محمد معتصم

الناقد الأدبي

1/ شروط المرحلة:

وفق ما آمن به الكاتب والروائي سهيل إدريس نقول بان تشكل رؤية الكاتب تظل رهينة الشروط الذاتية والموضوعية الخارجية المحيطة به. والفترة التي تشكل فيها وعي الكاتب سهيل إدريس تميزت بحركة دينامية في العالم العربي، تمثلت في نهوض الشعوب العربية، ومقاومتها لكل أشكال الاحتلال، وسعيها لقطع دابر التخلف والعبودية السياسية والثقافية والعسكرية في البلاد العربية من الماء إلى الماء. فقد شهدت تلك المرحلة بداية تحرر البلاد العربية من الاستعمار الذي زج بها ولمدة طويلة تحت نير التخلف والعبودية. ولا يمكن إغفال حركة التنوير السياسي والديني والفكري السابق والممهد للحركة المقاومة والتحررية، في المغرب، والجزائر، ومصر، واليمن....

هذه الحركة لا شك أثرت في وعي الكاتب، وحددت أفق نظرته نحو المستقبل. ومنها استقى وعيه القومي والعروبي، الذي رسخته في الفترة ذاتها ثورة الضباط الأحرار في مصر. وما تبع ذلك من فكر الوحدة العربية، التي ألهبها الحماس المتقد في الفكر الناصري.

2/ الوجودية:

ورغم النشوء المحافظ للكاتب، إلا أن ما تفاعل من حركة التحرر في العالم العربي منتصف القرن المنصرم، ومقاومة المستعمر، ومناهضة التخلف، ومحاصرة التشرذم العربي، كل ذلك جعل الكاتب يشعر بالقيمة الجوهرية للمسؤولية. فالحرية تبدأ من استيعاب دلالتها. واستيعاب معناها يقوم على تقدير القيمة الجوهرية لمفهوم الذات. ولا يمكن للذات أن تستوعب معنى الحرية وقيمتها إذا لم تكن هي ذاتها حرة. والحرية اختيار، أي أنها مسؤولية ذاتية. قبل أن تكون مسؤولية جماعية؛ مسؤولية نحو الآخرين. والمسؤولية تشترط الالتزام، ومحاسبة الذات.

هذه المبادئ هي مرتكز الوجودية السارترية. الوجودية التي سادت فرنسا فترة وجود الكاتب بها للدراسة والتحصيل العلمي. والمتتبع لمسار الكاتب سهيل إدريس يجد ملامحها بادية في ترجماته، وفي إبداعه السردي الروائي والقصصي، وفي مقالاته الافتتاحية لمجلة الآداب. والمبادئ والمرتكزات التي تقوم عليها كتابة سهيل إدريس لا تخرج عن مفهوم الحرية، والمسؤولية ثم الالتزام. وهي الحركة الفكرية التي امتد تأثيرها على الكتاب العرب حتى بداية السبعينيات من القرن المنصرم. حيث سيتم التحول في الواقع، والتحول في الصراع، وتغيير أقطاب الصراع. أي الانتقال من الصراع مع الدخيل، إلى الصراع مع أذنابه وبقاياه.

3/ العروبة:

ارتبط إبداع سهيل إدريس بمفهوم العروبة والقومية. والإيمان القوي بالوحدة العربية، التي دشنتها الوحدة الصغرى بين مصر وسوريا. تلك الوحدة التي لم تعمر طويلا، فأصابت الكثير من المفكرين والكتاب المبدعين العرب، ومن بينهم سهيل إدريس بشعور حاد بالخيبة.

لكن وقوف الكاتب إلى جانب البلاد العربية في مقاومتها لكل أشكال الاحتلال، المباشر أو غير المباشر الممثل في الاستغلال وهدر الطاقة البشرية العربية وتعطيلها عن العمل والفعل والبناء، يفسر مدى رسوخ الفكر العروبي والقومي والوحدوي عنده. كما يفسر مدى إيمانه بمبادئ الفكر الوجودي السارتري.

4/ الحداثة أو الجديد:

ومن مظاهر فكر الوحدة والعروبة والقومية العربية إيمان الكاتب بالتجديد وبالحداثة في الحياة وفي الإبداع. وهو ما يتجلى بوضوح في اختيار دار الآداب لمنشوراتها الإبداعية. وتوضحه أيضا الأقلام التي تكتب بمجلة الآداب البيروتية.

إن الانتصار للحداثة، موقف يوافق موقف العروبة. ويثمنه بل ويرتقي به نحو الأفضل. وهما معا ينبعان من فكرة الالتزام والمسؤولية. ويمكن تسمية ذلك الالتزام الثقافي والحضاري. أي الالتزام بالهوية العربية في مواجهة المد التغريبي والتهجين والخضوع والاستسلام للضعف والشعور بالدونية.

5/ مجلة الآداب، ودار الآداب:

لقد نهضت مجلة الآداب البيروتية، ودار الآداب بأدوار طلائعية في العالم العربي منذ بدايتها أواسط القرن المنصرم. ليس بالانتصار للثقافة العربية الحديثة فحسب، ولكن بتحريضها الأقلام العربية الشابة، وقتها، على الإبداع والابتكار في الفكرة والأسلوب. في فكرة ملأ الذات العربية بالفخر، وإبراز جوانب القوة في الأمة. وفي أسلوب المحاورة والسجال. لأن التقليد لا يساعد على النهوض، وبل يرسخ الجمود.

لذلك كانت مجلة الآداب ودار الآداب منارة يهتدي بها الكتاب الملتزمون، والمسؤولون  في فكرهم وإبداعهم بقضايا الأمة. والمدافعون عن حقوقها المشروعة في الوجود.

6/ مناهضة الآداب وصاحبها:

من أجل كل ذلك؛ الحرية، والمسؤولية، والالتزام، والعروبة، والقومية، ونشر دعوات الأمل، والإيمان بالذات العربية وثقافتها وحضارتها ناهضت أقطار عربية كثيرة مجلة الآداب وصاحبها. وقد توفي الكاتب سهيل إدريس والمجلة لم تسلم من هذه المناهضة والمتابعة. بالرغم من تحول المعايير والمبادئ وآفاق التصور. وتكبد الذات العربية الكثير من الخيبة والخسارة. لكن تاريخ الآداب مجلة ودار نشر يلاحقها، ولم تستطع جهات كثيرة نسيان معاركه وأدواره وفاعليته الحيوية والحية في الضمائر العربية الحية منذ أواسط خمسينيات القرن المنصرم حتى اليوم.

7/ الحي اللاتيني والمرحلة الحالية:

ولا يمكنهم نسيان ذلك خصوصا أن ما طرحه الكاتب سهيل إدريس في روايته "الحي اللاتيني" حول الصراع بين الشرق والغرب، كثقافتين وحضارتين مختلفتين قد زادت حدته اليوم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بنيويورك. وتم التعبير عنه بصراع الحضارات وتصادمها من أجل هيمنة الثقافة القوية والفتية، ودحض الثقافة الضعيفة، أي التي ضعف أهلها عن الدفاع عنها وإبراز مقوماتها وحداثتها وقدرتها على الإسهام في تطوير الفكر الإنساني.

ويمكن بهذه الفكرة المختصرة هنا إعلان ريادة سهيل إدريس، وقوة استشرافه للآفاق، وقوة حضوره في المرحلة الحالية رغم الموت الذي غيبه عنا جسدا دون القدرة على تغييبه فكرا وموقفا.

* المحاور التي سأشارك بها في المائدة المستديرة حول الكاتب والروائي صاحب مجلة ودار الآدب سهيل إدريس