محمد معتصم

23 février 2021

رجاء الطالبي/ فيسوافاشيميورسكا/ ترجمة

IMG-20210218-WA0003

 

فيسوافاشيمبورسكا

شعربسيطمثلالتحية

 

ترجمة : رجاء الطالبي

 

عندمااتفوهبكلمةالمستقبل،

فإن مقطعهاالأولينتميللماضي. عندماأقولكلمةصمت،

فأناأتلفها. عندماأقولكلمةلاشيء،

فأناأصنعشيئًالايناسبأيشيء.

(ثلاثكلماتغريبة )

 

 

رحلتالسيدةالمتكتمة،الممحية،والتيكانتأبعدمنظلها،فيكراكوف،يومالأربعاء، 1 فبراير 2012 ،بعدسرطانفيالحلق.كانت هناك قلةمنالأصداءلتوديعها،بلاموجات،لتلقي عليها التحية الأخيرة.

 

لم تُمزَّقستارةالمعبدوالعالموالمال،ولا تجعدالجزء القليل منه. فالسيدةالعجوزالتيكانتتحيا شعريا فقط،تزنالقليلجدًافي عين هذا العالم.

لمتحتفلأيروحطيبةبمنفازبجائزةنوبلللآدابعام 1996.

لميجذب موتهاالمزيدمنالقراءلافيبولنداولافيفرنسا. ومعذلككانتكلماتهاشائعةتقريبًا. لقدكانتلغتهاشفهيةتقريبًا،دونأنتفيضغنائية،وبدوناستعاراتممجدة.

حاول بيت الشعر لباد كاليهفيوقتهاتحترئاسة كريستوفجويلزكيوإزابيلماكورفيلارسكاالتعريف بها، لكن ذلك بقي متكتما عليه.

ومعذلك،كانت فيسوافاشيمبورسكاصوتًا يجعل من لحظات الحياة ناعمة وحساسة، ولا شيء أكثر من ذلك.

"الشاعريتحدثإلينا،يأخذناإلىالحياةكمايتصورها،دونأنيشرحأيشيء،دونأنيبررأيشيء. "

ظلتالرؤيةالمريرةوالمذهلةوالباهتةتقريبًاللعالمعميقةومنفصلةعنالشعور المأساويالبولنديالتقليدي.

لطالمااحتفظتبداخلهابمجموعةمنالعجائبمثلفتاةصغيرة.

"إن الإشارات الخاصة بيهيالنشوةواليأس" ،سيرحبتشيسلافميلوشب"سيدةالشعرالبولنديالأولى" ،التيستحظىبسرعةبالتقديروالنجاح.

 ستحظى الشاعرة بالتقدير بفضلالمترجمينالمتميزينبالفرنسية،ومجنونالأوبرا،بيوتركامينسكي،وهوواحدمنأعظمالمترجمينوالوحيدالذيوافقتعليهالشاعرة،وكذلك مترجميهاالإنجليزمثلستانيسلافبارانكزاكوبالطبعتشيسلافميلوش،الذين سيجعلونها محط تقدير العالم. سيجعلها هذاالاعتراف من الخارجبسرعةواحدةمنأشهرالشعراءفيبولندا.

ولكنسرعانماظهرسوءفهم،حيث كانت لغةشيمبورسكاشخصيةللغاية،باستخدامهاللكليشيهاتاليومية، "الكلمات السهلةمثلصباح الخير ".

 

لكنهاقامتبتفجيرتلكالكليشيهاتللمحادثاتالتافهةفيالطوقالناريلتلاعبات لسانها. لأنهاتفككقواعداللغةوالدلالاتبحماسة. يمكنكأنتعتقدبسهولةأنهيمكنكفهمدورها،ولكنمنخلالألعابهااللفظية،ترسمالدوائرغموضاحولها. يحتويشعرهاالمنتظموالمُقفىعلىالعديدمنالفخاخالتييمتزجفيهاالعبثبالبهجة.

كل شيءيبدوأنيقًا،ملاحظاتمراقِبةللعالم،إسكتشاتمثلالدانتيل. لكنهيظهرحدودالتوتراتوأكاذيباللغةوالتواصلاليومي. وتحتسطحقصائدهاغالبًاماتنزلقالأرضبعيدًا.

فماهومألوفيصبحمرآةتسجيل،لاتقدمأبدًاحكمًاأوإجابات. فمانظنه تواصلا بشريايصبحلعبةفاسدة. تقوم بكلهذابلغةابتدائية،بدوناستعارةأوصور.

علىالصعيداليومي،ولكنذلك اليومي المنيع. "أعظمالفجورهوالمرآةالتيتفكر" (رأيفيالموادالإباحية).

 

لكنكلهذهالمسرحيةالمتطورةغيرمرئيةلناجميعًا،وتشتهرشيمبورسكاببساطتهاالظاهرة، الفورية. لطالمارفضتشرحشعرها،مفضلةالسخرية.

 

عظيمهوأدب ودماثة خلق المكفوفين،

عظيمفهمهمورضاهم ...

إنهميستمعونويبتسمونويصفقون.

واحدمنهميقتربالآنمنالشاعر ...

الكتابمفتوحرأساعلىعقب

وسيطلبتوقيعاغيرمرئي له.

(أدبالمكفوفين)

 

حياةماكرة.

 

إذاكانتفيسوافاشيمبورسكاقدسمحتلنفسهالأولمرةبالانجذابإلىسهولةالاستسلامللقمعالسائدمنخلالأنتصبحشاعرةللواقعيةالستالينية،ثمعضوًافياتحادالكتابسيئالسمعةالذيحكمكلالخلقخارجالشرائعالقائمة، فإنها عاشت متحفظةللغايةبقيةحياتها،رافضًةباشمئزازأعمالها "السياسية" القديمة.

انغلقتعلىنفسهامراقبةالحياةاليوميةلمواطنيهاوالتيأرادتأنتجعلهابسيطةقدرالإمكان،مثلدفترملاحظاتمليءبالمرارةوالفكاهة. لمتعدتصدمالنظام،بلهيالتيحصلتعلىجائزةنوبلللآداببدلاًمنزبيغنيوهربرت،الذيكانأكثرإزعاجًاوأهمية. حملتمعهالفترةطويلةهذاالعارلكونهالمتكنسوىقطعةمنالقشمعالتيار،ولميكنلديهاالشجاعةللسباحةضدالتيار.

 

ولدتفي 2 يوليو 1923 فيبنينقرببوزنان. هيمنجيلالمثقفينالبولنديين،الذيجلبفنانينمثل فيتولد ماريان غومبروفيتشوتشيسلافميلوشوزبيغنيوهربرتوتادووتش كانتوروصديقهبرونوشولتز.
ستتبعفيسوافاشيمبورسكامسارًامختلفًاتمامًا،محتفظةبالسخريةفقطكدرعلها. انتقلتإلىكراكوففيعام 1931. التحقتشيمبورسكافيالبدايةبالمدرسةالعامةهناك،ثمفي سبتمبر 1935 التحقتبصالةالألعابالرياضيةللأخواتأورسولين.
فيبدايةالحربالعالميةالثانية،واصلتتعليمهافيمدرسةسرية،ثم،فيعام 1943 ،بدأتالعملكموظفةفيالسككالحديدية،للهروبمنالترحيلمنالرايخالثالث.
كمابدأتفيكتابةالقصصالقصيرةوالقصائد.
منذعام 1945 ،لعبفيسوافادورًانشطًافيالحياةالأدبيةفيكراكوفوالتقتبتشيسلافميلوش. واصلتدراستهافيفقهاللغةالبولنديةفيجامعةجاجيلونيان،والتيتركتهالدراسةعلمالاجتماع. لمتكنفيسوافاقادرةعلىإكمالدراستهابسببالوضعالماليالصعب. عاشتشيمبورسكامعظمحياتهافيكراكوف،وعملتكاتبةوكاتبةعمودوناقدةأدبية.ومترجمةللأدبالفرنسي،وخاصةعصرالباروك (Agrippa d´AubignéوThéophile de Viau). لكنهاترجمت أيضاوبشكلجميلباللغةالبولنديةالشاعرإيتسيكمانجر.

التزمتفيشبابهابالمثلالشيوعيةالتيأكدتلهافيذلكالوقتمايجبأنتعيشهوتنشره،عندماكانتالرقابة تسمحبذلكفقطفيعام 1952.ثمابتعدتعنهاعندماسيطرحزبالعمالالبولنديالموحد (فيالواقع،الحزبالشيوعي) علىجميعمجالاتالحياةالريفيةوالثقافةوالحياةاليومية. بقيتصامتةحينها،مشغولةفقطبمسحالعالم"منالميكروباتحتىنهايةالعالم" ،خارج زمنها،بعيدًاعنالضجيج،بعيدةعنالقتال.

 

لمتتركالحزبالشيوعيحتىعام 1966 ،لكنهاترددتسراًعلىدوائرمعيّنةمنالانشقاقاتخلال الخمسينيات.بينما انتشرت قصائدها في الخارج من خلال التحلقحولمجلةكولتوراالصادرةفيباريس.

هكذا عاشت شيمبورسكا : اندهشت فصمتت.

عاشتفيمكانآخر،مستقلةعنالعقل،منعزلةدائمًاعنالسياسة،كانت تعطي أولية للجانب الروحي من الحياة قبل أي شيء  :فيالفردوس المفقود للاحتمال، في مكان آخر، في مكان آخر. أي موسيقى تحتويها هذه الجملة !

 

منعام 1981 إلىعام 1983 ،كانتعضوًافيهيئةتحريرمجلة "بيسمو" الشهريةفيكراكوف. وفيعام 1975 انضمتإلىالمثقفينالذيناحتجواضدالحزبالشيوعيالبولندي.

إنهاحذرةللغايةومتواضعةللغاية،وتتجنببشكلخاصالحديثعنشعرها،وخاصةعنسيرتهاالذاتية:

 

"توجد سيرتيالذاتيةفيقصائدي".

إنهاتخشىأنتشعروكأنها "حشرة سجنت نفسها في نافذةلأسبابلايمكنتفسيرهاوتبّتتنفسهاهناك."

أمام دهشة الجميع،حصلتعلىجائزةنوبلللآدابفيعام 1996. بررت لجنةالتحكيمعلىجائزةنوبلاختيارهاعلىالنحوالتالي: "للشعرالذي،وبدقةساخرة،يسمحللسياقالتاريخيوالبيولوجيبالتجسيدفيأجزاءمنالحقيقةالبشرية ".كانذلكصحيحًا،وهذهالمرأةالمتواضعةوجدتنفسهافجأةمشهورة.

موجزة،مشيرةإلىالحياةفيأكثرأماكنهاشيوعًا،فهيتعرفكيفترسموتصورلحظة،قصة،عالمامغلقا. لكنهاتقولأيضًاالأشياءالخطيرةفيالحياة،وانفلاتالوقتالذييطاردها،تقول الوحدة،والموتدائمًاعندأسفلالسرير. ،إنهاتريدأنتشككفيالكونبأسره،معالعلمأنهاوحيدةفيوسطالمجرات. إنهامتمردةداخلية: ملحدة وكاثوليكية،مستقلةفيبلدستالينيمنذوقتليسببعيد،تتحدىكلالأعراف: التدخينوشربالخمربكثرة. وكانتمغامراتها العاطفية تجسدشغفها بالحرية،لكن في ركنهاالخاص أيضا.

إنحساسيتهااللطيفةتجعلهذهالاستفزازاتأكثرفظاعة.ولكنأيضاآمالهاالمجنونة.

 

"أؤمنباليدالمعلقة،

أؤمنبالمهنةالمدمرة،فيسنواتالعملمنأجللاشيء،أؤمنبسرمدفون.

 

هذهالكلماتترتفععالياًفوقالصيغ. لاتطلبأيدعممنأيمثال،إيمانيقوي،أعمى،وبدونأيأساس. (اكتشاف)

 

ثمظلتصامتةلمايقربمنتسعسنواتقبلأنتطلقمجموعتينجديدتين،"لحظة" ونقطتان" فيعام 2005.

 

كنانظنأنهاستصمتبشكلدائم،لكنهاأرادتأنتثبتأنهاخلالستينعامًامنالشعر،كانتتعرفكيفتحافظعلىالكلمةوالسخرية.

"بعدكلالحروب،يجبأنينظفشخصما هذه الوساخات". بعد تتويجهابجائزةنوبل،وقفتفيمايو 2007 ضداليمينالمحافظللأخوينالتوأمليخوياروسلافكاتشينسكي.

كانتواضحةودافئة،وساخرة،وتمارسالشكالمنهجي،عرفتالعالمالرائعوالمكروه.

فيخطابهالتسلمجائزةنوبلفي 7 ديسمبر 1996 ،أعلنتشكوكهاوذعرهاأماممساحاتلانهائية:

 

"يرعبنا العالمبشساعتهوعجزناأمامه،ويغمرناعدماكتراثهبالمعاناة الفردية للناس والحيوانات وربما النباتات أيضا،لأنهكيفيمكنناالتأكدمنأنالنباتات متحررة من هذه المعاناة؟.

 

كلشيءيمكنناأننفكرفيهحول هذه الفضاءاتالتياخترقهاإشراقالنجومذهبهباء،إن النجوم التي بدأنا باكتشاف الكواكب حولها هي بدون شك ماتت؟ ربما نحن أيضا متنا بدون علمنا.

كلشيءيمكنأننفكرفيهحولهذاالمسرحالضخمهو ممكن،لأنهيمكنناالحصولعلىتذكرة،لكن كونها صالحة لفترة قصيرة  محدودةبتاريخينحاسمين فإن ذلك يدعو  على السخرية، ... ".

