صور من لقاء بتيفلت نهاية الأسبوع الماضي حول الحداثة والشعر
الجلسة النقدية
صورة بعد الجلسة
قبل الجلسة النقدية
بين شاعرين في المطعم
في مقهى الفندق لحظة وصولي ورجاء إلى تيفلت
الشاعر احساين بنزبير في ديوانه الجديد
الشاعر يحكي صراعه مع اللغة:
ظل الشعر ملتصقا بالذات ولم ينفك عنها إلا لماما، وحتى عندما يصف الشاعر ما هو خارج النص لا يكون قد غادر "ذاته"، أي أنه يقوم بعملية تحويل المادة الصلبة في الواقع إلى مجرد "تَمَثُّلِ" ذهني في مخيلته، وهذه العملية ضرورية لأنها تمكنه من "إِدْرَاكِ" أبعاد الخارج وتلمس حقيقته في شموليتها أو في جزئياتها الدقيقة. إن التمثل يقود إلى الإدراك وهما معا يقودان إلى "الفهم" و"الاستيعاب"؛ أي احتواء الخارج من أجل نقله إلى "اللغة" الشعرية وهي لغة مجازية لا تقول الحقيقة الخارجية أو الحالة الشعورية كما هي بل كما هي "ماثلة في الوعي" و"ظاهرة في القصد".
والشاعر احساين بنزبير في ديوانه الشعري الثاني "أسمدة تليها حالات" يجسد هذا الصراع بين النص وخارج النص، وبين النص كبناء تقليدي واللا نص كإمكانية محتملة لما بعد الحداثة الشعرية المغربية والعربية، وبين الكلام واللسان، وبين الإقامة هنا في المكان وهناك في اللسان، والجمل الشعرية الأكثر تمثيلا لصراع الشاعر مع اللغة والكتابة ضد الإقامة في غير المكان المفترض "خارج المكان" وضعها بين قوسين في "الفقرة الشعرية" من الحالة رقم 5، كالآتي، دون مجاز فقط بحرقة السؤال:
(هل يمكن أن نكتب بشكل آخر؟
هل يمكن أن أعتبر نفسي شاعرا؟
هل يمكن أن أقرأ في غير لغتي؟
هل من المستحيل أن تصير لغتي طباعة فقط؟) ص (31)
مجرد أسئلة لكنها يفصح عن "الصراع الداخلي" الواقف خلف مظهر اللغة المرسومة على الورق، هل يمكن الكتابة بشكل آخر غير الذي اعتدناه، الشكل الذي أصبح قيدا وحاجزا أمام المعنى الحقيقي للأشياء وقد تشكل معناها في الذهن والذاكرة، هل يمكن الكتابة بشكل آخر تتضمن أيضا التصريح المضمر بتغيير نظرتنا الشعرية إلى الأشياء وإلى الكتابة وإلى اللغة الشعرية ذاتها، هذا النوع من الصراع يتميز غالبا بالحدة والعنف تجاه "التقليدية" ليس فقط كشكل خارجي بل كرؤية وكوعي وكطريقة في الوجود، ومن مظاهر القلق والصراع الداخلي في اللغة الشعرية عند احساين بنزبير "الالتفات" الماثلة في المجتزأ أعلاه، فالضمير تنوع من سؤال إلى آخر:(نحن- أنا- هم "يقرؤوني" تقدير- هي)، لكن الشاعر في الضمائر جميعها لا يحكي سوى ذاته في صراعها وقلقها أو أنه يحكي حيرته وتردده حين يقول:"... لذلك، كانت الكتابة عبورا نحو حيرة التردد." ص (31)
و"الفقرة الشعرية" الأكثر تمثيلا للصراع بين "الحداثة الشعرية" و"التقليدية" ما عنوانه الشاعر ب "الحالة رقم 18":
"عليك أن تكتب. أن تكتب شيئا مناسبا. شيئا لا يشبه المناسبة. عليك أن تكون مهذبا في ما تكتب. كتابتك عادية. إنها قريبة من الابتذال. عليك أن تكتب كما الآخرون. كما لسان نشرة جهوية. كما خطاب عقيم. عليك أن تكون شاعرا لطيفا. عليك أن تكتب كما لو تقول: نعم. أرأيت. خذ كمقياس تعاليم المتعارف عليه. ولا تدغدغ رأسك. اكتب كما يحلو للآخرين. عليك أن تخضع وأنت تكتب. عليك خبير اللغة. عليك أن تحترم قواعد النحو والتصريف. الجملة كما علمك إياها الأستاذ إبراهيم. الفقرة العرجاء. عليك أن تكتب ورأسك مثقوب... عليك أن تحرق الأقلام كلها وتراكم الورق كما لو أنك مقاول مغفل... عليك أن تكون بارا لأبوة قديمة وتافهة. إذا، ما العمل؟" ص (38)
لم يَقُدْ صِرَاعُ الشَّاعِرِ مع اللغة ومكان الإقامة والكتابة والتقليدية و"اللسان" والمرجعية التي تحفل بها ذاكرته إلا إلى مزيد من الإصرار على خوض المعركة ضد كل ذلك من أجل بناء صورة ووجود آخرين مختلفين لهما خصوصية مميزة، فليس طبيعيا أن يبقى الشعر خطا مستقيما متشابها، عليه أن يكون ذاته كما تشترط عليه المرحلة ووعي الشاعر وذوقه الذي تدخلت فيه عوامل خارجية وذاتية وقصدية كثيرة، وقد قال الشاعر ذلك في جملته:" هذا اليوم، بين سهو وطاولة خشب قرر أن يكتب على طريقته، لأنه لا يفهم في هذا الذي يسود." ص (29). لقد قرر الشاعر، الذي يحكي ذاته هنا وصراعه من أجل كتابة مختلفة بضمير الغائب، أن يكتب في ظل جهل الآخر لما يريد قوله وجهله بطريقة قول الشعر، عندما يصبح الشعر المختلف علامة على النص الشعري الحداثي أو ما بعد حداثي، وهو نص ب"لا معنى" لأن معناه ليس سطحيا ولا يحتاج إلى "التفسير" بل إلى "التأويل" مادام صراع الإنسان المعاصر ضد "قارة اللاوعي"، وهو نص "غامض" لدى أصحاب الرؤية التقليدية الذين اطمأنوا إلى شكل واحد من الكتابة ولم يجربوا ما هو مختلف ومغاير، أي الوجه الآخر لما كتب حتى الآن، يقول الشاعر احساين بنزبير:" ... الكتابة لم تعد أكذوبة عصر النهضة أو ذبذبة جرير أمام الفرزدق. إنها حديقة تتيه فيها الرؤية بكل بساطة... حديقة لا يتجول فيها طاووس رهين." ص (18)
إن الكتابة حديقة تجمع فيها "ما ليس منسجما"، فهي تضم "المختلف" الذي "يرعب" كل رؤية مستكينة مطمئنة إلى الوجود السابق والمألوف والعادي، لكن في اختلاف الحديقة وتضاد وتناقض عناصرها المكونة "انسجام" (القبيح الجميل، كما في الرسم) وجمال وفتنة، فالكتابة الشعرية إذن، لم تعد تقبل "النظام" و"النظم"، إنها تحتاج إلى تفكك النثر وحريته وانطلاقه دون قيود خارجية أو داخلية، المسالة مرتبطة كذلك بمفهوم الإيقاع والوزن، والوزن أكثر من الإيقاع الداخلي؛ إيقاع ذات الشاعر بانفعالها وهواجسها وأفكارها ووعيها الخاص والشخصي.
حسن إغلان ومهام الكتابة القصصية
شهدت القصة القصيرة المغربية تطورات مهمة خلال ثلاثة عقود مضت، دون الانقطاع عما حدث في القصة القصيرة فترة الستينيات والسبعينيات من تحول على مستوى المضامين خاصة وأشكال الكتابة عموما، وحسن إغلان قاص ينتمي إلى هذا المخاض الذي تداخل فيه الأمل والألم كما يقال؛ ألم الانكسارات المتعاقبة على القصة عندما كانت القصة ملتزمة بقضايا خارج نصية، ورثها قصاصو الثمانينيات من سلفهم الذي لم يكن ينظر إلى الأدب في استقلال ذاتي وجمالي وفني محض، بل كان يرى إلى الأدب كمرآة لعصره وبالتالي ينبغي أن يتمثل ذلك في الكتابة أي في المضامين التي يكتبها القاص لا ينبغي لها أن تحيد عن القضايا الاجتماعية والسياسية، وأمل الانفتاح الثقافي وانتشار روح التسامح واكتشاف منجم الذات، والتعرف على الدراسات الحديثة التي قامت بتفكيك النص الأدبي عامة والقصصي خاصة (السردي) إلى مكوناته الجزئية، وتحرير المؤلف (القاص) من الالتزام السياسي والأدبي والاجتماعي الذي قيد خياله وكتابته في السابق.
حسن إغلان ينتمي إلى جيل الثمانينيات من القرن العشرين، وهو جيل القنطرة، تحمل مسؤولية جسيمة تمثلت في نقل إرث السبعينيات الأدبي والفكري ووعيها الجمالي إلى الأجيال القادمة، لكنه وجد نفسه محاصرا في الآن ذاته بالبحث عن ذاته وعن خصوصياته المميزة التي تفرضها عليه المرحلة وتطوراتها، ووجد نفسه محاصرا أيضا بوعي جديد ظهر بعده ساهمت في بروزه التطور المعلوماتي والتطور التكنولوجي، والحراك الاجتماعي الذي وصل الذروة ولم يعد أهله يقبلون بالحلول القصيرة المدى أو بالرضا بالانكسار، لأنه جيل بلا يقين، فقد الثقة في الشهادات التعليمية وفي النخب السياسية التي خانت مبادئها وبدت متجاوزة أمام المد الهادر.
