عن إسكندر حبش ونوار الحرش مرة أخرى لمتابعة لما ذكرناه سابقا عن الطفولة وعن الصور الفوتوغرافية وعن الذكريات وعن هذا الخوف الذي يعيشه الإنسان من مواجهة ماضيه ومن مواجهة حاضره ومواجهة مستقبله وكأن الإنسان في صراع دائم، وهذه حقيقة وجودية فالإنسان وُجد بصرخة وسيموت بصرخة أو بدهشة فيها نوع من التعلق بالحياة الماضية بالذكريات التي سنتحدث عنها أو التي يوليها إسكندر حبش خاصة في سياق حديثه عن طفولته المبكرة اهتماما كبيرا، ولذلك سأقرأ فقرة هنا يبين فيها على أن الإنسان في نهاية المطاف والمبدع عندما يكتب فإنه في الحقيقة
01:21
لا يكتب إلا ذاته لا يكتب إلا من خلال ذكرياته وتلك الذكريات مرتبطة بماضيه، فلا يمكن أن يكتب الإنسان من فراغ من لا شيء وحتى عندما يستطيع بوعيه وبذكائه وخياله أن يبدع شيئا غير موجود فإنه في الحقيقة يبدعه من ذاكرته عبر إعادة صياغة التركيب وإعادة صياغة الأفكار الموجودة في داخله والذكريات التي عاش عليها. إذا فالإنسان كما يقول إسكندر حبش هو الكاتب بالدرجة الأولى المبدع فإنه يكتب ذاكرته أو يكتب ذكرياته، يقول اما من ناحية الكتابة فأجدني أمام التساؤل التالي: هل أن الادب هو غير كتابة الذاكرة؟
02:33
أعتقد أننا يجيب إسكندر حبش "أننا نكتب عما نعرفه وحتى حين نتخيل أشياء مختلفة مخالفة للواقع فهي في الأساس تكون للهروب من هذه اللحظة الواقعية لأننا أمام شقاء لحظتنا الحياتية الراهنة لا يمكننا فعل أي شيء سوى استبدالها بفرح الكتابة ونعمتها وسعادتها". إذا كتابة الذكريات أو كتابة الذاكرة أو الكتابة من حبر الذاكرة هو في الحقيقة أخذ صور من الماضي لكي نبني بها واقعا جديدا متخيلا، واقعا أدبيا واقعا فكريا، وذلك الواقع يجب أن يكون فرصة لابتكار الفرح ولمناهضة ذلك الخوف الذي ينتابنا والذي تراكم كما
03:51
يقول إسكندر حبش؛ إن طفولته في الحقيقة هي عبارة عن طفولة خوف ورعب، لأنه عاش في فترات كان فيها الصراع محتما قويا، قد لا يكون صراعا إيديولوجيا ولا صراعا طائفيا ولا يكون صراعا حول السلطة وحول المال حقيقة مباشرة، ولكنه صراع وجودي صراع من أجل البقاء، صراع من أجل السلطة لذلك أعود دائما إلى المبدأ الذي تحدث عنه فرويد في تحليلاته النفسية ووضعه كمبدأ وهو مبدأ الرغبة ومبدأ الواقع، وهذان المبدآن يتصارعان فيما بينهما صراعا من أجل التغلب أو من أجل فرض الذات أو من أجل السلطة الرمزية، فهذه الرغبة ليست رغبة مجردة إنماهي
05:00
مرتبطة بإنسان ومرتبطة بجماعة ومرتبطة بفكرة ومرتبطة بمبدأ ومرتبطة بمذهب، وهي التي نجمعها وقد نقول عنها أفكارا إيديولوجية. إذا فالإنسان في الحقيقة وفي الواقع خاصة في واقعنا الحديث والمعاصر، وأنا أيضا من نفس جيل الشاعر، ولكن من بلد اخر ولكنني أشهد على أنني عشت حروب الخليج الثالثة، إذا جاز أن نسمي ما يحدث الآن حربا خليجيه الثالثة، الحرب الخليجية الأولى بين إيران وبين العراق أو بين العراق وبين إيران سواء والحرب الخليج الثانية وهي التي جاءت بعد اجتياح العراق للكويت والتدخل الدولي في الشرق الأوسط لأول مرة بشكل مباشر وعنيفوعلني
06:04
ثم حرب الخليج الثالثة التي نعيش ونشهد أطوارها حاليا وعشنا أتونها وشاهدناها كصور وأصبحت تلك الصور ذاكرة في أذهاننا وجزءا من ذواتنا وجزءا من ثقافتنا وجزءا من متخيلنا الذي لابد أن يكون له تأثير في السلوك بشكل عام في السلوك العام وفي السلوك الشخصي للإنسان وعلى مستوى الكتابة كذلك. إذا فإسكندر حبش يتصور أن الكتابة تقوم على الذاكرة، أي أن الإنسان عندما يكتب في حقيقة الأمر فإن أصل وجوهر الكتابة هو المحبرة التي هي عبارة عن مجموعة من الصور ومن الذكريات (والتمثلات الواعية وغير الواعية) ويسعى الإنسان مهما كتب عن هذه الذكريات أو كتب مستوحيا حياته ومستوحيا أفكاره ومستوحيا القيم
07:20
التي ينشدها والقيم التي يروج لها والإبداع الذي يراه كان إنتاج وكصورة بديلة لابد أنه متصل اتصالا وثيقا بهذه الذاكرة التي هي في حقيقة الأمر مخزونة في مكان بعيد ويكاد الكاتب مهما استغلها ومهما استعملها ومهما وظفها في صوره وتخيلاته وفي إبداعه إلا أنه لا يوظفها توظيفا مباشرا، إنما يسعى إلى أن يغير فيها ويحاول أن يجعل منها لحظة فرح كأن الإنسان (المبدع) لا يريد أن يعيد صياغة الألم ولا يريد أن يعيد صياغة الخوف كما هو ولا يريد أن يجسد ذلك الصراع الدمويَّ الذي بين الرغبة وبين الواقع والحقيقة. إن صراع الرغبة وصراع الواقع
08:28
يتجسد في الحياة كصراع بين شخص يسعى إلى تغيير واقعه وتغيير تاريخه وبين إنسان آخر يريد أن يبقى ثابتا ومستمرا في سلطته وفي مقامه وفي المكان الذي يرتاح فيه وإليه والذي يجد فيه طمأنينته، أي أن الصراع في الحقيقة هو صراع بين إنسان وقد يكون طائفة وإذ أتحدث بالمفرد فإنني في الحقيقة أيضا أتكلم بالصوت الجمعي فكما نتحدث عن وعي فردي فإننا نتحدث عن وعي جمعي وكما نتحدث عن مفرد فإننا نتحدث عن الجماعة أو المجموعة، لذلك فإن الإنسان إذا ما وجد وضعا مريحا استكان إليه واستقر فيه ويصارع من أجل أن يبقى ذلك الواقع رصينا وثابتا وقائما
09:39
ومستمرا بينما هناك فرد آخر أو جماعة أخرى أو مجموعة أخرى لا تستقر ولا ترغب في الاستقرار في وضعها. لذلك فإنها تسعى إلى تحويل تاريخها أو تحويل التاريخ أو تحويل مجرى التاريخ لذلك سيظل دائما أو تظل الكتابة مهما أوغلت في التخييل ومهما أوغلت في الإبداع ومهما أوغلت في الابتكار، فإن في الصور واللغة تلوينات نجدها، وهي موجودة بكثرة كتابات كثيرة وهي عبارة عن كتابات فيها استيهامات كثيرة وفيها صور قد نقول عنها بعيدة عن الواقع إلا أنها في الحقيقة ليست بعيدة عن الواقع إنما تريد كما قال ماكسيم غوركي "أن تجمل الواقع"،
10:35
تريد أن تجعل هذه المأساة الإنسانية أو تلك المأساة الوجودية أو المأساة الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية أن تجعلها نوعا ما جميلة أو بعبارة إسكندر حبش في جوابه أن "تجعلها لحظة فرح". إذا فإسكندر حبش الطفل يخفي تلك الطفولة وهاتيك الصور التي تختزنها الذاكرة خوفا عليها من أن تتشظى وتتلاشى وطبعا كما قال قبل ذلك أو قبل هذه الفقرة أن معتمدا على ما قاله سيورون حين يقول "إن الحياة تبدأ بالأسطورة"، وبالتالي فإن إسكندر حبش يرى أن الأساطير هي عبارة عن الصور التي نخزنها في ذاكراتنا وفي طفولاتنا. إذا
11:38
فالكتابة تعتمد على الذاكرة تعتمد على الصور المخزونة في الذاكرة بشكل من الأشكال، كل واحد يستغل ذاكرته والصور المخزنة فيها بصور تناسب شخصيته وتناسب المقاصد التي يريدها من الكتابة الإبداع، وفي الوقت ذاته فإن تلك المقاصد التي يريدها أو تلك الذاكرة، فإنها قد تكون هي ذاتها في الكتابة وقد تكون عكسها وقد تكون مجنحة وبعيدة من أجل الفرار أو الهروب من الألم الشخصي والألم الجماعي والهروب من ذلك الصراع الوجودي القلق والمحتدم دائما وأبدا بين قوتين مختلفتين متناقضتين متضادتين؛ قوة تسعى إلى تكريس الواقع وقوة تسعى إلى تغيير الواقع، الأولى تكرس الواقع لصالحها
12:43
ولصالح جماعتها ولصالح سلطتها والبقاء عليها وفيها والسلطة الثانية المغايرة تسعى إلى تغيير واقعها وتغيير واقع جماعتها من أجل خلق فضاء أفضل ومع معنويات أرقى.
