محمد معتصم

16 juillet 2019

لوركا

scan0008

scan0009

scan0010

scan0011

Posté par motassim à 23:59 - Commentaires [0] - Permalien [#]


15 juillet 2019

قصائد لوركا

scan0005

scan0006

scan0007

Posté par motassim à 23:57 - Commentaires [0] - Permalien [#]

30 septembre 2018

من صناعة النخب في النظام العالمي الجديد

محمد معتصم

من صناعة النُّخبُ إلى النظام العالمي الجديد

عادة نعود في محاولة فهم المصطلحات والمفاهيم إلى بعدين أساسيين، هما: الجذر اللغوي للكلمة، حتى نستطيع الوقوف على المعنى اللاواعي للمفهوم والذي يتغير مع الزمان وبتحول الوعي كذلك ولكن جذره اللغوي يظل ثابتا كمرجع "نواة"، والاستعمال الوظيفي، وهو المعنى في تحولاته وتقلباته تبعا للمتغيرات الخاصة بتغير موازين القوة المؤثرة على وعي الناس والمتحكمة في محتوى اللفظ ووظيفته الدلالية.

ومفهوم "النخبة" أو "النخب" بالجمع، ظل خاضعا لمعناه اللغوي الجذري (نَخَبَ الشيء)، رغم التحولات التي طرأت عليه بفعل المؤثرات الثقافية والسياسية وتنوع واختلاف وجهات النظر وتغير مواقع الجهات المؤثرة في الوعي والثقافة والفاعلة في تشكيل الوعي وترسيخ السلوك الفردي والجماعي، أي أن مفهوم النخبة أو النخب الاجتماعية والسياسية ظل يعني في باطنه: الفئة المختارة والمنتقاة في المجتمع، أن أنها تلك الفئة الأحسن والأفضل. طبعا وَفْقَ معايير لا يحددها عموم الناس (الشعوب)، بل تحددها الفئات الحاكمة والمسؤولة على وضع الحدود المنظمة للعلاقات داخل مجتمع من المجتمعات، سواء أكانت ذات بعد سياسي أو اقتصادي مالي أو فكري أو عِرْقي أو عقائدي أو اجتماعي.

لذلك ارتبط مفهوم النخبة أو النخب بالفئات العليا اجتماعيا والمميزة بصفات خاصة تختلف عن الرعاع أو عامة الشعب، ومميزة بوضعياتها الاجتماعية السامية، يمكن أن نسميها كما في الفكر العربي قديما "الملأُ"، الفئة المميزة اجتماعيا بالقدرة المادية من جهة، ومن جهة أخرى بالنسب العرقي والسلالة. وهو ما ظل حتى اليوم معروفا تحت مسمى آخر، ولكن في تحالف وطيد، هو: "الأعيان" و"الأشراف"، هذا في مجتمعاتنا العربية. يمتاز هذا التحالف الوطيد الذي يتناسى خلافاته وصراعاته، عندما تتهدد قوى جديدة في المجتمع مصالح أحدهما، ومن هنا التأكيد على "قوة المصلحة المشتركة"، وهي القوى التي تتحكم في النظام وتفرض نمط العلاقات وتسن القوانين وتشرعها في آن، بما يضمن استمرارها أطول أمد ممكن.

يذكرنا هذا بشيئين أساسيين بنظام الدولة في نشوئها وارتقائها، وبالمدينة الفاضلة وجمهورية أفلاطون. إن النخب القديمة، المنتقاة والمختارة من قبل الجهات العليا سياسيا وعقديا وماديا في كل مجتمع، ينبغي أن تتميز بصفات محددة: الولاء، والإيمان القوي بالقوانين والتشريعات الحامية والضامنة لاستمرار منتخبيهم. أي الولاء للفئة التشريعية والقوة السياسية الأم. أما تلك الحشود التي يصفها أفلاطون بـ"الثور"، وهو توصيف رمزي "أليغوري"، يعني به غير النخب، وهم فئة العبيد الذين يقبعون أسفل الهرم الاجتماعي والذين لا يملكون ولا ينبغي لهم امتلاك ثقافة "رفيعة"- التحديد هنا مرتبط بمفهوم ووعي المشرع الفئة الحاكمة- وتكتفي هذه الفئة بالعمل الجسدي (اليدوي) كالثور يجر المحراث ولا يحق له التفكير في نزع النير من رقبته ولا اقتراح رأيه فيما يقوم به من عمل وما يفرض عليه من واجبات ولا حق له ولا نصيب مما ينجزه ويشارك في إنجازه. من ثمة كان شرط أفلاطون لدخول المدينة الفاضلة مدينة النخبة، الأكاديمية الخاصة بصناعة النخب، لأن النخب تصنع في المختبرات وفي مؤسسات خاصة بمواصفات خاصة وبمحددات ومقاييس مسبقة خاصة، أن يكون عضو الأكاديمية عارفا بعلمين مجردين دقيقين هما: الرياضيات والموسيقى. أم أصحاب الأدب من الشعراء، فمن لا يخضع للتعليمات والذي يتمرد على القوانين والتشريعات المملاة عليه والمحددة سلفا من قبل الفئات الحاكمة والمتحكمة، فيتم طرده طردا مهذبا بوضع إكليل الغار على رأسه ورشه بالطيب، وإبعاده عن أسوار الأكاديمية. وفي حال عصيانه وتمرده على النظم أو على النخب الساهرة على تطبيقها وفرضها باللين أو القوة فقد تم تصميم دقيق للمدينة- الدولة برموزها الثلاثة المستمرة حتى وقتنا الحالي: السجن يسار الساحة العامة، والكنيسة (أي بيت للعبادة) يمين الساحة العامة، ثم المشنقة في الوسط لتقديم العبرة للمارقين من غير النخب المختارة والمنتقاة وذات الحظوة.

إذن، فالنخب وسيط يصنعُ في مؤسسات خاصة بين الحاكم والمحكومين، وحسب الهرم الأفلاطوني، بين الآلهة والعبيد. لذلك اتخذ مفهوم النخبة بحسب المتغيرات التاريخية وفي شتى أبعاد تحولاتها صورا عنيفة منها مثلا النخبة والهوية القاتلة، ويتعلق الأمر بالنخب المتعصبة عرقيا أو عقديا، فتقتل نفسها بالانعزال وتحمي نفسها بالإقصاء والعنف تجاه باقي الهويات الثقافية والفكرية والاجتماعية، والنخب الديمقراطية، والتي تنتخبها الشعوبُ بصورة وهمية، ي إيهام الحشود بالدور والوظيفة الاجتماعية لأغراض معلنة حينا ومخفي أخرى، فتنقلب عليها بالموالاة والوفاء للنظام المتحكم في مفهوم النخبة وهو تنفيذ التعليمات والأوامر والتشريعات العليا من الفئة الحاكمة والمتحكمة.