منخطابجائزةنوبل، 7 ديسمبر 1996.

 

شعر بأقداممخمليةوبعضالمخالب.

 

أناأكتبفيالليل. خلالالنهارلديعادةمزعجةتتمثلفيإعادةقراءةماكتبتهفقطلأجدأنهناكأشياءلايمكنهاحتىتحملمحنةجولةواحدةمنالكرةالأرضية.

 

إن تلك التي عرفت باسم "موتسارتالشعر". منناحية،لأنهاتخلتعنكتاباتها التي كانت تحتتأثيرالواقعيةالاشتراكية،ومنناحيةأخرىلأنالرقابةالستالينيةلمتتراجعحتىحواليعام 1957. وبعدذلك،فرضترقابةشديدةعلىنفسهالتملأسلةالمهملاتبخيرة أعمالها.لأن "لديسلةمهملاتفيمنزلي". قالتبروحالدعابةالشرسة.

لن تضم أعمالها سوىحواليعشرينمجموعةشعرية،وخاصةالقصائدالقصيرة.

يحتويشعرهانوعامنالذاتيةالبريئة،بساطةترتعشأحيانًاأسفلعمودكالفقري. إنهاليستمهتمةبالمجتمع،مشغولةجدًابتدويروجودهاالصغير. إنهالاتحاولتغييرالعالم،إنهاتنظرإليه،والعالمينظرإلىنفسهبشكلمختلفبعدقراءتها.

 

"نقرأخطاباتالموتىمثلآلهةعاجزة،

لكنهاآلهةمعذلك،لأننانعلمأنالتواريختتبعبعضهاالبعض.

نحننعلمماهيالديونالتيلنيتمسدادهاأبدًا.

منهنالأراملاللاتيسيتزوجنمرةأخرىبالجثةالدافئة؟ "

 

نتعمقفيكلماتهاببساطةلدرجةأننانتفاجأ،ونحبطبلاشك،منهذاالنّدىمنالأدلة.

 

إنهاإنسانيةبعمق،علىحافةالأشياء،ويمكنالوصولإليها. كل قصائدهااأيدٍممدودةلا لتمسك بنا،أوتغيرناأو لتدنسنا. إنهاموجودةهناكبكلبساطةللترحيبالذيأطلقتهسيدةخجولةتلوحبكلماتهاكمايلوحالمرء بمنديل.وليودعنا أيضا.

 

شككتفيمستقبلالإنسانوتقنياتهوأحستبالدمارالتام:

إيمانيقويوأعمىوليسلهأيأساس. (اكتشاف) بدونمرارة،بلطفكبير،تتحدثعنحالتناالبشرية،ورعبها. فرحتهامظلمة،لكنهامنشّطة.

 

 ليست لديها معتلكالسخريةالبولنديةرغبةفيالأبدية،إنهاتريدأنتكونقادرةعلىالوصولإلىقلبالأشياء،حتىلوكانمعظمها،بشر أوأشياءمثلالحجارةمغلقة . سوفيطرقشعرهاعلىأبوابكثيرة. ليفتح بعضها ولتبقى أبواب أخرى مغلقة.

 تدق كلماتهاالساعات،شعرهاهوساعةرمليةلانهائية. لديهاافتتانبالفراغوالمساحاتغيرالمباليةللمجرات.

يزيدوجودناالوحيدمنإحساسنابالواجب (تصنيفقصيدة).

وتتمتعشيمبورسكابحسعالٍجدًابواجبالكاتب،عالقةفيسماءكبيرةجدًاوأرضصغيرةجدًا.

تتساءلهلهناكالكثيرمنالنجومالصالحة لنا،عالقةفيخوفمنالفضاءاللامتناهي.  تقول أن الشعر "غيرمرحببه،لأنحلاوتهتخفيروحالدعابةالقاتمة،لا تسود الموسيقىفيبحثهاالشعري، المحمول على الكلمة الدقيقة أكثر من لحنها.

لا تصلح اللغةالبولنديةللسحرالصوتي الذي تمتلكهالقوافيكما في اللغةالروسية. المفرداتضرورية.لكنلا تتناسبسخريتهامعفكرةالبراءةالتيباركتهاالآلهة:

أنا مدينة كثيرا بالشكر

لأولئكالذينلاأحبهم.

ولفرحة ألا أكون

ذئبالحملانهم ...

هم أنفسهميجهلون

ماذا يحملون في الأيدي الفارغة.

"أنالاأدينلهمبشيء" -

أحبدائما

هذاالسؤالالمفتوح.

 

في "الحياة التي لا يمكن تصورها ، لا يمكنها إلا أن تنطلق من جديد، بشكوكها وأصدائها وصحاريها الداخلية".

لا يهمها ثقل الإجابات ، لأن "وادي الأدلة" ينفتح بهاويته حيث ماتت كل اليوتوبيا.

تحمل عار حياة ضيعها البشر فاقدو الوعي.

 

"لا أعرف أحدا من الهاربين ولا أعرف أي آخرين.

لا أعرف في أي بلدلا أعرفها تحت الشمس

وتحت بعض السحب.

 

تركوا وراءهمهذا الكل شيء الذي أجهله،

حقول محروث، لا أعرف أي دجاجات ، أي كلاب ،

ما المرايا التي ينعكس فيها اللهب.

 

يحملون على ظهورهم أباريق وحُزُم.

كلما كانت فارغة ، كانت أثقل [...]"

 

تبحثشيمبورسكا عن الأسئلة وليس عن الإجابات ،في آلاف الأشياء الصغيرة من الوجود. في هذه الحياة اليومية التي تكون أحيانًا عقيمة وأحيانًا معجزة. سوف تتفاجأ دائمًا بالنجوم ، الحجارة ، السمك ، والقطة المهجورة ، التي لاتبادلها الحديث عندما تتحدث إليهم. ستكون أقل اندهاشا من صمت البشر.

 

"أحاول تعلم الصمت

بجميع اللغات

بعداختبار مكثف ودقيق للسماء المرصعة بالنجوم. "

 

 

نصوص مختارة.

 

النهاية والبداية

 

بعد كل حرب

شخص ما يجب أن يُنظِّف.

اي طلب

لن يحدث من تلقاء نفسه.

 

شخص ما يجب أن يدفعالأنقاض

على جوانب الطريق

للسماح بمرور

سيارات مليئة بالجثث.

 

يجب أن يعلق شخص ما

في الوحل والرماد ،

في نوابض  الأريكة ،

في شظايا الزجاج ،

والخرقالدموية.

 

يجب عليهسحب شعاع

لدعم الجدار،

 يجب عليهتزجيج النافذة

وإغلاق الباب على مفصلاته.

 

انها ليست فوتوجينيك

وهذا يستغرق سنوات.

اختفت جميع الكاميرات بالفعل

من أجل حرب أخرى.

 

يجب أن نعيد بناء الجسور

والمحطات.

 

ستتلاشى الأكمام

من كثرة ما طويت.

 

 لا يزال شخص يحملمكنسة في يده

لا يزال يتذكر كيف كان ذلك.

شخص ما يستمع

أومأ برأسه الذي لم يقتلع.

لكنبجوارهم

سيكون هناك بعض

من سيصاب بالملل.

 

لا يزال شخص ما في بعض الأحيان

يحفر من تحت الدغل

 ليعثر على حجج تآكلها الصدأ

ليحملها على كومة قمامة.

 

أولئك الذين يعرفون

بم يتعلق الأمر هنا

يجب أن يفسحوا المجال

لأولئك الذين يعرفون القليل.

وأقل من القليل.

وأخيرا لا  يعرفونشيئا على الإطلاق.

 

في العشب الذي غطى

  الأسباب والآثار،

شخص ما يجب أن يذهب إلى الفراش،

مع قطعة قمح صغيرة بين الأسنان،

وليتتثاءبللغربان

في السحب.

(في نهر هيراقليطس)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اكتشاف

 

أنا أؤمن باكتشاف عظيم.

أنا أؤمن بالرجل الذي سيحقق الاكتشاف.

أنا أؤمن برهبة الرجل الذي سيحقق الاكتشاف.

 

أنا أؤمن بوجهه الغاضب ،

 أومن بغثيانه،  وبالعرق على شفته.

 

أنا أؤمن بالملاحظات المحترقة ،

التي تحولت إلىرماد ،

التياحترقت حتى النهاية.

 

أنا أؤمن باختفاء الأرقام ،

باختفائهابدون ندم.

 

أنا أؤمن بلهاثالإنسان ،

بدقة حركاته،

وبإرادته الحرة.

 

أنا أؤمن بتدمير الطاولات ،

بانسكاب السوائل ،

وبانقراض الشعاع.

 

أقول إننا سنصل إلى هناك،

وبأنه لن يفوت الأوان على ذلك ،

وأن الأمر يتم بدون شهود.

 

لا أحد يعرف ، أنا متأكدة ،

لا المرأة ولا الجدار،

ولا الطير: هل عرفت يومًا ماذا يغني؟

 

أنا أؤمن باليد المعلقة ،

أنا أؤمن بالمهنة المعطلة ،

في سنوات العمل من أجل لا شيء.

أنا أؤمن بسر مدفون.

 

تحوم هذه الكلمات عالياً فوق الصيغ.

لا تطلب أي دعم من أي مثال.

إيماني قوي وأعمى وليس له أي أساس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Posté par motassim à 20:48 - Commentaires [0] - Permalien [#]


22 février 2021

محمد معتصم/ الأبعاد الثلاثة لمفهوم "أدب الشباب"/ مقالة

 محمد معتصم

الأبعادُ الثلاثة لمفهوم "أدب الشباب"

 

يثير مفهوم "أدب الشباب" حساسيات عديدة؛ نصوغها أسئلة، منها: هل أدب الشباب يعني أدب الكُتاب المبتدئين والكاتبات المبتدئات، في أول الطريق، وهو أدب يتضمن بدايات وتعثرات التجارب الأولى؟ أو هل هي، الأدب الذي يكتبه كُتاب مكرَّسون ومتمرسون بالأدب ويتوجهون به إلى فئة الشباب من المجتمع؟ أمْ هي كتابات تستوفي الشرط الجمالي والفني، لكنَّ كاتبها في عمر الشباب، أو من هم دون الثلاثين من العمر؟

هذه أهم الأبعاد التي يتخذها مفهوم "أدب الشباب"، لذلك سنتطرق لكل اتجاهٍ على حدة، فإذا كان المقصود بأدب الشباب ذلك الذي يكتبه صاحبه في مطلع حياته، أو في مطلع تجربته في الكتابة، وبطبيعة الحال أغلب هذه الكتابات تتميز بالاضطراب، وتعكس الحالة النفسية والذهنية للكاتب المبتدئ، من قبيل هيمنة الفكرة والخاطرة على الكاتب، ويغفل عن الصيغ الخطابية التي تحتوى الفكرة والخاطرة وتصوغها وتقدمها إلى القارئ، فتكون الفكرة الجيدة والمبتدعة والخاطر المؤثرة أقل تأثيرا في القارئ، لأنها، ورغم جدتها وجديتها، تكون مشوشة، وفيها كثير من التسرع أو الانفعال والاندفاع نحو تكسير كل شيء، لأن الكاتب في بداياته، وهذه حالة تخص أغلب الكُتاب والكاتبات، يهيمن عليها إحساس ورغبة في آن، إثبات الذات، ولفت الانتباه واهتمام الكتاب من جيله الأدبي، والكتاب السابقين والمكرسين في الساحة الثقافية، ومصدر ذلك يكون حالة شخصية، لذلك فكثير من الكتاب الشباب "المبتدئين" يتحولون سريعا من جنس أدبي إلى جنس أدبي آخر، وأغلب الكتاب في العالم، يبدؤون شعراء، لما يتيحه الشعر ولغته المجازية ومتخيله المنفتح والواسع الأفق، وارتباطه بالحالات النفسية والذهنية، وأهواء الذات، لكنهم مع تطور التجربة، لدى الكتاب الجادين منهم، يتحولون إلى النثر، عندما يكتشفون بالاحتكاك مع الكُتاب من مختلف الأجيال، في الندوات الثقافية وعلى صفحات المجلات والجرائد والصفات الأدبية، أو الصفحات الشبابية، أن كتابة الشعر ليس فقط انفعالات وتشكيل ظاهري للجمل الشعرية وللصور الفنية، والتركيب الغريب للمتشابهات، بل كتابة الشعر موقف من اللغة ومن الحياة، والكينونة، وأن لغة الشعر لغة مجازية تبحث عن المعنى الآخر الخفي الذي لا تراه عين الإنسان العادي التي ترتبط بظاهر الأشياء، ولكل كاتب وكاتبة بدايات من هذا القبيل، ومن المشهور في هذا المقام البيتان اليتيمان للشاعر العباسي بشار بن برد، اللذان يقول فيهما في بداياته:

"ربابة ربت البيت // تصب الخل في الزيت.

لها عشرُ دجاجات // وديك حسنُ الصوت".

فقائل هذين البيتين من الشعر، هو ذاته القائل:

"يا قومي أذني لبعض الحي عاشقةٌ // والأذنُ تعشقُ قبل العين أحيانا".