بعد الحديث عن "رماد بطعم الحداد" للأستاذ الدكتور مصطفى يعلى سابقا، أريد أن اعود إلى المفهوم الذي وضعه وتحدثنا عنه وهو التحديد الأجناسي لتلك المجموعة "رماد بطعم الحداد" قصص الصادرة سنه 2015م. في البداية تحدثت عن القصص وعلى أن الأستاذ المرحوم الدكتور عبد الرحيم المودن قد ألف معجما صغيرا ضم فيه كل أنواع التسميات التي وضعها الكتاب خاصة المحدثون والمعاصرون كتحديد أجناسي لقصصهم، فكان هناك التعبير الشائع قصص وقصة ثم مجموعة قصصية وقصة قصيرة وقصة قصيرة جدا ومتوالية قصصية أو متوالية سردية وهكذا
دواليك، وجمع قصص وأقاصيص عند محمد إبراهيم بوعلو مثلا وهو رائد من الرواد، يجب أن نذْكر ذلك ونُذَكِّرَ به، من الرواد الذين كتبوا القصة القصيرة جدا أي 50 قصة في الثانية مثلا كل قصة فيها قسم قصير محكم وفيها تكتيف ورؤية وفيها سرد وقد تتضمنُ الحوار لإنشاء بعض المواقف. إذا فهذا الكتاب مهم جدا وقد تتاح الفرصة لأن نضع حوله دراسة من خلالها نستعرض عددًا كبيرا من تلك التحديدات الأجناسية وهو نوع من اللاعب الأسلوبي، ولكن هذا اللاعب الأسلوبي لا يخلو من مهام ومن وظائف ومن تحديد كذلك لهذا الجنس الذي يسميه الكثيرون جنسا أدبيا
مخاتلا، لأنه يتَّخذ حجما صغيرا ويختبئ بين الصخور حتى لا تدروه الرياح وحتى لا تجتثه من جذوره وبتلك الطريقة يقاوم الثمار. وطبعا معروف أن تلك القصص كتبت ووجدت، لأنها تزامنت مع ظهور الصحافة العربية، وفي فترة الغليان وفي فترة الفورة وفي فترة الحس الوطني والحس القومي وقلنا جاء متزامنا مع ظهور الصحافة الأدبية والأوراق أو الصفحات الأدبية والملاحق الأدبية بعد ذلك، وهذا النوع القصير فهو طبعا يجد فرصة للنشر عكس الأشكال السردية القصصية الأخرى كالسيرة الذاتية واليوميات وأيضا الرحلات والمذكرات وأنواع مختلفة ومتعددة
من تلك المحكيات والخواطر وما إلى ذلك، لكن المشهود هو أن الحديث عن هذا التعدد والتنوع والاختلاف في التصنيف الأجناسي فإنه يحمل كما قلت في داخله أبعادا وظيفية، ويحمل صورة عن ما وصل إليه الأدب في الوقت المعاصر وفي من أسميهم في كتاب مخطوط "المحدثون" أي هؤلاء الذين تجاوزوا مرحلة النقد الاجتماعي ومرحلة التجنيس القصص ومرحلة التأصيل القصصي ومرحلة التجريب القصصي والسردي، ليصلوا بعد ذلك إلى مرحلة الأسلبة ومحاولة خلق أشكال أخرى و فتح آفاق أخرى ومجاري أخرى لكي يتدفق السرد القصصي بحرية حسب المتغيرات الكثيرة وذكرناها أكثر من
مرة التي كانت على مستويات متوازية؛ على المستوى السياسي والمستوى الفكري والمستوى الثقافي وعلى المستوى الأدبي وعلى المستوى الشخصي كذلك. أي أن الكاتب أصبح يحمل وعيا وثقافة ومرجعية قصصية واسعة سأهم فيها الرواد وسأهم فيها المؤصلون وسأهم فيها المجددون وسأهم فيها الواقعيون والطبيعيون وسأهم فيها هذا الجيل الجديد بدوره الذي قلنا من أهم ما كتب في القصص وهي القصص والقصص القصيرة والقصص القصيرة جدا والأقاصيص والمتواليات السردية والمتواليات القصصية والكتابة النصية أو الكتابة أو النص أو السرد
وهكذا دواليك. إذا فهذا التنوع له أسبابه وله وظائفه في الكتابة وتأثيره على أساليب الكتابة أما التحليل الأجناسي في القصص فهو مهم جدا بالنسبة لنا نحن، عندما نريد أن نقرأ ما يكتبه مصطفى يعلى إبداعيا في القصة ولذلك القسم الأول (أعلاه) الذي تحدثت عنه كان يتحدث عن مرحلة وعن الفكرة أكثر وكانت القصص بحجم متوسط، أي معتدل فلا يمكن أن نصفها بقصص قصيرة أو قصيرة جدا يمكن أن نقول إنها قصص وكفى، لكن القسم الثاني الذي سأناوله الآن فسأختار منه نموذجا واحدا وقصة واحدة أي وهي بعنوان "وتلك أيقونه نحتها الزمان". إذا لماذا وضع الكاتب مصطفى يعلى على كتابه قصص، فطبعا لأنه يؤمن بأن القصة كما القصص، لأن قصص مفرده قصة، وأن هذا النوع من الكتابة يجب أن يشمل كل مكونات النص السردي ففيه فضاء يشتمل على المكان المحددات المكانية أو المكان كمكون أساس في القصة والزمان سواء أكان هذا الزمان لغويا أو كان زمرد أو كان زمنا كما يقول اللسانيون؛ زمن لساني وغير لساني فاللساني هو الذي تحدثت عنه وهو بالبعد اللغوي والبعد السردي والبعد الثاني اللا زمني أو اللا لساني أو اللا لغوي وهو الذي يعتمد على المحددات الخارج نصية مثل التواريخ مثلا اليوم 14 شهر يوليو من العام 2025م، ويضاف إليها تحديد الوقت في الساعة 20 وتسع ثواني لذلك أي الثامنة وتقريبا تسع دقائق أو 10 دقائق بالتحديد الان كما تشير الساعة تماما. إذا فهذه نسميها زمنيا محددات غير لسانيه وبالنسبة للمكان الشيء نفسه عندما نتحدث عن مدينة سلا مدينة القنيطرة مدينة نتحدث عن الغرفة كذا نتحدث عن المقهى نتحدث عن الغابة نتحدث عن تلك الألفاظ التي هي عبارة عن اصطلاحات وتلك الاصطلاحات هي فضاءات وهي رموز مصغرة لتلك الفضاءات التي ستقع فيها الأحداث واحدا مكونا أساسيا قد تكون الأحداث أكبر بالنسبة للقصة القصيرة أي والقصة القصيرة جدا بعضهم يتحدث وأنا من بينهم أيضا تحدث عن القصص القصة القصيرة جدا عندما تصبح كجملة، ومعروف أن أول من كتب هذا النوع من القصص القصيرة جدا جدا همنغواي في جملة واحدة من ست كلمات "للبيع: حذاء طفل، لم يلبس فقط" (For sale: baby shoes, never worn)، وهذا النوع من القصص يتحدث عن المضمون أو مادة الحكي أو المادة الحكائية أو المادة القصصية التي تجعل المتلقي قادرا على إنتاج متواليات سردية ويعطي آفاقا وتأويلات للنص (الذي تتكلم فيه الفراغات والحذف والتكثيف وعلامات الترقيم) وينشئ قصته وامتداد تلك القصة في ذهنه أو في نفسه و طبعا حسب وعيه وحسب مرجعيته القصصية. أي أن هناك نصوصا أو قصصا ا قصيرة جدا لكنها في الحقيقة طويلة جدا إذا اعتمدنا على الامتدادات التي تقع في النفس وتقع في ذهن المتلقين قد تكون له لها أبعاد حكمية مثل بنية الأمثال التي نعرفها وفي كتاب "مجمع الأمثال" للميداني فبعض الأمثال التي لا يتجاوز عدد كلماتها ثلاثا "أبلغُ من قُسٍّ" و" سبق السيفُ العَذَلَ" أو أربعا أو خمسا "لو تُرِك القطا ليلا لنام" أو ست كلمات كما جاء في الحديث (ما أنتمفي الناس إلا) "كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض" وهي قصيرة جدا عندما يتم شرحها فإن ذلك الشرح يدل على أن هناك قصة وراء ذلك المثل يحتوي على قصة طويلة ونجده أيضا في قصص من القرآن عندما تكون إشارة معينة إلى حدث معين أو واقعة معينة، ولكن ذلك القصرَ بوابةٌ كبيرةٌ نحو أحداث سابقة وأحداث تتراكم باطِّراد لكي تنشئ الحدث الأخير الذي ذكره الكاتب. إذا فهذه الإشارة التي أتحدث عنها الآن تتمثل في أن تلك التسميات والأساليب التي يهتم بها القاصون والقاصات في العصر الحديث لا تخلو من مهامٍ وظيفيه سردية وإن كانت تحمل كثيرا من اللعب اللغوي أو اللعب الأدبي أو اللعب الأسلوبي أو اللعب الخطابي إذا شئنا في صياغة القول القصصي. وقصص مصطفى يعلى لا تدل على أن هذا الكاتب يؤمن بأن القصة يجب أن تأخذ كل مكوناتها أن تأخذ حظها في التعبير، لذلك بعد القصص الثلاثة التي تحدث عنها سابقا يبدأ الكاتب بمجموعة ثانية أو إذا شئنا وحدة ثانية أو متوالية قصصية ثانية مختلفة تبدأ بقصة "ابتسامة غامضة جدا" وهنا نجد أن القص انتقل من الحديث عن القصة التي هي معتدلة الطول وعدد الكلمات كذلك إلى القصة التي فيها نفس اطول وفيها عدد اطول من أكثر عفوا من الكلمات وفيها متواليات إذا شنا بشكل مبسط أي فيها عدد من الفقرات ثم هناك لعب آخر على مستوى السيرة أو على مستوى الخطاب أي تلك المجموعة والمتوالية الثانية تحافظ على الفكرة الرئيسية والفكرة المهيمنة على النصوص الأولى القصيرة، وهي أن الكاتب يتحدث عن مفهوم مهم جدا وهو مفهوم التحول أي أن الإنسان يمر بمراحل أثناء نشوئه وارتقائه وتطوره إلى مرحلة في العمر مرحلة عمرية يبدأ فيها نوع من المقارنة ونوع من الاسترداد إلى أو استرجاع الماضي واكتشاف الفرق بين الماضي الذي كان فيه حركية وفيه تفاعل وفيه دينامية وفيه حيوية وفيه أيضا عنفوان وفيه قوة وفيه أيضا جرأة وغير ذلك، إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان يكتشف ذاته إنه أصبح شخصية أخرى هذا على مستوى الخطاب، يمكننا أن نتحدث عما ذكره ميشيل فوكو وإن كان تحدث عن القطيعة الأبستمولوجية أنا لا أتحدث عن قطيعة أبستمولوجية، لكن يهمني شيء آخر هو أن تطور الإنسان وكل الأشياء وكل الكائنات الحية تخضع لنظام النشوء والارتقاء (L'évolution) أي التطور، لكن مشيل فوكو نبهنا إلى أن خط التطور للتاريخ للدول للإنسان لغيره فإنه يسر خطيا (Linear) وبانتظام واحد، وإنما وان كان هناك تطورًا اطراديا، لكن فوكو ينبهنا على أن التطور يكون بشكل مختلف وهو أنه يتم على مستوى بنيات معينة أي على وحدات هذه البنية أو الوحدة المتكاملة على مستوى الفضاء على مستوى الوعي على مستوى العلاقات على مستوى اللغة على مستوى أيضا التعبير أي المعاني والدلالات، فكل مرحلة من المراحل لها لغتها علاقاتها لها فضاؤها التخيلي لها أيضا اللغة والأساليب التي تستعمل ونوع المعاني التي تكون رائجة وفهما وبين تلك الطبقة وهذه الفئة. ثم عندما تحدث تلك القطيعة الأبستمولوجية كما يقول يقع حدث مهم يكون قويا جدا فيقوم بكسر تلك البنية لينتقل التطور ليس في شكل خطي إنما في شكل مدرجات (تدرج)، سواء كان في انحدار أو كان في تصاعد، غير مهم، ولكن المهم أننا في كل مرحلة أو في كل جيل توجد مؤثرات فكرية ولغوية وسياسية وحتى في الأدوات والعلاقات وغيرها من اللباس ويطبق ذلك على كل ما يحيط بالإنسان وما يستعمله الإنسان فيأتي متغير أو حادث قوي جدا يكسر تلك البنية لينتقل الاهتزاز إلى مستوى ثاني، ويمكنني أن أشبه تلك العملية بنزول أو هبوط الطائرة على المدرج فإن الهبوط لا يتم بشكل خطي أو بانحدار قوي (chute) لأن ذلك خطير جدا ويحدث صدمة، وقد يوقع كارثة وهو غير إجرائي وغير آمن، فيتم الهبوط بشكل متدرج على خط ثم ينحدر وذلك الاهتزاز يشعر به المسافرون أو الركاب ثم تسير في خط مدة محسوبة وتنحدر مرة أخرى وهكذا إلى أن تصل إلى المدرج. أي أن الانحدار لا يكون أو التطور بالنسبة للإنسان والدول والتاريخ لا يكون بشكل خطي مستقيم دائما، إنما يكون بشكل طبقات أي إذا وأفضل أن أستعمل التعبير السابق على مستوى وبنيات منغلقة تشمل كل ما نسميه المتخيل مكان وزمان وأحداث وعلاقات الشخصيات ثم اللباس والطعام وما إلى ذلك. إذا فيتم هذا التطور في هذا النص أو في هذه القصص "رماد من بطعم الحداد" نجد الطريقة نفسها، هناك بنية فيها قصص متوسطة الحجم ثم تأتي مرحلة القصص الأطول، وفيها مجموعة من القصص التي يتكون منها هذا الكتاب هي ثلاث قصص قصيرة تليها ست قصص طويلة ثم تأتي قصة وحيدة أخيرا قصيرة جدا تتجاوز الصفحة الواحدة بربع صفحة وربع عدد الكلمات والفضاء وما إلى ذلك فهو نص أقصر والأسلوب في التعبير عن المحتوى القصصي والسردي يختلف عن الأول والثاني. إذا لدينا ثلاث طبقات وثلاث بنيات مختلفة، ما الذي يختلف في هذه القصص الثانية؟ إنها قصص ذات حجم أطول تبدأ بـ "ابتسامة غامضة جدا" وتليها قصة "وتلك أيقونة نحتها الزمان" إلى حدود "الحديقة العجيبة" وتبقى القصة الأخيرة القصيرة ويمكن أن نقول عنها قصيرة جدا بالقياس إلى البنيتين السابقتين وعنوانها "أشلاء دخان شديد السواد" وهي تتكون طبعا من صفحة ومن أربع فقرات.