إلا أن الهزة الحقيقية التي خلخلت جوهر مفهوم النخبة المُصَنَّعَة في المختبرات (المؤسسات والمعاهد) بشتى تلويناتها حدثت مع فجر ما يعرف بـِ"النظام العالمي الجديد" وبمختصر "العولمة" والذي من علاماته الكبرى؛ التسويق والتسليع، أي تحويل العالم إلى سوق كبيرة مفتوحة الحدود، والتنوع الثقافي، وضرب المركزيات العِرقية والعقائدية والثقافية والخصوصيات المحلية، لصالح "عالمية الفرد" - نظريا، لأنها لم تستطع كسر الحدود الجغرافية والسياسية وإسقاط سياسة الهجرة العنصرية...، ولكن هذا النظام العالمي الجديد الساعي إلى رسم خريطة جديدة للعالم خاصة العالم القديم والمتدين، الذي يَرفض كل أشكال الانْدماج القصري ومحو الهوية والصفات الخصوصية، شجع على بعث وإحياء الأقليات العِرقية والعقائدية إمعانا في تمزيق المجتمعات الموحدة والمنسجمة والمتماسكة، وهو ما سمح بظهور ثقافة جديدة اصطلح عليها بـِ" الثقافة الشعبوية".

لقد وجدت هذه الثقافة مجالا حيويا لها، الشبكة العنكبوتية الدولية (الانترنيت)، ونشر وتعميم الوسائط والوسائل التكنولوجية من هواتف ذكية وحواسيب وألواح إلكترونية ومبتكرات أخرى، سمحت للشعوب، الحشود، الجماهير، الفئات الناخبة سابقة وغير المنتخبة، التي كانت تميز بثقافة العبيد كما بينا سلفا، سمحت لها بالتعبير عن ذاتها المتنوعة والمختلفة والمتناقضة أحيانا، وسمحت لها بالسخرية من النخب وتسفيهها وبالتالي الانتقال من مفهوم "نخب الشيء"؛ أخذ أحسن وأفضل العناصر في المجتمع والمكونة تكوينا خاصا في المؤسسات والمعاهد في الجمهورية والأكاديمية الأفلاطونية، إلى وضع النخب موضع السؤال والشك والريبة، والكشف عن الوجه الآخر المخفي وراء الأقنعة والخطابات المغلوطة.

لذلك يمكنني وصف حالة النخب اليوم بالحطام الذي جرفه "الطاعون الانفعالي" (ويلهلم رايش) للحشود التي تملأ الفضاء الأزرق وتمارس تأثيرها على الجميع وتوجه وتقرر. وقد ساهم الطاعون الانفعالي الحالي في خلق صراع بين النخب القديمة والنخب المتطفلة أو طفيلية والحشود الجماهيرية. وهذه الفئات غير المتجانسة هوياتيا تتفاعل عاطفيا غالبا ضد كل الأشكال والصيغ التي تمثل التميز الهوياتي (في الهوية الخصوصية)، خاصة هوية التحالف العتيق "الأعيان" الملاك وأصحاب المال، و"الأشراف" المتخندقون في هوية العِرْقِ والنسبِ والمعتقدِ. وقد أصبحت هذه الفئات الجديدة غير المحددة بصفات مميزة ونوعية هي الملأُ الجديد، كونها تملأُ الفضاء الأزرق وتقوم بالتوجيه والتأثير.

 

Posté par motassim à 13:27 - Commentaires [0] - Permalien [#]


06 mars 2018

الهجرة نحو التخييل السردي.

محمد معتصم

28575920_10215760804277688_3621361763817679223_n

 

هل يمكن اعتماد مقولة "زمن الرواية!" كمهيمنة في سياق الحديث عن هجرة الشعراء والقصاصين نحو المتخيل الروائي؟

إن انتقال القصاصين نحو المتخيل الروائي مقبول وممكن جدا، لأن الانتقال يكون في نوع إبداعي واحد، هو: "السرد". بينما الشعر، ومهما تحرر من قيود الإيقاع الخارجي سيظل مرتبطا بالإيقاعات الداخلية وبأكثر الوجوه البلاغية هيمنة واستعمالا في اللغة الشعرية، كالصورالشعرية والانزياح عن أساليب التعبير (النثرية)، لذلك أضاف الشعراء إلى لغة السرد اللغة الشعرية والتدفق السردي باستعمال لغة الحلم والمونولوج. فكانت هذه الهجرة مثمرة في حال توفر الشاعر المهاجر على القدرة على السرد والتخيل والإبداع في آن، كما أغنى القصاصون المتون السردية بالتعدد التركيب على مستوى المحكيات، فابتدعوا السرد المركب حيث نجد في المتخيل الروائي الواحد مثلا، عددا من المحكيات المتجاورة أو المتداخلة التي غيرت في شكل بناء السرد...

لقد هجرة النقاد إلى الرواية، فله دوافع مختلفة، ومنها؛

-العودة إلى الإبداع والتخييل السردي بعد فترة من الانقطاع، وهي غالبا فترات الدراسة والتحصيل العلمي، أو فترة التدريس والانغماس في فهم المناهج والنظريات النقدية الحديثة التي غزت الغرب منذ الشكلانيين الروس والبنيوية بفروعها وامتداداتها والتحليل السيميائي للسرد إلى التداولية والتفكيكية والتأويلية وتحليل الخطاب والتحليل النصي أو نحو النص... فانخرط النقاد في هذه التجربة منذ بدايتها حتى فترة انسحاب بعض الرواد واالهجرة بدورهم نحو الدرس الفلسفي أو السياسي أو التاريخي وإطلاقهم دعوة "موت الأدب". فتوقف الاجتهاد مع هجرة النقاد الغربيين

-استحواذ المتخيل السردي (الرواية) على أهم الجوائز العربية، لما يمنح ذلك الكاتب من انتشار وشهرة ومورد مالي، كما يفتح أمامه الباب نحو المشاركة في أعمال اللجات المحكمة بصفته ناقدا من جهة وبصفته روائيا من جهة ثانية، كما يفتح له، في حال فوزه بإحدى الجوائز، إمكانية الإقامة الدائمة في صفحات بعض المجلات التي تسوق سلعتها اعتمادا على الأسماء المكرسة والرنانة.

-اعتقاد الناقد بأن حيازته الثقافة النقدية وتمرسه على تحليل النصوص وتدريسها كمعرفة علمية وأدبية بأنه قادر على كتابة الرواية، موظفا الحيل السردية الشكلانية أو إعادة إنتاج نماذج سردية عالمية عربيا بنسخه للموضوعة ومسخه الصيغة الكتابية، أو العكس. أو استناده على مقولة مارت روبيرت "بأن الرواية خطاب منفتح على كل أشكال الخطاب" ويمكن للرواية أن تتحول إلى "كولاج" تشكيلي تحت مسمى الحداثة السردية أو إنتاج نصوص سردية تنهض على فكرة تدمير النمط (النمطية) وتكسير السرد (السردية).

والحقيقة أن الاهتمام الذي لاقته الرواية في العصر الحالي، عربيا، أغرى حتى كتابا كان اهتمامهم العلمي والتدريسي والكتابي مرتبطا بالفكر والفلسفة (العربية والغربية) فكتب محمد عابد الجابري سيرته الذاتية "حفريات في الذاكرة" وكتب عبد الله العروي عددا من الروايات التي ارتبطت بأفق تفكيره منذ الغربة واليتيم حتى المذكرات، وكذلك فعل سعيد بنسعيد العلوي في روايته "مسك الليل" وروايته الجديدة "سبع ليالٍ وثمانية أيام" وقبلهم كتب محمد عزيز لحبابي "إكسير الحياة" وعبد الكبير الخطيبي سيرته الذاتية بالفرنسية "الذاكرة الموشومة"، ثم عبد الإله بلقزيز وعبد الله الساعف وكتب عبد الحي المودن روايته الأولى "فراق في طنجة"... وهؤلاء المفكرون من النقاد كذلك.

