محمد معتصم

مَنْ حَفَرَ حُفْرِةَ وَقَعَ فِيهَا

 

هناك مثل سائر يقول:" منْ حفر حفرة وقع فيها."، وتدل على أن الإنسان ينسج دون وعي منه مصيره، ويضع عتبات الارتقاء أو الانحدار نحوه بأفعال؛ أفعال يقدمها الإنسان على أنها قضاء وقدرٌ تقع له دون إرادة منه، وأخرى يقوم بها بوعي وإصرارٍ، وهذا مسار ومصير شخصية "عواد الباز" التي رسمها الساردون في رواية "ذئب الله" للكاتب والشاعر جهاد أبو حشيش، لكن الرواية التي تبدو في ظاهرها رواية "تكون الشخصية" تحمل مقاصد أخرى، ففي أثناء سرد وقائع وأحداث ولادة وتطور تكوين شخصية عواد الباز، ورسم مسار حياته، هناك مسار سردي آخر ضمني ومصاحب كالظل له يتمثل في عرض تطور فئة طفيلية اجتماعيا تقتات من دماء الأبرياء تتاجر في كل شيء: أرواح الناس ومصائر الأوطان، فئة طارئة متحكمة، بدون هوية حقيقية وبدون جذور وطنية أو قومية وبدون مواقف، تؤمن فقط بأنانيتها المفرطة وتجعل منها ذاتا عَلِيَّةً، سادرة في غَيِّهَا، ومن صفاتها: الجشعُ والهروب من الحقيقة بالانغماس في ملاذ الحياة خاصة الجنس، ثم القدرة على التحول سواء بطريقة المسوخ كما عند "أوفيد" أي التحول البنيوي والتغيير الجذري في الموقف وفي الشكل أو بطريقة الحرباء التي تتخفى وراء تغيير غير بنيوي يقتصر على المظهر الخارجي، فتلبس لكل حال لبوسها كما قالت العرب.

من أهم النقاط المضيئة فكريا واجتماعيا وثقافيا ولاحقا سياسيا في رواية "ذئب الله" وقوفها على تشريح المجتمع العربي في حال تحوله لا استقراره وركوده، وتسليط الضوء على فئة طفيلية "كالفُطْرِ" يقول ماركس، أو "بورجوازية رثة" تبتلى بها المجتمعات في حال ضعفها وانحطاطها الفكري والثقافي والسياسي والأدبي، فئة تتشكل تلقائها لأنها لا تملك القدرة الفكرية على التَّشَكُّلِ وَفْقَ وعيٍ مسبق ونسق إيديولوجي واضح المعالم، ولأنها بلا هوية أو معالم تميزها فهي لا تنتسب إلا لذاتها، ولا تؤمن إلا باللحظة، الماضي مبتور والمستقبل هاويةٌ سحيقةٌ.

اختار جهاد أبو حشيش شخصيتين رئيسيتين لإبراز هذه الحالة، التي تعتبر علامة فارزة في المرحلة التاريخية العربية (والعالمية) المعاصرة، وهما:

-تاليا: اليهودية الأصل، مجهولة الأب.

-عواد الباز: طفل الدم، الجشع، السارق، القاتل، الشبق.

في شبه محكي سير ذاتي، أو محكي "الاعتراف" تتحدث (تعرضُ فلسفتها تجاوزا) تاليا عن فتقول:" أنا فكرة نفسي، وجودي هو مركز السلطة ولا شيء خارج حدودي يستحق أن أكون له." ص (11). وتقول عن أصولها ولا شك أن الساردة تسعى من وراء ذلك التأكيد على أن حادث الولادة من زواج مختلط غير متجانس كان سببا في بناء هذا الموقف الشخصي وحافزا على التنكر لكل جذور في الواقع غير سليمة مادامت تتشابه في الجوهر والقيم والسلوك وتختلف في الصفة الخارجية (مسلم ويهودية)، وهذا واحد من أسس رواية "تكوين الشخصية"، تقول تاليا السارد والشخصية في محكي سير ذاتي واعترافي:" ولدتُ لأب عربي لم أعرفه يوما، رغم أن والدتي حدثتني عنه كثيرا، لكنني لم أرغب يوما أن أعرفه، كان يضربها ويأخذ كل ما تجنيه من مال، اعتقدتْ والدتي أنه سيكون خلاصها، لكنه كان نسخة سيئة عن صديقها اليهودي السابق، كلاهما لم ير فيها إلا حاجته، "كأنهما شربا من كأس التوراة نفسها" كانت تردد هذه الجملة دائما ثم تشتمهما وتشتم كل الكؤوس التي شربا منها." ص (11)