كتب حسن إغلان كل ذلك في أشكال تعبيرية متعددة منها المقال الفكري والفلسفي بحكم تكوينه ودراسته، وكتب القصة القصيرة في مجموعته الأولى "وقائع الأيام الأولى"، وكتب النص القصصي في "وليمة الكلام"،،، وهو ما يدل على القلق الوجودي لدى الكاتب وبحثه الدائم عن الشكل المناسب والشامل القادر على احتواء كل الأسئلة الحارقة التي يريد حسن إغلان قولها.
لا تخلو كتابات حسن إغلان من الهم السياسي والقضايا الاجتماعية، لذلك فاجتهاده الفني والقصصي جاء مطردا؛ اجتهاد في المضامين، وهو ما مثل بعد الامتداد والوفاء للتجربة القصصية المغربية في فترة السبعينيات، فكتب عن الهامش الاجتماعي من زاوية انتقادية، لا تمجد الهامش فقط لأنه هامش وينبغي التعاطف معه كونه كذلك، بل كتب عن الهامش لإبراز خصوصياته الاجتماعية الإيجابية والسلبية في آن. وكتب حسن إغلان عن الهموم السياسية، فالكاتب لا يلتزم التزاما سياسيا أو وجوديا بالمجتمع الذي يعيش فيه، ولا ينوب عن المؤرخ في تدوين الوقائع والأحداث، ولا يلاحق الأحداث كما يلاحقها الصحافي والمحقق، بل يكتب رؤيته الخاصة وعبر معادلة الفن للواقع، ويكتب فكرته وتصوره الذي يكون مختلفا عن كل أشكال الخطاب الأخرى الموازية، أي أنه ينتج أدبا قصصيا اجتماعيا لكنه جميل وفني.
تتطلب الكتابة على الهامش والامتداد للتجربة السبعينية خاصيات كتابية منتقلة (عابرة- مخترقة) بدورها، أهمها: السردية والنثرية والتسلسل والحضور المهيمن للشخصية القصصية الهامشية. أي أن القصة لدى حسن إغلان وجيله من القاصِّينَ خطاب سرد ووصف مسترسل تتخلله حوارات قصيرة تشرك الشخصيات في بناء الفكرة وتنمية الحكاية، وتعد الحكاية المحور الأساس في بناء القصة، فلا قصة بدون حكاية، ولا حكاية بدون أحداث متوالية ومتسلسلة تسلسلا منطقيا، ولا أحداث بدون شخصيات متفاعلة فيما بينها حاضرة لكن تحت مسؤولية السارد القوي الحضور والمهيمن كذلك على مسارات السرد، حتى لا يفاجأ الكاتب بنهايات أو حلول غير مدروسة وغير مرغوب في نتائجها، فالسارد شديد الوعي ومتنبه لأهداف الكتابة ومقاصدها، وهو ما يدل على حدة الوعي السياسي والأيديولوجي الموروث والذي لم يتخلص منه جيل القنطرة في الثمانينيات من القرن الماضي.
الشخصية القصصية الهامشية ملمح آخر من ملامح الكتابة القصصية عند حسن إغلان لأنها مقوم من مقومات الكتابة لدى جيل الثمانينيات، والشخصية القصصية أحد أعمدة القنطرة التي تربط بين جيل الاستقلال والأحلام الخائبة والمحبطة وبين جيل العوالم الافتراضية وسلطة الانترنيت وانهيار الإيديولوجيات الكبرى، واختلال ميزان القيم حيث الإنسان بضاعة تباع وتشترى في سوق النخاسة الجديد. إن الشخصية القصصية التي كانت تحمل على عاتقها مسؤولية تبليغ الآراء والمواقف الأيديولوجية للكاتب الواقعي لم تعد سوى "شيء" أو حتى علامة لغوية مفرغة من القيمة، إنها "شبح" و"ظل" بلا ملامح محددة، وهي بذلك تمثل حالة الإنسان المعاصر.
من نماذج الشخصية القصصية عند حسن إغلان التي رسمها في كتاباته القصصية نذكر "عوينة" في مجموعته "وقائع الأيام الأولى" وهي شخصية هامشية تعاني اختلالا ذهنيا ونفسيا ووضعيتها الاجتماعية مزرية متدنية، ومع ذلك فإنها تغري السيدة المتعطشة للجنس، إن رصد القاص لشخصية "عوينة" يتضمن رصدا منتقدا لوضعيات مختلة في الواقع، ولقيم مختلة في واقع مختل كذلك. ونذكر أيضا شخصية "عاشور" في مجموعته "وليمة الكلام" وهي بدورها تثبت بأن العالم الواقعي مختل ومضطرب ولا ينتج سوى القيم المنحلة، والنكران والخسران والصراع الطبقي، يحدد القاص أبعاد الشخصية القصصية في قوله:" ... مقاوم في جيش التحرير ومن ثم إلى مستشفى الأمراض العقلية [...] لا تعرف سوى ماضيك الذي قتلته أيدي الطغاة وتحمل قلبا في كفك الأيمن رغم عقوقك الممدد بين دروب العصا..." ص (5)
الفضاء القصصي عند حسن إغلان لا ينفك مرتبطا بوضعية الشخصية القصصية، فهو أيضا هامشي رغم أنه منفتح حينا ومنغلق أحيانا لأن مجال الشخصية المحبب هو المقهى والشارع في آن.
وأهم ما يعطي القاص خصوصية كتابية تخرج به ظل الفضاء القصصي لمرحلة الاستقلال وفترة السبعينيات؛ لغته القصصية، فهي لغة تجنح نحو الداخل، وتبدو كأنها "مناجاة" يستسلم فيها السارد لإغراء الحدث وتدفق اللغة، وهنا يتحول السارد الخارجي غير المشارك المهيمن على المحكي إلى سارد داخلي مشارك لا حدود بينه وبين الشخصية القصصية المتحدِّثة أو المتحدَّث عنه، وأعتقد أن هذه الخاصية ستجد فضاء ممتدا لها تحقق فيه إمكانياتها الرواية أو النصوص السردية المطولة.
لقد كتب حسن إغلان القصة القصيرة والنصوص القصصية والمحكيات وهو في ذلك مجرِّبٌ يخوض حروبا ضد الأشكال الجامدة ويبحث عن شكل تعبيري يناسب الأفكار الجمالية الخاصة به كقاص أولا وكواحد من جيل وجد نفسه حارسا لإرث من سبقوه وطامحا مستشرفا لآفاق تساير الأفكار والأشكال الجديدة، إن حسن إغلان واحد ممن استعصى عليهم قتل الأب، وقتل القيم والأحلام الكبيرة التي تتجاوز حتى حدود وإمكانيات الكتابة القصصية، بالرغم من كل هذه الهزات في الوعي والانكسارات المتتوالية.
ما يثير الاهتمام والإعجاب في الآن ذاته عند القاص حسن إغلان إصراره على مواصلة الكتابة، وإيمانه القوي الراسخ بأن الكتابة قادرةٌ في زمن الصورة والعولمة واللامعنى أن تؤدي أدوارا طلائعية في نشر ثقافة الاعتراف بالجميل وبالذات، وأنها قادرة على فتح كل النوافذ لنطل جميعا على الأمل، وبأنها قادرةٌ على حمايتنا من السقوط في هوة الإهمال واللامبالاة.
إن إصرار حسن إغلان على الكتابة درس شجاع ينبغي أن يحفزنا على ابتكار أساليب جديدة وأنواع جديدة نقول بها لأنفسنا وللعالم ولمن جايلنا ومن سيأتي من بعدنا؛ إننا قادرون على أن نحقق المستحيل أو على الأقل أننا قادرون على التعرف على ذواتنا وسط كل الأهوال والمصائر الصعبة لوجودنا الراهن.
إن قصص حسن إغلان صور مصغرة عن الواقع المغربي المعيش بتناقضاته؛ أحزانه وأفراحه، وهي كذلك شهادة عن جيل كان بمثابة القنطرة المتينة التي ظلت متماسكة لتعبر القصة القصيرة المغربية من مرحلة مخاض كانت فيها في مرحلة "التجنيس" تصارع ذاتها لتتجاوز ذاتها ولتخرج من التقليدية ومن التقليد، ومن التبعية للسياسي لتتحول إلى نص سردي جميل لا يفصل بين شكله ومضمونه فاصل، بل ليتوحدا معا في بوتقة واحدة تعبر عن الوعي القصصي الجديد وهموم المغاربة في بداية الألفية الثالثة وعن طموحاتهم المشروعة التي من نتائجها هذه المدونة القصصية المختلفة والمتنوعة الغنية.
سلا: الخميس 15 مارس 2012م
الكتابة: هل هي تجربة محو أم هي تجربة تذكر؟
محمد معتصم
الناقد الأدبي
الكتابة: هل هي تجربة محو أم هي تجربة تذكر؟
الكتابة تدوين وتقييد وتسجيل لأحداث مرت يراها الكاتب ذات قيمة أخلاقية أو فكرية أو تاريخية... إلخ، لكن كتابة الشعر تختلف لأنها لا تميل إلى كتابة قيم أخلاقية وفكرية وتاريخية فحسب بل هي خزان المشاعر والعواطف، واللغة الشعرية المستعملة في الكتابة الشعرية هي أكثر مقوم يحدد خصوصية الكتابة وتفردها، بالانزياح والصور الشعرية والإيقاع الداخلي أو العروض الخارجي الذي يمنح الكتابة الشعرية موسيقى خاصة تساير إيقاع القلب وتدفق الذاكرة.