وهم حجر أساس لهجرة النقاد نحو الرواية، لكن نقاد يتسلحون بأدوات التحليل ونظريات النقد دون إغفالهم الطبيعة الجوهرية للرواية: السرد والتخييل والبناء. فكل عمل روائي هو في أساسه تخييل وإبداع، وهو كذلك نص سردي ووصفي، ثم بناء لعالم متخيل سواء أكانت مرجعيته واقعية أو تركيب يمزج بين الخيال والحقيقة، والأهم أن الرواية لغة.

ويمكننا تقديم الناقد الروائي محمد برادة نموذجا لهذا النوع من الهجرة نحو التخييل السردي. لقد سبق للكاتب أن كتب القصة القصيرة وتفرغ لكتابة الدراسة النقدية والبحث الأكاديمي فترة مهمة من تاريخه الأدبي، ليفاجئ القراء نهاية الثمانينيات (1987م) بروايته "لعبة النسيان" التي أسالت مدادا كثيرا، فاعتبرها مثلا إبراهيم السولامي سيرة ذاتية قبل انتشار مفهوم التخييل الذاتي في الساحة الثقافية والنقدية المغربية، لكن أغلب الدراسات النقدية انبهرت بثقافة الناقد التي وافقت الانفتاح على النقد الحواري (الحوارية) لميخائيل باخثين، واستثمرها محمد برادة الذي ترجم جزءا مهما من كتاب باخثين إلى العربية، وكان هذا الإشكال الثاني الذي طرحته هجرة محمد برادة مجددا نحو التخييل السردي، أي الاستفادة من الدرس النقدي في توسيع فضاء الكتابة الروائية بعدما استفادة من تقنية التخييل الذاتي وتعدد الروات وتعدد الأصوات ومفهوم الأسلبة وتعدد الخطابات المتخللة للمتن السردي المتخيل. إلا أن نجاح هذه الرواية نقديا لم يكل وراءه فقط العدة النقدية لمحمد برادة، بل كان الأساس في ذلك الانتشار والاهتمام الملكة الإبداعية وقدرة الكاتب على التخييل السردي، وهو ما سيتجلى في باقي أعماله ومنها روايته "موت مختلف" التي تجلى فيها الناقد كمفكر يعيد إنتاج مرحلة تاريخية برمتها، عبر السرد، أي التفكير في الواقع والثقافة والسياسة سرديا.

هذه التجارب التي تضيف إلى الرواية تكون هجرتها إضافة نوعية تطور الشكل وتوسع مضمون وموضوعات الرواية كتخييل سردي ووصفي. ولعل هجرة النقاد والمفكرين نحو قلاع الرواية ليست بالحديثة تماما، إذا ما استرجعنا إلى الأذهان تجربة عميد الأدب العربي طه حسين في سيرته الذاتية "الأيام" وفي "دعاء الكروان" مثلا، وكذلك تجربة عباس محمود العقاد في روايته "سارة"....

إن مثل هذه الهجرات من الشعر والقصة والفكر والنقد نحو التخييل السردي الروائي، تعد محمودة إذا كانت تطور مدونة السرد العربي وتغنيها سواء على مستى الموضوعات أو البنيات والأشكال، أما تلك التي تلهث وراء الشهرة والجوائز والإقامة الدائمة في المهرجانات وصفحات المجلات السخية الدفع، المُوَجَّهَةِ نحو أهداف غير أدبية فهي لن تصيب أبعد مما صبت إليه.    

 

Posté par motassim à 18:44 - Commentaires [0] - Permalien [#]

01 février 2018

سيأتيك الغزال.قراءة في رواية خليل صويلح

محمد معتصم

المحكيات السردية الاستئنافية

 

sayatik lgazal

يعرف المتخيل الروائي العربي المعاصر نشاطا على مستويات عدة نظرا لما تمور به الحياة العربية المعاصرة اجتماعيا وسياسيا وما تجتازه من اختبارات متعلقة بالكينونة والصراع من أجل البقاء، ضد عملية المحو والانسلاخ وطمس معالم الهوية والصفات المميزة، وما تشهده المنطقة من تحولات جغرافية وصراعات إثنية وتمرد الأقليات العِرقية على حساب الأغلبية السائدة لعصور تاريخية، تبعا للحركة العالمية التي ترى في وجه العالم العربي الإسلامي وجها قديما يقف ضد التغيير الذي ترتئيه القوى العظمى. والصراعات والتغييرات الخارجية ليست التجلي الوحيد للمرحلة، بل هناك صراعات اجتماعية أفقرت الشعوب وقضت على آمالها في العيش الكريم، ونشرت منطقا وخطابا زائفين قضيا معا على آمال القوى المدنية الحية.

خليل صويلح الروائي السوري في روايته "سيأتيك الغزال" الصادرة في العام 2015م عم منشورات ضفاف والاختلاف في حدود (141) صفحة من القطع المتوسط،  ترصد حالة انهيار مجتمع صحراوي قبلي وتشتت أهله وتلف مزروعاته والقضاء على الحياة الصاخبة فيه جراء الإهمال الحكومي والإقصاء الاجتماعي. رواية يروي عن محنة الأمكنة، خاصة تلك التي تقع خارج دوائر الاهتمام والنفع، الأمكنة "غير النافعة" التي تتعمد الدوائر الحكومية مؤازرة بالصمت الإعلامي الرسمي والمدني المتخاذل وخوف الفئات المستضعفة وجهلها بحقوقها وبحقيقة وجودها على تدمير الحياة لفئة اجتماعية أو مدينة أو قرية مغضوب عليها سياسيا أو فقط لبعدها عن الاهتمام النفعي.

يسعى السارد الشخصية إلى الإجابة عن هذا السؤال الوجودي القلق: لماذا يَتِمُّ القضاءُ أمكنة بعينها، وعلى حياة نابضة ومميزة بنمطها الصَّحْرَاوِيِّ؟

يصف الساردُ القرية بعدما عاد إليها ليستكشف سر فنائها واندثار الحياة بها وتشرد أهلها:" قرية طينية مهجورة تماما، غادرها أصحابها بعد أن فقدوا أي أمل بالنجاة، كأن حنفيش إحدى الحكايات الخرافية ابتلعتهم جميعا، في ليلة ظلماء. جدران طينية مشققة ومتداعية، أعشاش عصافير مهجورة، وأبواب وشبابيك سدت بقطع من البلوك كنوع من الحماية لما تبقى من أملاك..." ص (136)

إنها صورة لما آلت إليه القرية التي ولد فيها السرد الشخصية، وتحمل طعم الفاجعة، والفقد، والاجتثاث من الجذور، فللأمكنة سيرها وحياتها الخاصة وتاريخها الذي يتشكل من مجموع الذكريات والمشاعر والعلاقات العامة والخاصة الروحية والعرقية العشائرية وهي مجموع ثقافتها المحددة لأبعادها في الجغرافيا العام لبلد ما أو العالم.