إذا تتفاوت الفقرات الأولى والفقرة الأخيرة تتكون من ثلاثة أسطر والثانية والثالثة تتكون من ستة أسطر. إذا هذا التفسير أو وصف بنية القصة مهم جدا لأنه يوضح لنا ما ذكرناه وتحدثنا عنه في "ما معنى أو لماذا يصر مصطفى يعلى الباحث والقاص على تسمية أو تجنيس كتابه بقصص وليس قصص قصيرة أو بمجموعة قصصية وهذا موضوع آخر يمكن أن نعود إليه، كما قلت الفرق بين مجموعة قصصية أو بين قصص وهو الفرق في موضوع المجموعة القصصية هي أن القصص تكون موضوعاتها متفرقة وتكون فضاءاتها وأيضا أهدافها وغاياتها متفرقة ومتعددة، بينما عندما نتحدث عن قصص كأننا نتحدث عن ديوان، لأنه يشمل موضوعة واحدة ويتغير على مستوى الخطاب. أي على مستوى اللغة وعلى مستوى الأسلوب وعلى مستوى بناء الجملة السردية القصصية وعلى مستوى بناء الأحداث، أي التركيز على نوع من الأحداث أو التركيز على تلك الأحداث التي هي عبارة عن أحداث داخلية وعبارة عن مشاعر ولذلك أغلب القصص التي أتحدث عنها الآن في البنية الثانية تميل إلى هذا النوع من الشعور بالفجوة بين المرحلة السابقة والمرحلة اللاحقة. إنه نوع من العاطفة ومن الحب المتأخر الذي يبين على أن العلاقة قد تكون في كثير من الأحيان في القصة الأولى وفي الثانية على الأقل أنها مستحيلة؛ مثلا إن الفرق يكون كبيرا جدا بين في القصة رقم 9 ، لأن أفق التوقع بالنسبة للشخص اللي كان من جيل سابق ويحلم بالحب وبهذه القصور التي يبنيها والصروح التي يليها لهذا الحب الذي سيعيشه فيه عاطفة وينمي فيه نفسه ويحلم بالأولاد ويحلم به فيكتشف أن الفتاه أن في الحقيقة التي تعرف عليها عبر شبكه الأنترنت أو بهته الوسائط أنها في نهاية الامر لا تؤمن بهذا الحب ولا تؤمن بالبيت ولا تؤمن بالعلاقات الزوجية إنما هي واحدة من الفتيات التي تنتهز الفرصة وتعيش اللحظة وتستفيد منها إلى أقصى حد ماديا وجسديا وغيره، أما العاطفة فهي شيء من الماضي.
فخري قعوار من رواد القصة القصيرة الحديثة في الأردن، صدرت له أعمال كثيرة جمعت ستة منها في كتاب "الأعمال القصصية" صدرت في العام 2003م، ومن بينها مجموعة "درب الحبيب" التي صدرت بعَمَّان في العام 1996م، اخترتها لأنها الأقرب زمنيا من المجموعات القصصية المدروسة في هذا العمل، ولأنها جاءت بعد أعمال قصصية جرب فيها القاص إمكانيات وتقنيات كتابية عدة، وقال فيها النقاد كلاما كثيرا، واخترتها كذلك لأنها مجموعة قصصية تجسد ملامح "وجودية" تهيمن على المتن القصصي الأردني، وقد بينتها في دراستي لروايات "مؤنس الرزاز" بكتاب "الرؤية الفجائعية..."، وهي الرية ذاتها المجسدة في "درب الحبيب".
يعتبر العنوان عتبة نصية خارجية تحيل على محتوى القصة أو المجموعة القصصية برمتها، كما أن للعنوان قوة توجيه ذهن القارئ نحو موضوع واحد، لكن عنوان هذه المجموعة "درب الحبيب" استقاه القاص من عنوان إحدى القصص، وفيها جاءت عتبة نصية أخرى للتفسير والتوضيح أكثر، وهي عبارة عن إهداء من القاص (الكاتب الموضوعي) إلى كل من "جورج برناردشو وتوفيق الحكيم وبيجماليون وجالاتيا في الأسطورة الإغريقية" ص (425).
تحكي القصة عن الفن والإبداع في علاقتهما بالفنان والمبدع عندما "يتعلق" المبدع بعمله حتى الافتتان، فيصبح المُبْدِعُ عَبْدًا لِلْمُبْدَعِ منبهرا بجماله وتحت سيطرته، وهذا هو المعنى الذي نجده في "بيجماليون". وتجسد هذه القصة في مرجعيتها الأسطورية قدرة المُبْدِعِ على الإتقان والبراعة في الإنجاز، فيتفوق على "محاكاة" الطبيعة إلى "تجاوز" ها وتجاوز ذاته، وهذه هي "لحظة الإبداعالحق"، حيث التفرد والإتقان والاندهاش والانبهار بالمنجز الإبداعي والفني.
أما قصة فخري قعوار "درب الحبيب" فإنها تروم قصدا آخر غير الذي وقفت عنده الأسطورة، تقصد إلى تجسيد لحظة الخيبة، لحظة الخذلان، ولحظة المرارة الذاتية عندما يقضي النحات شهورا أمام الصخرة الصماء الصلدة، وتذهب مشاعره وعواطفه في كل اتجاه، وتذوب وتحترق نياط قلبه مع كل ضربة إزميل ومطرقة، يصب فيهما من ذاته وقوته وعاطفته الجوهر النقي، لكن "التمثال" سيكون له رأي آخر ووجهة أخرى؛ تمثال المرأة التي اشتهاها لنفسه، المرأة التي تختلف عن كل النساء، تمثال يجسم "صورة المرأة التي لم التق بها في هذه الدنيا" ص (426)، كما يقول.
لقد اختارت المرأة/ التمثال أن تذهب إلى جاره لطفي الإبراهيمي، يقول في المتوالية السردية النهائية:"في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي، خرجت إلى الحديقة، فلم أجد أثرا للمرأة، وعندما نظرت إلى النافذة، عرفت أنها وجدت دربها إلى جوار الأستاذ لطفي الإبراهيمي، ورأيتهما ينظران نحوي ويبتسمان" ص (432). هل هي ابتسامة شامتة؟
ليس هذا هو المعنى العميق لما يدل عليه "الحدث الختامي"، ولا ما تدل عليه قصص أخرى في المجموعة، إن الحدث الختامي (الحل/ حالة النهاية) ينفتح على موقف من "المرأة" خاصة "المرأة الخائنة" التي لا تحفظ عهدا بل قد ترتكب الجرائم باسم المحبة، والمرأة التي "يناقض" قولها فعلها. فلماذا لجأ النحات في (واقع الحكاية) إلى نحت تمثال امرأة مختلفة، امرأة الحلم؟ لقد نحتها لأنه لم يجد في الواقع نموذجا يحاكي ويطابق الصورة المرسومة في حلمه، المرأة التي حدها بالأوصاف الآتية:" امرأة تفصح عن الأبهة والوجاهة والنبل والرقة" ص (431).
*******
يبحث القاص فخري قعوار في قصص "درب الحبيب" عن "الجَوْهَرِيِّ" وعن "المِثَالِيِّ" لذلك نجد الفضاء الذي تتحرك فيه القصص "دراميا"، ونرى السارد يعاني من "فرط الإحساس" بالخيبة وبثقل الوجود من حوله، إنه سارد قلق، سارد ينشد "الجمال" في نقائه فيلقى "الشقاء".