في ديوان آسيا رياحي "خواطر من زمن مضى"، وهو باكورتها، لغةٌ شعريَّةٌ تميزت بالرهافة والرواء الذي منحه إياها صدقُ المضامين والمشاعرُ المبثوثةُ في ثناياه، وموضوعات متضافرة فيما بينها متماسكة ومتقاطعة أيضا، وهي من المواضيع الصعبة لأنها تبدو قريبة جدا من القارئ، وتلامس جانبا من تجربته الشخصية، وهي كالآتي: الألم والأمل، والقلق والفراق والشوق والخوف، أما محورها ومحركها الأساس فهو "الحب".
لقد كانت موضوعة "الحب" المحك بين الشاعر وغير الشاعر أو "المعيار" النقدي بين الشعر الجيد والشعر الرديء، لأنها موضوعة من قبيل السهل الممتنع، فكل من بدأ الشعر غرف من ذاته، ولا يقوى على تخيل فضاء شعريٍّ أبعد من تجربته، إلا أن كتابة "التجارب الذاتية" والداخلية منها خاصة تقود الشاعر غير المتمكن من أدواته والذي لا يمتلك الحس الشاعري ولا يستطيع "إدراك" أبعاد التجربة الواقعية و"تمثلها" في ذهنه نحو الفشل، بينما آسيا رياحي راوغت ذلك باللغة الشعرية الصادقة التي تكتب التجربة بهدف امتصاص عنفها وقوتها الواقعيين وتحويلها إلى مجرد "متخيل شعري" تمثله اللغة المقفاة، والجملة الشعرية المُتَخَفِّفَةُ من المحسنات البلاغية والصور الشعرية، وقد بدت بعض قصائد الديوان جملة واحدة مكثفة خالية من العنصر الدرامي الذي اعتمدت عليه قصيدة التفعيلة "القصيدة الدرامية" ومن سِمَاتِهَا المميزة "الغنائية".
اعتمدت القصيدة على "الصدق" في رواية المشاعر والمواقف، في ديوان "خواطر من زمن مضي"، وهو ما شددت عليه الشاعرة في تقديم الديوان حين تقول:"... هي كلمات... من زمن مضى... هي أحاسيس جياشة عشتها بكل صدق... وعبرت عنها ببراءة اللحظة وعنفوان الشباب.
... هي سلافة العشرينيات أذرفتها دموعا ساخنة بمداد الأنفة تارة والخنوع أخرى" ص (7)
أو ما جاء في قصيدة "آخر هفوة" التي تعبر بدورها عن صدق المشاعر، وعن العلاقة المتوترة بين الذات وموضوعها، تقول:
"هذه آخر همساتي
إليك...
قبيل رحيلي
بدمع العين أبثها
بجرح القلب أخطها
بلوعة الهوى
وبنار غليلي
قبيل رحيلي ...
ينتفض الكبرُ
يثور الصبرُ
وتنكسر قيود
قلبي العليل
هذي دموعي وزفراتي
هذي أحزاني وحسراتي
هذي آخر
هفواتي
إليك ...
قبيل رحيلي" ص (91-92)
يبرز هذا النص الشعري صدق المشاعر الفياضة ولا يقيد تدفقها غير القوافي والجمل القصيرة وتكرار المتوازيات الجملية واللازمة وهي جميعها قيود خارجية.
تبرز أهمية قصائد الديوان في إعادة الاعتبار من جديد إلى المشاعر الإنسانية، واللحظة البكر التي تَبْدَأُ فيها الأحاسيس بالتعرف على ذاتها وعلى العالم المحيط بها، تلك المشاعر التي غلفتها "الشكلانية" واللعب على محوري اللغة، والتلاعب بالمعنى ومعنى المعنى القريب والبعيد، أو طمس معالمها "المحو" لتصبح الكلمات "طروسا" لا يبقى منها سوى الظلالِ. إن الشاعرة تنقل مشاعرها كما أحستها طازجة لتواجهها صراحة، فلا سبيل إلى التعرف على الذات إلا بإخراجها من مكامنها البعيدة في الذاكرة والنفس عارية دون رتوش. فالكتابة الشعرية عند آسيا رياحي تقوم بوظيفتين متلازمتين، الأولى معرفية والثانية جمالية، الوظيفة المعرفية تكمن في استكشاف الذات وفحص التجربة ونقلها من تجربة واقعية إلى مجرد تخييل ذاتي لتتمكن من رسم حدودها وأبعادها وبالتالي التحكم فيها والسيطرة عليها، تماما كما قال أفلاطون عن الكلمات "الكلمات تفصح عن الأشياء"، أما الوظيفة الجمالية فتكمن في تقييد الجملة الشعرية بقافية خارجية، أرى أنها لم تسمح للمعنى بالانطلاق إلى أبعاد ممتدة وبقيت حبيسة الذاكرة.
بدأت كتابة الشعر باكتشاف الذات، إلا أن "كتابة الذات" أصعب من الكتابة عن موضوعات خارجية يمكن وصفها وتجزيئها، واختيار الشاعرة الكتابة عن التجربة الداخلية من خلال مفاهيم مجردة أشد صعوبة كالحب والخوف والقلق والأمل والشوق وهي كلها مرتبطة بالتجربة الداخلية، يعتبر مظهرا من مظاهر الجرأة في الكتابة، وجرأها تتضاعف عندما نعرف أنها كتابة داخليها أنجزتها "امرأة" كاتبة، فإلى وقت قريب جدا لم تكن المرأة المغربية تجرا على الكتابة بله الكتابة الذاتية، وهو ما تؤكده الكاتبة المغربية ليلى أبو زيد في مقدمة سيرتها الذاتية "رجوع إلى الطفولة" حين تعترف بأن المرأة كانت تكتب تحت أسماء مستعارة، ولم تكن تجرؤ على كتابة سيرتها الذاتية وباسمها، نظرا للوضعية الصعبة التي كانت تعيشها، أما اليوم ونحن نحتفل بيوم المرأة العالمي ومن خلال قصائد ديوان "خواطر من زمن مضى" نستدل على تطور وضعية المرأة المغربية خاصة الكاتبة وفي مختلف مجالات المعرفة.
لقد أبرزت الشاعرة آسيا رياحي في باكورتها الشعرية أن المرأة المغربية الكاتبة لم تعد حبيسة الخجل والصمت والتقاليد، وهذه خطوة أخرى هامة في الجرأة اتخذتها بإرادة وعزيمة حين قالت:" يعزُّ عليَّ اليوم أن أتركها سجينة الذكرى... وهذا هاتف بداخلي يدعوني إلى رفع القيود عنها ومسح غبار النفي والهجران على مدى السنين التي خلت.... وذلك، ليتقاسم معي القراء الكرام بعض مشاعري... بعض فرحتي وبعض أحزاني..." ص (7)
لم تعد المرأة ترهب القارئ الذي يتتبع سقطاتها ويبحث في كتاباتها عن سيرتها الشخصية وعن أسرارها، وكتابة الذات نوع من نزع الغشاوة عن المفاهيم الآتية:"الاعتراف" و"البوح" و"السيرة الذاتية" و"المشاعر الخاصة". أرى شخصيا أن هذه الجرأة من أهم حسنات الكتابة النسائية اليوم.
اللوحة القصصية عند إسماعيل البويحياوي
اللوحة القصصية عند إسماعيل البويحياوي
يقترح علينا القاص المغربي إسماعيل البويحياوي في مجموعته "ندف الروح" تجنيسا جديدا يضاف إلى التجنيس المتعدد والمتنوع المختلف الذي رصدناه حتى اليوم عند كتاب القصة، من قبيل؛ القصة، والقصة القصيرة، والأقصوصة، والقصة القصيرة جدا، والقص..جدا، والنص القصصي، والمتواليات القصصية، أما تجنيس إسماعيل البويحياوي فهو: "قصصي القصيرة جدا" الوارد في الصفحة (26) ومثبت على الغلاف الأول، وهو ما يدل على أنه اختيار واع له دلالة يروم القاص إيصالها إلى القراء وجمهور كتاب "القصة القصيرة" وخاصة كتاب "القصة القصيرة جدا".
استعمل القاص تجنيسا آخر مثل "القُصَيْصَةُ" في الصفحتين (20) و(24) و"قُصَيْصَاتٌ" ص (15)، وكذلك "تَخْيِيلٌ ذَاتِيٌّ" و"حْوِيجَاتْ" قصيرة جدا" في هامش الصفحة (20).
ما الجديد في تجنيس إسماعيل البويحياوي؟
الجديد يتمثل في "ياء النسب"، فالقصص القصيرة جدا التي يتضمنها الكتاب، ليست تجميعا لقصيصات متفرقة لا يوحد بينها خيط ناظم، كما هو شائع، بل هي حبات عقيق منتظمة في خيط سيرة القاص. بذلك يكون مقترح إسماعيل البويحياوي يندرج ضمن كتابة السيرة الذاتية أو التخييل الذاتي ضمن الخطاب السردي القصير جدا، عكس الذي اعتاد القارئ قراءته ضمن الخطابات السردية الطويلة.