فما الذي عاث فسادا في المكان وذاكرته وثقافته؟

يقول السارد بألم متحدثا عن التهجير والإبادة الباردة والصامتة:" مهجرون أم نازحون أم لاجئون؟

"لا توجد تسمية دقيقة لنحو مليون ومئتي شخص، وجدوا أنفسهم في العراء والصمت والعزلة، ليس بسبب الحروب أو الاحتلال، بل تحت وطأة فساد حكومي ومجاعة مستمرة، شردتهم عن مسقط الرأس قسرا، في أضخم هجرة داخلية تشهدها البلاد منذ الاستقلال." ص (138)

وفي خطاب سردي المتخيل السردي فيه وصل درجة الصفر، لأنَّ الواقع فاق كل حدود الخيال، يتابع السارد الشخصية في الفصل الأخير من الرواية، حينما وصلت ذروتها وغايتها في آن:" في مخيم "كناكر" جنوب دمشق، عشوائيات العاصمة، تتوزع أكثر من ثلاثة آلاف عائلة عالقة، منذ سنوات، تعمل في أية مهنة متاحة." ص (138)

إنهم المنبوذون اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا وإنسانيا، لكنهم مجموعة "البارياس" التي تكشف نفاق الحكومات وخطاباتها الزائفة،  وتعري حقيقة المنظمات الدولية المدنية والإنسانية المتواطئة. إن الرواية في هذا المقام تتحول إلى خطاب إدانة وإلى كشاف يسلط الضوء على البؤر المهملة والمناطق المنسية، مناطق الضعف الإنساني ومعاناته الوجودية.

تلك الحياة هي "الرواية"، هي مادة التخييل، وهي مجموع المحكيات السردية التي دوَّنها الساردُ الشخصيةُ والمتعلقة بحياة شخصيات كانت تنبض بحياة مميزة ونمط خاص ومستقلٍ، كل شخصية لها حدود تناسب الحياة الضيقة في تلك القرية الحدودية المهملة، ذات الطبيعة الصحراوية، يصارع أهلها البقاء على قيد الحياة بالتهريب أو السطو على مخلفات شركات النفط أو محجوزات الدولة. ورغم حرص الشخصيات على البقاء على قيد العيش إلا أنها تفني نفسها عبر عادة الثأر والانتقام.

 

الرواية خطارب سرد ووصف مركب، لأن السرد طريقة نسج النص وطريقة تركيب الوقائع والأحداث، ولأن السرد تشكيل زمني للمتواليات يعطي الرواية جمالها وفنيتها، وفي رواية "سيأتيك الغزال" للكاتب السوري خليل صويلح تشكل السرد من ثلاثة أنماط سردية كبرى، وهي:

1. محكي طفولة السارد الشخصية.

2. محكيات سردية استئنافية.

3. مكحيات سردية قصيرة.

 

يعتبر محكي طفولة السارد الشخصية المحكي الإطار الذي يقوم بوظيفة الحبكة في نسيج الرواية، إلا أنه محكي بعيد جدا عن وصفه بالسير ذاتي، لأن السارد اختار الحديث عن المكان [البطل الرئيسي في الرواية] وأهله وعاداتهم وطرائق عيشهم ومقاومتهم من أجل البقاء، وهو أي السارد الشخصية ليس سوى حلقة في تلك السلسلة الطويلة والمركبة.

المناسبات القليلة التي انصب فيها الحديث عن الذات وعن كشف هوية السارد ارتبط بحدث اجتماعي أو سياسي وسم تاريخ المنطقة العربية، من قبيل حديثه عن تاريخ ولادته، حيث يقول:" كانت أمي تؤكد بأنني ولدتُ "سنة جمال"، في إشارة إلى زيارة جمال عبد الناصر إلى الجزيرة السورية في العام 1960، في أوائل الخريف، فقد كان البدو يؤرخون الأحداث تبعا لقوة وقع حادثة محلية ما، في وجدانهم، مثل "سنة الثلج". السنة التي هطل فيها الثلج بغزارة غير مسبوقة، أو "سنة المحلْ"، أو "سنة غزو الجراد"، لكن "سنة جمال" ستبقى محفورة في الأذهان إلى اليوم مثل وشم على رسغ اليد..." ص (22)

هكذا يتحول السرد إلى وثيقة، وينتقل من مستوى التخييل إلى درجة النص التاريخي والحقيقة الواقعية، يعاضد بعضه بعضا، كما يأتي الحديث عن ذات السارد الشخصية لإبراز الخصوصية الذاتية عبر الحديث عن الهوايات الشخصية وبعض الاختيارات والميول، ومنها حديثه عن شغفه بالسينما خاصة أفلام رعاة البقر، ونفوره من الأفلام الهندية، ربما لتشابه بين نمط حياة رعاة البقر ونمط الحياة في القرية،عكس الحدث التاريخي والسياسي، يصبح الحديث عن أنواع الأفلام والأحداث الفنية وسيلة لتأكيد ولإبراز الخصوصية الذاتية للشخصية أو للسارد المشارك، والحقيقة أن سيرة الطفل السارد في رواية "سيأتيك الغزال" وإن وجدت لإبراز سيرة المكان الذي كان يضج بالحياة وتحول إلى خربة قفراء، وتحول أهلها إلى الشتات بالأحياء الخلفية للمدن الكبرى، فهي سيرة جيل عربي تشابهت لتشابه الأحداث التاريخية والسياسية حيث كانت جل الدول العربية إما أنها تقاوم الاحتلال أو أنها حديث العهد بالاستقلال وما تزال الروح الوطنية عالية في صفوف مختلف الفئات الاجتماعية، ثم لم تكن الثورة التكنولوجية قد استبدت بعقد أو عقدين كما هي الحال عليه.

حالة ثالثة تبرز فيها الذات، ذات السارد الشخصية، ولكن هذه المرة لتقدم وظيفة أخرى من وظائف السرد، وهي ربط المحكي السردي المتخيل والكاتب الواقعي، والانتقال من المتخيل إلى التأكيد الذاتي للوقائع والأحداث والمحكيات، وهو ما يضع السارد معادلا موضوعيا للشاهد والدليل؛ أي أن السارد يتخلى عن وضعية الراوي لفائدة الشاهد لا لينفصل عن الحادثة، ولكن ليؤكد صلته بها وبحقيقة وقوعها، حينَ يقول السارد:" وكان علي أن أدفع حصتي من الدية مثل أي شخص بالغ في العشيرة، لدم رجل، قُتل قبل عشرين عاما، لأسباب لا تخصني، وسأكون جزءا أساسيا من المشكلة من دون أن أتعمد ذلك. كنت سجلتُ هذه الوقائع كما رواها لي نهار الفرج، ثم كتبتها في إطار تخييلي، ونٌشرت على أنها قصة قصيرة في إحدى صحف العاصمة، واسعة الانتشار، وهو ما أثار سخط أقرباء ذياب الفرج وغضبهم من جهة، وشقيق مريم الهلوش من جهة ثانية، باعتبار أن الفضيحة وصلت إلى صفحات الجرائد، فاجتمع الوجهاء مرة أخرى، وبعد نقاش صاخب، قرروا إرسال عريضة للصحيفة، يؤكدون فيها بأنني لا أنتمي إلى عشيرة الجبور، ولا أمثل وجهة نظرهم على الإطلاق، إلى تهديدات وشتائم.

"كانت هذه الحادثة، أحد أسباب مغادرتي هذه القرية الملفعة بالغبار، والأقدار المحتومة، والسراب..." ص (109-110)

بهذا التداخل الوظيفي في السرد بين ذات متخيَّلة وذات واقعية يصبح السرد مركبا ومرآئيا يعكس فيه الواقع المتخيل والعكس، كما تصبح الحدود الفاصلة بين السارد والشخصية والكاتب الموضوعي رهيفة وهينة وشفافة، فلا السرد سيرة ذاتية محض، ولا هو تخييل ذاتي، ولا هو متخيل روائي، بل هو كل ذلك يتنقل بحرية من مستوى إلى آخر.