السارد عند القاص فخري قعوار "مُشَارِكٌ" في صنع الحدث وفي بناء الحكاية، وهو بذلك يكون قريبا جدا من نفسية القارئ ويؤثر عليه بقوة حضوره وبفاعليته وتفاعله مع فضائه المتخيل. إن لضمير المتكلم في السرد تأثيرا كبيرا يختلف من السرد في القصة القصيرة إليه في الرواية، فضمير المتكلم في السرد الروائي يحيل الناقد مباشرة إلى التفكير في "الخطاب السير ذاتي" بكل حمولته ومنها "ضعف التخييل" الذي يصبح حسب "ج.م.آدم" في الدرجة الصفر، وهذا يجعل خطاب السيرة الذاتية قريبا من "الحقيقة" الواقعية ذات الأبعاد التعليمية والاجتماعية، بينما ضمير المتكلم في القصة القصيرة فإنه يبتعد بالقارئ عن التفكير في الواقعية والناقد من التفكير في السيرة الذاتية ويحصرهما في "التخييل"، أقصد أن الناقد يفكر في "المتخيل الذاتي" حيث يتم "تذويت" الحكاية دون السقوط في "التوهيم" بالواقعية والمحكي الحميم.
ينسجم معنى "تذويت الحكاية" مع المبدأ الأساس الذي تصدر عنه الرؤية الشعرية (مَقْصِدِيَّةُ السَّارِدِ) في قصص فخري قعوار، التي حددنا أبعادها في الحساسية المفرطة، والقلق الوجودي، والشعور بثقل الوجود، والخيبة، والرتابة "كنت بحاجة لهذا الجنون الذي يلسعني في رتابة أيامي" ص (407-408)، وكلها تقود إلى المعنى الآخر/ الأكبر لــ "درب الحبيب" المتمثل في البحث عن "خلاص الذات" من همومها.
فما السبب في كل ذلك؟
يُبْرِزُ الحَدَثُ الخِتَامِيُّ واحدا من أسباب الشعور الحاد بالخيبة لدى السارد/ الشخصية المشاركة في (واقع الحكاية المتخيلة)، وهي "نهايات عنيفة" وجارحة رغم أنها ستخلص "الذات" من إحساسها الفاجع:
القتل في قصة "الشاهد الأخير".
الذبح في قصة "حلم".
الانتحار في قصة "وقائع الهجران".
العجز في قصة "الموكب".
في هذه القصص يتدرج السرد نحو "النهاية العنيفة" والفاجعة، في قصة "الشاهد الأخير" يفاجئ السارد تَوَقُّعَ القَارِئِ، لأن المحكي السردي يرسم فقط علاقة انسجام بين الحبيبين عكس النهاية التي تبرز أن المحبوبة لم تكن تشعر بالحرية مع حبيبها (السارد)، ولكي تخلص ذاتها وتحرر نفسها منه لجأت إلى قتله، تقول:" لو بقي حيا، لبقيت مسلوبة الحرية" ص (438). يبرز الخلاص عبر النهاية العنيفة "القتل" الموقف من "المرأة الخائنة" والمحتالة، التي تقول غير الحقيقة الكامنة في ذاتها، وذلك عن سبق إصرار، يقول السارد:" رسمت خطة قتلي، وزادت من تعلقها بي في وقت واحد. قرار القتل ليس لي علم به، والخطة كلها لم أعرفها إلا بعد أن تَخَلَّصَتْ مني نهائيا ونقلتني من هذه الدنيا إلى قاع واد سحيق، بجمجمة مطحونة" ص (433).
ويشدد السارد لدى فخري قعوار على ظاهرة "الخذلان" عند المرأة وعلى "تناقض سلوكها" كما يبين المجتزأ من قصة "وقائع الهجران"، يقول:" وفي أواخر ذلك العام طلقها زوجها، فأعلنت أنها ستتزوج من الأستاذ لطفي الإبراهيمي، الذي يعرف كل طلبته أنه ليس أسمر البشرة، وليست عيناه لامعتين كعيني قط. وكان الإعلان لخداع معارفها بفضيلة مزعومة" ص (447/ التشديد مني).
فالمرأة هنا تقدم أوصافا لفارس أحلامها لتوهم المتلقين بغير حقيقتها الكامنة، أي أنها امرأة خداعة تقول غير الذي تؤمن به وتصدقه. هذا الخداع سبب من أسباب شعور السارد في قصص "درب الحبيب" بالخيبة والخذلان الشخصيان.
في قصة "حلم" تبرز القيمة الوظيفية لشخصية الأستاذ لطفي الإبراهيمي الحاضرة في جميع قصص مجموعة "درب الحبيب"، إنه "الرقيب" و "الغريم" الذي يفسد على السارد مواقفه وأحلامه ويسرق منه حبيباته. وفي هذه القصة يتخذ صورة بشعة فهو واحد من جهاز الإنصات ومراقبة الناس في أحلامهم، ويقوم بدور المستنطق والجلاد في آن، لكن النهاية ستكون عنيفة جدا، حينما يذبح لطفي الإبراهيمي السارد كما تذبح الخراف. إنها طريق عنيفة لتخليص الذات من ثقلها.
تعتمد القصة "الحُلُمَ" كمَادَّةً للسرد، وتستغل منطق التماهي لتخرج بالحكاية إلى "المسخ" كما في الأساطير أو كما في التوظيف "الكافكاوي" حيث يفقد الكائن البشري قيمته ويتحول إلى حشرة أو إلى خروف مثلا، يقول السارد في حواره مع لطفي الإبراهيمي:"حككت بطني بظلفي وقلت:
الذي أعرفه، أن الخراف كثيرة، ولا أعرف لماذا اخترتني أنا دون سواي" ص (439)
وتعتمد على شخصية لطفي الإبراهيمي المتنوعة الحضور والوظيفة لتوهم بأن القصص ليست منفصلة عن بعضها وبأنها "فصول" لسيرة واحدة، ولكن حضور الشخصية من خلال الاسم العلم لا يتوافق وتغير الوظيفة وإن كان السارد قدم الشخصية في النص الأول مؤكدا على تنوعها وتعدد وظائفها وأشكال حضورها كالآتي:" ضقت به أكثر، وقلت:
هل لي أن أتشرف بمعرفتك؟
قال:
لطفي. الأستاذ لطفي الإبراهيمي!
قلت:
وماذا تعمل؟
قال:
أعمل أشياء كثيرة لا تعجب الناس." ص (404)
حضور منطق الحلم وشخصية المتطفل والرقيب تبين أن القاص يكتب انطلاقا من تصور ومعرفة مسبقين، وأنه يكتب ضمن فضاء متخيل واحد، وحول موضوعة واحدة، وبأسلوب حميم لا تنفصل فيه ذات السارد عن الحكاية المروية.
في قصة "وقائع الهجران" يفتح "مزاد التطوع لتصفية الذات" أمام كل من لديه الرغبة في الانتحار للتخلص من ثقل الوجود ومن الإحساس المفرط بالحياة كما قام بذلك إرنست همنغواي وخليل حاوي، يقول في عتبة النص:" إلى روح إرنست همنغواي وروح خليل حاوي وإلى روح فخري قعوار وغيره ممن يريدون الاشتراك في الاحتفال" ص (443).
إنها فكرة عنيفة، ودعوة تنبئ عن حالة التذمر لدى سارد فخري قعوار، واستدعاء شخصيتي همنغواي وخليل حاوي يمهد للحل العنيف الذي سيختاره السارد/ الشخصية، لكن هل فقط انتحار بعض الشخصيات المشهورة يكون حافزا على القرف من الحياة ويؤدي إلى الاختيار الصعب: الانتحار؟
في القصة ما يدل على أعمق وأكبر من ذلك، إنه حالة الالتباس السياسي والفكري، وغياب الهدف أو حالة طمس القضية الأساس في حياة الأمة العربية، والاحتجاج على حالة "السلام" الذي يحاول إقبار القضية الفلسطينية والتغاضي عن حق شعب في الحياة وحقه في وطنه والعيش الكريم وحقه في الحرية والسيادة. لم يكن الوجود ثقلا لدى سارد فخري قعوار لأن المرأة تخون فحسب ولكن لأن قيما ومبادئ ونظاما بكامله يغرق في الرمال المتحركة دون أن يلقى الاهتمام والانتباه. وفي هذا الحوار المقتطف من قصة "وقائع الهجران" ما يدل على عمق الجرح:"... قالت وهي تشرب معي نحب حبنا الفوار:
اسمي الحقيقي راحيل!
فارتجفت يدي، ووضعت الكأس على الطاولة وقلت مبسملا ومحوقلا:
اللهم اجعله خيرا!
فهبت قائلة:
أنا ثمرة من شجرة السلام.
فنهضت نحوها، وأمسكت بعنقها بكلتا يدي، فقالت بذعر:
أنت عنصري!
قلت:
اعتبارا من هذه اللحظة أنا كذلك.
وصحت عاليا وأنا أشد على عنقها:
وداعا أيتها الأممية." ص (448)
إذن، هناك دوافع غير ذاتية أيضا، هناك جرح وجودي، وقلق على الهوية والمصير. إن راحيل ثمرة السلام كائن "هجين" أو مرآة تدل على الشرخ والالتباس اللذين يهددان الذات العربية في ظل التحولات السياسية والفكرية العالمية، والأممية هنا بمعنى العولمة التي حولت العالم إلى سوق كبيرة وجعل الإنسان سلعة تباع وتشرى. ولا يمكن بيع الإنسان وتسليعه إلا بعدما يتم تجريده من هويته وكينونته، أي عندما يتم تجريده من القيم والمبادئ التي تشكله كمواطن ذي تاريخ ومعتقدات وتقاليد وعادات وأفكار.
*******
في قصة "الموكب" وعلى طريقة "هيتشكوك" يروي السارد وقائع جنازته، فهي خطاب من خطاب المراثي الذاتية، ومشهد من المشاهد العنيفة التي يكون فيها الجثمان المسجى على المحمل (داخل السيارة السوداء) يتابع جنازته لكنه يكون عاجزا تماما عن الحركة وعن ردة الفعل، واللحظة الأكثر عنفا عندما يطالب الميت جسده بالحركة فلا يستجيب، فيتأكد من أن الأمر ليس حلما أو لحظة إغفاء بل هو الموت ببروده وسكونه وحياده، يقول السارد:" لم لا أقوم الآن، وأعلن في الأنام أنني لم أمت، أو أنني نهضت من الموت؟ فالعودة للأحباء خير من المكوث تحت الثرى وخير من الوحشة في تابوت مطمور. أصدرت أوامري إلى جسدي:" تململ. حرك يدك هذه. حرك يدك تلك. حرك مشط رجلك اليمنى. مشط رجلك اليسرى". لم يتحرك مني شيء. عاودت إصدار الأوامر:" حرك أصبعا واحدا من إحدى يديك أو إحدى رجليك. حرك رموش جفن من أجفان عينيك". لم يتحرك شيء، لكن دمعتين سالتا من عيني، فعرفت أنني لا ريب ميت" ص (455)
رغم الألم والقلق والثقل الذي يشعر به سارد فخري قعوار إلا أن القارئ لا يمل ولا يشعر بالقرف ولا تتسرب إليه تلك المشاعر لأن القاص يبني قصصه بناء محكما وينوع بين السرد والعرض والحوار، وكذلك اشتغاله على مفهوم "الكتاب" أو "الديوان" القصصي بدل المجموعة القصصية التي تكون عادة جمعا لنصوص متفرقة ومختلفة لا توحدها فكرة أو موضوعة أو شخصيات أو فضاء. إنها تجربة لا يمكن تجاوزها لمعرفة مستويات ومذاهب السرد القصصي في الأردن.