إذن، فأدب الشباب بهذا المعنى، أي البدايات الأدبية في أول التجربة ومحاولات البحث عن أسلوب مميز للكاتب والكاتبة، بما يناسب قريحته الأدبية، وما يسود في مرحلة نشوء وتكوُّن الكاتب والكاتبة والظروف الاجتماعية والفكرية والسياسية المحيطة بهما وبجيلهما المعاصر لهما، يكون أدبا يحتاج إلى نوع خاص من التلقي والتعامل معه، من قبل الكتاب المتمرسين والجهات المسؤولة عن الأدب من مؤسسات رسمية ومؤسسات مدنية، ومن أهم ما يحتاجه الأديب الشاب في بداياته، الصدور المتعاطفة والمنفتحة الصبور على عثرات البدايات، وأهميتها تكمن في أنها عتبة الانطلاق في بناء أدب ناضج ونافع وفاعل في المستقبل القريب والبعيد، في الأمم والدول التي تؤمن بالوظائف العميقة والأساسية للثقافة في رسم أفق الأمة والدولة.

أما الأدب الذي يكتبه الشباب ما دون سن الثلاثين من العمر، قد ينتمي إليه كتابٌ موهوبون وكاتبات موهوبات، أي ظهر عليهم وعلى كتاباتهم علامات وملامح النضج والجدة والفرادة، والتميز، وهؤلاء موجودون في كل الشعوب والدول والأمم والعصور، ويمكن الحديث ههنا عن طرفة بن العبد، الذي خلد اسمه وحكاية حياته منذ العصر الجاهلي، ما قبل الإسلام، أي قبل خمسة عشر قرنا، ومن المعاصرين والمحدثين، يبرز اسم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، الذي خلد اسمه فيما تركه من قصائد شعرية ناضجة وتحدثت باسم وبحال أمته في ظل أزمة الاحتلال الفرنسي لبلده تونس. في فرنسا، تنبهنا الكاتبة مارغريت دوراس (Marguerite Duras) من خلال ما ذكرته في افتتاحية كتابها 'الألم/ La douleur"، أن هناك كتابات لكثير من الشباب لا تكون شعرا او رواية، بل تكون من بين الكتابات الشخصية و"الكتابات الذاتية"، من قبيل اليوميات الحميمة، وهو جنس كتاب مارغريت دوراس، وقد أودعَ كثير من الكتاب والكاتبات الشباب تجاربهم الأولى في "كتابة الذات"، كاليوميات والرسائل والمذكرات.

وهناك كثير من الكتاب العالميين اهتموا بأدب الشباب، تقويما وتشجيعا، إيمانا منهم بالمستقبل، ودعما لطموح الشباب في بناء حلقات جديدة وإضافات وإرهاصات تَهْجِسُ بالواقع وما يَمُورُ به من حوادث وقضايا فكرية واجتماعية وثقافية وسياسية، لأن الشباب هو الجيل الذي نشأ في ظل التحولات التي غالبا ما تمر مخفية على الكتاب الشيوخ، ومن ذلك ما نعيشه اليوم من تحولات جسيمة في ما يعرف "بالثورة الصناعية والثقافية الرابعة"، وهي المصاحبة لجائحة كورونا، كوفيد- 19، وما دعت إليه دول كبرى للانتقال من الكتابة والثقافة الورقية (التقليدية) إلى الثقافات والصناعات الرقمية، وهي تقنيات وأدوات تآلف معها الكتاب الشيوخ بصعوبة أو كادوا، بينما الكتاب والكاتبات الشباب ولدوا وترعرعوا في ظل الثورة الرابعة، وهم أكثر دراية بها.

ومن بين من اهتم بهذا الأدب، الشاعر الشهير راينر ماريا ريلكه في كتابه "رسائل إلى شاعر شاب"، وكذلك الروائي ماريو بارغاس يوسا في كتابه "رسائل إلى روائي شاب"، وغيرهما.

إذن، هذا النوع من أدب الشباب يعدُّ المرآة الحقيقية لما تتجه نحوه الثقافة والأدب والفكر، في دولة أو شعب أو أمة، فالأديب الشاب والأديبة الشابة، يتميزان بالانفتاح على كل جديد، عكس الأديب المكرس، الذي يجاهد لأجل الحفاظ على صورته في الساحة الثقافية غالبا، ويصبح سجين الطريقة التي أوصلته إلى تلك الواجهة، فيغفل عن روح الأدب والإبداع، فكأنه يتحول من كاتب "ثوري" مجدد إلى كاتب "تقليدي"، رهين رؤية القارئ والمكانة التي وصل إليها، بينما الكاتب المتمرس، فهو الذي يكون قريبا من روح الشباب ويتابع كتاباتهم بالدراسة للتقويم والتوجيه والاستفادة أيضا. ويسعون نحو خلق علاقة تفاعل بين ثقافة الجيلين، ويبدو أن هذا ديدن الأدب، الذي يشبه تطور حياة الإنسان، يبدأ بسيطا فيتقوى أكثر مع التحولات والمراحل الحاسمة، ثم يستكين لطريقة بعينها وتصبح نظرته للأدب الجديد نظرة تقليل وارتياب.

أما المعنى الثالث لمفهوم "أدب الشباب"، الذي يعني الأدب الذي يكتبهُ مؤلفون لأجل الشباب، ومن أهدافه البارزة، التوجيه، بعضها يكون دون قصد إيديولوجي، ويكون ذا بعد تربوي، الغاية منه تلبية حاجات القارئ الشاب. إن هذا النوع من أدب الشباب يركز على القارئ الشاب، ولا يهتم لأمر الكاتب الشاب. وهو في غالبه روايات تشتغل على فكرة "المراهقة"، وهو لبس كبير، ودمج غير علمي لمرحلتين من مراحل نمو النفس البشرية، خاصة نفوس المتعلمين، وأغلب الظن، أن الكتابات؛ روايات الشباب، تعتقد أن الشباب يتميز بصفة "التمرد والعصيان"- وهما ميزتا المراهق عند علماء النفس والتربية، التمرد على التقاليد ومن بينها الأدب السابق على الشباب، الماضي القريب والبعيد على حد سواء، لأن الشباب يكون متطلعا نحو المستقبل، ولا يتآلف مع الوقع الذي يعيشه، وهي نزعة لا يتميز بها أدب الشباب، بل كل نزعة فكرية أو مذهب أدبي أو مدرسة أدبية، وعموما كل جديد، وإلا ما معنى الجدة فيه، إذا لم يكن هذا الأدب ذا طموح للتغيير وإلى فتح آفاق جديدة تناسب واقعه هو.

إذن، أدب الشباب، لذي يكون بهذا المعنى، تغذية ميول ونزوع القارئ الشاب، واللعب على أوتاره العاطفية، ليس في النهاية إلا محاولة من محاولات استدرار عواطف فئة واسعة في الساحة الثقافية من أجل رفع مستوى المبيعات، فالشباب في المجتمعات الفتية هو القاعدة التي تنهض على الأمة والدولة، إن الشباب الذي يشكل العدد الأوفر من جهة أخرى، يحتاج إلى توجيه وتقويم وتأطير، وهذا قصدٌ مُؤَدْلَجٌ.

من بين هذه المعاني الثلاثة، يسود المعنى الأول والثاني، ولذلك يبقى أدب الشباب رافعة مهمة في بناء المجتمعات وصناعة الأدب والثقافة، وتجديد الرؤية نحو الواقع والمستقبل، وتثوير الأدب واللغة والفكر، وبواسطة هؤلاء الشباب تطمئن الأمة والدولة بالأمان على مستقبلها وقدرتها على مواكبة التطور الذي تخوضه الدول والأمم في العالم المعاصرة لها. لهذا الاهتمام بأدب الشباب ضرورة وليس ترفا، بل هو صورتنا في المستقبل، فعلينا احتضانه وفتح صدورنا له ومصاحبته حتى ينهض ويكتمل رؤية وقيمة جمالية وفنية.

اليوم في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ورقمنة الأدب والفنون وتدخل الآلة التقنية في صناعة الأدب، وانتشار الصحافة الإلكترونية والمواقع الشخصية والمدونات الخاصة، والصفحات الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي السريع، بات من الصعب الحديث عن أدب الشباب بالسهولة لتي كان عليها قبل هذه الثورة الإلكترونية والرقمية، لأن وسائل الغربلة والتقييد والحصار التي سمحت بها الجرائد، وهي في المغرب جرائد أحزاب، كانت لها وظائف خاصة وموجَّهَة، لها رؤيتها الإيديولوجية لمفهوم الأديب والأدب، ونادرا ما كانت هناك جرائد مستقلة، واستطاعت الاستمرار، أما اليوم حتى الجرائد الحزبية تخلصت من الملاحق الثقافية، جلها، واقتصرت علة صفحة ثقافية، وبالتالي، كانت النتيجة، غياب صفحات خاصة بإبداع وأدب الشباب، الذي وجد في النشر الإلكتروني، فرصة في التخلص من الرقابة والتوجيه والتقييم والتقويم، والغريب أنه في زمن انتشار الصحافة الأدبية، كان نشر الكتب من الصعوبة بما كان، وصدور كتاب، كان بحق عرسا أدبيا، بينما في ظل انحسار الصحافة الورقية، وتقليص إلى حد زوال والتخلص من صفحات أدب الشباب، أصبح نشر الكتب ورقيا وإلكترونيا أيسر وفي متناول كل من يملك القدرة على أداء ثمن تكلفة النشر.   

 

 

received_127086094867366

Posté par motassim à 21:03 - Commentaires [0] - Permalien [#]

21 février 2021

رجاء الطالبي/ إيتيل عدنان: ربيع غير متوقع/ ترجمة

IMG-20210218-WA0001

 

 

 

إيتيل عدنان : ربيع غير متوقع

ترجمة رجاء الطالبي

 

 

"كنت طفلة مشاغبة وبقيت شخصا كثير الحركة. بمجرد ما أدخل بيتا أذهب فورا إلى النوافذ"

ولدت إيتيل عدنان في 24 فبراير 1925 في بيروت، كانت الابنة الوحيدة لأسرة خبرت الحرب والمنفى . " كنت أتساءل دائما كيف لنظام هش كجسم الإنسان كيف له أن يتحمل كل هذه الانقلابات المتواترة التي عرفها الشرق الأوسط العربي والذي مازال يعاني منها حتى الآن."

كان أبوها سوريا " ضابطا من رتبة أعلى في الامبراطورية العثمانية" وكانت أمها يونانية من سميرنا. فقدت أسرتها كل شيء- احترقت سميرنا(أزمير) سنة 1922، وقبل ذلك بسنوات تعرضت الامبراطورية العثمانية للتفكك.كان محتما عليهم أن يتخذوا من لبنان منفى لهم، "بلد السحر والجمال". " كانت الشمس شيئا قويا خلال طفولتي ببيروت. بما أنني كنت الابنة الوحيدة، كان العالم الذي يحيط بي يمتلك أهمية كبرى. وخاصة الشمس، لأنها كانت حاضرة بقوة هناك، وكانت المدينة تتشكل من بيوت منخفضة، ثلاث أدوار على الأكثر. كنت أهتم بالظلال كذلك. أتذكر أنني كنت أحاول أن أنظر للشمس مباشرة وكان هذا يحرق عيني ويعميني. " كان أبوها آصاف قادريمسلما يتكلم التركية( وفي بعض الأحيان العربية) معها؛ وكانت أمها روز ليليا (ليلي) كاثوليكية تتحدث باليونانية معها، كان الأب والأم يتواصلان كتابة بينهما باللغة الفرنسية . " كان أبي وأمي متوافقان ، يجمعهما ماهو تاريخي وتراجيدي (...) مشتركهما ذاكرة أحداث (...) وأشياء ولحظات هي الأكثر سعادة في حياتهما والتي كانت توجد في الماضي.

في كتابها " سفر، حرب، منفى" الذي نشر و(ترجم إلى الإنجليزية) من قبل باتريس كوتنسين (المسؤول عن منشوراتL’échoppe، كتبت إيتيل عدنان: "عشت منذ طفولتي وقد انحفر في وعيي أن المنفى الجغرافي ليس سوى إطار لمنفى أعمق والذ لا نملك حياله شيئا.  في سن العشرين أو أكثر قليلا ، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، سافرت  إلى باريس من أجل دراسة الفلسفة في السوربون. "كنت عصفورا يطير خارج قفصه ويرغب في أن يذهب بعيدا بدون وجهة. " ثم تابعت دراستها بجامعة بيركلي وهارفارد في كاليفورنيا حيث قضت  أطول مدة من حياتها هناك.  لم تشكل هذه القطيعة التي تبدو جذرية ، منفى. بل كانت مغامرة.  " قررت أن أمنحني مصيرا لم يتم إعداده مسبقا" ، ثم أصبحت مدرسة في  نهاية الخمسينيات من القرن الماضي بالقرب من سان فرانسيسكو. ثم إنها الستينيات "التي أنتجتها الثورة الثقافية العالمية". " أتذكر  كما لو كانت فترة زمنية أصبحت فيها أمريكية بشكل مكثف، وعربية أكثر، على اعتبار التصورالجديدالذي امتلكته حينها  من  خليج سان فرانسيسكو إلى العالم العربي ."

