حوار مع الكاتبة المغربية زهرة رميج

* ما يشغلني أثناء الكتابة، هو النص نفسه و طريقة التعامل معه

- حاورها : عبدالله المتقي

زهرة رميج قاصة وروائية ومهووسة بالقصيدة والترجمة ،

صدر لها مجموعتان قصصيتان : " أنين الماء " 2004 ، " زهرة الصباح "   2006، ثم رواية " أخاديد الأسوار " 2007 ، وقريبا يصدر لها مجموعة قصص قصيرة جدا عنوتنها ب " عندما يومض البرق " ، كما في جبتها الكثير من الترجمات .

في هذا الحوار اقتراب من أغوارترجمات و كتابات زهرة القص كما يسميها أصدقاؤها من المصابين بالقصة :

1- ما الذي يحملك إلى الكتابة و ماذا تحملين لها؟

- يحملني إلى الكتابة التوتر و القلق الدائمين الذين أعيشهما سواء على المستوى الذاتي أو الجماعي و عدم القدرة على الصمت أمام ما يحدث حولي.

تحملني رغبتي في التعبير عن أفكاري و آرائي و مواقفي و مشاركة الآخرين أحاسيسي و مشاعري و تجاربي.

لا أدعي  تغيير الواقع عن طريق الكتابة، و لكن على الأقل، أستطيع أن أرفع صوتي و أقول "لا" بطريقتي الخاصة لكل مظاهر القبح و الرداءة التي لا تتوقف عن الزحف.

من هذا المنطلق، يكون للكتابة فضل علي لأنها تحررني من اغترابي الداخلي و تطلق العنان لمكبوتاتي بكل أشكالها النفسية و السياسية و الاجتماعية.

أما ماذا أحمل لها أنا، فلا شيء غير الصدق.

2- أيهما يسيطر عليك الآن؟  القاصة أم الروائية ؟

- يسيطر علي الإبداع السردي بشكل عام. و لا يهم إن كان قصة أو رواية. الذي يشغلني أساسا، هو أن تكون كتابتي في مستوى ما أطمح إليه.

هذا هو الهاجس الذي يسيطر علي دائما.

3- ما السر في اختيار "أنين الماء" عنوانا بدل خريره وانسيابه؟

- العنوان كما تعلم، مهم جدا في أي عمل إبداعي. فهو النافذة التي تنفتح عليه. و هو المقبّل الذي يفتح شهية القارئ. و من هنا، لا بد أن يكون مستفزا.

لا شك أن  القارئ يجد نفسه مع هذا العنوان يتساءل: كيف يئن الماء؟ في هذا السؤال وحده تكمن الإثارة. أما لو كان العنوان "خرير الماء"، فسيكون عاديا، و قد يحيل على نصوص مفعمة بالسعادة و الرومانسية، و الحال أنها عكس ذلك تماما. فالشخصيات في "أنين الماء" كلها تئن جراء احتراقها بنار الواقع و إكراهاته الخانقة.

4- ثمة روح  ساخرة  في قصصك.. بم تعللينها؟

- المثل المغربي يقول:"كثرة الهم تضّحّك". و الشعوب عندما تتفاقم مشاكلها، تتخذ السخرية وسيلة للتنفيس عن آلامها. فقد أفرز الواقع التركي مثلا، أعظم كاتب ساخر هو عزيز نيسين. لذلك، لا شك أن مبعث السخرية في الأعمال الإبداعية هو مرارة الواقع و الرغبة في لفت الأنظار و دق نواقيس الخطر بخصوص ما ينتقد.

عندما توظف السخرية كوسيلة جمالية، لنقد بعض الظواهر السياسية و الاجتماعية، فإن درجة التأثير تكون أكثر قوة.

5- "أخاديد الأسوار" شهادة حارة بصوت روائي صارخ ، واحتراقا في حب الوطن، مارأيك؟

- يسعدني أن تصلك حرارة صوتي و تشم رائحة احتراقي.. ذلك أني أردتها فعلا، شهادة حارقة عما يعانيه الوطن من هدر للطاقات الخلاقة بقمعه لحرية الرأي و حرية التفكير، و بعدم ضمانه لكرامة المواطن. كثيرا ما أرقني هذا السؤال: "لماذا ينعدم حب الوطن عند المغربي؟" إن غياب الديمقراطية الحقيقية التي تضمن حقوقه كاملة، و اتباع سياسة توسيع الهوة بين الطبقات و إسدال الستائر السوداء في وجه المستقبل، كلها أمور تجعل من الوطن سجنا كبيرا يسعى كل واحد إلى الهروب منه بطريقته الخاصة.