 

 

صويلح، خليل: سيأتيك الغزال. رواية. منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف. 141 صفحة. ط1. 2015م  

 

 

Posté par motassim à 12:22 - Commentaires [0] - Permalien [#]

14 août 2017

في وداع المبدع المغربي الرائد عبد الكريم غلاب

 محمد معتصم

numérisation0016

سؤال الوجود وبناء الواقعية التاريخية.

 

 

1/ الترابط والتطور:

   كغيرها، استطاعت الرواية المغربية أن تحقق لنفسها تراكما كميا ونوعيا، واستطاعت أن تؤسس استمرارها وتحولها، أي تبني تاريخها. فبعد محاولات الاقتباس والترجمة الخجولين والمتعثرين، وبعد محاولات الاستناد إلى الأشكال التعبيرية التقليدية كالمقامة والمقالة، خرجت الرواية المغربية إلى مرحلة التحقق الفعلي، متى كان ذلك؟ يرى الأستاذ أحمد اليابوري(1) أن ذلك بدأ مع الرواية السيرة للتهامي الوزاني "الزاوية"، إلا أن الرواية، في رأيي وهو لا يختلف عن آراء أخرى، قد بدأت خطواتها الثابتة والناضجة مع تجربتين مختلفتين: الأولى لعبد المجيد بن جلون في سيرته الذاتية "في الطفولة"(2)، والثانية لعبد الكريم غلاب في روايته "دفنا الماضي"(3).

 

  1.1/ أول صلة لي برواية "دفنا الماضي" تعود إلى مرحلة الدراسة الثانوية، وقتها كانت صلتنا–نحن الطلاب- بالرواية متقطعة ومختزلة، لأن الدروس كانت تركز على بعض الجوانب وتهمل أخرى، ولأن المناهج المتبعة وقتها لم تكن بالغنى الذي تعرفه الدراسة النقدية اليوم؛ دراسة السرد عموما. ولأن المدرسة المغربية لم تكن قد انفتحت على الدرس النقدي الحديث كما في الجامعة وظلت في الغالب تقليدية. وتكاد لا تدرس الأدب المغربي المعاصر والحديث لأسباب ذاتية ولمواقف شخصية ولاختلافات فكرية، وضمن ذلك الرواية.

 

   وتباعدت صلتنا بها لأن بعض الدراسات الموازية لرواية "دفنا الماضي" ركزت على بعض الجوانب التي لا علاقة لها بجمالية السرد، ولا بالفتوحات التي ابتدرتها هذه الرواية، وركزت على الخلاف الإيديولوجي الخارج نصي(4).

 

   لكن الصلة الحقيقية مع هذا العمل جاءت فيما بعد، عندما بدأ تفكيري في الرواية المغربية والبحث في مكوناتها وخصائصها الجمالية والبحث لها عن ثوابت وركائز تجنسها وتبحث في تربتها الأصيلة، وعن جذورها الممكنة في ذاتها. ولم يكن ممكنا إغفال روايتي المبدع عبد الكريم غلاب "دفنا الماضي" و"المعلم علي"، وأخرى كرواية "الطيبون" لمبارك ربيع، وروايتي "الغربة واليتيم" لعبد الله العروي، و"الزاوية" للتهامي الوزاني، و"النار والاختيار" لخناثة بنونة، ورواية "جيل الظمأ" لمحمد عزيز الحبابي... وروايات أخرى تختلف أيضا من حيث الشكل والهدف والأسلوب والمضامين، مثل روايات محمد زفزاف وأحمد المديني، ومحمد عز الدين التازي، ومحمد برادة، والميلودي شغموم، وإدريس بلمليح، ثم روايات أحمد التوفيق، ومن جيل الشباب وقتها شعيب حليفي، وعبد الكريم الجويطي، وعبد السلام الطويل...

 

   أعلنت الرواية المغربية عن منطلقها الحقيقي والفعلي مع رواية "دفنا الماضي"، ومن خلال الرواية نفسها أعلن المبدع عبد الكريم غلاب عن قدراته الإبداعية وطاقته التخييلية، وعن إمكانياته في رصد التحولات الاجتماعية وسبر أغوار الإنسان المغربي لفترة الاستقلال وما قبلها، وتحديد طبائعه وميوله.

 

   ما يمكن الانتباه إليه في هذه التجربة والتي أراها شكلت خطوات المبدع عبد الكريم غلاب في درب الإبداع؛ الواقعية التاريخية والحياتية. وتتجلى في رصد حركة الواقع العام واليومي المعيش، والقدرة على وصف الشخصية الروائية والتحكم في طبائعها وميولها وغرائزها، والتحكم في تسلسل الأفعال والأحداث وتماسكها وترابطها.

 

وهي واقعية تلتقي مع التجارب السابق دراستها في هذا الكتاب عند يوسف القعيد، وبهاء طاهر، وفتحي غانم...وتزيد عنها ببعدها المحلي والتاريخي والسياسي الذي فرضته على المغرب المرحلة السياسية والتاريخية التي رصدتها الرواية وصدرت فيها؛ أي مرحلة الاستعمار وبداية الاستقلال.

 

  2.1/ إن واقعية الرواية التاريخية تظهر بمعنى آخر في اعتماد البناء على مفهومين نقديين وإجرائيين هما: الترابط والتطور.

 

   . الترابــط:

   يُقْصَدُ من الترابط إجلاء العلاقة القائمة بين الأفعال والأحداث سواء في تسلسلها المتعاقب من البسيط إلى المركب (المعقد) ثم العودة إلى البسيط. أي من البداية إلى الذروة إلى النهاية والحل، أو في تركيباتها المختلفة والمتعددة كالتراجع والتقدم المتعثر والبناءات المنكسرة. ولابدَّ في الترابط من تحقيق انسجام بين أجزاء الرواية وأحداثها، حتى لا يبدو أي أثر للتفكك والخلل. لأن في هذه الحالة إثبات لإمكانات المبدع وقدراته على خلق عوالم متخيلة أو محاكية للواقع، لأن الرواية تمثيل للحياة اليومية المعيشة.

 

   . التطــور:

   تحافظ رواية "دفنا الماضي" على البناء الأول للرواية بحيث تتقدم الأحداث انطلاقا من مبدأ التطور والتنامي، من خلال تتبُّعِ الشخصية الروائية في مراحل متنوعة؛ مراحلها الحياتية وتطورها على مستوى الحالات النفسية والوضعية الاجتماعية.

 

 3.1/ تعتبر رواية "المعلم علي"(5) نموذجا دالا على الواقعية الحياتية. فإذا كانت الرواية السابقة "دفنا الماضي" تتمثل "جيل القنطرة" باسترجاع الأحداث التاريخية وبناء القصة عليها، فإن رواية "المعلم علي" انتقلت إلى الواقعية الحياتية والعملية، فظهر بها مفهوم النقابة والعمل النقابي ومفهوم القانون والحقوق الخاصة بالعمال والحقوق العامة التي تشمل بقية الفئات في المجتمع، وظهرت مفاهيم أخرى كالربح والإنتاج والعامل ورب العمل/المعمل والإضراب والصراع، والدفاع عن العمال والخروج بالعمل النقابي إلى العمل السياسي المناهض للمستعمر والمستغِلِّ. وهو ما سيدفع عبد العزيز (شخصية روائية) إلى أن يشرح ويبين:" مهمة النقابة الدفاع عن مصالح العمال.. هكذا يفهمها زملاؤكم الأجانب، ولكنها عندكم رسالة لإنقاذ إنسانية الإنسان فيكم"(6).