إن مجموعة "ندف الروح" لصاحبها إسماعيل بويحياوي خطاب سردي سير ذاتي وهي كذلك، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، خطاب تخييل ذاتي يتكوم من "لوحات قصصية" قصيرة جدا لنص سردي طويل مسترسل؛ إنها لوحات منفصلة ومنفصلة في آن، يصل بينها المحكي الذاتي (القاص والشخصية القصصية والسارد صوت واحد) ويفصل بينها غياب الترتيب الزماني وتسلسله الكرونولوجي. فقد اعتمد القاص على السجية، ما يقع أمامه من وقائع ومواقف ووضعيات وحالات يكتبه (يدونه ويسجله ويقيده) حتى لا يفلت منه، ويدل على ذلك عدم اهتمام القاص وهو يجمع "لوحاته القصصية" –ربما عن قصد- بتتابع المعينات الزمانية والمكانية، مثلا يكتب عن لقائه ب "فاطمة" سنة 1982م بثانوية عبد الكريم الخطابي في الصفحة (50)، ويكتب عن لحظة زمانية سابقة على ذلك في الصفحة (52) عندما عاد فرحا بجوائزه المدرسية سنة 1974م، ثم يكتب في الصفحة (55) عن الغارة الإسرائيلية على تونس سنة 1985م في هجوم سافر على منظمة التحرير الفلسطينية التي خلفت دمارا وقتلى واستياء عارما في نفوس الشعوب العربية التي أحست بأنها بلا حماية وفي العراء.
هي قصص قصيرة جدا من التخييل الذاتي، انتقى فيها القاص "لوحات قصصية" من ذاكرته نعتقد أنها تشكل لحظات هامة في تكوين شخصيته أو أنها تشكل موقفا لديه أو لحظات تاريخية واجتماعية وسياسية مشتركة كان لها تأثير كبير على مسار القاص وجيله.
تتميز "اللوحات القصصية" بحجمها القصير جدا والذي لا يتجاوز الفقرة والفقرتين، مع استغلال بياض الصفحة وتشكيله بصريا بتقطيع الجمل وتفتيت الكلمة إلى حروف متدرجة حتى التناهي في الصغر أو الامِّحَاءِ والتَّلَاشِي، ويتم توسيع النص بإضافة "هوامش" للشرح والتوضيح خاصة الألفاظ "الدارجة" المحلية.
تقوم "الدارجة" المحلية المغربية بوظيفة "تهجين" الجملة السردية، لكنها تؤدي كذلك وظيفة أخرى تتمثل في ربط النص المتخيل بجغرافيته وثقافته المحلية، وقد أدى ذلك إلى تأرجح النص بين "المحكي الشفهي" و"المحكي الثقافي"، يستند الأول إلى السماع والمتداول ويستند الثاني على التصور النظري لمفهوم القصة القصيرة جدا كاختيار أجناسي ارتآه القاص قالبا وقناة عبرها يوصل مواقفه وأفكاره وتصوره الخاص للنص القصصي القصير.
نستنتج أن "القصة القصيرة جدا" لدى إسماعيل البويحياوي خطاب سردي قصير جدا، لا يتجاوز الفقرة والفقرتين، لا يعتمدُ الخَطِّيَّةَ ويميل إلى التشكيل البصري لبياض الصفحة كما فعلت القصيدة "الكاليغرافية" لدى الشعراء الغربيين والمغاربة الذين سبقوه، ويزاوج بين اللسان الفصيح واللسان الدارج بما يقتضيه الحال والمقام، ولا عيب في تذييل المتن بهوامش للشرح والتوضيح لتدليل الفهم وتبليغ المقصود، ورغم قصر حجم النص إيقونيا إلا أنه "عالم" واسع وعميق "يتخيل" الواقع ويصهره في بوتقة اللغة، والحلم، والوعي، الكاتب (القاص) قوي الحضور، والسارد مشارك كذلك، وللخطاب السردي القصير جدا موضوعات غير محدودة، وإمكانيات للسرد متنوعة، قد تكون "اللوحات القصصية" منفصلة تشكل كونها الخاص المستقل أو أنها تتضافر لتشكل سلسلة متواصلة في تقطع وتدرج غير خطيين.
من الموضوعات التي اشتغل عليها القاص إسماعيل البويحياوي في مجموعته "ندف الروح": التحديد الجغرافي (المعينات المكانية اللسانية وغير اللسانية)، التحديد الزماني (المعينات الزمانية اللسانية وغير اللسانية)، مواقف سياسية وأحداث اجتماعية وسياسية محلية وعربية، مواقف ومشاهد طريفة، وصف لوضعيات اجتماعية، تدوين بعض ألعاب الطفولة (قد اندثر بعضها)، بداية الشعور بالذات وإدراك الرغبة الجنسية.
أرى أن مجموعة "ندف الروح" اجتهدت لتضيف ملمحا جديدا لظاهرة النص "القصصي القصير جدا" في المغرب، ولتثريه وتطرحه مجددا أمام النقد للتحليل والدراسة واستغوار خفاياه واستكشاف طاقاته الدفينه وإمكانياته البليغة في التعبير عن الذات وقضاياها وعن المحيط الخارجي وشواغله. إنها من المجموعات القليلة التي استطاعة أن تتخلص من شوائب المحكيات القصيرة التي قلنا عنها سابقا مكملات وهوامش غير مستقلة بذاتها، وأنها نتوء في سرد طويل.
البويحياوي، إسماعيل؛ ندف الروح. قصصي القصيرة جدا. منشورات التنوخي، الرباط. 2011
مفهوم القصة القصيرة عند محمد صوف
محمد معتصم
الناقد الأدبي
مفهوم القصة القصيرة عند محمد صوف
شاع بين النقاد والدارسين والمبدعين بأن القصة القصيرة منفلتة من كل تعريف علمي دقيق، وبأن القصة القصيرة تكتب بحسب وعي كاتبها وثقافته السردية والأفق الذي يستشرفه، والحقيقة أن هذا الرأي دفع كثيرين إلى كتابة القصة القصيرة دون الحاجة إلى العودة إلى الكتابات القصصية السابقة المؤسسة لهذا النمط من السرد الجمالي القصير، كما ساهم هذا الزعم في تعدد أنماط الكتابة القصصية إلى حد لم يعد ممكنا معه الحديث عن قصة قصيرة أصيلة ونموذجية.
نتيجة ذلك، أصبحت القصة القصيرة "صوتا منفردا" لا يدل سوى على صاحبه، بل أكثر من ذلك لا يدل سوى على النص القصصي القصير، وهذه معضلة تواجه النقد الأدبي الخاص بالكتابة القصصية في المغرب والعالم العربي. مع ذلك هناك ثوابت نجدها تتكرر في كثير من النصوص القصصية القصيرة التي وقع عليها الإجماع واعترف لأصحابها بالتفرد والجودة.
محمد صوف قاص وروائي أَلَّفَ عددا من الكتب في هذين الصنفين من الكتابة السردية، وتميز فيهما برؤيته الخاصة التي يقوم عليها عالمه (عوالمه المتخيلة) المتخيلُ، ومن أهم ركائزها أن العالم قد وصل نهايته ولم يعد في حاجة إلى المزيد من الحواشي والإضافات، وأنه لم يعد قادرا على احتمال المزيد لأن ذلك المزيد لا يساهم في تطوره وامتداده بل يساهم في تكدس طبقاته وتغضنها. وتميز فيها برؤيته الخاصة إلى الشخصية القصصية التي تخففت من ثقلها، فلا هي شخصية النبيِّ ولا المخَلِّصِ ولا المناضل الطبقي، شخصية محمد صوف القصصية شخصية تفتقد للإرادة، ممسوحة، بلا ملامح بطولية، غريبة الأطوار بلا ردة فعل، وهو التقاط ذكي للإنسان المعاصر الذي طحنته المحن، وتكسرت على رقبته سهام الخسارة، فبات لا يؤمن بشيء، وقد توحدت عن الخسارة والربح، إنسان بلا قيمة، مسلوب الإرادة، يقول الكاتب في قصة "الغريب"(1):" قبل عشرين سنة شردوه. طردوه من قريته. قالوا له سَنُرَحِّلُكَ وسندعك ترحل دون متاع. إياك أن تعود إلى القرية. ورحل الرجل دون أن ينبس ببنت شفة.." ص (165)
الكاتب أيضا لا شيء، بل هو فقط مهرج و"حْلايْقِي" ومتسكع، لا دور له في الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية، صفر على الشمال، لا يغير شيئا، عنصر محايد، لا صفة له ولا حكاية له كما بين الكاتب في قصة "صديقي الكاتب"(2):" ...وعندما قال إنه كاتب اعتقد رجال الشرطة من قبل أنه يعمل في إحدى مصالح العمالة أو المقاطعة أو وزارة ما. لكنه عندما قال إنه يكتب القصص والحكايات قالوا عنه "حلايقي" متحضر.. وأشفقوا عليه. اغتاظ صديقي الكاتب من الأمر. لكنه كتم غيظه وظل كالآخرين ينتظر الفَرَجَ [...] لما سأله الرئيس عن مهنته. رد: كاتب.
ظل السائل ينتظر تتمة الجواب. لم تأت التتمة..
- تريد أن تقول موظف؟
- لا، أنا أديب.
التفت الرئيس إلى الموظف الذي يحرر المحضر وقال:
- اكتب: متسكع." ص (133)
هنا مرتكز قوة وتفرد صوت محمد صوف الكاتب، القاص والروائي؛ الرؤية العميقة إلى واقع الحال وقد تحول فيه الإنسان إلى مجرد نسخة رديئة عن الإنسان "القديم"، قبل الاستقلال وبعده، كما تصوره قصة "المرآة"(3)، الإنسان "القديم" المرتبط بالأرض والمؤمن بأن حقيقة وجوده تتجلى في فعله وتأثيره في مسار التاريخ والحياة.
