل الأدهى أننا نضعها في موضع الشك والريبة ونتعامل معها كمحضورات وممنوعات، ونفرض عليها منطق الحذر، ونحاربها بنشر ثقافة مفرغة وسطحية مليئة بالضجيج بعيدة عن روح مجتمعاتنا اليوم، ونشجع على الاستجداء وتدمير الكيان والذات. نجيب محفوظ فلتة، وهو يستحق جائزة نوبل للآداب، أما بعد منح الجائز للمغني بوب دايلن أو لأشعاره، وأنا من عشاقه، وكنت أحفظ عن ظهر قلب ألبومه في الثمانينيات المنصرمة "The train come back"،، فهو دليل على وصول تأثير الرأسمال العالمي في تحديد الاختيارات الجديدة للعالم الجديد، وتحديد الأفق الشعري للإنسانية وكذلك نوع الأدب والفكر.

  

Posté par motassim à 20:59 - Commentaires [0] - Permalien [#]

23 avril 2016

بين القصة والنوفيلا الإيطالية: المحكي الذاتي والسخرية المرحة

محمد معتصم

 

بين القصة والنوفيلا الإيطالية:

المحكي الذاتي والسخرية المرحة.

 

في لغة سلسة، تقع بين لغة القصة القصيرة وسرد الذكريات في محكي ذاتي، وبينهما ولغة رصد المشاهد الخارجية للمدينة (المكان) والوقائع الفريدة المضحكة المبكية، كتب يوسف شبعة الحضري، كتابه "صدى الذكريات؛ نشيد الفقد".

 

اعتمادا على عتبة العنوان، يمكن تقسيم النصوص بحسب وعي صاحبها إلى محكي ذاتي، يتصل بتجربة اليتم التي عاشها الكاتب، وأحس بها في مشاهد ومواقف مختلفة من حياته، بعضها أمال الناس إليه من موقع الشفقة والاعتناء باليتيم كما توصي بذلك الشريعة، وكما ترسخ في ذهن الناس، خاصة وعي الناس وسلوكهم قبل استشراء الجشع وتبدل الأحوال والعباد أمام الهجمة الشرسة لراس المال، وما عرف باقتصاد السوق، وبيع كل شيء وشراؤه، وبعضها الآخر، جعل الذات الكاتبة تشعر بالاختلاف، في مواقف ومناسبات عدة، كالاحتفالات ومناسبة النجاح في الدراسة وفي الحياة، حيث تتحلق حول المناسبة العائلية كل الوجوه ويغيب وجه الأب، الأب كحمولة ثقافية وأخلاقية وسند وعصب. في المحكي الذاتي ها هنا لا تستسلم الذات لبؤرة التأسي والتفجع، ولا تنقاد نحو السرد الحميم الملتاع المتدفق كنهر جارف، يعبر عن عدم استقرار الكيان، والانطواء والعزلة، كما هي الحال في كثير من الكتابات السير ذاتية، بل نجد الذات تتغلب على هذه المنزلقات باعتماد خطاب السخرية والتهكم، وبالوقوف عند المتع الصغيرة التي، ربما، عشناها جميعا، في الأحياء الضيقة والدروب الشاسعة، أعني أن أغلب ما تحدث عنه يوسف شبعة الحضري، في كتابه، جربته، أو أغلبه، شيطنة ومغامرات محسوبة، وبعضها مخاطرة كانت الذات الغضة فيها تتشكل وتبني وعيها وتختبر قدراتها وترص لبنات تجربتها التي ستصبح لاحقا التاريخ الشخصي للذات الكاتبة، وكذلك ستسهم في تشكيل الأسطورة الشخصية التي ستصنع الكائن والكاتب وتمنحه الصفات المميزة والخاصة.

 

وعتبة العنوان، التي أسست للمحكي الذاتي، وارتبطت بنشيد الفقد، لا يمكنها أن تكتمل إلى بالمحكي الثاني، المستخلص من "صدى الذكريات"، وهو محكي مشهدي خارجي، متعلق بالفضاء (الزمان والمكان) في مدينة طنجة، المدينة الدولية التي من سماتها التنوع والاختلاط، لكنها في الوقت ذاته، مدينة محافظة، متمسكة بأصولها، وتبدو طنجة في كتاب يوسف شبعة الحضري، مدينة صوفية غارقة في العبادات والأذكار والتقوى، وهي كذلك مدينة المشردين والمهمشين والمجرمين العتاة، الذين جار عليهم الزمان، بعضهم ينحدر من أسر عريقة من الأشراف والأعيان، وبعضهم الآخر ممن نزحوا إلى طنجة بحثا عن فرص للحياة والعمل، هربا من شظف العيش والجفاف والقحط والمجاعة، لتحتضنهم أحياء الصفيح وتلقي بهم الأقدار في متاهات الضلال، وهي أيضا مدينة عالمية تغوي الكتاب والفنانين والسياح من العالم...