إلا أن مفهوم النقابة يستأثر بالأحداث الصاخبة ويفرض تصوره المخالف لما هو عليه في الغرب وينخرط في عملية التحرير والمقاومة.بذلك تكون رواية "المعلم علي" قد انخرطت في بناء الحياة العمالية، وفي وضع تصور اجتماعي ووطني (سياسي) للنقابة. إنها رواية واقعية اجتماعية.

Posté par motassim à 21:25 - Commentaires [0] - Permalien [#]

13 août 2017

عن الثورة الثقافية في الصين والأدب المعاصر

محمد معتصم

 

في محبة بلزاك

 

 

20170709_234326-1

في رواية الكاتب داي سيجي ذي الأصل الصيني؛ "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" نقف على صورة أخرى منَ "المتخيل المشترك"، وقد استعمل فيها الكاتب متخيلين مختلفين في وقت واحد، هما: المتخيل التاريخي الحديث والمعاصر، كما بيناه في رواية "ميرامار" للكاتب المصري نجيب محفوظ، وخلصنا فيها أن التاريخَ الحديثَ والمعاصرَ ليس سوى محتوى لمفهوم "السياسة" بالمعنى المتداول في وقتِنَا الحاليِّ، وهذا الذي اعتمده داي سيجي عندما جعل منَ "الثورة الثقافية الصينية" خلفية لبناء متخيله الروائي، ثمَّ المتخيل الأدبي، عندما جعل الكاتب من روايات كتاب فرنسيين مشهورين ومعترف لهم بالإبداع من أمثال؛ بالزاك (H. Balzac) وألكسندر دوما (A. Dumas) وغوستاف فلوبير (G. Flaubert) خلفية لبناء "القصة"؛ مادة المحكي السردي لليو والخياطة الصينية الصغيرة ووالدها وشيخ القرية وغيرهم.

 

ومن بين أهم مظاهر استناد الكتاب على المتخيل التاريخي إضفاء قيمة اليقين والواقعية على القصة المتخيلة، لأن التاريخ كما ترسخ في الأذهان، أنه الحقيقة التي لا يتسرب إليها الشك والريبة، فالتاريخ أحداث وقعت بالفعل، وتم تدوينها في حينها، وقد تم تأكيد هذا الحكم عبر وسائط متعددة، كالتعليم والتعريف الموسوعي والمعجمي لكلمة "تاريخ"، إذن، فالتاريخ حقيقة، أو هو وقائع حقيقية، وشخوصه حقيقية وواقعية كانت موجودة بالفعل، في أزمنة معينة وأمكنة ثابتة، ومن هنا رفضت الآراء المتشككة في حقيقة الوقائع وفي نتائجها، تلك التي طرحت بجرأة مسألة "إعادة التفكير" في مفهوم التاريخ وبالضبط في حقيقته المطلقة وواقعيته، من منظور مختلف، قد لا يشكك في حقيقة وجود الأحداث والوقائع والشخوص، ولكنْ "يُعِيدُ صياغة" الأسئلة حول "بناء" الأحداث و"تأويل" النتائج بالعودة إلى الأحداث الثانوية والهامشية والصغرى التي أهملها المؤرخون.

 

وتكمن أهمية اعتماد المتخيل الأدبي في خلق فضاء ثقافي مشترك يجمع بين كل محبي وقراء بالزاك وفلوبير ودوما من كتاب الواقعية والطبيعية، أولئك الكتاب الذين اهتموا بالتاريخ والواقع في الرواية وبالطبيعة سواء الجامدة أو البشرية (العاطفية)، فبالنسبة لهؤلاء الكُتَّابِ فقد تحولوا إلى "حجة" بإبداعيتهم وكثرة منجزهم الروائي، وهو ما جعل منهم كتابا "مدرسيين" كلاسيكيين، اليوم، لكن الكاتب داي سيجي وظفهم للتعبير عن مرحلة تاريخية "مظلمة" من تاريخ الصين الحديثة، فترة تسلم ماو تسي طونغ، وفرض سياسة "ديكتاتورية البروليتاريا"، بما يعني، في عرف الثورة الشيوعية "ثورة الفلاحين والعمال"، وقد رافقها انتقام طبقي من "المثقفين البورجوازيين"، الذين اعتبروا أعداء للشعب فسجنوا وقتلوا، بعدما ألصقت بهم تهم جاهزة في دفاتر الجيش الأحمر، وكأننا أمام الفكرة الجوهرية في أعمال فرنز كافكا "المحاكمة" و"في مستوطنة العقاب" حيث الفرد مدانٌ دون أن يرتكب خطأ أو خطيئة، فكل من لم يكن فلاحا أو عاملا اتهم بالبورجوازية المعادية للشعب ووجب نفيهم وسجنهم وتعذيبهم، وقد صور الكاتب هذه الظاهرة في مشهد عنيف تمت فيه محاكمة والد (ليو) طبيب الأسنان المشهور الذي عالج فيما مضي أسنان ماو من التسوس، وقد ألصقت به تهمة معاشرة ممرضته، وَلَاقَى والد السارد، وهو طبيب أيضا، المصير ذاته (السجن)، وإمعانا في العقاب تم إبعاد أبنائهم إلى القرى النائية من أجل "إعادة التأهيل" على أيدي الفلاحين القرويين.

 

ومن أهم التهم التي لا تغتفر في ظل سياسة "الثورة الثقافية" السوفييتية ورديفتها الصينية قراءة الكتب الغربية خاصة الروايات والقصص، لأنها روايات وقصص بورجوازية تتحدث فقط عن الجنس والحب والصراع ضد العالم، يشبه السار في رواية داي سيجي شخصيتاه الرئيسيتان بشخصيات روائية غربية يقول عن (ليو) و(الخياطة الصغيرة)، بعدما اكتشفت الخياطة الصغيرة حملها من صديقها (ليو)، والحال أن الثورة البروليتارية ترفض بحكم السياسة الجديدة وبحكم العادات والتقاليد الريفية والجبلية أيضا الإنجاب خارج مؤسسة الزواج من جهة، ومن جهة أخرى رفض الثورة والنظام الجديد الزواج دون الخامسة والعشرين من العمر، يقول:" لقد نسيت أمرا أساسيا، أي أن أسألها إنْ كانت ترغب في أن تصير أما في الثامنة عشرة من العمر. وكان سبب هذا النسيان بسيطا: استحالة الاحتفاظ بالطفل استحالة مطلقة. ما من مستشفى، ما من قابلة في الجبل، يمكنهما القبول بخرق القانون، عبر الإشراف على وضع طفل لشخصين غير متزوجين. ولا يستطيع ليو الاقتران بالخياطة الصغيرة إلا بعد سبع سنوات، لأن القانون يحظر الزواج قبل سن الخامسة والعشرين. زاد غياب الأمل حدة بعدم وجود مكان غير خاضع للقانون يمكن أن يهرب إليه روميو، وجولييت الحامل، خاصتنا، ليعيشا على طريقة الشيخ روبنسون كروزو، يساعدهما شرطي سابق تحول إلى شخصية "جمعة". فكل سنتمير مربع في هذا البلد هو تحت المراقبة اليقظة لـ "دكتاتورية البروليتاريا" التي تغطي الصين كلها مثل شبكة رحبة الاتساع، لا تنقصها حلقة واحدة." ص (178)