في خاتمة كتابها " هاجس" الذي صدر سنة 2015 عن رواق لولونغ، لاحظ جون فريمون( جعلني هذا الرواق للعرض أكتشف إيتيل عدنان، شاعرة ورسامة والتي غابت عني أعمالها حتى معرضها الأول في هذا الرواق،وفي نفس السنة) أن إيتيل عدنان بعد أن بدأت تكتب باللغة الفرنسية انقلبت عنها بسبب حرب فرنسا على الجزائر، أنكرت أن تكون لغة الجلاد لغتها التي تكتب بها. لذلك اختارت لغة التشكيل الصامتة.بعد بضع سنوات، تضامنًا مع حركات الاحتجاج الأمريكية ضد حرب فيتنام ، اختارت أن تكتب بالإنجليزية وتصبح شاعرة أمريكية."ولجت اللغة الإنجليزية كمستكشفة ، وُلدت كل كلمة وصوبت الأفعال كالسهام / يمكننا سرد أماكن المنفى ، حتى آخر مفارقة (ولكن ربما لا): في باريس حيث تعيش اليوم  ، محظورة من السفر لأسباب صحية. بالإضافة إلى متواليات مختلفة من العودة إلى وطنها (كانت صحفية في بيروت في السبعينيات). دعونا نلاحظ في تمرير عناوين كتاباتها الأولى المنشورة في فرنسا: Jébu تليها "جحيم قطار بيروت السريع"، أو "يوم القيامة العربي". في كتابها "ربيع غير متوقع"، عنوان جميل لمجموعة من المقابلات نشره رواق لولونغ، يمكننا أن نقرأ (أو نسمع صوت ..) إيتيل عدنان تهمس في أذننا: لايحتاج الشعر لأن يكون سياسيا في موضوعاته. ليس الموضوع هو المهم، لكن الطريقة التي تمت بها صياغة هذا الموضوع(...) سيان أن تكتب عن الوردة أو عن القضية الفلسطينية فأنت تكتب القصيدة في كلتا الحالتين. كيف ذلك؟ إنه يهمك وحدك ، كما يهم القارئ...بمعنى ما، كل ماتكتب عنه هو سياسي (...)كل ما نقوم به يتفاعل مع العالم ، حتى بطريقة هشة وغير مرئية ، ولكنه يساهم في التحول العام للعالم. وبهذا المعنى ، فإن غسل اليدين هو أيضًا حدث من أحداث الكون. وأثناء المقابلة نفسها (عام 2015 مع روا زيناتي): نحن في زمن تقطيع الشعر وسلخه ، وتقزيمه ؛ وأصبح من الطبيعي تجنب أي تطور.

نُشر هذان الكتابان ("ربيع غير متوقع "،و"سفر حرب ،و منفى") بمناسبة  تنظيم معرض رئيسي جديد في صالة العرض Lelong & c ، ويركز بشكل أساسي على Leporellos (يرجع تاريخه الأول إلى عام 1961) / لوحات لإيتيل عدنان هي بشكل عام بسيطة للغاية ، وشكلية ، ودائمًا دقيقة جدًا مثل من يتبع حدسه .أن تعمل ، كما يقول هنري ميشو ، كوسيط: بين طرق النوم وطرق اليقظة ، يمكن أن يعطي هذا نتائج جيدة عندما لا تغش. يكفي أن ننظر ، ويكفي أن نسمع ، ويكفي أن نراعي حواسنا:لاتغشإيتيل عدنان مطلقا. "لاأعمل كأنني نصف يقظى أو نصف نائمة، بل إن روحي منخرطة في تركيزها إلى أبعد الحدود. من الضروري أن تؤمن بغرائزك". شرعت إيتيل عدنان في الرسم في وقت متأخر  من حياتها ، عندما لوحظ عليها أنه لا معنى لها أن تدرس الفلسفة والجماليات دون أن تجرب أن ترسم. "فجأة تمكنت من فعل شيء بأصابعي العشرة. الباستيل. الرسومات. رسم  الزيتيات بسكين. أولا على الورق. وغالبًا في شكل صغير ويتم إبداعه بشكل عام في نفس اليوم. نشاط قامت به بسرية وبقي مجهولا لوقت طويل. ولكن مع اقترابها من  سن التسعين ، فتحت مشاركتها فيمعرض دوكومنتا 13 في عام 2012 أخيرًا الأبواب أمام الاعتراف الدولي المتأخر (ومن هنا جاء عنوان هذه المجموعة: ربيع غير متوقع). "يأخذ ضلعها قفزة كبيرة إلى الأمام في سن  - ساخرة - لم تعد قادرة على إنفاق هذا الربح المفاجئ وغير المتوقع. نشرت بهذه المناسبة نصًا (ترجمه إلى الفرنسية باتريس كوتنسن في Lelong) بعنوان "الثمن الذي لا نريد دفعه مقابل الحب". قالت لاحقًا: "لقد كان لدي دائمًا شاغلان. أحدهما هو الحب، وفشل الحب بسبب أشياء كثيرة ، إن أول شخص تحبه حقًا يطاردك إلى الأبد. والشاغل الآخر هو حبي للطبيعة وحاجتي لها. كل هذا يدفعني إلى الأمام. وأيضًا: عدم رؤية الأنهار هي طريقة أخرى للموت (...) لا أعرف متى كتبت ذلك، لكن هذا صحيح جدًا ... بدون البحر أو المحيط أو نهر قريب ، أنا مثل نبات يحتضر".

في عام 1990 قامت إيتيل عدنان بنسخ النص الكامل لكتاب Mezza Voce ،لآن-ماري ألبياش، على مطوية leporello. (...) ثم أنجزتمطوية أخرى بنص لكلود روييه جورنو. كما كتب جان فريمون في كتابه "كتابة الأشكال الصادر سنة 2017. وفريمون هو نفسه شاعر وخبير في الشعر المعاصر ، ويطلق عليه اسم "الشاعر البصري" - . لأن تشكيلها مسكون بالشعر، حتى لو كان"التشكيل والشعر بالنسبة لها شكلين فنيين مختلفين (...) يمنحني اللون فرحالا تمنحه لي الكلمات في حد ذاتها. أنا لا أكتب من أجل فرح استخدام الكلمات، ولكن من أجل الحاجة إلى القول. بينما الرسم هو سعادة حسية فورية". ليس من السهل الحديث عن لوحاتها الزيتية، عن رسوماتها، ونقوشاتها، والتي يمكن اعتبارها كرسوماتوكتجريد في نفس الوقت ، ليس لأنها تتأرجح بينهما ، ولكن لأن سعيها للحرية ، من ناحية الشكل ، هو المهيمن ، تتجاوز التصنيفات بأبسط طريقة ممكنة وأكثرها جذرية. لم تكد تمسك بالفرشاة حتى تمكنت من تشكيل مساحة مفتوحة واسعة. (...) إنه سطح يظهر فيه فجأة تقاربات أو اختلافات أو مواجهات أو تزاوج من الأشكال ، أو تعليق ، أو آفاق ، أو تلال ، أو سماء ، أو كثبان ، أو ربما بحيرات أو مساحات من المياه ، أو شموس ، أو أقمار ، وكل أنواع الأشياء الطبيعية كالهواء الذي نتنفسه ”(جون فريمون ، L'Écriture des formes).

قد يبدو من السهل الوصول إلى اللوحات لأنها مرئية للجميع ، ولكن يمكن أيضًا أن تكون هرمسية وغامضة مثل القصائد. قد يكون من الصعب فهمها. يمكن لمئات الآلاف من الأشخاص زيارة المعرض وقليلون جدًا هم من يمسكون بمعناه(مقابلة أكتوبر 2016 مع زينة زلزل لـ L’Orient-Le jour في بيروت). ثم جواباعلى السؤال "ما الذي تودين أن يأخذه الناس عنك؟" أجابتإيتيل عدنان: أتمنى أن لا تختفي كتبي على الفور. على الأقل سيقرأها قلة من الناس عندما أرحل. رسخت الفنانة البصرية اليوم حضورها بعد تنظيم بضعة معارض حديثة ، مثلا في معهد العالم العربي في باريس ، في Zentrum Paul Klee في برن ("ذروة مسيرتي" تقول في كتاب الحوارات ، مشيرة إلى توافقها مع فكرة بول كلي أن أعتبر "الرسم هو خط يذهب في نزهة") وفي العديد من المتاحف والمراكز الثقافية وصالات العرض حول العالم: في أوروبا وأمريكا ، وفي بعض الدول العربية. ومتى أصبحت لوحاتها باهظة الثمن ، فلا يزال من الممكن الحصول على مطبوعات بأسعار معقولة ، خاصة في Lelong &co. أما بالنسبة للكتب - النثر والقصائد - فهي متواضعة الحجم بشكل عام ، فقد بدأ انتشارها ، سواء كانت مكتوبة مباشرة بالفرنسية أو ، في أغلب الأحيان ، مترجمة عن اللغة الإنجليزية. ظهر ما يقرب من خمسة وعشرين كتابًا خلال السنوات العشر الماضية، مقسمة بشكل أساسي بين أربعة ناشرين: Manuella éditions (ثلاثة عناوين من 2013) ؛L’Échoppe (ستة عناوين من 2014) ؛ Galerie Lelong ، والذي أصبح في عام 2017 "Galerie Lelong &co." (خمسة عناوين من 2015) ؛ و Éditions de l'Attente (أربعة عناوين من 2013).

 

دعونا الآن نلقي نظرة على هذه الكتب الأربعة التي نشرتها Éditons de L'Attente  في مجموعة "Philox" (التي تهدف إلى ربط الأدب الشعري بالنصوص النقدية والفلسفية والعلمية ، وما إلى ذلك) :

ديوان "هناك"،وهو أول كتاب لإيتيل عدنان ، نُشر في ربيع 2013 بواسطة Éditions de l'Attente. ترجمته ماري بوريلوفرانسواز فاليري ، ويتألف من سلسلة من 38 "قصيدة نثرية" (يمكن للمرء أيضًا أن يقول "تأملات") لها نفس العنوان (هناك) بالإضافة إلى  قصيدة واحدة ، تسمى هنا ، موجودة بين القصيدة التاسعة عشرة والعشرين في هذه السلسلة. إنها تدور حول "دائرة الموت التي تحيط بالشرق الأوسط" والمقترحات للخروج منه: "قبول الآخر ، العدو الذي أصبح مع مرور الوقت حقيقة وخرافة وجسدا وصورة". "في ربيع غير متوقع" ، تتحدث إيتيل عدنان عن مدى اهتمامها بهذه المجموعة المكتوبة أثناء توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993: في ذلك الوقت ، كانت هذه هي المرة الأولى التي شعرنا فيها أن السلام سيتحقق مابين العرب أخيرًا وليس فقط الفلسطينيين - والإسرائيليين. (...) آمنت بالسلام الحقيقي. (...) ولسوء الحظ ، لم يتحقق السلام. (...] بدون كتابة الشعر كنت سأفقد عقلي. الشعر هو طريقتي لأن أكون جزءًا من العالم السياسي. أتحدث عن السياسة بالمعنى اليوناني، أي العالم وإدارة العالم. أكتب ما أفكر به ولا يضيع. وهذا ليس صحيًا فحسب ، بل إنه يتمتع أيضًا بجمال رائع ، يتناسب مع أشد أشكال القوة. كتبت الكاليفورنية التي صُدمت دائمًا بسبب اندماجها في المجتمع الأمريكي بسرعة أكبر من الهنود (الشعوب الأصلية) أو السود (الذين هبطوا قبلها بفترة طويلة): "مرة أخرى . أنصِتي ، عندما تتناغم أذنك مع البحر ، هي التي تعكس شبابها في مياهها الخاصة ... لماذا الغيتو الأسود مظلم جدًا في سان فرانسيسكو، عند الغسق ، عندما يزبد المحيط غضبا أبيض وتتمنطق إفريقيا حزاما أرجوانيا في الأفق." وبالتالي فإن العديد من القصائد في هذه السلسلة مليئة بالأسئلة.  القصيدة الأخيرة (ص ٩٣): قام مخلوق بزيارتنا ، ولم يسمه أحد من الآلهة ، وأطلقنا عليه اسم الموت ، واستولى علينا ، وفي الأيام الأولى من الخريف سقطت الأوراق الصفراء على أسرتنا. لذلك نظرت الأشجار إلى عريها  لكنهل أنقذناها؟

 

ديوان"بحر وضباب" ، هو ثاني كتاب لإيتيل عدنان ، نُشر في خريف عام 2015 من قبل Éditions de l'Attente. ترجمه جيريمي فيكتور روبرت ، وهو مؤلف ، كما يشير عنوانه ، من جزأين ، الجزء الثاني نفسه مقسم إلى زمنين: "ضباب" ، و"محادثات مع روحي " (هذهالمتتالية الأخيرة هي الوحيدة الذي تم عرضهابطريقة "تقليدية" ، في حين أن المتتاليات السابقة تتكون من فقرات قصيرة - شذرات أو آيات - تأمل طويل ، شعري وفلسفي ، حول  موضوعات الموت والحياة ، قريبة جدا من العناصر ، ولا سيما الجوية.  وتتميز بحسيتها ، وبالتصاقها بالجسد  (هذا الجسد الذي يجب الحفاظ عليه في وقت الحرب، وباعتباره أيضا السطح الحساس الذي يمكن طباعة جمال العالم عليه).  من الأفضل ألا ينفصل الفكر عن الحياة ،وسيكون من الرائع تعليقه ، وعزله ، ليس في نوع من السبات ، ولكن في الوعي الأكثر حيوية. هذا العمل أكثر سمكًا - في مائة وخمسين صفحة - . يجب قراءته من خلال البحث عن درجة الحرارة المناسبة لأن فنانتنا التشكيلية هي أيضًا موسيقية ، بمعنى آخر شخص لا يعتبر الصمت راحة ، بل توترا. ملحنةبمقاطع (تقتبس من هيراقليطس) ومونتاج بحثًا عن شكل أوسع. إن "بساطته" (النسبية للغاية) أمريكية. أقرب بشكل أساسي إلى مورتون فيلدمان (وهو أيضًا عاشق للفنون وجامع أعمال فنية) من التكرار المشهور جدًا (لا  شيء يتكرر هنا بدقة ، فنحن مع  التباين - في البحث عن الاختلافات: "تُبرز الرغبة الاختلافات. تحيط بنا الأشياء المفقودة. يحوم الضباب.)