 

مدينة بهذه الصفات لا يمكن لساكنها إلا أن يسلك أحد السبيلين، الاندماج في التركيبة المعقدة للمدينة والبحث عن نقطة توازن، وبؤرة ينصهر فيها هذا الخليط الثقافي والاجتماعي، أو الانعزال في صورة متصوف زاهد في الدنيا أو صورة متشرد منبوذ.

 

أهم ملامح السرد في الكتاب الوصف والسخرية، أو الباروديا، والسرد هنا، مهما قلص المسافة بين الذات الكاتبة والسارد والشخصيات (عن طريق القرابة الدموية أو الجوار أو الدراسة أو الصداقة) فإنه لم يسقط في بؤرة المحكي التراجيدي الذي يغرق السرد بالتشكي وآلام الذات.

 

إنها طريقة جديدة في كتابة الذكريات، لا هي "مذكرات" خالصة، أو "يوميات"، بل هي سرد قصصي يمكن تضافر نصوصه لتتحول إلى نفس سردي موحد طويل، أقرب إلى "الرواية القصيرة" أو النوفيلا الإيطالية، بلمسة بسيطة من الكاتبة، أي بتوحيد الشخصيات ربطها ببعضها بروابط منطقية (سردية)، أما الفضاء ولغة السرد والوقائع فهي جميعها أكبر محفز على قراءة الكتاب على أنه وحدة كلية.

 

 قراءة ممتعة

 

شبعة الحضري، يوسف: صدى الذكريات؛ نشيد الفقد. منشورات سليكي أخوين. طنجة. المغرب. ط1. 2015م

Posté par motassim à 12:05 - Commentaires [0] - Permalien [#]

19 septembre 2015

Numériser

 

"الديبلوماسية الثقافية" والكبرياء والكرامة وحب الوطن، لهذه تعاقب وزارة الثقافة رجاء الطالبي:

لماذا تعاقب وزارة الثقافة رجاء الطالبي بالنقل التعسفي من مديرية الكتاب والمخطوطات وإعفائها من مهامها وحرمانها دون غيرها من الموظفات والموظفين من التعويضات عن العمل، من قبل تحالف العصابة؟

أولا يمكن قياس هذه الأفعال الشريرة على كل الموظفين والموظفات الشرفاء، ومن لهم ولهن غيرة على كرامتهم وكرامتهن، وعلى الوطن والعمل. ثانيا، هناك عصابة متحالفة المصالح تتبادل فيما بينها المهام بمقابل خدمة بخدمة والذود عن "الكعكة"...

بدأت المضايقات والتعسف على رجاء الطالبي عندما تم ترشيحها مديرة لمديرية الكتاب والمخطوطات،، وشاع في الوزارة أن الاختيار في الديوان الملكي قد وقع عليها، أو أنها أكثر حضورا وأولى من غيرها كونها بنت الدار، وتعرف خبايا وأسرار العمل، وهنا تدخلت الوزيرة السابقة بقوة للتأثير لصالح زميلها وحليفها، وهو الذي بدأ بتجريدها من مهامها، ومنعها من السفر إلا ما كان "فخا" لتوريطها في قضايا مالية أو سياسية، وأخطرها حقيقة، المهمة التي رشحت لها وتتمثل في تمثيل وزارة الثقافة المغربية في معرض الكتاب بالجزائر سنة 2008 -كما في الصورة- وهنالك، كان المدير في مديرية الكتاب يلاحقها بالهاتف ويطالبها بنشر بيان إدانة للمسؤولين الجزائريين، إلا أن رجاء لم تكن بسيطة وساذجة كما ظن وهيأت له نفسه المريضة، بل قامت بأكبر من ذلك، لم تقم فقط بتمثيل وزارة الثقافة بل قامت ب"الديبلوماسية الثقافية" واستطاعت أن تأخذ صورا لها مع الرئيس الجزائري بوتفليقة في قلب مقر وزارة الثقافة المغربية، وسجلت اعترافات منه بحبه للثقافة والمثقفين المغاربة وطلب منها عددا من الكتب لدور نشر معينة، وهو ما نفدته رجاء الطالبي فورا، فجمعت له كل العناوين الحديثة الصدور، لم يعجب صاحبنا وعصابته هذا الأمر، لكن المسؤولين في السفارة المغربية بالجزائر حينها السفير والمسؤول العسكري والمسؤولين الجزائريين رفعوا عاليا ما قامت به رجاء الطالبي بحرفية وحنكة وحذاقة، وهو الأمر الذي قمت به في معرض تونس كذلك (سآتي على ذكره في مرة قادمة). المدير ذاته وتابعه الذي تولى مكانه بالتزلف تقبيل الأيدي وأشياء أخرى، لم يرضوا أن تستجيب رجاء الطالبي لأوامر الوزير بنسالم حميش لتلتحق مستشارة للعمل في ديوانه، لأن الأمر يشعرهم بالهزيمة فكلفوا حقراء وأنذالا بدأوا التشهير الذي تابعه الجميع بأسماء مستعارة.