 

يُبْرِزُ هذا المجتزأ سلطة تحكم البروليتاريا في الثقافة الجديدة، وهو ما يناسب فكرة لينين التي ترى الثورة الثقافية من هذا البعد والعمق، المتمثل في خلق جيل جديد ذي ثقافة عمالية جادة، يقول:"... واليوم يتوفر أهم شيء بالنسبة للثورة الثقافية منذ ظفر البروليتاريا بالسلطة، ألا وهو استيقاظ الجماهير وسعيها وراء الثقافة. وينمو أناس جدد خلقهم النظام الاجتماعي الجديد ويصنعون هذا النظام..." ص (151). وقد جمع لينين في ما عرف بـ "مسودة قرار عن الثقافة البروليتارية" بين مفهومين أساسيين في "المتخيل التاريخي" الذي اختاره داي سيجي خلفية لبناء روايته "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة"، وهما: "الثورة الثقافية" و"ديكتاتورية البروليتاريا"، كالآتي:" لا اختلاق ثقافة بروليتارية جديدة، بل تطوير خيرة نماذج وتقاليد ونتائج الثقافة الموجودة من وجهة نظر الماركسية عن العالم وظروف حياة ونضال البروليتاريا في عهد ديكتاتوريتها." ص (93)

 

هناك تناقض بيِّنٌ في مفهوم "ديكتاتورية البروليتاريا" ونتج عنه سوء "التأويل" و"التطبيق" في لحظة انتقال المفهوم إلى تجارب خارج الاتحاد السوفييتي وبعيدا عن لينين ذاته الذي تقول عنه كلارا تسيتكين في مقالة جميلة من كتاب: "ذكريات عن لينين" حيث يبدو لينين أكثر انفتاحا ووضوحا في الرؤية وفي الاختيار بين "القديم" و"الحديث" ودرجة الاستيعاب والتوافق مع وعي الجماهير، يقول:" نحن ثوريون جيدون، ولكننا نشعر لسبب من الأسباب بأننا ملزمون بأن نثبت أننا نقف نحن أيضا "في مستوى الثقافة العصرية". بل إني أملك من الجرأة للقول عن نفسي بأني "همجي". ليس في وسعي أن أعتبر مصنفات التعبيرية والمستقبلية والتكعيبية، وما شاكلها من التيارات، الإفصاح الأسمى عن العبقرية الفنية. فأنا لا أفهمها ولا أشعر بأي فرح بها." ص (135)

 

إن داي سيجي استطاع أن يقرن بين متخيلين مختلفين ويصنع منهما خلفية جيدة للتعبير عن موقف رافض ومناقض للثورة الثقافية وصرامتها في التعامل مع الفن والثقافة الغربية المتهمة بالنزعة البورجوازية المعادية للشعب والخارجة عن "ثقافة البروليتاريا" الجديدة، التي تطمح لبناء ثقافة جديدة وإنسان جديد، وأن يقوم بالانتصار للأدب الغربي وعبره كل الإبداع الحر، الذي يخاطب الإنسان دون تصنيف ضيق، لأن مفهوم الإنسان غير محصور في توصيفات بعينها، وأهم ما يبرز إنسانية الإنسان في الكتابة، البعد السيكولوجي، الذي بينا في روايات كثيرة مدروسة في هذا الكتاب لنجيب محفوظ وهرمان هيسه، كافكا وستيفان زفايغ...، أنها العلامة الفارزة للأدب الجديد بداية القرن العشرين، خاصة بعد ما أصاب الوعي والفكر إبان الحربين العالميتين. وقد جسدهما الكاتب في: الجنس والحب والصراع ضد العالم. وهذا الذي حاربته الثورة الثقافية.

إن التأويل الخاطئ لمفهوم "الأدب" و"الإنسان" وسوء توظيفه في ظل ثورة كانت تنشد التغيير والقضاء على الفوارق الطبقية، والمتمثل في خلق "ديكتاتورية ثقافة البروليتارية"، والسعي وراء إنقاذ الفلاحين والعمال من قيود الأمية والجهل، وإعادة تأهيل أبناء البورجوازية على أيدي القرويين، خلف تفاقما كبيرا في المجتمع، وقضى على الطبقة الوسطى، ولذلك، جاءت رواية داي سيجي، للوقوف أمام هذا الانهيار والهبوط نحو الثقافة الفقيرة بضيق أبعادها، وابتعادها عن الوظيفة الأسمى للأدب: خلق روح إنسانية مشتركة، ومتفاعلة، وخلاقة، ومخترقة لكل الحدود والفوارق.

 

تروي رواية "بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة" قصة عاطفية على غرار قصص الروايات الواردة في المتن السردي لكتاب عالميين من قبيل بالزاك ودوما وفلوبير ديكنز وشيكسبير...، لكن الأهم أنها رواية تنتصر لـ"القراءة" ولـ"الكتاب"؛ فقد لانت قناة الطبيب أمام كتابين لبالزاك اقترحهما عليه السارد، مقابل إجراء عملية إجهاض الخياطة الصينية الصغيرة، واختراق القانون الذي لم يجرؤ أحد على تجاوزه، خوفا من العقاب. يقول السارد بعد نجاح العملية:" وفضلا عن اتفاقنا، أي كتاب "أورسولا ميروي"، وهبت للطبيب رواية "جان-كريستوف" أيضا، وكان كتابي المفضل في ذلك الوقت. بترجمة السيد فولي نفسه." ص (192)

 

 

سيجي، داي: بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة. ترجمة؛ محمد علي اليوسفي. منشورات المركز الثقافي العربي. ط1. 2004م

 

 

 

Posté par motassim à 21:13 - Commentaires [0] - Permalien [#]

04 août 2017

الطريق إلى بيت لحم لرسمي أبو علي من كتابي "نحو المحكيات السردية

محمد معتصم

 

المحكي السردي بين الصدق والتوثيق والتخييل

 

في الرواية الحديثة والمعاصرة في الأردن وقفنا عند عدد من المحكيات السردية وقد اجتهد كتابها وكاتباتها في ابتداع صيغ سردية حديثة تناسب تطلعات المرحلة وتمتاح من التجارب الجديدة الناجحة في العالم والعالم العربي، بينما الرواية عند الكاتب والشاعر والقاص رسمي أبو علي اختارت أن تخوض تجربة مختلفة، لكن بتبريرات معقولة، منها أنها أن السارد يكتب بوعي حاد بالمرحلة التاريخية التي يروي أحداثها، ويشعر بمسؤولية ذلك حيال الأجيال اللاحقة، إنه سارد مسؤول أو يمكن أن نقول عنه "ملتزم" بمعنى من المعاني، يرغب في نقل الحقائق كما وعاها وهو طفل إبان نزوحه وعائلته من قريتهم الصغيرة المسماة "المالحة" القريبة من القدس، وبداية اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد إعلان الدولة الإسرائيلية سنة 1948م، إنه سرد يحتمي بالصدق قدر الإمكان، أي قدر استطاعة استيعاب واسترجاع ذاكرة طفل دون العاشرة لأحداث جسيمة ما تزال مستمرة حتى وقت كتابة هذه الدراسة، ويستند إلى ضرورة ووعي تاريخيين لأن ما يسرده من محكيات سيكون في وقت من الأوقات "شهادة" حية من قلب العاصفة، من قلب الاجتياح والعنف الإسرائيلي.