الكأس ها هنا ترمز لوعاء المعرفة، الذي ملئ بفكرة معادية للمرأة، بل محقرة لها وتعتبرها سقط متاع ووعاء للإمتاع. رغم الصورة السلبية لتاليا وعواد الباز، إلا أنهما وظيفيا يقدمان نفسيهما كنتيجة لمقدمات وعلل تتمثل في انحسار الذات ونضوب الوعي الإنساني وغياب سيادة المعرفة العلمية الحقة. إذن، ظهور هذه الفئة الاجتماعية المُجْتَثَّةِ الجذور والممسوحة الهوية والتي بلا أفق، كان نتيجة تكوين وتربية مشوهة وعلاقات مضطربة ومهتزة. الصورة المقابلة لتاليا اليهودية التي تعيش لحظتها بلحظة صورة عواد الباز.

محكي عواد الباز محكي متنوع تناوب عليه عدد من السُّرَّادِ، ثم إنه محكي مركب، فعواد الباز بديل عمه عواد المُغْتَالِ، لقد جاء عواد الباز إلى الحياة ليوقف الثأر بين قبيلتين؛ قبيلة والده صخر ذات السلطة والجاه والصيت وقبيلة أمه "الذلول" الأقل قوة وسلطة وصيتا، ولكن أحد أفرادها لم يرض الذل وشطط القبيلة وابنها عواد فقتله.  لذلك فهو "ولدمن الدم" كما قالت عنه مليحة الأحمد وهو في الآن ذاته شيطان، تؤكد مليحة الأحمد:" لكن أواه يا بعد عيني عواد مات عواد عاد، مثل زرع الشيطان، ولد من الدم، وحياة سيدي عبد الرحمن وكراماته، عصرية ربت شيطانا، شيطان يسرق الكحل من العين، لا ذمة له ولا ضمير ولا قلب، عصرية أكلها الحقد والسواد بعد موت ابنها لم تعد الفارسة التي عرفناها، صار الكيد والحقد طريق وأنت العارف هذه الطريق لا رجعة منها، عصرية التي لم تكن تقبل الحال المايل صارت تتستر على الشيطان الصغير في كل ما لا يقبله الله ولا عبيده." ص (9)

عصرية، جدَّةُ عواد الباز انتزعت حفيدها عواد الباز من حضن أمه وأبيه تعويضا وفدية لحقن الدم والثأر لاغتيال ابنها عواد. ولأن رواية "تكوين الشخصية" تعتمد أساسا على تأكيد أن الإنسان لم يُقذف من فراغ إلى الفراغ، وأن مصير الإنسان تصنعه أفعاله، وبأن الإنسان ليس جزيرة معزولة عن العالم محاصرة بالمياه من الجهات الأربع، وأن الإنسان كائن اجتماعي مهما تَغَرَّبَ، كما هي حال "حي ابن يقظان" عند ابن طفيل أو حال "روبنسون كروزوي" عند دنيال ديفو أو حتى عند مارك توين في "توم سوير" و"هَكْلري فِنْ". فقد سعى السارد في "ذئب الله" لجهاد أبو حشيش إلى التأكيد على البواعث التربوية والاجتماعية للتدليل على أن الفئة الطفيلية والفطرية المستبدة اليوم بفرض طريقتها الشعبوية في الحياة السياسية والثقافية والتواصلية الاجتماعية لم تأت من فراغ وإن كانت رمزا دالا عليه، بل جاءت من قلب الفوضى لتخلق الكارثة، فئة تمتد جذورها في الفراغ لأنها نمت في مناخ صوري يوهم بالفعل ولا يدل عليه، فهي المنتج السيد لكل أشكال الوهم الثقافية والوهم السياسي ووهم التحكم. تعتمد على الضجيج الإعلامي وسحر الصورة وغياب الأثر الوجودي.....

ذئب