الوزير الجديد وخوفا من العصابة ذاتها استجاب لطلباتهم مقابل سلامة الوقت، ومرور فترته دون متابعة وملاحقة لأخطائه قام بتوقيع إعفاء لرجاء الطالبي من مهامها ورفض أن يقابلها أو يستمع إليها. الخطأ الذي ارتكبته رجاء الطالبي أنها لم تستغل مكرها وتقوم بتصفية أعدائها عندما كانت في موقع القرار، لقد تعاملت بحسب قيمها التي تربيت عليها وروح العمل والتفاني في خدمة الوطن، وهذا الذي كانت تردد على مسامعي، لابد من الرفع من قيمة الوطن ولو بالقليل. لكن للأسف لا أحد يريد العمل الشريف، الكثير من المسؤولين يتسلقون للنهب والترقي الاجتماعي والمالي على حساب المسؤولية وعلى حساب حقوق الآخرين. ولي عودة للموضوع. م.معتصم

Posté par motassim à 23:48 - Commentaires [0] - Permalien [#]

31 mai 2015

مقدمة في قراءتي لكتاب "مسار" للكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو اليوم بالقدس الأسبوعي

 

بدون الأسرار الخبيئة لا تزهر شجرة النصّ: القراءة والكتابة في "مسار" عبد الفتاح كيليطو

يقول الناقد والباحث المغربي عبد الفتاح كيليطو:"إنني أقرأ كثيرا، وبلا نظام، يخيل إليَّ أحيانا أنني قرأت كل الكتب، وأحيانا أنني لم أقرأ شيئا." (٭).

http://www.alquds.co.uk

قراءة ممتعة للجميع

Posté par motassim à 09:24 - Commentaires [0] - Permalien [#]


28 mai 2015

دراستي في رواية "بابنوس" للكاتبة سميحة خريس

 

تجدون رفقته دراستي في رواية "بابنوس" للكاتبة سميحة خريس، وقد نشرتها مجلة "ثقافات" الإلكترونية للكاتب الصديق يحيى القيسي باتفاق مع مجلة "الفجيرة" الورقية. م.معتصم

Posté par motassim à 12:21 - Commentaires [0] - Permalien [#]

01 mai 2015

المرأة العربية وتطوير السرد العربي المعاصر

شهادة تقدير

الشهادة التقديرية التي وصلتني من عمادة ورئيس جامعة جداراعن البحث الذي ساهمت بملخصها في المؤتمر الدولي الثالث الذي نظمته كلية الآداب واللغات بعنوان "المرأة في الخطاب الأدبي والإعلامي والثقافي بالأردن

Posté par motassim à 22:53 - Commentaires [0] - Permalien [#]

مقدمة في قراءتي لرواية "مدينة الحب الخطايا" هذا الأسبوع

 

"مدينة الحب والخطايا" للفلسطينية مرمر القاسم: الرواية والخطاب في زمن الموت

اقترنت الآداب المعاصرة في التزامها بالقضايا العربية الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولا يمكن التنكر لها ولآلام أهلها ولتحولاتها المأساوية ولا الجحود بدورها في منح الأدب - ومن ضمنه الرواية المعاصرة وقبلها الشعر -قيمة وجوده، لقد اتخذها كثير من الكتاب جدارا يحتمون به ويعلقون عليه قضاياهم الإجتماعية المحلية، فكانت فلسطين ومحنتها السياسية والوجودية محنة كل الدول العربية ومنبع كل متخيل عربي، ملتزم، ومناهض للاستعمار وللظلم ولكل أدب يتعلق بالمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية.