 

بهذا الوعي المسؤول اليقظ والحاد كتب رسمي أبو علي روايته "الطريق إلى بيت لحم"، لكنني لا يمكن أن أفصلها عن روايته "تلك الشجرة الجليلة... ذلك الانحدار السحيق (أوراق من عمان الخمسينات)"، أولا لاشتراكهما في خصائص سردية واحدة، وهي محكيات كما سلف تحتمي بالصدق والتوثيق التاريخي والتخييل الأدبي، ومن أهم ملامح السرد فيها ضمير المتكلم وتوافق السارد والشخصية الروائية والمؤلف وحملهم لاسم علم واحد، هو "رسمي أبو علي" أو كما يقول في "أوراق من عمان الخمسينات" على لسان المدرس: "رسمي حسن محمد علي؟

أجبت نعم، هذا هو اسمي الكامل.

قال الأستاذ يمغص نيعك، من أين أنت؟

قلت أنا من المالحة قرب القدس ولكني جئت بعد ذلك من بيت لحم..." ص (458)

 

ثانيا، لأن الرواية الثانية تبدأ محكياتها السردية من النقطة/ السنة التي انتهى إليها السرد في الرواية الأولى وهي سنة 1952م حيث انتقلت الأسرة (العائلة) إلى عَمَّان، يقول المقطع السردي الأخير:"لقد بقينا في بيت لحم أربع سنوات ثم ذهب والدي إلى عمان بحثا عن عمل جديد فلحقنا به في عام 52، ولكن تلك رواية أخرى..." ص (289)، ويقول الطفل السارد في المقطع السردي الافتتاحي للرواية الثانية:" بعد وصولنا إلى عمان قادمين من بيت لحم عام 1952، استأجرنا غرفة واطئة السقف وحيدة في جبل الجوفة تحت عائلة من أصول بدوية، أمامها قطعة جرداء من الأرض يفترض أنها الحديقة، لكن لم يكن بها إلا شجرة تين عجفاء مكسوة بالغبار، فكأنها شجرة غبار على هيئة شجرة تين." ص (453)

 

ثالثا، الفضاء الروائي لم يتغير إلا ليرسم الخط الذي رسمه النزوح والمأساة التي عاشها الشعب الفلسطيني عبر صورة مصغرة لمأساة ومحنة أسرة السارد الطفل "رسمي حسن محمد علي"، وقد شكل المكان، كما هي العادة في الرواية الفلسطينية التي نقلت الأمكنة إلى اللغة وإلى المتخيل الأدبي حفاظا عليها من الضياع، كما بينت خاصة في دراستي لرواية إميل حبيبي "سعيد أبو النحس المتشائل"، شكل المكان محطات وعلامات للرحلة الشاقة والصعبة من أجل البقاء، كالآتي: المالحة - كرزة- بيت لحم- عَمَّان.

 

ثلاثة أسباب موضوعية تدفع الدارس إلى الجمع بين الروايتين كامتداد سردي: السارد الطفل والفضاء الروائي وتصريحات السارد المتضمنة كتعليق أو شرح وتفسير، ويمكن اعتبارها أساليب إقناع لخطاب حجاجي يروم خلق الانسجام بين المنطلقات ثلاثة التي حددتها في البداية (الصدق في رواية الأحداث، التوثيق التاريخي للشهادة والأمانة، وضمير المتكلم).

 

يمكن تقسيم مستويات المحكي السردي في روايتي رسمي أبو علي إلى ثلاث مستويات كبرى، وهي كالآتي:

 

1/ المحكي التاريخي: وهو سرد يكون فيه كما بين جون ميشيل آدم التخييل في الدرجة الصفر، لأنه يسعى أن تكون الرواية مطابقة للحقيقة في الواقع، ويسعى فيها السارد إلى إبعاد الذاتية وانفعالاتها وجنوحها التخييلي. يقول السارد:" لكن الحقيقة يجب أن تقال، والذي حدث يجب أن ترويه آلاف بل ملايين الأفواه وكل ما أتمناه أن يهبنا الله اللباقة والتصميم لإنجاز هذه المهمة الشاقة لأروي تلك الأحداث بأكبر قدر من الصدق." ص (251)

 

يقرُّ رسمي أبو علي حقيقة نقدية ها هنا، ومفادها أن الأدب (رواية أو شعرا أو قصة أو مسرحية) لا يمكنه أن يكون الحقيقة الواقعية ذاتها ولا حتى أن يحذوها حذو الحافر للحافر كما يقال، لأن للأدب طبيعة تخييلية تبدأ من اللغة في حد ذاتها، فاللغة وبالرغم من أهميتها في نقل الأخبار والأحداث وتصوير الوقائع ورسم ملامح الأشخاص والشخصيات لا يمكنها أن تكون صادقة، لأن للغة صلة بقصدية الكاتب وللغة حمولتها وتراثها وتاريخها الشخصي، ولأن للغة معانيها وتراكيبها ومجازاتها ... لكن يمكن للأدب أن يقربنا من الحقيقة التاريخية، باستعمال المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية الخارجية كما حددها رسمي أبو علي بالنسبة للمكان (المالحة، القدس، بيت لحم، عَمَّان) وللزمان (ربيع وصيف سنة 1948م، والعام 1952م)، أو استعمال المعينات الزمانية والمكانية اللسانية  وهي المعينات اللغوية غير المحددة بما هو خارج نصي.

 

من ملامح المحكي التاريخي الصدق في رواية الأحداث والرسم الدقيق للشخصيات وللأشخاص واعتماد المعينات الزمانية والمكانية غير اللسانية، وأدوات السارد في المحكي التاريخي "العين" الراصدة التي تعاين الوقائع وتنقلها بصدق قدر استطاعة اللغة، وتنهل طبعا في أغلب المقاطع السردية والمتواليات من الذاكرة عبر الاسترجاع والاستدعاء، أي استدعاء حادث بحادث مماثل أو نقيض، والاستذكار، أي حث الذاكرة على فعل ذلك، لكن في لحظات معينة يكون الواقع أعنف من الصدق في السرد، فيتألم السارد، وقد يتوقف السرد أو يحدث السارد "طفرة" يختزل فيها أحداثا ووقائع، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بقول السارد في المقطع السردي الآتي:" إلى هنا والراوي لم يعد يجد ما يضيفه للأحداث التي وقعت في ربيع وصيف السنة المشؤومة: سنة 48.

 

إنه على سبيل المثال يذكر كيف خرجوا من البلد وهذا شيء غريب حقا، فإذا كان ثمة ما هو جدير بالتذكر فقد كان بالتأكيد تفاصيل ذلك الخروج. ولكننا نبحث عبثا في الذاكرة الأعمق لراوينا الفتى والذي أكمل سنته العاشرة آنذاك، عن التفاصيل، فلا نجد شيئا.

 

Posté par motassim à 12:16 - Commentaires [0] - Permalien [#]