ديوان "ليل" ، هو الكتاب الثالث لإيتيل عدنان ، وقد نُشر في خريف عام 2017 من قبل Éditions de l'Attente. ترجمته فرانسوازديسباليس ، وهو أيضًا في جزأين ، الجزء الثاني بعنوان "محادثات مع روحي (II)" (هذه المرة بدون أحرف كبيرة). ذكرى: في 5 سبتمبر 2014 ، خلال اجتماع عام في مؤسسة كارتييه ، طلب هانز أولريشأوبريست من إيتيل عدنان تقديم بعض المعلومات حول هذه القصيدة التي لم تُنشر بعد. فأجابته: لطالما أحببت الليل. كثير من الأطفال يحبون ذلك. يقولون لك: اذهب إلى الفراش ، إنها الثامنة مساءً - وهذا فقط عندما تريد اللعب أو البقاء مع الضيوف ، إلخ. أحببت دائما الليل. لا أعرف لماذا... عندما كنت طالبة في باريس ، كان يفوتني المترو ، كنت أذهب مع أصدقائي إلى ستراسبورغ سان دونيStrasbourg Saint Denis ، ثم مشيا على الأقدام إلى الحي الجامعي، مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع. كنت أصل في الثالثة صباحا. أحب الليل وقلت لنفسي في آخر قصيدة : ماذا كان يمكن للكائن البشري ان يكون إذا كان طائرا ليليا أكثر منه عصفورا صباحيا. انظروا : نحن نشتغل خاصة بالنهار، ومادامت هناك كهرباء، فإننا نعمل بالليل. لكن الحواضر تمسحالليل- الليل الحقيقي. بخصوص الثمن الذي لم نحب تأديته من أجل الحب، تحدد أكثر: أحببت الليل إذن، وما زلت أحبه. الليل عنصر من عناصر الحب. مثل الضباب. إنه يحرر الفضاء ويسمح بتدفق النضارة من خلاله. سحرها يرفع الجسد ، ويظهر على السطح سر أن تكون حيا ببساطة وموجودا. مع النجوم والمجرات أو بدونها ، تصبح السماء منطقة خاصة – بل مجال الخيال ذاته. هذه هي الأوقات التي نصل فيها إلى معرفة كل شيء يجمع بيننا وبين القمر. لنفتحصدفةالليل ، يمكن  بسهولة العثور على جزء يتناسب مع ما سبق(على الرغم من أنه يوصى بقراءة هذه القصيدة في نفس واحد). على سبيل المثال: "والليل جزيرة مغطاة بالثلج ، الحياة دائمًا في المضارع ، / في لامبالاةالجدول". أو مثلا: "... هذه الغابة التي خلقت الليل عندما نظر القمر إلى مكان آخر. في هذه القصيدة ، تقترح إيتيل عدنان "التوفيق بين ما لا يمكن التوفيق فيه": علاقة الذاكرة بالوقت: "الذاكرة والوقت ، كلاهما غير مادى ، أنهار بلا ضفاف ، والتي تتدفق معًا بلا نهاية. كلاهما خارج عن إرادتنا ، لكننا نعتمد عليهما. ويمكن قياسهما ، ولكن من قبل من ، وماذا؟ (...] يمكننا أن نعترف بأن الذاكرة تنعش الموتى، لكنهم يظلون في عالمهم، بعيدا عن عالمنا . الكون يغطي كل شيء، بغطاء سميك. لقد كتبت في هذه القصيدة هذه الجملة المذهلة: وُلد والدي في العام الذي خطرت فيه فكرة العود الأبدي إلى ذهن نيتشه ؛ ربما في نفس اليوم.

 

ديوان "انبجاس"، هو كتاب إيتيل عدنان الرابع والأخير ، وقد نُشر في ربيع 2019 عن Éditions de l'Attente. ترجمه باسكال بوييه ، وهو أيضًا في جزأين ، الجزء الثاني بعنوان محادثات مع روحي (III). يخبرنا المحرر في عرضه أن صحيفة نيويورك تايمز تصف عمل عدنان الشعري بأنه "الوريث التأملي لشذرات نيتشه ، وكتاب الساعات لريلكه وآيات الصوفية". "انبجاس" ، قصيدة يسود فيها القلق ، تبدأ بتسلسل مذهل: "تعود الأمطار إلى صوت أصولها عندما يبدأ الليل في الانتشار ؛ في الأراضي ، يكون الليل طويلا كالطرق المهجورة للمدينة ، / أو الطريق إلى المجرات البعيدة. ترتبك الحيوانات . / الأفكار معدنية وتذوب في الماء المالح. تواترها يزيد من الكآبة ، الكآبة السائدة في كل مكان. / المعنى سريع الزوال. / يعكس العالم يعكس فوضاه ويخلق موجات من العزم. / يمكن أن يبرز ضوء الشمعة عبثية النصر. / انظر إلى الحجارة هناك، الجدار المتصدع ،المطر. / عندما كنت طفلاً ، عثروا علي في سلة ، كما يقولون ، مليئة بالورود وبها شرائط. لم يذكر أحد الأشواك.

كان بإمكاني تجميع العديد من الاقتباسات الأخرى ، من كتب أخرى ، مثل "روايتها" الاستثنائية - والفريدة من نوعها - التي نشرتها Éditions des Femmes في عام 1977 ، "ست ماري روز"Sitt Marie Rose ، المكتوبة على عجل. وبالفرنسية . خلال شهر واحد ،مشبعة بغضب الكاتبة على الحرب التي اندلعت (13 نيسان 1975) في لبنان. أعيد نشر هذا الكتاب في عام 2010 ، ثم في عام 2015 ، من قبل تميراس. ثم هذا النثر القصير عن العنف النادر الذي نشرته عام 2004  عن المنار ، "جنين" ، نص مكثف عن (وضد) الحرب وموكباالمجازر: "عندما كان الجو باردًا في بيوتنا غير المدفأة ، دفأنا أنفسنا بذكرى الأجداد ، قلنا لأنفسنا أن أجداد أجدادنا كانوا أنصاف الآلهة. قطعا نعم. لكن الأوغاد جاءوا ليمحوهم بقذيفة، وليقولوا أننا ببساطة غير موجودين". في عام 2016 ، في المقابلة المذكورة أعلاه مع زينة زلزل (تكررت في ربيع غير متوقع) ، أشارت إلى "أن الغضب تلاشى تدريجياً. حتى لو بقيت كتاباتي مسيّسة لفترة طويلة جدًا. أدرك الآن أنه خلال الخمسة عشر عامًا الماضية أصبحت أكثر تفلسفا في كتاباتي. أكثر تأملا. اتجهت نحو الشعر الذي هو بالنسبة لي شكل من أشكال الفكر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Posté par motassim à 20:51 - Commentaires [0] - Permalien [#]

18 février 2021

محمد معتصم/السرد الروائي الذاتي والتاريخي/ مقالة

محمد معتصم

 

السرد الروائي الذاتي والتاريخي

 

في رواية "جمانة امرأة البوغاز" يقوم الكاتب بالسرد بالتناوب بين ضمير المتكلم الذي يعود على الشخصية المحورية "جمانة"، وهو ما يجعله "محكيا ذاتيا، وبين سارد خارجي يقوم بأداء وظائف متعددة، منها؛ سردُ الوقائع التاريخية، إما بالتضمين عبر إدراج نصوص تاريخية صاغها مؤرخون أو عن تقارير أو مقالات تضمنتها كتب تحدثت عن المرحلة التي تقع فيها أحداث الحكاية، وهي مرحلة "طنجة الدولية"، فالخلفية التاريخية وأبعاد المكان "طنجة" المغربية الدولية تمنح التخييل بعده الواقعي، طبعا، بحسب نظرة السارد، وبتحديد منه، وتساهم في تأطير أبعاد الشخصية/الشخصيات.

إذن، فتناوب المحكي الذاتي والمحكي الخارجي لهما وظائف جمالية ومعرفية، وتفاعل التاريخ مع أفعال الشخصية الروائية، والشخصيات المصاحبة لها، يضيف إلى مهمة التخييل لدى الكاتب مهمة الاتساق والانسجام المعرفي، وهي مهمة تضاعف عمل الكاتب، وتدعوه إلى اعتماد المرجعية الثقافية المتمثلة في الكتب التاريخية التي تؤكد حقيقة ما يذهب إليه من استنتاج، وما يرويه من أحداث، إلا أن هذا أيضا يجعل التخييل مقيدا، وإذا كان جان ميشيل آدم قد اعتبر التخييل يكون في درجة الصفر في الخطاب التاريخي، فإن التخييل الإبداعي الحر سيجد نفسه محدودا في صياغة شخصياته وأحداثه.

فهل يعني هذا أن رواية "جمانة امرأة البوغاز" رواية تاريخية بالمعنى الضيق للتاريخ؟

الجواب، لا، إنها رواية تستند إلى التاريخ، إلى بعض الوقائع التاريخية الخاصة بمدينة طنجة منها مثلا:

  1. طنجة الدولية.
  2. طنجة الدولية والحكم المغربي.
  3. طنجة المختلطة عِرْقِيا.
  4. طنجة الأطماع الإسبانية.
  5. طنجة تحت الحكم والانتداب الانجليزي والفرنسي.
  6. طنجة العتيقة وطنجة الحديثة/الجديدة.
  7. طنجة وخطاب السلطان محمد الخامس، بعد العودة من المنفى.
  8. طنجة والاستقلال.

إذا، يلاحظ أن التاريخ (والسياسة) في هذه الرواية، وروايات عربية كثيرة: سيدة أيلول، لزياد محافظة، ما دونه الغبار لدينا سليم حنحن، من زاوية أنثى لمحمد حسن العمري، وغيرهم)،ليس سوى "خلفية للتخييل"، وتأطيرٍ زمانيٍّ، ومساعد على تحديد أبعاد الشخصية المحورية وباقي الشخصيات، فبناء شخصية جمانة الفتاة المغربية المتعلمة والعاملة المتحررة قوية الشكيمة، التي ترتاد حانة شالة وترقص الرقص الغجري والتي تفتن برقصتها وجسدها الرواد والزبائن، وتفعل ذلك طواعية واختيارا إراديا ومتعة ذاتية، لا يمكن أن تناسب "طنجة العتيقة" إلا في إطار "طنجة الدولية" المختلطة التي تضمُّ أعراقا متنوعة من العالم: إسبانيين وفرنسيين وإنجليز ومغاربة، ومن معتقدات مختلفة؛ مسلمين ومسيحيين ويهودا، كما أن الخلفية التاريخية تجعل القارئ يقبلُ التسليم بعلاقة "جمانة" و"ألكس"، أن التاريخ/ المرحلة التاريخية يتحكم في توجيه القارئ ويمنح الأحداث الروائية مصداقية وواقعية غير مستحيلتين.

وصلت "جمانة" إلى مدينة طنجة مع والدها، قادمين من ضواحي مدينة الصويرة مرورا بمدينة فاس، بعدما توفيت أم جمانة زوجة البستاني، وأقاما بإقامة الجنرال هنري. هكذا يفتح المحكي الذاتي الإطار، تقول جمانة:" كان نزوح والدي إلى طنجة، قادما من بادية نائية بنواحي الصويرة، وأنا بصحبته صبية فتية، فأل خير عليَّ. استطعت كشفه بعد سنوات قضيناها في بيت منحه لنا الجنرال، بحديقة داره الواسعة" ص (10).

في هذا المجتزأ عدة خصائص تحدد ملامح السرد، وأذكر منها:

  1. السرد الذاتي بضمير المتكلم للشخصية المحورية "جمانة".
  2. محكي استرجاعي، لأنه يستحضر لحظتين زمنيتين متباعدتين؛ الأولى، لحظة الوصول إلى طنجة، والثانية، في عبارة "بعد سنوات".
  3. تحديد العوامل الحاسمة في تكوين الشخصية؛
  4. الانتقال من البادية إلى المدينة، أي من نمط عيش بسيط إلى نمط عيش مركب.
  5. الإقامة في بيت الجنرال هنري؛ مما يدل على أن التربية ستكون عنها الأب البستاني، والجنرال الإنجليزي، وغيرهما.
  6. تتلقي جمانة تربية وتعليمًا عصريين، بدل التعليم التقليدي أو ربما عدم القدرة على تكاليف التعليم والاستسلام للتربية البيتية.

ينفتح هذا المسْرَدُ الذاتي على أبعاد ممكنة منها: المحكي الذاتي المطابق للشخصية المحورية في الرواية "جمانة"، وهو البعد الأكثر بروزا في الكتابات السير ذاتية. وهناك أيضا ضمير المتكلم في المحكي غير الذاتي، ولكن لا يرتبط بالسارد الشخصية، بل بالسارد الخارجي، غير المتكلم. وهناك محكي آخر ذاتي، لكنه لا يرتبط بالشخصية المحورية "جمانة" مثلا، بل بشخصية أخرى مشاركة في بناء المتخيل الإبداعي للرواية، مثل شخصية "ألكس" أو شخصية أقل ظهورا وحضورا، أي شخصية ثانوية، كما كان يقال عنها سابقا، مثل "كونشا" المربية الغجرية أو "ممادو" أو "زهرة"...

تمنحنا رواية "جمانة امرأة البوغاز" إمكانية التعرف على هذه الأنوات (من "أنا") ومستويات المحكي الذاتي:

  1. محكي ذاتي أساسي: السيرة الذاتية.
  2. محكي ذاتي ثانوي: خطاب ذاتي متضمَّن.
  3. محكي ذاتي خارجي: الرواية بضمير المتكلم.