http://www.alquds.co.uk

 

Posté par motassim à 10:05 - Commentaires [0] - Permalien [#]

فقرات من مقالتي في كتاب الأديب المغربي العربي بنجلون

محمد معتصم

الكتابةُ فِي النَّصِ السَّيْرِ ذَاتِيِّ

 

1/ في كتابة الذات:

ما يميز السيرة الذاتية؛ الصعوبة. إنها كتابةٌ اختارت أن تقول الحقيقة العينية والواقعية، واختارت الصدق، واختارت من الأساليب الأكثر شيوعا وتداولا بين مختلف فئات المجتمع، أي أنها اختارت السرد والوصف، وأيضا اختارت الكتابة بضمير المتكلم، الضمير الأكثر خصوصية وحميمية في آن. 

لم تكن هذه الصعوبة حاضرة في بدايات ظهور وانتشار الكتابة "السيرة الذاتية"، لأن المجتمعات الغربية والعربية كانت في حاجة إلى "نماذج" من الحياة تكون قدوة تحتذى يتعلم منها الناشئة كيف يكونون "مواطنين صالحين"، لهذا تعددت تسمياتها بين النقاد في العربية وفي غيرها من اللغات، قديما وحديثا، فسميت "الأيام" ولعل طه حسين أخذ التسمية من التراث العربي القديم الذي دون تاريخ العرب تحت مسمى "أيام العرب" في الحرب أكثر منها في السلم، و"التراجم"؛ "تراجم الأعلام" و"الترجمة الذاتية"، التي تصنف الأعلام وتدون أهم منجزاتهم العلمية والفكرية والأدبية، ومنها كذلك "الطبقات" كما هو معروف عند ابن سلام الجمحي في تصنيفه لطبقات فحول الشعراء، لكن هذه الكتابات تندرج ضمن خطاب السيرة الغيرية، لأنها كتابات لا تروى بضمير المتكلم ولا تشتمل إلا جزئيا على الحياة الخاصة والشخصية للشخصية المحورية ويتم التركيز فقط على الجوانب البارزة من وجهة نظر المؤلف أو المؤسسة التربوية والثقافية أو السياسية لتحقيق الغاية القصوى منها؛ تربية وتكوين نماذج محددة من "التمثلات الذهنية" المحددة "للهوية الثقافية والوطنية"، ونجد كذلك "فن السيرة" عندما يركز الناقد والدارس على البعد الفني والجمالي للسيرة الذاتية، ويرتقي بها إلى مستوى الإبداع الأدبي ويبتعد عنها قليلا من التدوين التاريخي أو تأريخ الذات االفردية والتجربة أو التجارب الشخصية.

ومن المسميات المتداولة والحديثة التي تدل على صعوبة كتابة السيرة الذاتية، وبأنها كتابة "إشكالية" ابتداع مصطلح "التخييل الذاتي" الذي يجمع بين الكتابة الذاتية الجميمة والتجربة الشخصية والتخييل والإبداع، لتكسير صرامة الواقعية وموضوعية الأحداث وتسلسلها المنطقي الذي يحتم على كاتب السيرة الذاتية الخضوع لمنطق التتابع والتقدم الخطي نحو النهاية، سواء نهاية مرحلة من مراحل العمر، أو نهاية تجربة من التجارب، أو نهاية مراحل متعددة متعاقبة من عمر الكاتب، ونجد أيضا الميل حاليا نحو "الكتابة الذاتية" أو "كتابة الذات" وهما مصطلحان شاملان لكل أشكال الكتابة التي تقوم على الذات الكاتبة سواء أكانت كتابة ذاتية تأريخية وتعليمية توجيهية أو كانت كتابة تقوم على التخيل والإبداع، تجمع بين الأحداث الواقعية وإضافات الخيال الخلاق لتحقيق البعد الجمالي والإبداعي للخطاب السير ذاتي.