قعوار، فخري: الأعمال القصصية. منشورات أمانة عمان الكبرى. ط 1. 2003م.
كثيرة هي الكتبُ، حتى الرواية المتخَيَّلة، التي انخرطت في البحث في العوالم المخفيَّة التي تؤرق العقل البشري، بما تطرحه عليه مِنْ أسئلة غالبا ما تصطدم بآلة التفكير أو آلة التمييز المسماة "العقل". ومن تلك الموضوعات الكبرى المحيرة "الموت"، ليس في ذاته، ولكن فيما يؤدي إليه من حيرة وشك وريبة وقلق؛ هل هناك حياة بعد الموت أم أن الأمر لا يتعدى معنى النهاية؟ أي هل هناك وجود آخر للذات يضمن استمرارها وبقاءها؟ وإذا كان فما طبيعته، وما هي الصورة التي ستؤول إليها الذات بعد تحلل البدن، الجانب المادي الظاهر منها في الحياة المادية الواقعية التي نعيشها؟ أما إذا كان الموت هو النهاية، فإلى أين تنتهي الحياة السابقة بأفعالها ومشاعرها وأفكارها وعلاقاتها وخيرها وشرها؟
لقد بني العقل البشري، وأحدد عادة العقل آلة التمييز، كالآتي: مجموع المكتسبات التي تربى عليها الإنسان، حسب الوسط الذي نشأ وترعرع فيه، فثقافة الفرد التي امتلكها بوعي أو بدونه، بالفعل أو القوَّةِ، هي التي تدفعه إلى تحديد الظواهر واختيار المواقف والحكم عليها، فزوايا النظر والأحكام المختلفة باختلاف مكان وقوف الشخص وزاوية نظره التي تشكل ثقافته فيها وعيه وموقفه من الظواهر والوقائع، وبالتالي تُشَكِّلُ "متخيَّلَهُ" الخاص، وينصرف ذلك على الجماعة والمجموعة والمجتمع.
لقد بني العقل البشري على المعرفة العِلِّيَّةِ، وهي معرفة حسية ومادية لا يمكنها معرفة المجرد وغير المحدود إلا بما صادقه في الواقع بالتشبيه أو الضد أو النقيض. من ثمة هناك من يقف عند الحد الأدنى فيفسر الموت بضدها الحياة. فالحياة حركة دائبة مستمرة متحولة متقلبة والموت عكس ذلك، سكون وثبات وجمود. فالموت هو اللاحياة. وانتهى الأمر. وأغلق باب الاجتهاد وأسكتَ صوت السؤال المؤرق والمقلق.
فالمعرفة "العِلِّيَّةُ والسَّبَبِيَّةُ" هي المعرفة "الحِسِّيَّةُ" التي توافق قدرة العقل البشري المكوَّن من مجموع المكتسبات السابقة التي تحدُّهُ، من "الحدِّ" أي اللفظ والمصطلح والمفهوم أو "التَّعْرِيفُ" وقد نقول عنه كذلك "التَّصَوُّرَاتُ الذِّهْنِيَّةُ" و"التَّمَثُّلَاتُ" التي يختزل فيها الإنسان معارفه مضغوطةً "مَقُولَاتٍ".
لذلك تقع رواية الكاتب يحيى القيسي "بعد الحياة بخطوة" بين صراع أبدي بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية.
والمعرفة "العَقْلِيَّةُ" يمكن أن نحدد لها تعريفا آخر فنقول عنها معرفة "بالوصف" حتى تختلف عن المعرفة الحسية التي يكتسبها الفرد من جهة الحواس الخمس ويخزنها في ذهنه على سبيل القياس والفهم والتفسير.لذلك تكون المعرفة العقلية تقريبية من جهة الوصف والتشبيه، قياس الغائب على الشاهد، وتكون أيضا معرفة "تَصْدِيقِيَّةً" تسلمُ بالأمر كما هو بالطريقة التي وصف بها أو الشبيه الذي جيءَ به لتقريبها من الذهن الحسي البشري. وهناك معرفة يصعب تقريبها للعقل الحسي السببي فيُحْمَلُ على "التخمين" وعلى الافتراض الذي يُقَدَّمُ اعتمادا على أبعادٍ يقال عنها علمية ومنطقية وهي طبعا منهجيات تبدأ بوضع "الفَرْضِيَّاتِ" حول الظاهرة لتحصيل النتائج التي يطمئن إليها العقل الحسي والمعرفة السببية.
لذلك سيكون الإشكال الكبير عند الشخصية الروائية في رواية يحيى القيسي "بعد الحياة بخطوة" كيف يمكنها نقل تجربتها الخاصة التي عاشتها في رحلة أثيرية في أرض "المَمَرِّ" وأرض "المُسْتَقَرِّ" وأرض "الحَضِيضِ" إلى الناس في أرض "الوَاقِعِ" بعد العودة من غيبوبة دامت شهرا كاملا. كيف تقنع الناس بوقائعَ وأحداثٍ غير حسيَّةٍ، وقعت في عالم "غَيْبِيٍّ".
يضاف ها هنا مفهوم "الغَيْبِ" ليُرَكِّبَ وليزيدَ منْ غموضِ وصعوبة مفهوم "المَوْتِ" في ذهن الناس (الشخصيات الثانوية في الرواية)، وليُرْبِكَ اليقين المطمئنَّ والمعرفة الحِسِّيَّةَ لديهم والتي اعتادوا واستكانوا لها، خاصة عندما لا يَجدون ما صادق تلك الوقائع والأحداث، وبالرغم من أن موضوع "الحياة بعد الموت" كتبت فيه مؤلفات وخاضت فيه جميع الأديان، بل هناك من جعل منه موضوعا علميا قائم الذات في علم يسمونه "علم الخوارق" تختلط فيه المقولات الدينية بالنظريات القائلة بالعوالم الموازية واستحضار الأرواح الهائمة في عالم البرزخ بعد الموت وقبل البعث، وتوارد الخواطر، والتخاطب عبر المسافات الزمنية والجغرافية عبر التفكير والتركيز والتأمل، وهو علم "La parapsychologie" .
لقد بنيت رواية يحيى القيسي "بعد الحياة بخطوة" على الوحدات الدلالية الكبرى الآتية؛
لحظة انفصال الروح الجزئي عن الجسد المادي الممدد على السرير بالمستشفى بعد الإصابة بجلطة في شريان القلب، والدخول في غيبوبة دامت شهرا كاملا.
الانتقال من أرض "الممر" إلى أرض "المستقر" ومحاولة تهيئة العقل لإدراك الحقائق الجديدة الأثيرية مع العمل على التخلص من شوائب المعرفة الحسية في أرض "الواقع"، والانتقال من اللغة الملفوظة القاصر إلى التخاطب بالأفكار الواسعة واللامحدودة واللامنتهية.
وصف المشاهدات ولقاء الراحلين ومحاورتهم: لقاء جده "الشيخ علي" وأخته "مريم"، ولقاء أمه وصديقه الذي مات في حادث إرهابي "محمود الصحافي"، وابن خاله "عبد الله"...
استمرار الحياة بعد الموت، ومواصلة كل شخص لمهنته ووظيفته وهوايته إذا كانت لها ضرورة في العالم الأثيري في أرض "المستقر"، فالعلوم لا تتوقف والأهم أن هؤلاء العلماء والأدباء والمفكرين لا ينقطعون عن الاتصال بأهل الأرض في "الواقع" عبر وسيلتين: "الإلهام" و"الوسطاء من أصحاب الأرواح الراقية" ثم عبر "الخواطر". كما لم ينقطع الموسيقيون والمطربون والمغنون والعازفون عن إقامة الحفلات والسهرات هنالك من قبيل حفلة غناء لأم كلثوم بأداء يفوق جمالا أداءها يوم كانت في أرض "الواقع" فكل ما يقع هنالك في أرض "المستقر" أجمل وأبهى مما في الحياة الفانية، رغم أن أرض "المستقر" ليست سوى محطة يصلها أولئك الذين لم ينفصلوا تماما عن أجسادهم المادية الفانية.
زيارة خاطفة إلى أرض "الحضيض"، ثم الإحجام عن الإخبار عن مشاهداتها رأفة بأهل الخاطئين من أهل الحضيض.
إقرار "الوكيل" عودة الروح إلى الجسد الأرضي، وتوقيف رحلة الارتقاء والعودة إلى الحياة الأرضية بتعاستها وشقائها وعنائها وشظفها ونقصانها وخسرانها، ولكنه بمهمة التنوير والدعاية والإخبار عن حقيقة العالم العلوي وتخليصه مما يحيط به من ادعاءات وأوصاف غرائبية وعجائبية ألصقها به كثير ممن يدعون العلم والمعرفة في هذا الزمن، زمن الجهل والفتن والخراب.
صعوبة إقناع الناس بحقيقة ما عاشته الشخصية هنالك من مشاهدات ووقائع وأحداث، وأول المكذبين والمشككين: الزوجة والأب والصديق الصحافي اليساري "فرحان الكافي". والدخول في حالة من العزلة والوحدة جراء: عدم تصديق الناس قوله ومحتوى كتابه "كتاب الرؤى والأسرار"، انغماس والده في حياته الخاصة، هروب زوجته في العمل، طلب زوجته عرض نفسه على طبيب نفسي للتخلص من أوهامه ومن تبعات الغيبوبة والمرض.
"مايا" واللقاء التلفزيوني والشعور بالخيبة، فالناس لا يهتمون بالمحتوى بما يقال في التلفزة والبرامج المعروضة على الشاشة، بقدر ما يهمهم الشهرة والمعرفة السطحية المتهالكة المكرورة. فالتلفزة سلطة رابعة تسهم في تنويم المشاهدين وإدخالهم في حالة من "السرنمة" وملإ رؤوسهم وحشوها والمعارف الوهمية والمعارف السطحية وإفراغهم من كل ما هو جاد ونافع.
اللقاء بجماعة من المهتمين بالعالم الآخر الغيبي والحياة بعد الموت. ثم الشعور بالإحباط من جراء التكرار الذي يفرغ الذات عوض تحفيزها على الارتقاء، فالتكرار وسيلة نافعة وفعالة لإفراغ الذات من الجدية والنفع.
اللجوء إلى العزلة ثم الدخول في غيبوبة أخيرة بعد اللقاء الجماهيري.