يقود تعدد وتنوع المحكي الذاتي إلى تنوع وتعدد المحكيات السردية في روية "جمانة امرأة البوغاز". فبعد المحكي الإطار المهيمن على السرد؛ محكي جمانة وموضوعه قصة حياتها في طنجة منذ أول وصول مع والدها وهي صبية والإقامة في بيت الجنرال هنري، كما مر بنا، إلى لحظة العثور عليها جثة هامدة فوق كنبة داخل بيتها، تلك الكنبة التي اعتادت الاسترخاء فوقها، لتقرأ من رسائل زوجها ما يحلو لها، وكل حيواناتها محلقة حولها، وتنظر إليها بحزن وأسى" ص (134)

وبين تينك القطبين السرديين يقوم الكاتب/السارد بتضمين عدد من المحكيات الصغرى، التي تقوم بوظيفة ترميم السرد، وفي الوقت ذاته تبرز ملامح الحياة الاجتماعية لأهل طنجة وخاصة سكان حي "بني يدر" بالمدينة العتيقة. ومن أهم المحكيا الصغرى التي تُظهِرُ ذلك:

  1. محكي "لالة قامة" الجارة الأقرب إلى جمانة.
  2. محكي "ألخندرو" الراعي الإسباني.
  3. محكي "سالوم" اليهودي النازح من الأندلس/أصيلة وابنته "سارة".
  4. محكي "زهرة" حفيدة "عائشة".
  5. محكي الرايس "إدريس". وهناك محكيات صغرى من خارج طنجة مثل محكي "باميلا" والراعي، أخت "ألكس".

ما يميز هذه الرواية أن سيرة "جمانة" كانت وسيلة جيدة لنقل تاريخ طنجة الدولية، وما رافقها من أحداث تاريخية ترسم العلاقة بين المدينة والحكم السلطاني آنذاك بالرباط. يبقى المحكي التاريخي خلفية جيدة لتأطير الأحدث وتفسير الوقائع والسلوك التي تصفه "جمانة" والانفتاح على التعدد والاختلاف وتعايشهما في طنجة الدولية لغويا وعقديا، مع إبراز الصراعات السياسية من أجل الهيمنة والسيادة على مجال حضري وموقع جغرافي استراتيجي بين إسبانيا الاستعمارية وإنجلترا وفرنسا الحمائية.

لا يمكن أبدا تلخيص محتوى الرواية إلا تعسفا، ما دامت الرواية خطابا مركبا من عدد من المحكيات السردية الصغيرة وصغرى تامة وغير تامة، ما أوضحتُ في كتابي "نحو المحكيات السردية" ومع ذلك يمكن تحديد علامات مميزة في الانتقال دلاليا وخطابيا وبناءا من متوالية سردية إلى أخرى، كالآتي:

  1. الوصول إلى طنجة الدولية من الصويرة عبر مدينة فاس، والإقامة في بين الجنرال "هنري". [حالة البداية/انطلاق السرد]
  2. تربية جمانية على يد امرأة تدعى "كونشا"، امرأة غجرية من بلاد الأندلس، وقد اعتبرت رائدة في الغناء والرقص.[تكوين الشخصية ثقافيا]
  3. عمل "جمانة" موظفة جديدة بسجن القصبة، حارسة بجناح النساء. [الوظيفة الاجتماعية، التي لا وظيفة أساسية لها في إبراز شخصية جمانة]
  4. تردد "جمانة" على حانة "شالة" لتزجية الوقت: الرقص الغناء الغجريين. [صفة سلوكية لشخصية جمانية في ظل طنجة الدولية]
  5. اللقاء العابر ثم الرسمي بالطبيب الشاب الانجليزي "ألكس". [التعايش والتسامح والاختلاط العرقي والعقدي]
  6. زواج "جمانة" من "ألكس". [العلاقة العاطفية الممكنة بين المختلف]
  7. وفاة "ألكس" وبقاء "جمانة" على عهده والوفاء لذكراه. [صفة خُلُقية إنسانية]

هذه العلاقات والمحطات المفصلية تبرز اللحظات التي انتقل منها السرد المحوري، أي السرد الإطار، ولكنها للأسف الشديد لا تتضمن المحكيات الصغيرة والصغرى التي تمنح الرواية خصوصيتها المميزة: التركيب الخطابي.

لقد عاشت طنجة خلال هذه الفترة التاريخية حالة من الاختلاط والتعايش بين فئات اجتماعية متعددة وجنسيات متنوعة من مختلف جهات الأرض، وهو م يفسر من جهة تاريخية تواجد الانتداب البريطاني في طنجة والحضور الإسباني وتعايش المسلمين معهم، وكل هذا يركَّز روائيا في زواج "جمانة" بالجنرال الإنجليزي "ألكس"، وقد تم الزواج بينهما بعد علاقة حب كبيرة وصادقة، كانت العمود الرئيسي لخيمة المتخيل الروائي، وبالتالي، فهي الرسالة الجمالية والإنسانية التي تقدمها الرواية حلا لكل الخلافات والصراعات والحروب. يبقى الحب أقوى من الحروب والنزاعات والمصالح الشخصية والمادية والسياسية.    

 

20200923_104644

Posté par motassim à 20:58 - Commentaires [0] - Permalien [#]

خذي الكتابة بقوة/ الكاتبة رجاء الطالبي

 

 

خذي الكتاب بقوة...

 

 

 

حائط  أستند عليه اسمه القراءة

 

يمكن للقراءة أن تصبح الحائط الذي تستندين إليه خوفا من الزوابع التي تهدد أمن حياتك الهشة وأنت في سن صغيرة جدا لا تقوين على المواجهة أو المقاومة بل تهربين بين ضفتي كتاب تحتمين به بما يهدد حياتك الصغيرة  كورقة في مهب الزوابع تقاوم بالمقروء والخيال والحلم ومتعة ما تقرأ لتظل ملتصقة أطول مدة على غصنها.

تحضرني صورة الطفلة الصغيرة المنكمشة في ركن من أركان البيت منحن ظهرها مكومة على كتاب تجلس لساعات تقرأ وليمتها من الكتب التي بحثت لوقت طويل كي تعثر عليها بالإمكانيات الضيقة والصعبة لاقتناء كتاب. لم يكن من السهل أن نشتري كتابا لأنه بكل بساطة لم نكن نملك نقودا لشرائه، لذلك مثل فأرة تبحث بمجساتها الصغيرة عن مخابئ خفية للورق أينما كان . لم تفلت مكامن ومخابئ بيتها من هذا التفتيش الدقيق عن أين يختبئ كتاب أو يوجد، فبعد الانتهاء من التهام ما تقع عليه من كتب وقصص ومجلات تقرؤها وبعد استنفاذ ماهو موجود وفي متناولها تذهب للبحث بجسدها الصغير عن كل ورقة أو بقايا كتاب ممزق بدون غلاف تبحث في الخزانات وفي كل ما يمكنه أن يشكل مكانا لحفظ شيء علها تعثر على ما تقرؤه ولا تخلو الطريق التي تمشي فيها من هذا البحث فكلما صادف خطوها ورقة ممزقة مرمية انحنت لتجمعها وتقرأ ما فيها كأنها عثرت على كنز يغذي هذا البحث الدؤوب عما يقرأ .

تحضرني صورة الطفلة الصغيرة في ثوبها الوردي الدافئ بجسدها الصغير الغض الطري منكمشة على نفسها تغطي أطرافها العارية بما تبقى من ثوبها الوردي منحنية على كتاب تقرؤه. منفصلة عما حولها بعيدة  غارقة في العوالم التي يقدمها لها كتابها، بعيدة عما يفزعها ، بعيدة عما يهددها من إكراهات واقع لاتدري مفاجآته وما يحمله لها من مخاوف مفاجئة، كان الكتاب بمثابة بساط سحري يحملها بعيدا عن هذا الواقع ومفاجآته التي لايستوعبها عقلها الصغير، وحتى تبعد عنه وتنفصل تبحث عما تقرؤه لتنساه وتتحاشاه لأطول مدة يسمح بها عدد صفحات الكتاب الذي بين يديها. فكلما عثرت على كتاب كبير بعدد صفحاته ، كلما كانت فرحتها كبيرة وكلما كان إغراء الابتعاد والذهاب بعيدا أكبر. فأي مغامرات تشد الأنفاس يعدها به ، وأي مشاعرجديدة، وأي أفكار ستكتشف، وأي أناس ستتعرف عليهم، وأي مصائر عجيبة ستجعلها تختبر ما تجهله في نفسها الطرية البكر والمجهولة. تذكر جيدا المشاعر المتنوعة التي اختبرتها وقتها، تذكر دقات قلبها وارتجافاتها، تذكر الدهشات، والفرح والحزن، والخوف والتوجس، والانتظار وهي تتقدم في العوالم التي يعرضها عليها الكتاب وحيواته الخفية. تذكر ماتعلمته حينها ، نظراتها في سعة فضولها ودهشتها وحلمها  وتفكيرها وهي تخوض بحرا مجهولا أمام جسدها الصغير، كأنما كانت تعيش حينها ، أي زمن القراءة آنذاك تجربة تفوق سنها، كأنما كانت توضع مع الشخصيات والأفكار التي يمنحها لها الكتاب  في محك حيوات تفوق خبرتها المنعدمة آنذاك والتي كان الكتاب معلمها الذكي والسري وقتها، يأخذ بيدها ليدخلها في تجارب وامتحانات تفوق ماتعلمته وهو نزر قليل لا يغني ولايسمن من جوع الفضول ودهشة الاكتشاف والتعلم. متى ما عثرت على كتاب صفحاته كثيرة كان وعد ما تنتظره من هذا الكتاب جياشا بحيوات وأفكار ودهشات ومشاعر قوية تحملها فوق إمكاناتها المحدودة وحياة صغيرة لاتملك أن تهبها هذا الدفق من العنفوان والدهشة والجيشان. الكتب قراءتها في وقت مبكر هي التي تخلق منا مانحن عليه في الوقت الحاضر، الإنسان المقدام الجريء في التفكير بخيال يشبه الديناميت يكره الحيوات الميتة المستسلمة للرتابة والخمول المكررة إيقاعاتها القاتلة، الإنسان الذي يعدد إمكانات الحياة والعيش وله القدرة على تجاوز مصائر مخيبة لآماله .. إنسان يصنع إمكانات جديدة للحياة ويحفر أسرة جديدة لمياهه الصاخبة متى وجدت الحواجز يخلق مايتحايل عليها ويبدل مصائره الجارية المتنوعة. تلك الطفلة المحني ظهرها على كتاب  في شبه  احتواء تام وكلي لما يمنحه لها، منكفئة عليه بينما إبهامها الصغير تمتصه بين شفتيها، ترضع كم الأفكار الذي تهبه لها قراءتها، حليب مدرار من أثداء متعددة يهبها لها المقروء المدهش الفتان لتصخب الدماء في جسدها، لتنقطع أنفاسها ولتلون وجنتاها المحمرتان بصخب العوالم المقروءة والمنقولة أمام شاشة عينيها وقلبها وعقلها. كم حياة عاشت، وكم من شخصية تقمصتها وانجرفت معها في المصير الذي اختاره لها كاتبها، كم مرة وجدت نفسها تبكي واستمر هذا البكاء حتى من بعد انتهائها من قراءة الكتاب، كم امتد تفكيرها وتقليبها لوجوه الأفكار التي ولدها الكتاب في رأسها،  كم من الأسئلة اضطرم حريقها في رأسها الصغير،لماذا وكيف ومتى وأين ... وكأنها تبحث بأسئلتها عن إيجاد مصائر وحيوات أخرى لما سبق للكتاب أن طرحه على رأسها وذهنها،متى بدأت تربط ما تقرؤه من أفكار ومن حيوات بواقع ما تحياه وتخبره فتعقد مقارنات مابين ما قرأته وما تعيشه فتعرف من خلال ماقرأته أن هذا الواقع أو هذه الشخصية إما مظلومة أو قاصرة أو عاجزة وأن ما يحيط بها من عوامل تتحكم في عجزها وتحعلها مسؤولة عما هي عليه، ذلك المقروء هو ما منحها وعيا بما يحيط بها رغم صغر سنها فما قرأته وما خبرته وما عاشته بين دفتي  الكتب حيوات قريبة من تلك التي تحياها بعيدا عن الكتاب يمكنها أن ترى مايختفي وما يغيب وراء سلوكات الناس ، يمكنها وقتها أن ترى أسبابا لسعادة من حولها أو شقاءهم من خلال مقارنة ما قرأته بما تحياه وما يحيط بها ، هذا هو ما جعلها تلك الطفلة التي تميل للجلوس ومطالعة ما يجول حولها تأمله ومحاولة فهمه من خلال تجميع المعطيات و المقارنة والاستخلاص.

ذلك الجسد الصغير المختبر لما يفوق حياته الصغيرة، وعي متشكل من خلال المقروء فضوله للاكتشاف كبير وخياله يكبر ويكبر ليحتوي اشياء عالمه ويتجاوزها بعيدا. لذة الاكتشاف التي يمنحها الكتاب، لذة المغامرة، ولذة التفكير التي تشط عن نظرات الجلاد المتوعدة بالعقاب متى ما اخترقت الحدود المضروبة أمام خطى طفلة تمشي في أراضي ملغومة لكن حميدة.