2/ نصٌّ "سير ذاتي":  

العربي بنجلون المحتفى به اليوم وضع بدوره لبنة أخرى للإشكال الذي يطرحه الخطاب السير ذاتي، بوضعه التوصيف/ التحديد الأجناسي الآتي لكتابه "سفر في أنهار الذاكرة": (سير ذاتي). إنه عتبة غير قابلة للتجاوز السهل ودخول العمل، بل هي تحديد يوجب التفكير فيه وإجراء تأويلات عليه ممكنة، منها:

-         لماذا (سير ذاتي) بالمذكر وليس بالمؤنث (سيرة ذاتية)؟

-         هل يعني ذلك أن هنالك حذفا سابقا على التحديد الأجناسي مثلا: "نصٌّ" أو "كتاب"؟

-         هل يقصد، والقصدية جد مهمة في أية كتابة لأنها تحدد زاوية النظر وموقع المتكلم في النص وتحدد بالتالي "نوع النص"، فقط ربط العنوان بالجنس، ليصبح "سفرٌ سيرُ ذاتيٍّ" في أنهار الذاكرة؟

الأهم أن كل هذه التأويلات مفيدة في تعدد قراءة كتاب العربي بنجلون، وهي بالتالي زوايا ممكنة للكشف عن "قصدية" الكاتب "ونوع النص"، وعن "الصيغة" و"الأسلوب" اللذين كتب بهما الكاتب سيرته الاتية، يضاف إلى هذا الإشكال في العتبة الأجناسية، إشكال ثانٍ يتمثل في حجم الكتاب، فهو يخترق كثرا من "الثوابت" الذهنية و"التصورات" المتمثلة في وعي القارئ والكاتب معا، أي أن النص السير ذاتي ينبغي أن يكون، كما سلفت الإشارة، خطابا توجيهيا، درجة الإبداع فيه "صفر" مثله مثل النص التاريخي كما يرى "ج.م.آدم"، لأنهما معا يقدمان معرفة حقيقية وواقعية وتعليمية، والعربي بنجلون، يخترق هذه القاعدة ليقدم إلى جانب الخطاب السير ذاتي (الذات في الطفولة والصبا والشباب) الخطاب الغيري (الوطنية: الأم والجد والأب) الخطاب المعرفي (الكتابة: الأصدقاء والأعداء في آن).

لم يقف حجم الكتاب أمام انفتاح النص وتشعب أبعاده، التي ترصد ثلاثة مستويات متجاورة في صيغة سردية واحدة مهيمنة وهي صيغة السارد الخارجي، أي سارد خارج الذات المكتوبة في النص، وقليلا ما يضمنها صيغة الحوار لتكسير ضمير الغائب بحضور ضمير المخاطب (ة)، الأم غالبا.

حجم الكتاب لم يقف أيضا حائلا بين تجاور خطابين مختلفين للكتابة "السير ذاتية"، وهما:

-         متن السيرة الذاتية الممتد على مساحة ست ضفاف.

-         ونهج سيرة علمية وثقافية (C.V) تحت عنوان "الكاتب في سطور".

Sans titre

Posté par motassim à 09:15 - Commentaires [0] - Permalien [#]

12 avril 2015

الاستعارات الهشة تقصم ظهر العالم الأحدب في ديوان "مكان ما في اللانهائي". لرجاء الطالبي

محمد معتصم

 

2014-10-29 15

 

رجاء الطالبي

 