إذن، كان الصراع الحقيقي في هذه الرواية بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية، أو المعرفة العِلِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ والمعرفة الصِّدْقِيَّةِ التي تؤمن وتسلم بالحقائق القادمة من العوالم البعيدة الغيبية عبر التخاطر والإلهام والوسطاء من أصحاب الأرواح الراقية.
لقد تخللت الخطاب الروائي أنواع مختلفة من الخطابات الضمنية التي منحته صفة التركيب، ووسعت من فضائه، وتنوعت من معارفه وزاوجت بين مرجعياته المختلفة.وأكثرها بروزا ودلالة، الخطاب المتدفق كشعور داخلي وصور من الذاكرة في ثلاثة مواقع حساسة، مستهلِّ الخطاب الروائي، وفي لحظة استرجاع الوقائع والأحداث الماضية في صورة عرض فيلم. وفي مختتم الخطاب الروائي. وكأن هذا الخطاب المحسوب على تقنية من أهم تقنيات "تيار الوعي"، تدفق صور الذاكرة والشعور هو عصب الرواية وعمودها الفقري.
إضافة إلى خطابات التضمين، سواء تضمين نصوص (إبداع داخل الإبداع) من كتاب "كتاب الرؤى والأسرار" في سياق بناء الخطاب العام للرواية، أو تضمين محكيات صغرى ذاتية تخص الشخصيات الخمسة المؤلفة لجماعة المهتمين بالروحانيات: المهندس المعماري وزوجته طبيبة الأسنان، الممرضة الباحثة، والضابط المتقاعد ثم ربة المنزل. وتضمين محكي غيري عن شخصية "مايا" والشاب المضطرب، تنقلهما شخصية من بين شخصيات الجماعة نيابة عن السارد الرئيسي.
هناك كذلك خطابات يمكن أن نقول عنها تقريرية لأن وظيفتها السردية الإحالة على الواقع المتردي في التعليم وما تتخبط فيه الأمة من ويلات الفرقة والخلاف والصراعات المجانية والتورط في الخيانات...
رغم كل هذا، فإن محتوى الرواية وما تضمنته من مواقف وأفكار يحتاج إلى مقالات أخرى تقوم بتفكيكه والإحالة إلى مرجعياته، وهو أمر عادي في هذا النوع من الروايات الثقافية التي تختار موضوعا لها القضايا الكبرى الأدبية أو الفكرية الثقافية والظواهر الاجتماعية المستحدثة في الواقع.
القيسي، يحيى: بعد الحياة بخطوة. رواية. منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت. عدد الصفحات 222 .ط 1. 2018م
من كتابي "الرؤية الفجائعية" الحائز على جائزة المغرب للكتاب في عام 2005م، ونشر عام 2004م
سؤال المصير.
1/ سؤال المصير:
تروم هذه الدراسة الحفر في مفهوم "الرؤية الفجائعية" لدى جيل سبعينيات القرن الماضي، والتي تظهر الآن في بعض كتابات التسعينيات كرؤية تتأسى على ما فات وتتأسف لما هو آتٍ. وأيضا لاستنباط تجلياته-المفهوم-على مستوى المكونات السردية الأساسية، وللوقوف على أثره في (القصة) و(الخطاب) بناءً ومحتوىً.
نريد أن يكون مفهوم الرؤية الفجائعية مفهوما إجرائيا.
الرؤية الفجائعية مفهوم إجرائي خاصة أن الروايات العربية التي اختارت الحديث عن الصدمات المتتالية التي تلقتها الذات العربية في المنتصف الثاني من القرن الماضي، كان يوحدها سؤال:" أين نسير؟ وكيف سنصير ؟".
والحق أن "سؤال المصير" سؤال مأساوي وفجائعي خاصة إذا ما كان الحاضر موشحا بالسواد والفرد فيه أعزل ووحيدا. كان حظ العرب من الخيبات في النصف الثاني من القرن الماضي كبيرا. وسؤال المصير وجد ما يدعمه في المعطيات الفكرية والنظرية، وفي النتائج المتحقِّقَةِ في الواقع. لقد استعادت الشعوب العربية شموخها بعد حصول دولها على الاستقلال العسكري والسياسي. وصادف ذلك ظهور نوايا سياسية ناهضة وموحِّدة وطموحة. لكن تلك النوايا لم تتحقق في الممارسة الفعلية مما أدَّى إلى ظهور بوادر الشك. وقد وُوجهت تلك النزعات بالقمع، وأصحابها بالتنكيل.
والكاتب العربي الراصد لهذه المرحلة ولذلك الصراع المرير بين الحكومات العربية والهيئات السياسية والنقابية والطاقات المبدعة والمفكرة لم يَخلُق بينه وبين ما حدث مسافةً حسية ونفسية بل انخرط فيها بكل عصب ووريد. وبالتالي كان إبداعه الفكري والشعري والقصصي والنقدي،،، مأساويا. من مظاهر ذلك استبداد الحس العبثي واللاَّيقين الفكري واللاَّانسجام الخطابي (تفكك الصيغ وأشكال القول). وأصبحت الموضوعة الأثيرة لديه:" الهزيمة".
إن الرؤية الفجائعية موقف فكري وإبداعيٌّ من مرحلة زمانية كان فيها النهوض كحَملٍ كاذب زاد من ثقل الشعور باليأس في الذات/الذوات العربية. ولتجاوز الهزيمة تداولت الكتابات حَلَّي "التغيير الثوري" و "إصلاح ما يمكنه إصلاحه".
إنَّ هذه الرؤية تحتاج اليوم إلى قراءات جذرية على ضوء ما جدَّ في العالم من تكتلات اقتصادية (أروبا) ومن تفككات سياسية (الكتلة الشرقية) ومن حروب وحصارات اقتصادية، ودسائس جاسوسية (مخابراتية)... إلخ.
2/ هلوسات ترشيش(1):
روايةٌ اختارت لنفسها عالما متأزما مكتظاً بالآلام والأحزان، عالما أفراحه قصار ومسروقة. "هلوسات ترشيش" نص روائيٌّ مضغوط بين الحنين والاشتياق لذكريات الطفولة والصبا وأيام الدراسة، واللهفة إلى الأصدقاء، وبين التيه والألم المضني. هلوسات ترشيش رواية تكتبُ الإحباط الذي يستشري في أوصال الذات العربية. وإن كان فضاؤها (تونس) بعد الاستقلال، بعد، حسب النص، تحول الانتصار إلى هزيمة والأحلام إلى كوابيس ضاغطة، والآمال إلى اختناقات قاتلة مزهقة للأرواح.
هناك روايات عربية كثيرة تغذت من دماء هذه الفضاءات وجعلت من الإحباط عصبا قويا يلحم عالمها المتخيَّل والعضوي في آن. لكن ما يمكن ملاحظته عن هذه الكتابات أنها تقترب من الإنسان (القارئ) بهدهدة أو باستفزاز الجانب الفجائعي فيه. خاصة أن الذات العربية تختزن في تاريخها المعاصر الكثير من الخيبات، والكثير من الكبوات. فقد ظهرت فُرَصٌ كثيرة في تاريخ الذات العربية ألهبت شغاف الفؤاد العربي وأدفأت جناحيه. لكن كل ذلك انقلب إلى خيبة كبيرة.
هلوسات ترشيش تكتب من خلال منطقة زمانية مغناطيسية جاذبة. إنها مرحلة الحلم الكبير بالوحدة. إنها الحلم الكبير بالثورة، إنها الحلم الكبير بسيادة دولة "البروليطاريا". إنها مرحلة تطاحنت فيها المذاهب. مرحلة كان فيها النضال منبنيا على الأحلام أكثر من الأفعال. هلوسات، هلوسات ترشيش تَسِمُ تلك المرحلة بآلامها وبأحلامها بالهلوسة. إنها مسٌّ وخلط وخبط. طوباوية لذيذة قاتلة. تحلم بسحق الطواحين تحت أقدامها الحافية اللينة.
"هلوسات ترشيش" كتابة فجائعية تبكي خراب مرحلة، وضياع جيل بكامله، ولعنة كبرى تخبط في حياضها بلد عربي/تونس.
إن الكتابات الروائية التي اختارت الاشتغال على محتويات من هذا النوع كانت تراهن على يقينيات خارجية متخيلة؛ أي وقائع معادة الصياغة في الفكر. وكانت تراهن كذلك على الخط التراجيدي المتمثل في اللوعة والألم والعذاب. هذه الرهانات العامة لها دور كبير في إنشاء رؤية موحَّدَةٍ لدى هؤلاء الكتاب، وفي تقارب تقنيات الكتابة لديهم.
3/ الرؤية الفجائعية:
1.3/ تعتبر مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم مرجلا تغلي بالتناقضات على مستوى الحياة العامة للبلاد العربية، وعلى مستوى الوعي والفكر الفئوي أو الخاص. ففي هذه المرحلة من تطور الذات العربية تصادمت الكثير من التيارات الثورية التي تغذت على مخلفات تفاعلات عنيفة في آسيا وأربا خصوصا. وكان لزاما ومنطقيا تأثر الوعي العربي بهذه التيارات الناهضة. لأن الذات العربية المفجوعة على ماضيها، وفي حاضرها كانت تحتاج إلى سند يذكي عزيمتها. إلا أن الأفكار وحدها لا يمكن أن تفعل ما لم تنتقل من حضورها القوي في الذهن والأوراق إلى الحضور الفعلي والفاعل في الحياة العامة وسلوك الأفراد والجماعات. ومن نتائج التصادم بين الحضور الفعلي والقوي للتيارات المذهبية الثورية، إصابة الذوات الفردية المفكرة والمبدعة والناقدة بالخيبة، وبفقدان الثقة وبالشك والريبة. إنه الشعور الذي يؤدي إلى "الرؤية الفجائعية".
يقول النص:" أيُّ لعنة حلت بجيلنا"(2). يأتي هذا القول في سياق رواية "هلوسات ترشيش". وترشيش اسم كان يطلق قديما على تونس. كما جاء في العتبة التي وضعها المؤَلِّفُ لروايته، تقول العتبة:" واسم مدينة تونس في الأول ترشيش"(3). وهو ماثمَّ تأكيده في سياقات متعددة ومختلفة من فصول الرواية.
الملاحظُ أن هذه العبارة اكتست صفة المقولة ودلالتها، لأن انتشارها في الكتابات الإبداعية والنقدية والفكرية العربية وَسَمَ العقدين السادس والسابع من القرن الماضي في البلاد العربية. وأصبحت تلك العبارة عنوانا يختزل كل قول آخر. يلاحظ أيضا أن جيل السبعينيات صعَّدَ الصورة إلى حدٍ باتت الأجيال بعده تنظر إليه كمسيح صغير مصلوب نداء لآلام الأجيال السابقة عليه والأجيال اللاَّحقة.
2.3/ يقول النص:" كل شيء يوحي بالخراب والدمار والسقوط"(4).