هاتان الخاصيتان المميزتان تصاحبهما ملامح كتابية وآراء خارج نصية بثها محمد صوف في إحدى شهاداته(4) حول تصوره للقصة القصيرة، نعرضها كالآتي:
1/ الجملة السردية القصيرة:
لكي يوافق الحال واقعه، ولكي تناسب الجملة السردية القصة القصيرة ارتأى محمد صوف توظيف الجملة السردية القصيرة مبتورة النَّفَسِ، وهو تعبير عن ضيق الحيز المكاني، والأهم أن الجملة القصيرة "المحجوزة" النفس تعبر عن رؤية القاص، وتناسب أكثر "حال" الشخصية القصصية التي قلنا عنها أنها شخصية حيادية فاقدة لردة الفعل، والمؤمنة بأن الواقع لا ينهض، ولا سبيل إلى التغيير، وبالتالي لا سبيل إلى الاحتجاج والانفعال والمقاومة، بل الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع هو الطريق القويم والضيق الذي يمكن للإنسان المعاصر دخوله والسير فيه. ويبرز البتر في الجملة السردية القصيرة في خلو القصة القصيرة عند محمد صوف من علامات الترقيم ما خلا النقطة والنقطتان المتتاليتان، وقل أن يستعمل الفاصلة أو النقطة الفاصلة لأنهما يسهمان في توسيع مساحة التركيب في الجملة بإضافات الكثير من الفضلات للتوضيح والشرح والتكرار.
2/ تغييب الواقع وراء الخيال:
القصة القصيرة عند محمد صوف تكتب الواقع لكن من المنظور الذي ساد فترة السبعينيات من القرن المنصرم حين تحكمت الإيديولوجيات الكبرى في الفن والأدب والفكر، في فترة "الالتزام" الفكري والسياسي، حين علا صوت المبدع معلنا أنه "صوت من لا صوت لهم" ويقصد بذلك أن الأدب والأديب ملتزمان بالقضايا الاجتماعية للفئات المستضعفة في المجتمع. فكيف تعامل القاص محمد صوف مع فكرة "الواقع"؟
جل قصص محمد صوف ترتبط بالواقع أحداثا وقيما وشخصيات لكنها لا تضعه في الواجهة، ولا ترصده مثل عين الكاميرا الباردة التي تصف ولا تتفاعل، بل رصد محمد صوف الواقع في لحظة تحوله وهي لحظة متحركة شديدة التقلب، وأفضل مرآة تنعكس على وجهها صورة تحول الواقع هي الشخصية القصصية المتخيلة.
أرى أن ما يرومه محمد صوف من عبارته "القصة عندما تتلفع بالخيال تقرر غياب الواقع في ذاته... تنسفه... تصبح الحقيقة الوحيدة..." ص (130)، أن الواقع الحقيقي هو الواقع المتجلي في القصة القصيرة، كما رآه القاص وشكله في ذهنه، لأن الواقع المادي الخارجي متعدد في ذاته ومتنوع كذلك، بينما واقع "القصة القصيرة" مركز وعميق يشرح الظاهرة أو الظواهر الاجتماعية ويحلل الحالة السلوكية للشخصية القصصية المتخيلة أو الشخص الواقعي.
3/ تجدد خطط القصة القصيرة:
يصف محمد صوف القصة القصيرة بأنها "حرب الاستنزاف" ص (130)، أو حرب عصابات ويعني ذلك أنها حرب غير نظامية ولا تُعْرَفُ لها إستراتيجية محددة، فخططها الحربية متنوعة ليس لهجومها وقتٌ محددٌ، وليس لها جهةٌ محددةٌ يمكن ترقب قدومها منها، والقاص محمد صوف يؤكد الزعم القائل بأن القصة القصيرة "بلا عروض" يقيدها ويجعلها نمطية وذات بعد واحد، يقول:" فضيلة القصة أنها دون عَروضٍ" ص (131)، وهو يحيل على عروض الشعر التي ضاق بها الشعراء ورأوا أنها تحد من طاقاتهم على التخيُّل والإبداع فثاروا عليها لتصبح القصيدة اليوم مجرد صوت يدل على صاحبه ولا علاقة لها بالسابق واللاحق ولا حتى النص الشعري المزامن لها ومجايلها.
مسألة تحرر القصة القصيرة من "العَرُوضِ" التي وضعها النقاد قادت إلى تشظي مفهوم القصة القصيرة إلى أنماط سردية قصصية متنوعة ومختلفة شكلا ومضمونا وصيغة وقد سبق أن حددنا بعض أنماطها في دراسة سابقة(5) كالآتي:
"... القصة
القصة القصيرة
القصة القصيرة جدا (ق.ق.ج)
المتوالية القصصية
القص...جدا" ص (74)
النص القصصي
قصصي القصيرة جدا(6)
فهل سيساهم هذا التشظي في الأنماط إلى غنى الدلالة أو تنوع الصيغ الخطابية وأشكال السرد؟؟؟ لا شك في ذلك، لكنه سيساهم في الوقت ذاته في دخول القصة القصيرة في الشعاب الضيقة المعتمة التي يصبح معها من المستحيل الحكم على نمط مستحدث بالقوة ورده إلى أصل من أصول الكتابة السردية القصيرة مستقبلا. لذلك لا بد من التأكيد على عناصر أساسية تحفظ للنوع خصوصيته النوعية رغم التحولات الخارجية وحتى التغيرات البنيوية حتى لا تصبح الأنماط الجديدة الممكنة مستقبلا مجرد مسوخ أسطورية، مع العلم أن هناك كتابات سردية "مخنثة" لا هي بالقصة القصيرة ولا بالقصيدة الشعرية ولا حتى بالحكاية أو النكتة والخبر، بل هي كل ذلك.
وقد ندرج تحت هذا التنوع النمطي والتعدد في الأشكال الكتابية قول القاص محمد صوف:" القصة تتفجر وتفرض نفسها في زمان ومكان لا يتحكم فيهما أحد غيرها، وتمنح لكل كلمة فيها معاني عدة." ص (132)، فالقصة القصيرة سيدة نفسها مما يعني أنها نوع سردي مستقل بذاته وبوجوده، قد تتقاطع مع أنواع كتابية أخرى سابقة عليه كالسرد الطويل والتاريخي أو مجاورة له كالشعر المنثور خاصة، لكنها ليست إلا ذاتها، وتعدد الدلالة من كثافة معانيها وتركيزها، ومن جملتها السردية القصيرة التي لا تقبل الإطناب والشرح والتفسير والتعليق، وهو ما أصبحت القصة القصيرة المحدثة تستثمره لكتابة على كتابة، أي كتابة سردية شارحة على كتابة سردية تَخَيُّلِيَّةٍ. والقصة القصيرة سيدة ذاتها كذلك لأن لا أحد يتحكم فيها، و"لا أحد" غالبا هو الناقد الخارجي أو الداخلي، وتجد القصة القصيرة نفسها هنا أمام مفترق طرق، الأول يقود إلى الغنى والثراء في الأشكال والمعاني ووفرة في المواضيع والإشكاليات المطروحة على الواقع والكتابة في آن، والثاني يقود نحو النفق المسدود حيث تتوالد القصة القصيرة بكثرة وتفنى بسرعة كحال بعض الكائنات.
لذلك فالقصة القصيرة عند محمد صوف كما هي عند كتاب القصة القصيرة المعترف لهم بالريادة والإبداع والتجديد لها مفهوم محدد المعالم، مثل العناصر التي نقدمها متفرقة الآن، وسنحاول تجميعها في تعريف في نهاية هذه المقالة.
4/ القصة القصيرة مجرد لغة:
رأينا كيف يُقِرُّ محمد صوف بأن القصة القصيرة تُغَيِّبُ الواقعَ وراء ستارة الخيال، لكن يصل القاص إلى أعلى درجة من التجريد وأقصى مراتب نِّهيلْسِيَّةِ عندما يقول بأن القصة القصيرة مجرد لا شيء، فراغ، يُناقض الحقيقة الواقعية، لأن القصة القصيرة ليست سوى "لغةٍ"، واللغة في ذاتها مجردة لا علاقة لها بالواقع والحقيقة المادية، إنها مفاهيم ذهنية، نعم هذه حقيقتها، فهي موجودة في الذهن مثلها مثل جميع الرموز الرياضية أو حتى طلاسم الكهوف، إنها اعتباطية كما يقول اللسانيون، ويقول محمد صوف:" ولو أمعنا التفكير في القصة لوجدنا أنفسنا نقدس اللاشيء... لأنه المصدر.. مدَّ يدك واغرف.. فالقصة شكل زئبقي.. ضوء هارب يصعب القبض عليه واعتقاله. المفهوم فيها يتكئ على شيء اسمه الكلمة... أي اللغة." ص (131)
ومع ذلك فللقصة وظيفة جليلة العالم المعاصر في حاجة شديدة إليها، هي: الأسطورة، فوظيفة القصة كما يقول "أنها تصنع الأساطير" ص (130)، وعجز الإنسان المعاصر على إبداع أساطيره الجديدة دليل على نضوب الخيال لديه، ونضوب الخيال نتيجة قلة الخبرة والتجربة الحقيقية في الحياة، وكأني بالقاص محمد صوف يحاكم القصة القصيرة الجديدة المعاصرة التي ذهبت بها رياح التجريب كل اتجاه، قد أصبحت مجرد "لعب لغوي" و"ظاهرة صوتية" مفرغة من الدلالة وبدون وظيفة اجتماعية حقيقية، وبأن القصة القصيرة قد دخلت منعطفا حاد الانحدار ولا أحد باستطاعته الآن التخفيف من انزلاق القصة القصيرة وليس أمامها سوى الانحدار اللاإرادي نحو النهايات الحتمية. بعدها فقط يمكن أن نكتشف القصة القصيرة الحقيقية التي أمكنها الصمود والمقاومة.