الشعر اليوم في ظل التحولات الكبرى التي أودت بكثير من اليقينيات والمعارف المتوارثة وفي ظل الزلزال الذي خلخل سلم القيم وبعثر ترتيب المسلمات المطمئنة والمستكينة في استسلام بليد إلى المعارف السابقة والتقليدية، أصبح للشعر ماهيته الجديدة، قد لا تتغير الأغراض جملة وتفصيلا، لكن الشعر لغة وفكرة ورؤية، لذلك فالشعر اليوم يتحدد في "قول المختلف والخفي والمحجوب عن الأعين الباردة الزجاجية المتصنعة إدراك الحقيقة والمتوهمة امتلاك المعرفة اليقينية التي لم تكن يوما يقينية منذ وادي عبقر إلى صراع الطبقات الاجتماعية إلى تكسير اللغة والوزن وشكل استقامة عمود الشعر وتبعثر بحوره البسيط منها والمركب إلى تلاشي كل المعايير والدخول في قول يشبه الصرخة المكتومة في قلب الكائنات اللغوية التي همشها الواقع ومحاها أو كاد من الوجود، وطردها المهيمن الجديد من "جمهوريته" بعد أن نزع عنها "العمامة والطيب وإكليل الغار"، يقول الشعر اليوم حقيقة أن لا شيء ثابت وأن الحقيقة لا تكمن إلا في تفاصيل تحولها لأنها لا زمنية، وهو ما يمكن استنتاجه بكل وضوح من شعر رجاء الطالبي سواء في دواوينها السابقة "برد خفيف" و"حياة أخرى" و"عزلة السناجب" ثم في ديوانها الجديد "مكان ما في اللانهائي"، والقراءة البسيطة لمعجم مفردات العنوانين تظهر حقلا دلاليا شديد الخصوصية والنوعية فهبوب البرد الخفيف سيؤدي حتما إلى تغيير الساكن من الحياة السابقة المستسلمة ليقينياتها المطمئنة لما حققته من رضى عن النفس، والبرد الخفيف يأخذ ها هنا معنى الزلزال والهزة الشعرية التي ستقلب كل شيء "بهدوء" ودون "ضجيج" كما كانت الحال عليه في المرحلة الصاخبة بالفكر الإيديولوجي الملتزم الذي توهم أنه بالشعر وبالصراخ وبالانتماء إلى جهة من الجهات الأربع يمكنه التغيير واستيقظ على حقيقة فاجعة وهي أنه لم يكن سوى صرخة في واد أشد فراغا من وادي عبقر وشياطينه الملهمة، الهزة المعلوماتية وتحول القيم وانهيار دول وزوالها من الجغرافيا الحديثة والمعاصرة ونشوب معارك طاحنة بلا قيم وبلا أفكار وفلسفات كبرى وبلا أهداف "معقولة" حول السلطة أو حول التغيير جاء كل ذلك خفيفا هادئا وسلسا، الحياة الجديدة حياة استكانة ولايقين والتباس، لذلك كان من اللازم اللازب اعتزال السناجب في الغابة، والاحتماء داخل جذوع الأشجار تقتات من مدخراتها من "معرفتها الخاصة والشخصية" معرفتها غير اليقينية والمختلفة، الشعر اليوم لا يستند إلى أي سند حقيقي أو جمعي تحده حدود متفق حولها، والقول الشعري عن الذات لا ينطلق إلا من سؤال مؤرق:" ما مصيري في هذا الوجود القبلي المحكوم بيقينيات سابقة وقد تلاشت حدودها وتفرقت حبات عقدها؟"، والجواب كان صريحا في ديوان رجاء الطالبي الجديد "مكان ما في اللانهائي"، هنا يقيم الشعر، هنا تقيم الذات الشاعرة، في اختلافها الجذري عن كل الوجود السابق [بالجمع]، مختلفة كذلك عن الموجودات المتهرِّئة" التي تتحدث عن الثبات في قلب العاصفة، عن الحقيقة في صلب الضياع، لقد انتقل كل يقين اليوم إلى الضفة الأخرى الضبابية، فأين سيقيم الشاعر؟ وأين وبم سيحتمي الشعر؟ سيقيم الشاعر في اللا مكان أو في مكان ما في اللانهائي، وسيحتمي الشعر بذاته سيقول شاعريته دون "حوامل" قبلية، دون معرفة "مدرسية" مستكينة، حتى السريالية تحولت إلى مدرسة متآكلة، حتى التفكيك اللفظي [المعجمي] لم يعد ممكنا، التفكيك الممكن هو قلب الأسئلة وتغيير زوايا النظر، الشعر اليوم يقيم في مكان ما في اللانهائي، بعيدا عن كل استكانة ومعرفة قبلية، إن الشعر اليوم يقول ذاته بذاته، أي أنه يخلق فضاءه الجديد ولغته الجديدة وبالتالي يخلق قراءه، وإن كان لا يهتم كثيرا بالقارئ، لأن القارئ همٌّ لاحقٌ.

*************

 

في "مكان ما في اللانهائي" يقف الشاعر على الحدود القصوى، على الشفرة الحادة، تقول الشاعرة:

"متى اخترقتِ حقول سيزان وتوغلت في ألوانه العارية،

متى اخترت طرف الحقل الأزرق لتمشي نحو لقاء القصيدة،

على حافة الأخدود تسيرين مائلة

يتمايس في جسدك أزرق باطاي،

ضوء هلدرلين، منفى بلونشو،

كأنما الكلمات التي تتحكم في القدم المرنة تميل ولا تسقط،

تمشين، جسد القطة المتوترة المتفقدة كيف السياج الذي تحبين،

السياج عند أطرافه تميل الأزهار برأسها والنباتات،

قلق يلتهم الاستعارات، لا تهدأ نظرته..." ص (7)

حتى والشاعر قلب الجموع يقف وحده، في مكان ما في اللانهائي، في المتخيل، في الوجود اللغوي، وفي الاستعارات التي تقول الأشياء والوجود والذات الشاعرة بطريقة مختلفة عمَّا اعتادت عليه الناس واللغة اليومية، لأن الشعر منذ أن كان، منذ وجوده البكر كان مختلفا، يقول الذي لا يرى، يقول ما لا يقوله الكلام العادي، الكلام الذي بلده الحس السطحي، واستكانت له وإليه النفوس القصيرة والخاملة، منذ أن كان الشعر وهو يرى بعين غير العين الحاسة المرآوية التي تعكس الخارج، وسيلته المخيلة الحدودية واللغة الاستعارية والفكرة المختلفة.