التهبت شغاف (عبد الفتاح خليل) العائد إلى أرض الوطن (تونس) بعد غيبة طالت عشر سنوات بالاسترجاعات والاستذكارات. استرجاع ذكريات الطفولة والصبا. ذكريات "الزيتونة" ومسقط الرأس، والأم، والبدو في الشعاب القاحلة المقفرة، وحب الجغرافيا، وحب الشعر. استذكار الأحلام الجميلة بتجاوز الحدود الضيقة للبادية، والرغبة في اكتشاف ما خَلفَ الجبال. وتعلق القلب والروح بصورة البحر، والولع بالحكايات والأغاني الشعبية.
عاد عبد الفتاح خليل ليستريح في حِضنِ الوطن وليُضَمِّدَ جروح الغربة والتيه في بلاد أروبا، وليستدفئ بحرارة الأصدقاء القدامى محتميا من برد الجليد الصَّاقع. لكن لم يجد غير الآلام. وبدا كل شيء آيلاً إلى السقوط في هوة الضياع. وأن كل تلك الأحلام والآمال التي أثقلت القلب وأنضجت ثمار الروح قد فسدت وتساقطت على أطراف الطريق. كل الأصدقاء سقطوا في الإهمال أو في الخذلان والخيانة أو في حمأَةِ الانتحار، أو في زوايا الاضطهاد النفسي والفكري والجسدي.
عاد عبد الفتاح إلى حضن الوطن ليرضع جرعات أخرى من الآلام. وكانت الأشدَّ على قلبه جرعة (ياسين) رفيق الدراسة والصعلكة والتيه الجميل في الخمرة المُزَّةِ والأدب الرفيع والفكر الثوري المتنور.
وتبدأ الأصنام والأقنعة في التساقط. لتنكشف الحقيقة على خواء عدمي ويتبدد الفضول المحفزُ. ولم تعد هنالك أية فائدة في البقاء على أرض غير الأرض، وعلى واقع غير المتوقَّعِ. ويستبدُّ الفشل بالجسد وتتخدر الروح، يقول النص:" ما الفائدة ؟ كل شيء غدا الآن واضحا، وفضولك نضب تماما ولم يعد له وجود"(5). وكأن الشخصية الروائية تُسائلُ نفسها عن سبب هذه الفاجعة، والفجائع المتتالية على البلاد والعباد والصحاب. وكأن الشخصية الروائية تبحث عن منفذ، وعن إمكانية للتغيير أو لإصلاح ما فسد. وماذا تستطيع ؟ إنه الطاعون يكتسح المجال ! ولا فائدة في البقاء. ولا قدرة على الإصلاح. يقول النص:" الخراب اكتمل الآن، ولم يعد بالإمكان إصلاح أيِّ شيء"(6).
3.3/ في هذا السياق نلاحظ تعارضا بين فكرتين مؤطرتين للرؤية الفجائعية في رواية "هلوسات ترشيش"، وهما؛ فكرة التغيير أو التثوير، وفكرة الإصلاح.
تقوم فكرة التغيير أو التثوير على استئصال دابر التخلف على مستوى الوعي والفكر والثقافة وسلوك الحياة العام وسلوك الأفراد الخاص. ويستمد الفكر التثويري الذي يمثله (ياسين والأستاذ وعمار وعبد الفتاح خليل) على مخلفات النظريات الثورية التي لقيت في مرحلة السبعينيات خصوصا –وقبلها- تربة خصبة في البلاد العربية، حيث الذات المزهوة الشامخة المفجوعة تأسف على ماضٍ راح وأُقبِرَ تحت تراب الانتكاسات والخيبات، وتَأنَفُ من الحاضر.
لكن فكرة التغيير باءت بالفشل لأنها لقيت أمامها الآلات الحاقدة. وبذلك أهملت شخصية عبد الفتاح الروائية طرح سؤال الإصلاح. هل هو إصلاح يخص الواقع الذي كان يراد تغييره وتثويره ؟ هل هو إصلاح في بنية الفكر التغييري الثوري ؟
سؤال فكرة الإصلاح يبقى مشروعا سواء تعلق بالواقع السابق على فكرة التغيير أو تعلق الأمر بإصلاح داخل المتوقع والممكن. إلا أن شخصية عبد الفتاح الروائية ارتأتْ أن تجعل الأفق مسدودا، حتى تكون الفاجعة أكثر وقعا.
يبدو أن فكرة التغيير الثوري وفكرة الإصلاح متناقضتان، لأن الأولى تنطلق من خط فاصل بين الواقع والمتوقع، بين الكائن والممكن. وأن تواجد الحقيقتين (=الوجودين) وتعايشهما مستحيل. فلا يحتمل الوجودان التماس.
ولأن الثانية (فكرة الإصلاح) لا ترفض الوجود السابق (الواقع/الكائن) بل تأخذ عليه صيغة معالجة الأمور العامة والخاصة، اعتمادا على المعطيات والنتائج. والنص الروائي "هلوسات ترشيش" جاء ليعرض النتائج من خلال سقوط الأصدقاء ونضوب معين الفضول وانطفاء الحنين والشوق واشتعال رغبة التيه وجنون الانتحار. لهذا ينتهي النص الروائي بالهروب من الدمار والخراب والسقوط إلى التيه في الصحراء وفي سواد الليل. يقول النص:" من الصحراء جئت وإلى الصحراء تعود!" يقول-عبد الفتاح خليل، ثم يلفُّهُ الليل"(7).
4/ أثر الرؤية الفجائعية على القصة والخطاب:
إن الكتابة الفجائعية صيغة خطابية في حد ذاتها. لذلك فمن خصائصها المميزة للقصة (المحتوى) تصعيد الحس الزماني والارتقاء به تدريجيا إلى الذروة حيث تعاني الشخصية القصصية من اختناق وهزات داخلية تبدأ بعدها في الاندحار إلى الدرك الأسفل.
1.4/ الحس الزماني:
تتعرض الشخصية المحورية (عبد الفتاح خليل) في النص الروائي لصدمات داخلية متتالية تلقي بها في جحيم الضياع. ويمكن تحديد درجات رقي الشخصية المحورية في:
اللهفة والشوق: أي الرغبة التي قادت الشخصية نحو موطنها الأصلي (تونس) طلبا للدفء الإنساني ونشدانا للراحة والاستقرار بعد تيه طويل في الغربة.
التذكر والاسترجاع: عادة ما يكون الشوق واللهفة مصحوبين بذكريات الماضي. لقد عمدت الشخصية الروائية إلى تقنية الاسترجاع في صورة حميمة فرحة. وهو ما حدث في رواية "هلوسات ترشيش" ثم في صورة الفجيعة: (تذكر أيام الطفولة).
البحث عن الماضي: أقصد بداية البحث عن الأصدقاء. هنا يبدأ التصعيد في الأحاسيس. وتبدأ الخلخلة إلى مستوى التوقعات. وتتسرب إلى الذات (ذات الشخصية الروائية المحورية) نزعات تشكيكية مصحوبة بعدم الفهم، وعدم وضوح ما يجري. إنها اللحظة التي تصطدم فيها رغبة الاكتشاف والاسترجاع والتذكر بالواقع. أي تصادم المتوقع بالواقع.
اليقين: تأكُّدُ الشخصية الروائية من أن العودة إلى مسقط الرأس وموطن الذكريات خطوات خاطئة، وأن استرجاع ما فات شبه مستحيل، بل مستحيل تماما ولا فائدة من السعي وراء سراب خادع.
التيه: إنه البديل عن الانتحار والإهمال والخذلان والخيانة والسقوط.
2.4/ البناء المتواتر:
من الخصائص المميزة للخطاب "البناء المتواتر". تكاد تلتقي جميع الأعمال الروائية المنبنية على الرؤية الفجائعية للجيل أو الأمة أو الفرد في صيغة التواتر الحكائي. وفي ذلك تلتقي مع الكتابات الروائية التقليدية التي تحافظ على سيرورة الزمان الخارجي. وتُسْقِطُهُ على سيرورتها الداخلية.
من خلال تفاعل الأحداث وبنائها نلاحظ تحكم السيرورة الفيزيقية فيها. فالحكي المسترجع فضل التوحيد في البداية بين بداية الخطاب وبداية القصة المروية. تبدأ القصة بالحديث عن الأم وعن مسقط الرأس اللامحدد بين امتدادات واسعة، وعجز ذاكرة الأم على تحديد المكان بدقة. ومنه يستوحي الكاتب بداية خطابه الروائي؛ أي الحديث عن التيه الذي هو وحدة أساسية ناظمة للخطاب. فهي المنطلق والمنتهى. يبدأ الخطاب بالحديث عن التيه وتنتهي بالحديث عن التيه في الصحراء وفي سواد الليل.
إن لهذا التلاقي بين الخطاب والقصة دلالة هامة ومؤثرة على الرؤية والزمان والسرد. إنهما يسيران سيرا متوازيا.
لقد تأثرت الرؤية الفجائعية بالخطاب الدائري المغلق على نفسه بين التيه في أوروبا (الرحيل والمنفى)، وبين التيه في الصحراء والليل (صحراء وليل تونس النص). والخطابات الدائرية المغلقة تشكِّلُ صورة حلقةٍ فارغة تماما من الوسط. تعاني فيها الشخصيات الروائية من الخواء الروحي وتلاشي الهدف وغيابه. فالشخصية الروائية في رواية "هلوسات ترشيش" بدون هدف، مادامت أهدافها قد باءتْ بالفشل. وأنها لم تجد الأرض الخصبة التي تساعدها على النمو السليم. والخطاب الدائري خلق حلقة ممغنطة تجذب بقوةٍ العناصرَ المتفاعلة داخلها كلعنة. لهذا فشخصيات "هلوسات ترشيش" منحصرة في فضاء مشحون ومأزوم يتجسد في هذه العناوين الرئيسية:
1/ الاضطهاد النفسي والفكري والجسدي:
يعبِّرُ (ياسين) في دفتره عن الحصار الذي عانى منه كثيرا في الفترة السابقة على انتحاره. فقد تعرض للمضايقات النفسية عندما تلقى من الملتحين رسائل التهديد بالتصفية الجسدية إن هو لم يتراجع عن مواقفه وأفعاله وسلوكه (كشاعر عدمي فاقد كل الثقة في الحاضر والمستقبل معا). وقد تعرض للتعذيب الجسدي عندما أُلقيَ عليه القبض وسُجِنَ لمدة خرج بعدها منهارا وشديد التذمر والاضطراب. يقول ياسين في دفتره:" مضى الآن شهران على أُسْبوعِ الاعتقال التعس، ومع ذلك يمكن القول أني لازلت أعيش أقصى حالات التوتر والانفعال، فبالأمس مثلا، كسرت، حال نهوضي من النوم، صحنا وكأسين، ودلقت القهوة على بنطلوني الأبيض، في الساعة الواحدة بالضبط حرقت قميصي المفضل بسجارة... "(8).