 

نيتشه المعلم

 

كنت ولازلت أومن أن جسدي معجون بالكلمات وبحيوات الكتب التي قرأتها ، جسد من كلمات وروح معجونة بأرواح ما قرأته في حياتها، لو نكتب سيرة الجسد القارئ والمسارات المتنوعة التي فتحها الكتاب امام الجسد ليختبر المجهول بالأقوات الفكرية والخيالية التي منحتها له الكتب، لأمكننا أن نسجل الحيوات العديدة التي اختبرها وعاشها هذا الجسد عبر ما قرأه وعبر أطنان الكتب التي قعد أمامها كمائدة أرضية تضم شتى أنواع الأغدية الروحية والعقلية والوجدانية. ألهمتني تلك الحيوات التي اكتشفتها في الكتب حيوات في المستقبل، لم يكن المقروء بمنأى عن روحي التي عجنت وعانقت ملتحمة بما قرأته. وجدتها تلك الكتب في آتي حياتي كأمهات حنونات وكحارسات متهجدات تحمي طرقي مما يصادفها من مخاطر واختبارات وأهوال صعب التفاوض مع هاوياتها. كان الكتاب بمثابة الضوء السري المنبثق في ليل التجربة يضيء ما خفي من الطريق ويفك ألغازها ويحمي من غيلان تكاد تفتك بالروح وتؤدي إلى هلاكها.

لا أدري متى اكتشفت كتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت" كان بالنسبة لي المعلم والمنقذ من مخاطر واجهتها في حياتي القادمة ، في الأول كنت مفتونة بسحر بيانه وبلغته المجنحة وبعوالمه وأفكاره الغريبة، صادف في أعماقي روحا ثائرة، تحتاج لزاد فكري يقويها في مواجهة مايضعفها في عالم ذكوري متنمر مهووس بالسلطة وفرض الأحكام وتقييد الحريات، كلما شعرت بضعفي وعجزي سارعت إلى قراءته والتجأت إليه لأقويني بأفكاره التي تتغنى بالإرادة الحرة وبالإنسان الذي يتغلب على الصعاب وينتشي بتأسيس عالمه الخاص وراء كل خير وشر أوجدا للتحكم في إرادة الإنسان وتقييده بأغلال تحد من حريته ورغبته في الاكتشاف وخرق المجهول. كان ولابد من اكتشاف هذا الكتاب في حياتي، كان ظهوره في تلك الفترة من فتوتي الأولى نتيجة تراكم مجموعة من القراءات والكتب التي منحتني الزاد الذي يمكنني من قراءته والاجتهاد في فهمه واستيعاب أفكاره الثورية المتغناة بالإنسان المتفوق على كل ما يضعفه في مجتمعات تتفنن في تقييده ومراقبته وعقابه.نيتشه المعلم الذي منحني القدرة لإدراك ضعفي ومحاولة التغلب عليه وتقويتي، كنت الفتاة التي تشق طريقها معملة فكرها فيما يصادف طريقها، تكره الظلم، تكره ما يضعفها وتتعلم أن تتخلص مما يصيبها من

الوهن ، تعلمت أن تكون روحا حرة تستهويها البراري والآفاق المفتوحة تضيق بكل عقل منغلق وبكل إرادة واهنة تسخر بشراسة من الجبن والجبناء ولاترحمصغاراتهم، لذلك كان من الصعب مواجهة مجتمع مبني على النفاق والخضوع ومباركة كل من هو  مستعد للتخلي عن حريته من أجل مكاسب مادية مقابل إهدار كرامته وقبول أثقال عبودية تهد كاهله وتقزم أو تردي بإنسانيته .

كنت طفلة مرهفة حساسة خجولة تحب اللعب بدماها التي تشكلها بيدها تصنع منها حيوات تغرق فيها ومعها تؤنس وحدتها الكبيرة. كنت أحب اللعب مااستطعت إليه سبيلا بدماي وعرائسي البسيطة، ربما تفتقد إحداها يدا، أو رجلا أو رأسا لكنها مع ذلك تساهم في الحياة التي يخلقها حلمي، أكلمها، أهمس لها تبادلني الحديث ، تجيب على أسئلتي الحائرة، أحدق إليها فأراها تتحرك في حياتها الخاصة بها. لكن عقلي الصغير آنذاك ما كان يفهم أو يدرك مايدور حوله، كل شيء كان يبدو غامضا .فقط خلال لعبها تستطيع أن تجمع الأطراف الملتبسة والمشتتة من أشياء لا تفهمها لتركبها في اللعب ولتخلق منها ولها معنى خاصا بها يرضي حلمها وخيالها آنذاك. طفلة ضعيفة وحيدة تحدق إلى عالم جبارلاتفهمه، كل خطوة تهديد لهشاشتها الرقيقة ولأحلامها المنقذة. وجاءت الكتب في البداية قصصا وحكايات تدخلها لعالم البشر تتهجى في الأول حروفها وتكتشف المعنى الفاتن لعالم كبير يقدم لها مفاتيح الفهم لما يدور حولها، يفك الغموض المغلف للأفعال وللبشر ولعالم الكبار. تتحرك ببطء في أراضي ملغومة، تتحرك بهدوء مدركة هشاشة خطوها، كانت دائما روحا غريبة، وحيدة بالرغم ممن يحيطون بها، تعيش في أعماقها وتحاول ما استطاعت اكتشاف ومشاركة العالم حولها. بالرغم من حماستها المحتفية بالعالم كان الحذر عين أخرى تقلب بها ماتراه وتلاقيه في حياتها.

نيتشه المعلم ونيتشه روح القوة التي نفخت في روح هشة مدركة لعالم الكبار المهدد. انكفأت على أفكاره أقرؤها وأحاول استيعابها، وفي نفس الوقت أكتشف مكامن الضعف في، وما يجب أن أشتغل عليه في ذاتي والذي يخلصني من ضعفي وهشاشة خطوي، كانت ثقتي بذاتي تتشكل كلما نما وعيي بما يحيط بي، أتجرد من كل خوف يمكن أن يشل إرادتي، أسير في طريقي بخطوات حذرة وواثقة ما أمكن بالرغم من وجود عوائق تطيح بهذه الثقة. كان الصراع قائما بين وعيي بذاتي وبين ما يهدد هذه الثقة المكتسبة، أمشي بإصرار أحفر دربي الصعب، أحلم ، أفكر، أخطط، وبالطبع كانت هناك العقبات والأخطاء أو ما نسميه بالتجربة واختبارات الحياة، كانت موجودة لاسثتمارها وتوظيفها أيضا من أجل معرفة أكبر بالحياة والبشر. بحر صاخب هي الحياة محكوم علينا بالتجديف فيه بقوة واختراق عبابه المهدد والمظلم ولن تكون المعرفة سوى الضوء الذي يشق لنا الطريق أمام هذا اليم المظلم الهائج.

 

 

Posté par motassim à 20:47 - Commentaires [0] - Permalien [#]


07 septembre 2020

حوار: الكتابة اختيار شخصي، ومسؤولية ذاتية.

received_455596398243527

 

محمد معتصم

حوار خفيف وهادف من الشاعر المغربي رضوان بن شيكار، نشر بالتوازي على؛

  1. صفحة الشاعر رضوان بن شيكار على الفيسبوك، السبت؛ 6/ 9/ 2020م.
  2. جريدة "العربي اليوم"، السبت؛ 6/ 9/ 2020م.
  3. جريدة "أريفينو.كم"، السبت؛ 6/ 9/ 2020م.
  4. موقع "آفاق حرة"، السبت؛ 6/ 9/ 2020م.

 

 أسماء وأسئلة: تقف هذه السلسلة من الحوارات كل أسبوع مع مبدع أو فنان أو فاعل في إحدى المجالات الحيوية في أسئلة سريعة ومقتضبة حول انشغالاته وجديد إنتاجه وبعض الجوانب المتعلقة بشخصيته وعوالمه الخاصة.

ضيف حلقة الأسبوع الكاتب والناقد محمد معتصم

 

(1)             كيف تعرف نفسك للقراء في سطرين؟

ناقد أدب، أشتغل بتحليل وتأويل النصوص الأدبية، الشعر والسرد والنقد الأدبي. أمارس الحياة كباقي الناس في الحياة العامة، وأمارس القراءة والكتابة عندما أخلو إلى نفسي، وأنا في شبه خلوة دائمة، أمارس ما أحب: تأليف الكتب.

(2)             ماذا تقرأ الآن وما هو أجمل كتاب قرأته ؟

الآن، أقرأ في كتابين؛ الأول للكاتب العالمي دوستويفسكي "مذكرات من البيت الميت"، أستخلص منه الاستشهادات النصية التي أحتاجها في عمل قادم. والكتاب الثاني، مخطوط رواية لكاتبة عربية، سيصدر قريبا في كتاب. مِن الصعب عليَّ تحديد كتاب إبداعي أو فكري واحد أجمل ما قرأت، فهي كثيرة جدا جدا.  

(3)             متى بدأت الكتابة ولماذا تكتب؟

بدأت الكتابة منذ أول نص شعري نشر لي بمجلة "الطليعة الأدبية" العراقية سنة 1979م، لكن أول نص نشرته داخل المغرب، كان سنة 1982م، والانطلاقة الرسمية التي تتواصل اطرادا حتى اليوم، بدأت في العام 1985م. أكتب لأنني أحبُ الكتابة، وأثق في أن ما أكتبه سيجد طريقه إلى كثيرين، خاصة من بعدي.

(4)             وما هي المدينة التي تسكنك ويجتاحك الحنين إلى التسكع في أزقتها وبين دروبها؟

      بدون منازع؛ مدينة الدار البيضاء، المدينة التي ولدتُ بها، وفيها درجتُ وترعرعت، وفيها أهلي        وأعز أصدقائي، وذكريات أستظل بفيئها في الليالي العجاف. 

(5)             هل أنت راض على إنتاجاتك، وما هي أعمالك المقبلة؟

نعم، ولكن ليس كل الرضا، كلما نشرتُ كتابا، شعرتُ بأنني كان من الممكن تجويدهُ وتنقيحهُ أفضل. في الحقيقة، أكون راضيا تماما عن العمل مادام بين يدي، أكتبُ وأشطبُ وأحذفُ وأضيفُ، بعد ذلك، يصبح في ملكية نفسه. هناك أعمال كثيرة كنتُ أشتغل عليها بالتوازي، ومنذ العام 2017م، بدأتُ في إصدار المخطوطات التي تحدد الآفاق التي أشتغل عليها ومن أجلها، في الطريق إلى النشر والإصدار كذلك: كتاب "مناهج تحليل النص السردي"، وكتاب "محاورات ومكاشفات"، وكتاب "الأدب المُهاجر"، ثم كتاب من جرأين "النص السرداتي" و"أشكال كتابة الذات".

(6)             متى ستحرق أوراقك الإبداعية وتعتزل الكتابة بشكل نهائي؟

لا أعتقد ذلك، وإن كان غير مستحيلٍ، لأنني ممن يقوم بإحراق المخطوطات والمقالات، وفعلت ذلك في مناسبات كثيرة في الثمانينيات، أما اعتزال الكتابة، فأظن عندما يخونني الجسد، لا قدر الله، لأن مجتمعاتنا العربية في حاجة إلى الكتابة والكتابة الفاحصة غير المهادنة والكتابة الجميلة أيضا.

(7)             ما هو العمل الذي تمنيت أن تكون كاتبه وهل لك طقوس خاصة للكتابة؟

أعجبْتُ، في مسيرتي، بكتب كثيرة خاصة الفكرية والفلسفية، لكنني أبغض فكرة الشبيه والمثيل، لأنها مناقضة للإبداع. في البدايات الأولى نعم، كنت أحب التفكير مشيا، ثم أجلس للكتابة دفعة واحدة،بعد ذلك، وبالممارسة اليومية، صرتُ تقريبا بدون طقوس، عدا أنني لا أكتب في المقاهي، وأفضل الجلوس إلى مكتبي الذي أعتبره مركز الوجود، والفضاء الأمثل للكتابة أو التخطيط للكتابة.

(8)             ما هو تقييمك للوضع الثقافي الحالي بالمغرب؟ وهل للمبدع والمثقف دور فعلي ومؤثر في المنظومة الاجتماعية التي يعيش فيها ويتفاعل معها أم هو مجرد مغرد خارج السرب؟

حاليا، الوضع لا يسر أحدا، ومتقلب، ولا يمكن الحديث عن تجارب أو اتجاهات ولا حتى إرهاصات، كما في السابق، اليوم تأثر الوضع الثقافي بالوسائط المتعددة، والعوالم الافتراضية، والسرعة، وهو ما ينعكس سلبا على نفسية وذهنية الكاتب، ويؤثر في طرائق الكتابة والتخييل. نحن أمام بوابة جديدة لعوالم جديدة لما تعلن عن نفسها، والوضع الثقافي عندنا وعند غيرنا يتأثر بالحالة السياسية والاجتماعية، لذلك تجد المثقف يتلون بألوان الزاوية التي يقف فيها من المجتمع والكتابة والقضايا العامة، فهناك مثقفون لهم قراء ومتابعون حقيقيون، ويتبادلون معهم التأثير والتأثر، وآخرون بدون صدى يذكر. فالمتلقي ذكي ونبيه، وله مجسات وقرون استشعار يقيس بها درجة إيمان المثقف وصدقيته.