5/ وضعية القصة القصيرة:
لا تعاني القصة القصيرة من صراعها المرير مع الخيال واللغة والواقع، بل تعاني من القاصين أنفسهم، فهم حسب محمد صوف لا يقرأون القصة، يقول:" كل حقبة تختار الشكل الأدبي الأنسب. في حين أننا نحن في المغرب لا نختار الحقب ولا الأشكال، ولا نعرف أي شكل أنسب لأية حقبة، ولا أدل على ذلك من الوضعية الاعتبارية للقصة حتى لدى القصاصين أنفسهم... فقد أصبح بعض كتاب القصة لا يقرأون القصة." ص (132)
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن المنحدر الحاد الذي تنزلق فيه القصة القصيرة اليوم، وتشظي أشكالها وتعدد أنماطها الصغرى، والتباسها مع صيغ خطابية وسردية مختلفة عنها بنيويا ووظيفيا ناجم عن غياب المرجعية الواحدة أو المرجعية المشتركة بين القاصين، فبات كل قاص يناجي قصته هو كما يراها وتتمثل على صفحات الورق البيضاء، وأن القصة تفتقر إلى المرجعية الواحد لدى كاتب قصة واحد. إنها معضلة مرتبطة "بالثقافة القصصية" للقاص، الذي لا يقرأ القصة القصيرة كنص و لا يقرأ تاريخ القصة المحلية والعربية والعالمية بتدبر وتأمل وبحث من أجل الإضافة والتطوير والابتكار الباني، حتى تتبوأ القصة القصيرة مكانتها اللائقة.
هذه الطريقة في العمل هي التي ستنفض عن القصة القصيرة عباءة التقليل والتقزيم، وتصبح قائمة الذات، وتفرض وجودها وحقيقتها كنوع أدبي مستقل، أكبر من أن يكون تكملة في صفحة من صفحات الجرائد، ويصرخ محمد صوف غيرة على القصة القصيرة وعلى القاصين أيضا في هذا المجتزأ:" ثم إن القصة أفقر من فأر في كنيسة... لا تُقبِلُ عليها سوى الجرائد التي لا تمنح تعويضا.. ولا تمنح الجرائد تعويضا لأنها تؤمن بأن القصة مجرد أدب لا يستحق أتعابا، وتنشر الجرائد القصة فقط لملء حيز ضيق." ص (131)
6/ محاولة تحديد المفهوم:
يتبدى من خلال ما سلف أن القاص محمد صوف يتمثل وهو يكتب قصته القصيرة مفهوما محددا، يلتقي فيه مع عدد من القاصين في الثوابت ويختلف عنهم في الفكرة وبناء الحالة القصصية، لذلك فالقصة عنده؛ خطاب سرد ووصف، يتمثل الواقع في جمل سردية قصيرة متعددة الدلالة، تقوم على مماثلة ومقابلة الصور والحالات كالمرآة، وترصد الإنسان في حال انهزامه أمام أقداره التي تتلاعب به، وهو مستسلم لتياراتها كورقة في مهب الرياح.
فالقصة القصيرة لديه ذات وظيفة جمالية وفنية، لكنها نافذة على الواقع المعاصر والإنسان الذي يعيش فيه. إن قارئ مؤلفات محمد صوف القصصية والروائية يجد خيطا رفيعا ناظما لها، ومصدر ذلك الخيط الرفيع الرؤية الفلسفية التي يتبناها وأطلقنا عليها سابقا "اللاأدرية"(7) وهي حالة من الحياد حيث يقف الإنسان (المعاصر) بعيدا عن مجرى التاريخ، ينظر إلى الواقع يتحول لكنه لا يشعر بأي رغبة في ذاتية في المشاركة في توجيه دفته نحو هدف، أي هدف. إنه الإنسان المتفرج على الأحداث، "الغريب" عن ذاته، عن محيطه، عن العالم الذي يعيش فيه. وتلك حال الإنسان الذي فقد الثقة في كل القيم ووقف عاريا تحت السماء ينتظر نهايته الحتمية دون موقف أو ردة فعل. إنه مجرد نسخة عن الإنسان الحق خالية من المشاعر والمواقف والقيم. ذلك هو الهم الذي يشغل القصة القصيرة عند القاص محمد صوف.
الإحالات:
1/ أنطولوجيا القصة القصيرة المغربية. منشورات وزارة الثقافة المغربية. ط1. 2005
2/ نور الدين صدوق. المنتقى؛ نصوص من القصة القصيرة في المغرب. ط1. 2004
3/ أنطولوجيا أدباء الدار البيضاء. اتحاد كتاب المغرب- فرع الدار البيضاء. ط1. 2002
4/ أصوات وأصداء. مجموعة البحث ي القصة القصيرة بالمغرب. ط 1. 2001
5/ تحولات القصة الحديثة بالمغرب. إعداد مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب. منشورات مختبر الدراسات حول القصة القصيرة. ط1. 2010
6/ البويحياوي، إسماعيل: ندف الروح. قصصي القصيرة جدا. منشورات التنوخي. ط1. 2011
7/ معتصم، محمد: الرؤية الفجائعية؛ الرواية العربية في نهاية القرن العشرين. منشورات دار أزمنة. ط1. 2004
رماد الأحلام المجهضة
رماد الأحلام المجهضة
في رواية "تحت ضوء الليل" لمحمد غرناط
أحمد حافظ
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
القنيطرة
1 ـ تقديم:
في روايته "الرحيل بين السهم والوتر" يورد حليم بركات فكرة أعتبرها مسلكا يمكن أن يؤدي إلى جوهر الموضوع الذي أود تناوله في هذه المداخلة. تقول الفكرة بأن الإنسان لا يستطيع أن يحقق أمانيه في الحياة دون اللجوء إلى الحلم.(1) (ص: 73) والحلم حياة ثانية يتم خلالها القفز على المألوف والمعتاد، فهو يساعد على امتلاك الزمن وتسخيره عن طريق الانتقال والتكثيف والتزميز. ولذلك قيل أيضا :"لا ترسم خريطة العالم الذي يمكن تخيله إلا في المنامات". (شارل نودييه Charles Nodier في كتابه: أحلام اليقظة Rêveries Paris,Editions renduel, P : 162) هذا هو المؤشر الفني والجمالي الذي تشتغل عليه بعض النصوص الروائية. فهي تتأسس على الحلم الذي يبني المخيلة وهي في حالة يقظة.
في هذا الإطار نقترح ثلاثة نصوص هي: "تحت ضوء الليل" للقاص والروائي محمد غرناط، و "لعبة البلياردو" للأستاذ عبد الرحيم جيران، و "وطني .. شعبي الجميل" للروائي السينغالي عصمان صامبين، هو نص مكتوب باللغة الفرنسية.
تعرض رواية محمد غرناط "تحت ضوء الليل" ثلاث محطات افتراضية:
ـ الانتظار: يتم التركيز فيه على شخصية الأم الحاجة زينة، المرأة المتقدمة في السن، التي توفي زوجها الحاج بنور وتركها هي وأولادها لمواجهة حياة صعبة. فقد ظلت الأم طيلة هذا القسم تنتظر بكثير من اللهفة والشوق عودة ابنها رياض حمداني من غياب دام سبع سنوات دون أن تعرف عنه أية أخبار. ورياض هذا كان يتابع دراسته الجامعية بمدينة الرباط، لكنه سيعود ذات يوم إلى أسرته ليسافر في الغد إلى بلاد الغربة: صقلية.
ـ العودة: يتناول عودة رياض إلى حي الزيتون الذي يقع في الجهة السفلى من مدينة القلعة رفقة زوجته سيلين الفرنسية الإيطالية. فيجد كل الأهل والأقارب في انتظاره. يحلمون بأشياء كثيرة، ويخمنون ماذا يمكن أن يفعله من أجلهم، خاصة وأنهم يحتاجون إليه للخروج من الحياة الرتيبة التي يعيشون فيها.
ـ المشروع: يعرض فكرة إنشاء مشروع بمدينته القلعة، فيستقر الأمر على شراء مصنع كان قد أُقفِلَت أبوابه بسبب خلاف بين الشركاء.
2 ـ الأحلام المجهضة:
من خلال المحطات السابقة، يظهر أن هاجس الحلم يسيطر على أحاسيس ومشاعر كل أفراد أسرة الحاج بنور والحاجة زينة الذين يُكَوِّنون أهم الشخصيات الروائية. فيبني هؤلاء أفكارهم ونواياهم على الانتظار والحلم بالأفضل. ولذلك يأملون من عودة رياض حمداني أن تحقق انقلابا في حياتهم بل في كل المنطقة التي ينتمون إليها. فقد قضت الأم سنوات في انتظار عودة ابنها رياض من الغربة. رياض الابن المدلل الذي كان لا يجد الراحة إلا بين أحضانها، والذي تدل كل المؤشرات إلى أنه سيصير خليفة أبيه الحاج بنور صاحب القلب الطيب واليد السخية. ونتيجة لهذا التعلق المفرط بشخص رياض، سيحس القارئ، وهو يتقدم في النص، أن معنى الانتظار هنا لا يقتصر على ما يمكن أن تفجره مشاعر العودة من ابتهاج وسعادة وسرور في قلب الأم فقط، بل يتعدى ذلك إلى التفكير في ما ستحمله هذه العودة من أشياء مادية ملموسة، وهي ما ظلت تعبر عنها الأم بـ "الكنز" بمعنى الثروة التي ستخرج، ليس الأسرة وحدها من الفقر والاحتياج، بل العائلة والأقارب ومنطقة حي الزيتون التي تعاني من الإقصاء والتهميش والنسيان.