6- ما درجة إحساسك بالحرية، وأنت تكتبين هذا النص الروائي، بعيدا عن الرقيب المفترض؟

- كتبت هذه الرواية و أنا في حالة نفسية غاية في التوتر و الانفعال. كتبتها بوتيرة سريعة مثلما تكتب القصيدة عندما تنفجر دفعة واحدة كالشلال. لم أفكر أبدا، في الرقيب المفترض. كتبتها و أنا أختلي بنفسي و كأن لا أحد غيري سيقرؤها. لذلك، كان إحساسي بالحرية مطلقا. فقد عبرت عن أحاسيسي و أفكاري و مواقفي بكل صدق و دون مراعاة لأي طرف كان.

7- ما هو الحجم الذى يشغله القارئ في كتابتك؟.. هل تفكرين بقارئ معين؟

- لا أفكر عادة، في القارئ و أنا أكتب. ما يشغلني أثناء الكتابة، هو النص نفسه و طريقة التعامل معه و التقنيات التي تناسبه. ما يهمني هو أن أرضى شخصيا، على النص باعتباري قارئة لا مؤلفة. عندما يتحقق ذلك، تنتهي مهمتي. ما أطمح إليه أن يجد كل قارئ كيفما كان مستواه، شيئا ما يثيره في نصي.

8- كمترجمة، الى أي حد تتدخلين في تفاصيل العمل المترجم، وهل يتم بالاتفاق مع صاحب العمل؟

- عندما أقوم بترجمة نص إبداعي ما، أضع دائما نفسي مكان المترجم له. فمن خلال تجربتي ككاتبة، أعرف أن الكثير من التفاصيل التي قد تبدو أحيانا، لا أهمية لها، تكون أساسية في العمل الإبداعي. لذلك، أحرص على احترام هذه التفاصيل ما دامت لها وظيفة محددة في النص و ما دامت لا تتنافر و اللغة المترجم إليها. و اتفاق صاحب العمل مرهون بالتواصل معه و مناقشته في هذه الأمور مثلما حدث مع الكاتب عبد اللطيف اللعبي الذي كانت لي معه تجربة جميلة بهذا الخصوص.

9- بعد هذه الرحلة ماذا حققت لك الكتابة؟

- رحلتي في الكتابة، ليست طويلة. لا أزال في بدايتها. و مع ذلك، يمكنني القول إن الكتابة حققت لي بالدرجة الأولى، التوازن النفسي، وحررتني من صمتي و أعطت لحياتي معنى إذ ارتقت بي من وضع "الإنسان الأخير" إلى وضع  "الإنسان الذي يسير في الطريق" بمفهوم الفيلسوف نيتشه.

10- ما جديد زهرة رميج؟

- جديدي يتمثل في مجموعة قصصية قصيرة جدا، بعنوان "عندما يومض البرق" تصدر قريبا و  كتابين مترجمين هما: "نهر شيسوان، مختارات من القصة الصينية" لكاتبات صينيات  سيصدر بتونس، و "عقدة دي" للروائي الصيني داي سيجي الذي يكتب باللغة الفرنسية و يصدرها المركز الثقافي العربي.

11- بالمناسبة، من أين أطللت على القصة القصيرة جدا ؟ و ما هو مبرر وجودها عندك؟

- لا أدري إن كنت أنا التي أطللت عليها أم هي التي أطلت علي! كل ما أعرفه أني كتبتها بالموازاة مع الشعر و القصة القصيرة. لعلها جاءت من قراءاتي و إعجابي بما كتبه الكثير من الكتاب و منهم جبران خليل جبران و نجيب محفوظ و محمد إبراهيم بوعلو الذي كنت أحرص على قراءة قصصه التي كان ينشرها كل أسبوع بجريدة المحرر. و هي القصص التي جمعها و نشرها في مجموعته "خمسون أقصوصة في خمسين دقيقة".

أما مبرر وجودها، فهو شبيه بمبرر وجود البرق في السماء. إنه نور خاطف، لكنه رغم سرعته الهائلة يكشف في تلك اللحظة الدقيقة، عالما لا حدود له و ينبئ بهزيم الرعد و هطول الأمطار الطوفانية. أو لنقل إنه شبيه بمبرر وجود القصيدة التي تفاجئك على حين غرة و تجتاحك في لحظة خاطفة دون أن تعرف لذلك سببا أو معنى.

كلمة أخيرة.

- لقد انتابني الإحساس بالقصة القصيرة جدا، و أنا أقرأ أسئلتك ذات الإيقاع السريع. و هذا الإحساس فرض سلطته علي و ألزمتني بالسير بنفس الخطى.  أتمنى أن تلامس هذه الإجابات المقتضبة بعض زوايا أفق انتظارك.