(9)             ماذا يعني لك العيش في عزلة إجبارية وربما حرية أقل بسبب الحجر الصحي؟وهل العزلة قيد أم حرية بالنسبة للكاتب؟

العزلة المنتجة، تكون اختيارية، لأن الاختيار هو جوهر الحرية، والحريةُ عقيدة المبدع، وكل عزل قصري لا بد أن يكون له أثر سلبي على الشخص المعزول. أنا لم أشعر بالعزلة في فترة الحجر الصحي، لأنني شبه منعزل عن الساحة الثقافية، لأسباب ذاتية وموضوعية في آن، لذلك كان الحجر لصحي مناسبة لي كبيرة ومفيدة، أنهيتُ فيها عمليْن كنت بصدد الاشتغال عليها، وخلال الحجر الصحي وضعت كتابا في المناهج والمقاربات النقدية الأكثر تداولا اليوم في الدرس والتحليل النقديين، وسجلتُ حلقات فيديو على اليوتوب، وشاركتُ في عدد من الملاحق الثقافية العربية حول كورونا "كوفيد-19، وآثاره على الإبداع والفكر. العزلة اختيارُ المبدع.

(10)        شخصية من الماضي ترغب لقاءها ولماذا ؟

طرفة بن العبد، هناك سؤال يحيرني، كان يعلم بأنه يحمل رسالة فيه حتفه، ومع ذلك، ذهب نحو حتفه، أريد سؤاله؛ هل كان ذلك مروءة منه؟ هل كان عنادا ذاتيا؟ هل كان يختبر قدراته الشخصية؟ هل كان يائسا من نظام القبيلة والعشيرة القاتل؟ هل كان تحت وطأة النخوة العربية الجاهلية؟ ومثله امرؤ القيس.

(11)        ماذا يبقى عندما نفقد الأشياء .الذكريات أم الفراغ؟

تبقى التجربة، التي بها نُعِيدُ الكَرَّةَ مع أشياءٍ أخرى في الطريق الآخر البديل.

(12)        ماذا كنت ستغير في حياتك لو أتيحت لك فرصة البدء من جديد ولماذا؟

لن أغير شيئا، صحيح أنني اخترت الأصعب دائما، وكأنني ض نفسي أيضا، أقاومها وأجبرها على اختيارات تبدو للآخرين "طوباوية" أو "رومانسية"، تضع علي الفرص، ومع ذلك أحب ما أنا عليه الآن، ولا أتصورني على هيأة أخرى، أرى أن اختياراتي ومواقفي تناسب نفسيتي وعقليتي.

(13)        هل يحتاج الإنسان إلى الكتابات الأدبية ليسكن الأرض؟ ما جدوى هذه الكتابات وما علاقتها بالواقع الذي نعيشه؟

لا علاقة لها بالواقع الذي نعيشهُ، لأنه واقع مشروط بشروط مركبة والمتعددة، ولكن لها علاقة بشخص الكاتب، تمده الطاقة والحيوية وتُبَصِّرُهُ بحقيقة ذاته وتشحذ همته، وتدفعه نحو اتخاذ المبادرة لتجميل العالم أمام من هم في حاجة إلى ذلك. الكتابات الإبداعية مهما التصقت بالأحداث الواقعية فإنها لا تخلو من ذاتية معلنة أو مخفية، وهذا جوهر كتابي الذي تحدثت عنه أعلى "النص السرداتي" و"أشكال كتابة الذات". إن العلاقة بالواقع تمر عبر الذات والوعي بها والاهتمام بها كذلك.

(14)        من هو قارئك؟ وهل تعتبر نفسك كاتبا مقروءا؟

الناشرون من يقولون بوجود قراء يستقبلون ما أكتب. ولكنني شخصيا، لا أعرفهم، والقارئ الذي أكتب إليه ينبغي أن يكون صبورا، مثابرا، كثير السؤال، يفكر، ويجعل متعته في التفكير، القارئ الذي أكتب له قد لا يكون مجايلا لي، لأنني وصلت إلى حقيقة أن من يجايلك من القراء، خاصة من كان يعرفك عن قرب، لا يمكنه أن يتعرف على حقيقتك ككاتب أو مفكر، ولأن رؤيته محدودة بالصورة الاجتماعية التي تعرف عليك داخل إطار العلاقة، زمالة أو صداقة أو قرابة، وكثير من القراء لا يعرفون الكتاب إلا مما يقال عنهم، ولا يبذلون جهودا لاكتشافهم في كتاباتهم. طبعا هناك استثناءات وقد قرأت آراءهم وشهاداتهم التي تميز بين الفرد داخل المجتمع والكاتب في ما ينتجه.

(15)        كيف ترى تجربة النشر على وسائل التواصل الاجتماعي؟

مهما قيل عنها، ومهما كانت عليه في الواقع، فأنا ممن يشجع على خوض هذه المغامرة، على أن ينبري لها جيل قادمٌ تشرب التجربة، ليستخلص خصائصها، ويبين للناس حدودها المعرفية. إنها ساحات مفتوحة للجميع، وهي في الوقت ذاته، طريقة للتميز والتأثير، والتعبير الحر.

(16)        أجمل وأسوء ذكرى في حياتك؟

أجمل ذكرى خاة جدا ولا أستطيع البوح بها، لكن أسوأ ذكرى، موت أبي، أسبوعا فقط بعدما أصبتُ بجلطة دماغية، شلت نصفي الأيسر، ولم أستطع توديعهُ قبل أن يسلم الروح لبارئها. وهذا ما يزال يؤلمني حتى اليوم، منذ العام 2017م.

(17)        كلمة أخيرة أو شيء ترغب الحديث عنه؟

إن الكتابة اختيار شخصي، لذلك فهي مسؤولية ذاتية، وهي المعيار الأساس والجوهري ليقوم عبره الكاتب والكاتبة هل هو حرٌّ أم عبدُ لآخر أو خادم عنده. فكتابتك مرآةُ حريتك.


Posté par motassim à 10:05 - Commentaires [0] - Permalien [#]

15 août 2020

قراءتي في السيرة الذاتية "السجون" للشاعر الكاتب حكمت النوايسة

Prisons

محمد معتصم

 

الكتابة بين المحو والتثبيت

 

غالبا ما نصف الكتابة بأنها عملية نسيان، وعملية محو، وكأن ما نكتبهُ من محدثٍ يلغي السابق عليه، وينسيه من الذاكرة ويمحوه من الوجود. في حين أن الكتابة مرادف للتدوينِ والتسجيلِ والتقييدِ والتزميمِ، وكلها مترادفات تعني التثبيت والتأكيد على الوجود والالتزام، والارتباط. أي أن كل محدثٍ لا يلغي ما سبقه في الوجود، ومن ثمة جاء الحديث عن الطروسِ، جمع طِرْسٍ؛ وهو "الصحيفةُ، الكتابُ الذي مُحِيَ ثم كتبَ ثانيةً"[1]، لقد ورد الحديث عن الطروس، في النقد الأدبي في معرض حديثِ عن "المتعاليات النصية" وفي تعريف "التناص"، وفي تعريف "النص"، كما ورد الحديثُ عنه بصيغ ثلاث في معرض الحديث عن "السرقات الشعرية" عند ابن الأثير في كتابه "المثل السائر"[2]، ولأن السرقات الأدبية عموما، هي كتابة على كتابة، في محاولة محو اللفظ وحده دون المعنى، أو محو المعنى دون اللفظ، أو محاولة إعادة صياغة اللفظ والمعنى بما يغاير أصلهما، وكل ذلك يدخل في باب المحو والنسيان، وقد أطلق على تلك العمليات الثلاث ابن الأثير المصطلحات الآتية: النسخ، والسلخ، ثم المسخ.

إذن، هناك أنواع من الكتابة؛

  1. الكتابة، بمعناها العام، وهي تسجيل وتدوينٌ وتقييدٌ، وهدفها حفظ المعلومات من التلف والضياع، وغايتها التذكر في حال النسيان، فهي مرجعٌ للتذكر والتثبت من أمر أو أمور مر عليها الوقت أم تم نسيانها بعد الإهمال. وهذا هو المعنى الأصل للكتابة.
  2. الكتابة الأدبية، وهي التي يمكن اعتبارها نسيانا ومحوا، لأن النص في معنى من معانيه، ليس سوى نتيجة لمجموع النصوص السابقة عليه. إنه تحديدٌ شمولي وعام، لا يمكن الاستدلال عليه قطعيا وتعميمه على كل النصوص المكتوبة والمنتَجَة. لأن النص ليس فقط معلومات أو مواضيع ومواقف وأحداث، فحسب، بل هو أسلوب وطريقة في التفكير والتعبير والتحليل، وهذه ليست متماثلة، بل منطقها العام الاختلاف، باختلاف المتكلم وثقافته ووسطه ومحيطه، وأهدافه...
  3. الكتابة، تنفيسٌ وبوحٌ، من خلال تدفقها من الذاكرة واسترسالها كتيارٍ هادرٍ يجرف معه وفي طريقه الخاص كل العوالق، كل ما يعترض طريقه، تقومُ الكتابةُ بعملية تفريغ النفس من تباريحها، وفي الآن ذاته تقتلع الموانع التي تحبس النفس وتكبتها. إنها رياضةٌ وتمارين للذاكرة، تمارين لترويض اللاوعي على  الاستيقاظ والتنَبُّه.
  4. الكتابةُ، تحفيز وتنشيط للذاكرة، تقوم الكتابةُ بوظيفة ترميم الذاكرة وملء الفراغات والثقوب السوداء التي قد تطرأ على الأحداث والمعلومات المُخَزَّنَة والخبرات المكتسبة خلال مراحل تطور الذات العُمْريَّةِ، وهي بذلك انتقائية، تتمسك بأي حادث أو خبرٍ يطفو على سطح الذاكرة، وتعيد تصفيفه وتنضيده من أجل إعادة الانسجام لما اضطرب وتناثر في لحظة من الزمان.

عندما يختم الشاعر والكاتب حكمت النوايسة سيرته الذاتية "سجون" بهذه العبارة:" إننا بالكتابة نمحو"[3]، فهو لا يتحدث عن مفهوم الكتابة، بقدر ما يتحدث عن وظيفة الكتابة، لأن الكتابة في السيرة الذاتية، وظيفية، ودرجة التخييل فيها كما في النص التاريخي، صفر، كما يقول جون مشيل آدم[4] ، إلا أنها تتحايلُ ذلك بابتداع طريقتها الخاصة في صناعة تخييل مختلف، تخييلٍ يقوم على الأدوات التي تكتبُ بها السير الذاتية.

 

Posté par motassim à 11:07 - Commentaires [0] - Permalien [#]

30 juillet 2020

مقالة في رواية "تفاحة العابد" للكاتب الشاعر جهاد أبو حشيش

محمد معتصم

 

تفاحة العابد: صراع الأهواء.

 

تتميز لغة الأدب عن غيرها من اللغات المتحدث بها، كونها، لغة المجاز، لغة الإيحاء والإحالة، لغة تجد موطنها في العوالم الدفينة والأراضي البعيد التي لا يدركها إلا القلة النادرة. لا يعني ذلك أنها لغة الرموز والألغاز، أو لغة الكائنات القديمة المنقرضة، إنها لغة تستطيع قول الجوانب غير المرئيَّة لعامة الناس، ومع ذلك، فالمبدع الحق يستطيعُ أن يزرع داخل الخطاب الأدبي علامات يهتدي بها القارئ إلى المعاني الجمالية للعمل الأدبي، وإن لم يستطع الوقوف على مقاصده الفكرية.

في رواية "تفاحة العابد" للشاعر والروائي جهاد أبو حشيش، نعثر على لغة شاعرية، وعلى تنويع في كتابة الرواية بالاعتماد على المشاهد القصيرة المختزلة والمكثفة، التي تقتصد في القول بغاية ملئه بالإحالات على قضايا فنية وجمالية تخص كتابة الرواية، وعلى قضايا مصيرية تخص القضية الفلسطينية ومآلها، بعد الاعتراف بالدولة دون السيادة؛ أي دون هوية مميزة (تاريخية، دينية، سياسية، ثقافية)، والدخول في مرحلة الالتباس، مرحلة صراع الأهواء، تماشيا مع الحالة الدولية المائعة، التي تحولت من انفتاح السوق وتوحيد قُدُرات ومُقدَّرات دول العالم في بؤرة واحدة تَستفيد منها الدول العظمى (المُتَحَكِّمَة) ذات السيادة السياسية والعسكرية والاقتصادية، على حساب الدول الصغيرة والضعيفة والمتشرذمة، في مرحلة شعارها "العولمة الاقتصادية" التي تم تجاوزها حديثا إلى الحلم بـِ"العوالم الافتراضية الرقمية"، وتحويل الإنسان وقضاياه ووجوده إلى مجرد هوية استعارية لا حقيقة لها مادية في الواقع، وإنما هي مجرد "ظلال" بلا هوية مميزة.

يعتقد بعض المتحكمين أنَّ "رقمنة الحياة المعاصر" هي العصا السحرية التي يمكن بها التخلُّصُ من كل المشكل والقضايا المعضلة العالقة المتناسلة والمُتوارثة، والذي لم يوجد لها حل حتى الآن، وذلك بالانعطاف الجبري نحو العوالم الافتراضية التي تسمح بمزيد من التحكم وبشدة أقوى لتنفيذ المشاريع الأحلام التي تعيق تطبيقها مثل القضايا المتعلقة بالهوية وبالاختلاف والتنوع الفكري والثقافي للشعوب.

لا يعني ذلك أن التكنولوجيا شيء شرير، ولكنها مثل كل الأفكار والمعارف والعلوم، والأدوات والأشياء، تجدُ من يقوم بتوظيفها في غير ما أنتجت من أجله. أي أنها ليست شريرة، ولكنها تحرَّفُ أهدافها وغاياتها الإنسانية عندما يتحكم فيها "الأشرار".

..................................

Posté par motassim à 20:31 - Commentaires [0] - Permalien [#]