وبسبب هذه الأحلام المبالغ فيها يرى العم لامين أن رياض سيكون "في حاجة إلى فيلا كبيرة تحيط بها حديقة مزدانة بالنباتات مثل تلك التي توجد بحي النهضة، هناك سيرتاح مع زوجته، ويتخلص من الضوضاء والوجوه التي لا تتقي الله".(2) (الرواية، ص: 124) ويرى عمه عسو "أن رياض في الحقيقة يستحق أكثر من ذلك، فلا بد أن تكون له مزرعة بمساحة شاسعة، مثل وزير أو قبطان، يقيم بها مسكنا كامل الرفاهية، ويتولى خدمتها أبناء عمه ليعود ذلك بالنفع عليه وعليهم. آنذاك سيسعد ويطيب له العيش ".(3) (الرواية، ص: 124ـ125) أما خالته فضيلة فقد "تأكد لها أنه فعلا كنز العائلة الذي سيرفع شأنها ويعيد لها مجد أجدادها الذين عاشوا ودفنوا بزاوية سيدي عبد الله، وشاء القدر أن يتفرق أبناؤهم وأحفادهم هنا، واليوم سيجتمعون حول رياض في مزرعة لا شك سيشعرون فيها بأنهم يولدون من جديد".(4) (الرواية، ص: 129) كل هؤلاء انخدعوا للمظهر، فالزواج بأجنبية، واقتناء سيارة فاخرة من نوع الكات كات، وجمع ثروة مالية مهمة ليس أمرا سهلا في اعتقادهم. والهجرة إلى (الخارج) هي وحدها التي يمكن أن تحقق كل هذه الأشياء.
وهكذا سيظل الأهل والأحباب يعتقدون أن ما سيأتي به رياض سيساهم في تغيير ملامح مدينة القلعة كلها، فتعود لتلبس حلة جديدة تليق بها وبسكانها قاطبة. فإذا كانت ساكنة حي الزيتون تشكو من فراغ نفسي قاتل (فتتحول إلى حشاشين وسكارى ولصوص وعاطلين ومروجي أفكار مملة وعقيمة. تماما كما تمثل ذلك مونية بنت الخياط، وبوزيدان، وولد المولودية، والعقعق، والتيجاني ...الخ، فهذه شخصيات منبوذة مهمشة، لا تفعل شيئا سوى بعث الخوف والهلع في قلوب السكان)، فإن حي الزيتون والأمكنة المجاورة تعاني هي الأخرى من فراغ جغرافي كاسح (يتجلى في عدم توفر أي نشاط من الأنشطة الفاعلة، بالرغم من بعض المرافق الاجتماعية الموجودة في المنطقة، كالمدرسة والفندق والإدارة والمكتبة ...الخ.). كل شيء يبدو معطلا. مما يدفع إلى الاعتقاد بأن الشوق والحنين اللذين ظلا يغمران الحاجة زينة، لا يمثلان في الحقيقة سوى مهاد يؤدي إلى التفكير في ما سيأتي به هذا الابن (الرجل) من مال كثير سيمكنه من تحقيق انتظارات مجموعة من الأفراد والأسر التي تعاني من العوز وقلة العمل. فالكل سار يطمع في رياض الذي سيفتح باب الخير على الجميع: الأم التي كانت دائما تحلم به وتفكر فيه وتنتظر لقاءه.(5) (ص: 99)، وياقوتة بنت خميسة التي تطمع في الزواج به، والعم عسو الذي يرى أن كل العائلة أمل في أنها ستبدأ حياة جديدة مع عودته.(6) (ص: 99) كل هؤلاء يرون أن رياض "صار قادرا على أن يمد يده إلى كل واحد منهم كي يقيهم من شرور هذا الزمن".(7) (ص: 115)
لكنه حينما يعود من بلاد الغربة، سيشتري مصنعا قديما بالمنطقة، ويكلف أحد الأصدقاء بصيانته وإعادة تشغيله مجددا. لكن، في الليلة الأولى من استئناف العمل، سيحترق المصنع كليا، فتتبخر كل أحلام ساكنة حي الزيتون، وتتلاشى ثروة رياض مع تلاشي ألسنة النيران والدخان في الهواء.
بعد اقتناعه بأن كل شيء قد انتهى كما ينتهي الحلم عند صباح غائم.(8) (الرواية، ص: 172) يفكر رياض حمداني في الرجوع إلى صقلية صحبة زوجته التي استيقظت ذات يوم فوجدت نفسها "تشعر باسترخاء غريب وآلام لا عهد لها بمثلها، وراحت تمسح بيدها على بطنها وهي تقول إنها لا شك ستعثر على الكنز الحقيقي الذي أرقها أعواما طويلة".(9) (الرواية، ص: 169)
وهنا نتساءل عن هذا الكنز الحقيقي الذي تأتي الإشارة إليه في نهاية الرواية، متزامنة مع وقت احتراق المصنع. هل هو الجنين الذي طال ارتقابه والذي يمكن أن يكون تعويضا عن الحلم المجهض والثروة الضائعة في لمح البصر؟ أم إن الكنز هنا إشارة إلى شيء آخر لم يكن بمقدور الرواية أن تكشف عنه أكثر مما فعلت لسبب من الأسباب؟
3 ـ تماثلات نصية:
ستشكل تيمة الحلم المجهض هذه إطارا فنيا غنيا بالرموز والدلالات تتقاسمه بوعي عميق ودراية في تناول الأشياء ومساءلتها، رواية محمد غرناط مع نصوص روائية أخرى إن جزئيا أو كليا. في ما يلي، نشير إلى نصين اثنين:
أ ـ النص الأول صدر قريبا تحت عنوان "عصا البلياردو" لعبد الرحيم جيران.(10). في الفصل الأول من هذا النص، يتحدث أحد السراد عن شخصية اسمها العبار الشاب الطموح المناضل الذي لا يكاد يفارق كتبه، والذي سيسافر من الدار البيضاء إلى باريس قصد استكمال دراسته بعد توديع الجميع بمن فيهم نظيمة التي كان ينوي الاقتران بها حالما يعود من بلاد الغربة.(11) (الرواية، ص: 36) فقد "كان يرى فيها ما يتبدى في هيأة إيقاع مقطوعة موسيقية يرتفع معها الواقع والزمن والمادة والأبعاد والفراغ والعدم والهيولى والكتلة.. ".(12) (الرواية، ص: 110) وبعد حصوله على شهادة عليا، سيعود نهائيا إلى البلاد ليتقلد منصب مدير تجاري في مؤسسة وطنية عتيدة. في الوقت الذي وقعت نظيمة ضحية إشاعة تعتقد أنه ربط هناك في بلاد الغربة علاقة ملتبسة مع امرأة عجوز، فكسرت رتابة الانتظار، وارتبطت بشخص آخر غيره.(14) (الرواية، ص: 114)
في خضم أحداث هذا الفصل من الرواية، يطمح العبار في تأسيس أسرة مبنية على التفاهم والحب المتبادل بينه وبين نظيمة الفتاة اليافعة المتعلمة التي كان يرى فيها "حلما لازورديا مضرجا بالضوء والترانيم، ثم انطفأ من دون أن يكتمل، وعاش (...) على الذكرى تنهشه المرارة والحسرة"(15) (الرواية، ص: 18). وفوق ذلك، يحلم بتغيير العالم لصالح النقاء، فلاذ في فترة من حياته بحمى الجماهير ومقولات التاريخ والشعب والكادحين، لكنه خسر نظيمة، وأضاع فرصة تحصين الذات ضد كل الأوبئة المفسدة للصفاء البشري.(16) (الرواية، ص: 68)
ب ـ النص الثاني من إفريقيا لصاحبه عثمان صامبين Osmane Sembène. والمقصود روايته " وطني .. شعبي الجميل". (17) في هذا النص يعالج صاحبه إشكالية الصراع ضد التقاليد، وإشكالية التمييز العنصري. يسافر عمر فاي Omar Faye، الشخصية الرئيسية في الرواية، إلى فرنسا للعمل مدة هناك. فينتظر أهله وأصدقاؤه عودته إلى قريته الصغيرة كازامانس Casamance بالسينغال، التي كانت تعاني هي الأخرى من الفقر وقلة اليد. كان الكل ينتظر عمر فاي الذي سيعمل على تغيير قريته. لكن، حينما عاد برفقة زوجته الفرنسية إيزابيل Isabelle، وهو مسلح بالمعرفة والخبرة الكافيتين لخدمة الأرض وحرثها بطريقة عصرية تتيح الاستغناء اقتصاديا عما يمكن أن يقدمه الاستعمار من مساعدة. يتم إجهاض حلم القرية كلها باغتيال الأمل الوحيد فيها عمر فاي بواسطة يد استعمارية غاشمة، أحست بخطورة المنافسة، فقررت التخلص منه. ولم يبق لزوجته إلا الرجوع إلى فرنسا مباشرة بعد وضع حملها.
4 ـ مناقشة:
في ما تقدم، وقفنا عند مجموعة من التماثلات Homologies. تماثلات بين نصين على الأقل، أو لنقل بين الشخصيتين الرئيسيتين في روايتي صامبين وغرناط، بين عمر فاي الشاب الإفريقي الطموح الذي كان يحلم بتخليص قريته من وصاية الاستعمار باكتشاف وسيلة تطور الإمكانيات الاقتصادية لقرية كازامانس، ورياض حمداني الطالب الذي كان يتمنى هو الآخر تحقيق مشروع اقتصادي يعود بالخير على منطقة حي الزيتون. هناك تماثلات الهجرة إلى الخارج، والزواج بأجنبية، والعودة إلى الوطن بالمال أو الثروة المعرفية، والحلم بإخراج المنطقة من دائرة الفقر والقهر والتسلط ... إلى غير ذلك.
لقد أجهضت أحلام العبار ابن العم حسان الذي قدم مع أسرته من زاوية سيدي أحمد بن رحال ليستقر بالدار البيضاء، قبل أن يتوجه إلى فرنسا. فاستيقظ على حقيقة نظيمة التي انتصبت في روحها فزاعة الأخطاء الآثمة. وضاعت أحلام عمر فاي الذي غادر قريته الصغيرة كازامانس Casamance إلى باريس قصد العمل. لكن، بعد عودته تستيقظ كازامانس المستعمرة على حادث اغتياله.