في المقطع أعلاه، تبرز الشاعرة مكان الذات الشاعرة اليوم ومكانة الشعر بعد كل التحولات الخارج ذاتية التي هزت القيم وقلبت الموازين واستبدلت فيها القوى بغير القوى السابقة والمعتادة، يقف الشاعر على الحافة لا ينتمي إلا إلى ذاته ومخيلته ولغته وفكرته، لا ينتمي لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، يقف وحده تحت السماء العارية وفي مواجهة الحقيقة الهوجاء، لكي تكون شاعرا عليك أن تتحمل اختلافك، عليك أن تواجه كل هذه الرداءة التي تولدها العادة، وبلادة المشاعر وطمس الرؤية، لكنها في الوقت ذاته تعلن عن "أخوتها الشعرية" القبيلة التي تنتمي إليها، من المعاصرين الذي اكتووا بنار غربتهم، واحتموا بعزلتهم القصوى في الإبداع، والفرادة، والاختلاف، والابتعاد عن الجموع في قلب الجموع.

في المقطع الشعري ذاته يمكن أن نحدد الاختلاف ضمن العلاقات المتناقضة والمتضادة، كما في المربع السيميائي المعروف، الذي يتحول هاهنا فيه التناقض والتضاد إلى التوالد والاشتقاق، فالمكان اللانهائي يولد فكرة "المنفى" و"الحدود" القصوى، بينما "الضوء" المبهر يولد فكرة العمق والامتداد والشساعة اللامحدودة المتمثلة في "الأزرق". وكلها استعارات لفكرة الاختلاف ورفض الواقع الرتيب المستسلم لرتابته وسكونه وانحداره نحو الهاوية.

إن ماهية الشعر لا تختلف عن مهمته، فالمهمة الأساس اليوم للشعر ومن خلال تجربة رجاء الطالبي الشعرية، تتمثل في قول الحقيقة المرة؛ العالم اليوم يشعر كأنه متخلى عنه، وأن الإنسان المعاصر إنسان مستسلم ومُتخاذل. من يستطيع قول هذه الحقيقة اليوم غير الشاعر. لقد كان الشاعر منذ أول شاعر يقوم بهذه المهمة الصعبة، وكان يقف دائما في مواجهة العاصفة، عاصفة القبيلة أو العادات والتقاليد، أو العقائد التي ما كلت يوما عن "تدجين" الكائن الآدمي وتحويله إلى عبد أو إلى سلعة تحت أي علة.

***********

 

في "مكان ما في اللانهائي" بحث مضن عن العالم "الحق" حيث الإنسان –الحقيقة والجوهر، البعيد عن المؤثرات الخارجية التي تشده إلى الطين، وتحول بينه وبين أن يكون ما ينبغي له أن يكون عليه، والشاعر في ديوان رجاء الطالبي نموذج لهذا الكائن الجوهر والحقيقي، وبالتالي فالشعر وهو قول الشاعر وحقيقته في آن، ليس سوى "الأثر" الذي يتركه، لكنه أثر لا دليل برهاني له، لأن دليل أثر الشاعر هو الحلم، فالبرهان ينطلق من اليقين التام بينما الأثر ليس سوى احتمال على الزوال، واحتمال على التأويل المتعدد والمنفتح، لا يختلف الأثر في حقيقة وجوده وانفتاحها عن المكان هنالك في اللانهائي والمطلق الأبدي، فهما معا يؤكدان وعي الكاتبة والكتابة في آن، في اختيار المختلف الذي يقف عند الطرف الآخر من الصورة الثابتة والتقليدية في أذهان الفكر التقليدوي والمطمئن لحقائقه المستولدة من العادة والراسخ في الذهن، وهذا المعنى تؤكده الشاعرة رجاء الطالبي في "العتبة" التي وضعتها لديوانها الجديد "مكان ما في اللانهائي"، مأخوذة عن الشاعر رونيه شار وتقول:" يجب على الشاعر ترك آثار عبوره لا براهينه، وحدها الآثار تجعلنا نحلم.". وتقول الشاعر رجاء الطالبي:

"صباحاتي بنكهة صمت خفيف

يطرد الغربان عن مائدة الموتى الجميلين

صباحاتي بنكهة هبوب الريح متوحشة تنفر من الأصباغ،

تسقط في شرك ظلال بين صخرتين.