وتلاشت أحلام رياض حمداني الذي قدم من زاوية سيدي عبد الله، ليستقر مع أهله في مدينة القلعة. ثم يغادر الوطن نحو أوروبا. فاستيقظ ذات يوم هو وأسرته على هدير احتراق مصنعه.
وهكذا أصبح هؤلاء كلهم "مثل الكثيرين ممن بنوا دنيا من الرمال ما لبثت أن تهاوت على رؤوسهم غير مصدقين أن الرياح يمكن أن تخدع وتغدر .. ناموا على حلم جميل فاستيقظوا على الفجيعة، لكنهم ظلوا على وعدهم من دون أمل، كمن يراهن على حصان خاسر في حلبة سباق محسوم سلفا".(18) (الرواية، ص: 117)
هناك ملامح مشتركة كما يرى تسمح باكتشاف الوظائف الفنية المميزة لهذه النصوص. فلكل منها عالمها الخاص في التناول والاشتغال.
وبالإضافة إلى هذا، نجد رواية محمد غرناط تتناول الأحداث والوقائع بلغة واقعية صافية، تاركة فراغات تكشف عنها بعض المبالغات، أو الحلول المفاجئة، أو الإشارة إلى أشياء غير مكتملة في النص(الكنز، المحنة، الوعد ...). وهي فراغات ناتجة عن بعض الصعوبات في التمثل واستكناه الأشياء في حقيقتها. في الوقت الذي تشير فيه الرواية إشارات خاطفة إلى فترة احتلال الاستعمار الفرنسي للمنطقة من خلال ذكر الحاج بنور ورفاقه الذين ناهضوا القوى المحتلة إلى أن أزاحوها عن الأرض، فتم بالمقابل نسيانهم ونسيان المكان الرمز الذي كان يقوم فيه المعمرون بإعدام الوطنيين، وهو حديقة الشهداء التي أضحت وكرا يرتع فيه السكارى والمعربدون.
أما رواية صامبين عصمان فهي نص يتوسل إلى تقنيات سردية تقليدية في بنائه وصياغته، يميل إلى عرض الأحداث والوقائع عوض الاهتمام بشحنات اللغة وقدرتها على نسج خيوط سردية تستفيد من إمكانيات السرد الحديث وتعمل على توظيفها.
أما رواية عبد الرحيم جيران فالأحداث فيها تتسم بإيقاعية خاصة، تغتني بالحلم والوصف وتوالي الحكايات وتعاقبها. بالإضافة إلى أن لغتها شفافة، جارحة، مثقلة بنبض التاريخ وكثافة الأحداث الغائرة في الذات. هي لغة تمزج بين شفافية الشعر والتأمل الفلسفي والإشارات التاريخية البليغة، تكاد تُغْرِق شخصياتها في نقاشات دسمة، تثير كثيرا من القضايا المرتبطة بسياقات تاريخية وثقافية واجتماعية وسياسية (عهد الحماية، قحط الأربعينات وجفافها، نظام البون، المعسكرات الأمريكية...).
ختاما، إن الروايات السالفة، بقدر ما تقدم خطابا متغايرا غنيا بالتأويلات والرموز والإشارات، فهي تطفح بمباهج الأحلام ومتاهات الرؤى وانعراجاتها المؤدية إلى الأفضل والأرحب.
هوامش:
(*) ـ محمد غرناط: تحت ضوء الليل، دار الأمان، الرباط، ط1، 2010
1 ـ حليم بركات: الرحيل بين السهم والوتر، دار الآداب، بيروت، 19، ص: 73
2 ـ الرواية، ص: 124
3 ـ الرواية، 124 ـ 125
4 ـ الرواية، ص: 129
5 ـ الرواية، 99
6 ـ الرواية، ص: 99
7 ـ الرواية، ص: 115
8 ـ الرواية، ص: 172
9 ـ الرواية، ص: 169
10 ـ عبد الرحيم جيران: عصا البلياردو، أفريقيا الشرق، البيضاء، 2010
11 ـ نفسه، 36
12 ـ نفسه، ص: 110
13 ـ نفسه، ص: 116
14 ـ نفسه، ص: 114
15 ـ نفسه، 18
16 ـ نفسه، 68
17-Ousmane Sembene, Ô Pays, mon beau Peuple ! Presses Pocket, Paris, 1982
18 ـ عبد الرحيم جيران، عصا البلياردو، أفريقيا الشرق، البيضاء، ص: 117
المراجع:
(1) ـ بيرنار فاليط: النص الروائي، مناهج وتقنيات، ترجمة: رشيد بنحدو، سليكي إخوان، ط1، 1999.
(2) ـ تيري إيغلتون: نظرية الأدب، مدخل، ترجمة: ثائر ديب، دار المدى للثقافة والنشر، سورية، ط1، 2006.
صدور كتاب اللغة العربية . من سناء الشعلان
صدور كتاب اللغة العربية مستوى (100) عن الجامعة الأردنيّة
عن مركز اللغات في الجامعة الأردنية صدر كتاب "مهارات التّواصل باللغة العربيّة مستوى (100)،والكتاب سيدرّس ضمن مساق إجباريّ مفروض على كلّ طلبة الجامعة الأردنيّة في مستوى البكالوريوس.وقد تشكّلت لجنة تأليف الكتاب من د.سهى نعجة،ود.منى محيلان،ود.مفلح الفايز،ود.إبراهيم أبو عرقوب،ود.حسين ياغي،ود.عطا الله الحجايا.
وقد انتظم المنهاج في ست وحدات دراسيّة؛مهدت لها وحدة تأسيسيّة(وحدة الصّفر) منوطة بشرفات التّواصل الإنسانيّ واللغويّ؛عبر تكثيف مفهوم الاتصال وعناصره،وبيان أهميّة المعجم وآلية استخدامه،وأهمية علاقات التّرقيم يداً ولساناً.
أمّا الوحدات السّت الأخرى فقامت على نصوص أدبيّة من حقول إبداعية متنوعة،وعصور متعدّدة لكتّاب أعلام:عرب ومحلييّن؛كقصيدة"مرحبا" للروائيّ والشّاعر الأردنيّ تيسير سبول،ونصّ"علم الاحترام" للكاتب المصريّ عبّاس محمود العقّاد،ونصّ"إضاءة" من سيرة الشّاعر السّوري نزار قباني،ونصّ" المقامة الموصليّة" للهمذانيّ،وقصّة" حليمة المجنونة" للقاصة الأردنية سناء الشّعلان،ونصّ" حبّ العمل" للشّاعر والرّوائيّ والفنان اللبنانيّ المهجري جبران خليل جبران.
واغتني المنهاج بالوقوف على أبجديات الكتابة الوظيفيّة الجيّدة،فوقف على بناء الجملة البسيطة والجملة المركّبة تمهيداً لبناء الفقرة.ودأبت نصوص الاستماع في الكتاب على تأثيث منظّم مدروس لأدبيّات التّواصل وأخلاقياته،كأدبيات الاتماع،والتحدّث،والحوار،والفرق بين الجدال والحوار والشّجار،كما دأبت على قياس مديات الذّاكرة في الحفظ والتذّكر.
كما اغتني المنهاج بموضوعات حيّة يتحدّث فيها الطلبة؛فرادى أو جماعات على وفق أسس تربويّة في اكتشاف قدرات الطلبة،وتشيع أدبيات الحوار،وقبول الرأي والرأي الآخر في إطار من الحرية المسؤولة.والوظيفة في اللغة والمعجم وفي الموضوعات والأساليب النّحويّة والصّرفيّة وقضايا الإملاء والتّرقيم والكتابة هي أسّ الرؤية المنهجيّة في تأليف هذا الكتاب.وقد زاوجت أساليب التقويم في الكتاب بين عدّة أساليب تستثير الذّاكرة والتّفكير،وتشحذ الهمم للتواصل مع المكتبة وشبكة المعلومات.
ويبقى القول إنّ فلسفة الكتاب تقوم على تمكين الطالب من ارتياد فضاءات اللغة وآفاقها وجمالياتها ووظيفتها بإقدارهم على مهارات الاتصال وأدبياتها في الاستماع والقراءة والكتابة والتحدّث،وهي المهارات التي تمكّن متعاطيها من التّصالح مع الذّات،والتناغم مع الأنا والآخر في مجتمع أمسى قرية صغيرة في ظلّ العولمة واقتصاد المعرفة.
إمنتانوت
امنتانوت
فتيحة أولاد بنعلي
تحملني شهوة
لعينيكِ
يمنحني ظلكِ
مسافات الجنوب
أسافر في شقوق
الماء المنحدر من حيرة الخدود
امنتانوت…
جسد يتدثر
بريح الصباح
بأوراق تغطي
عري الغرباء
ليلا أعبر إليكِ
من جزر العزلة
في محطة لا تعرف
مواعيد الوصول
امنتانوت
امرأة ارتدت لحاف الأجداد
تنظر في مرايا النهار
من تل
خلفها الفراغ
يتربص بالأبناء
أقف منتظرة
همس النجوم،
وهي تضيء طريقا
في ذاكرة سوس
عيوني الحالمة
كحلها الشوق
مخفية أنتِ عن الغرباء
ترافقني خطاكِ
تهيأ لي أزهار اللوز
امنتانوت تبوح للنهر
بسر الخلود
فأهجر من جديد
غبار الأمكنة
لأعود إليك
يا أم الجنوب
شاعرة مغربية، القصر الكبير