صباحاتي بنكهة الطفولة، تركض في حقول الضوء

وراء فراشة هوائية، تتبع روائح الأحلام ..." ص (9)

إذا كانت الآثار تبعث على الحلم عند رونيه شار، فإنها تصبح عند رجاء الطالبي ذات رائحة، أي أنها ليست مجرد توهم وصور ذهنية ومتخيلا مجرد بعيد عن الحقيقة الواقعية، إن للحلم رائحة، كما للصمت قوة فعل سرية تستطيع أن تطرد "الغربان" المقيتة التي تتغذى على لحم "الموتى الجميلين"، ولا أعتقد الموتى هاهنا غير سلالة الشعراء الحقيقيين، والأصفياء في "الأخوة الشعرية" العالمية، التي تهتم بحقيقة الإنسان وجوهر الإنسانية.

تقدم الشاعرة رجاء الطالبي ملامح عن ذلك الـ" المكان ما في اللانهائي"، مكان على الحدود القصوى من عالم الضجيج والحقائق المزيفة والأسئلة المغلوطة وغير الحقيقية والجوهرية، مكان يسوده الصمت البليغ حيث الخيال الخلاق يمنح الأحلام معناها ومداها الحقيقيين، وهو مكان الضوء والحقيقة الواضحة الأولى الخالية من الأصباغ والألوان الخادعة، الضوء الصباحي والطفولة البكر للموجودات، إنه مكان ما في اللانهائي، مكان لا يكون إلا في البدايات المغرقة التي ابتلعتها الأزمنة الحرجة، مكان لا يكون إلا في اللغة الشعرية المنتقاة، المنتقاة بعناية الشاعر الحق، فللصباح نكهة، وللصمت وزن خفيف، وللموتى من السلالة البكر النقية من الشعراء جمال، وللضوء حقول.

لا يكفي فقط الإقامة في مكان ما في اللانهائي ليقول الشعر الحقيقة الوجودية البكر، عليه أن يتجدد هو ذاته وينبغي أن تتجدد لغته، وسيلته وحقيقته ووجهه الذي يعلنه للوجد ويقابل به الكائنات الأخرى، المليئة بالضجيج، وتصادي الأصوات القادمة من "جوف الأراضي الموات" التي لا تعمل سوى على تكريس الأباطيل، وتعمل على تحميل الشعر ما لا يحتمل، وخداعه بالقشور المضللة الخارجية. أو من كتابة "الظاهرة" والوقوف عند حدودها العينية دون القدرة على اختراق حجبها وظلالها لاكتشاف الوجه الآخر من "الظواهر" المختلفة في المجتمع والناس والفكر واللغة واليومي... إلخ.

ومن العلامات التي تدل على ابتعاد الشاعر والشعر اليوم -وأيضا في الأزمنة الحاسمة ولحظات التحول الكبرى في الشعوب والأمم - عن "الفكر المضلل" واللغة الخادعة اتخاذ الشاعرة رجاء الطالبي "الجبل" في شموخه وصموده رمزا لذلك المكان ما في اللانهائي المنشود، حين تقول:

"صباحاتي المترحلة بيني وبين جبل يدمن القصيدة،

يحضن بيض النسور كي تحيا الاستعارات

في قفزة النمور."

فالصباحات "المترحلة" رمز للتحول الأبدي، لا شيء يستقر على حال، كل شيء في تحول مستمر، كل الموجودات في انتقال وتغيير دائمين، في التحول يكمن جوهر وجودها، والتحول ها هنا بمعنى الاختلاف، كما القصيدة هي في كل يوم في حال غير الحال الذي باتت عليه، وهذه الحقيقة لا ينكرها إلا جاحد أو غير عالم بالشعر وماهيته، والقصيدة خمر الجبل التي يدمنها، والقصيدة تحيا بالاستعارات المتوالدة إلى ما لانهاية، الاستعارات الشفافة الحية تواجه العالم الصلب لتبني أعشاشها عاليا كالنسور.

تلك حقيقة الشعر اليوم في ديوان الشاعرة رجاء الطالبي "مكان ما في اللانهائي" الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعَمَّان-الأردن مطلع هذا العام: الاستعارة الهشة تقصم ظهر العالم الأحدب.

 

  

 

 

 

Posté par motassim à 10:00 - Commentaires [0] - Permalien [#]