إن الاضطهاد النفسي امتداد للاضطهاد الفكري والجسدي واحتواء لهما. لقد تعرض ياسين للاضطهاد الجسدي وعُذِّبَ. وقد تعرض للاضطهاد الفكري أيضا. وتمَثَّلَ ذلك في الالْتزامِ الذي وقعه بعد الاعتقال، يقول نص الالتزام:" ألتزم بألاَّ أنشر في المستقبل أي إنتاج أدبي خارج البلاد"(9).
إن هذا الاضطهاد المباشر والضغط الخانق للحرية؛ حرية الفرد والإبداع والفكر ينتهي بانتهاء توقيع الالتزام! لكن ما يستمر في أعماق (ياسين) من تفاعلات مضطربة هو ما يخلق الاضطهاد النفسي.
2/ الهروبية:
الهروبية نزعة رافضة للواقع في صورته كمعطى وكنتيجة وكممارسة يومية. وإذا كان الشاعر المهجري الرومانسي عموما يهرب إلى الغاب حيث الحرية والمطلق والطبيعة الحية والانطلاق، فإن الكتابات الفجائعية تهرب شخصياتها في الخمر والنساء والأحلام والتسكع (أربعة محاور أساسية محيطة بالرؤية الفجائعية). لكن هل الهروب يؤدي إلى النجاة والخلاص ؟
نلاحظ من خلال "هلوسات ترشيش" أن الهروب من الفاجعة يؤدي إلى الكارثة. أي أن الرؤية الفجائعية رؤية مغلقة وخانقة وشاملة لا ترى أملا في الأفق. لذا فالشخصية القصصية (ياسين) تنتهي إلى الانتحار بعد أن لاقت من التفسخ والاندحار الشيء الكثير..
الخمرة موضوعة رئيسية في الكتابات المعاصرة، وكذلك المرأة، سواء تجلت في صورة الحبيبة أو الزوجة أو بائعة الهوى فإنها لا تشبع الذات ولا تطفئ غلواء الشهوات والغرائز، بل تحولها إلى ألم ممزق وفظيع يعلن عن الفشل المطلق والفراغ التام الشامل.
يُعَبِّرُ ياسين في دفتره عن هذا الموقف الكارثي المُفْجِعِ فيقول:" وأنا أتأمل فتاة تنشر الغسيل على السطح المقابل [...] انتبهت إلى أني لم أجامع امرأة منذ ما يقارب نصف عام. وفي الحين هرعت إلى الماخور، رغم أن جميع التجارب السابقة أثبتت لي أن حظي مع صاحباته عاثر دائما [...] دخلت نزعت ثيابي، وحين هممت بها، أبى أن ينتصب اضطربت اضطرابا شديدا [...] دفعت، ثم انسحبت كالهارب…"(10).
تبدو كل ركائز الهروبية نوافذ مطلة على الآمال لكنها في الحقيقة تأكيد على الفاجعة، وأنها نوافذ مشرعة على السواد. ظلمة عزلة (الأستاذ)، وظلمة ضياع (عمَّار)، وظلمة انتحار (ياسين)، وظلمة سقوط (جمعة)، وظلمة خيبة (عبد الرحمان)، وظلمة القرار السحيق (جموع المتظاهرين…).
5/ تجليات الرؤية الفجائعية:
الواقع المتحدث عنه في "هلوسات ترشيش" متأزم مخنوق. الفرد فيه ملاحق ومضطهد، والإنسان البسيط مقهور مردوم في يأسه وفقره. والمثقف مراقب في سكونه وحركاته-كما سنوضح جيدا في دراسة "سيدة المقام"- تحسب عليه أنفاسه وأحلامه وآماله. تراقب مناطق الوعي فيه واللاَّوعي. الإنسان في هذا الواقع المخنوق يموت بالتقسيط، ينفُقُ ببطءٍ.
تصور الرواية الواقع من خلال الحكي المباشر الذي يجعل موضوعته الأساسية ما يجري في الواقع المحكي في القصة. ومن خلال الحكي غير المباشر الذي يصاغ في قالب الأحلام الكابوسية أو الوقائع العجيبة. هاتان التقنيتان تعبران عن حالة ذهول الشخصية الروائية والحصار المضروب عليها.
الحكي المباشر:
يؤطر الحكي المباشر بالحديث عن قضية قومية آمنَ بها كل عربي من المحيط إلى الخليج، ولعب فيها الإعلام دورا حاسما وخطيرا. فقد سَمَا بعاطفة وبهجة الإنسان التواق إلى الحرية، إلى أعلى الدرجات ثم هوى إلى أسفل درك ليعلن هزيمة العرب. يقول النص على لسان ياسين:" صورة الهزيمة البشعة تمر بطيئة في ذهني، وأنا أسبح في العرق…"(11).
كما أن الحكي المباشر يُؤَطَّرُ بالحديث عن الخميس الدموي [قضية وطنية/تونسية] الذي صاغه ياسين كالتالي:" أبدا لم أكن أتوقع أن يكون هذا الخميس مضرجا بالدم، إلى هذا الحد! وأبدا لم أكن أتصور أنْ تفضي المواجهة بين الحكومة واتحاد النقابات إلى هذه المأساة التي سوف توشح البلاد بالسواد لأعوام طويلة! والآن يصبح السؤال عما سيؤول إليه المصير أكثر هولا وأشد وطأة على نفسي من أي وقت مضى"(12).
الحكي غير المباشر:
تعتبر الحكايات الصغرى المتفرقة في دفتر ياسين حكيا غير مباشر، لأنها تخص حالات خاصة فردية. وهي حكايات ترمم البناء العام للحكاية الأساس في رواية "هلوسات ترشيش". من تلك الحكايات الصغرى المؤثثة للحكاية الأساس نذكر حكاية (غسان) الذي:" يحب أفلام الكاوبوي وكتب المغامرات وحكايات الجدة الهرمة.. ويحب الحرية والانطلاق"(13)، أيام العطل.
غسان ذاك سيخدره هول ما رأى. وهذه الحكاية الصغيرة تفصح عن الواقع المخنوق الوأزوم الذي قام المتخيل (الأفلام والكتب وحكايات الجدة) عليه.
والحكايات الصغرى الثانية الدالة عن الحكي غير المباشر للواقع المروي في الحكاية يمثلها (الطيب الدعبازي) الذي قاوم مخاوفه وحدوسه الملتبسة حول العاصمة، ونزل لعرض ابنته على الطبيب، لكن الجموع النافرة والرصاص الملعلع سيفصل بينهما. دون أن يحدد الراوي هل وجدا بعضهما أم أنهما سقطا في هوة لا قرار لها. أو هل هذه الواقعة حقيقية ضمنها الكاتب روايته أم أنها واقعة رمزية تدل على الشرخ الذي عمقه الرصاص بين الجموع والسلطة. لكن الفصل بين الأب وابنته يبقى له كبير دلالة وتأويلات عديدة كلها تعكس حالة الذهول وهول ما يجري في الواقع الذي فاق كل خيال.
الحكاية الثالثة المعبرة عن تحول الواقع إلى كابوس، ما ينقله ياسين في صيغة حكاية عجيبة عن جماعة من القتلة يتسلون بتدمير كل الكائنات الطبيعية، وكل عمران، ويَتَسَلَّوْنَ بتقتيل الأحياء. إنها عبثية مطلقة ستعبر عنها أغلب الروايات المدروسة في هذا الكتاب، تعكس إحساس الكاتب العربي المعاصر بواقعه وثقل الخيبات على نفسه وذهنيته، وتعكس صورة متخيلةً عما وصلته المأساة.
تلك الصور والحكايات الصغرى المباشرة وغير المباشرة تظهر تجليات الرؤية الفجائعية في تأطير الرواية وتحديد فضائها المشحون بالغرائبي، وهول الذات أمام تحطمها وأمام شروخ صورتها في المرآة.
هذه الرواية التونسية لا تختلف عن الروايات الأخرى المختارة من عدد من الدول العربية الشقيقة في الحس الفجائعي وتكاد تعطي الانطباع بأن القرن الماضي في الأدب العربي لا يرى أفقا مفتوحا على التغيير إلى الأفضل، وأن الحال يتردى ويتقهقر منتكسا. لكن لكل رواية جماليتها التي لا يجب إهمالها وهي جزء أساس في المنتوج المتخيل العربي المعاصر الذي ينتمي إلينا وننتمي إليه. وهي ركن أساس كذلك في إثبات المكانة الهامة للأدب العربي بين آداب الأمم الأخرى. وما الحس الفجائعي إلا إشارة قوية على يقظة الوعي العربي ورهافة حسه وانشداد حباله الحساسة المنتبهة لما يحدث في العالم الآخر (أوروبا وأمريكا) خصوصا والعالم العربي (الوطن والأوطان الشقيقة) عموما.
هوامش:
حسونة المصباحي. هلوسات ترشيش. دار توبقال. ط1. 1995م.
أريد اليوم أن أقدملكم روايةمهمة خلقت كثيرا من النقاش فيزمنهاوجمعت حولها عددا منالمعجبين ومنالقراء ونُقلتهاته القصة إلى السينما وتم تمتصناعة روايات أخرى انطلاقا منها كخلفيةوقاعدة الرواية معروفة جدا وعنوانها فرانكشتاين.هذه الرواية لكاتبتهاماريشيلي نشرت سنة1818 بدايةالقرن التاسع عشر،ولابد للإشارة أو من الإشارة إلى أن هذهالرواية والتي ظهرت في بوادروفي العقد الثانيمن القرنالتاسععشر فلابد أنها تأخذ منخصائص الرواية في القرن الثامن عشر ولابد أنلها تأثيرا على ما سيرد وسيليها من خلالمنتصف الثانيونهاية القرن الثامن عشر وبدايةالقرن بداية القرن التاسعالعاشر كتبت ماري شيلي هذه الرواية وهي فيالعشرينيات منعمرها طبعا أهم عنصر يمكن أن نتحدث عنه فيالرواية الإنجليزية في القرن الثامن عشر أيقبل المرحلة الفيكتورية في بداية القرن التاسع عشر ومنخلال موضوع رواية فرانكشتاين يمكن أننشير على أنهذه الرواية اهتمت بشكلكبير وجسدتبشكل كبير ما عرفبالقصة الخيالية الإنجليزية أي القصةالتي اعتمدت على الخيال أكثر مما اعتمدت علىالواقع، لأنها حاولت أن تهرب من الواقعلتبني عالما جديدا وفضاء روائيا جديدا وأيضا تبني متخيلها الذي يجب أن يختلف عنمتخيل القرن الثامن عشر. إذن،فهذه الميزة هل نجدها في رواية ماري شيلي فرانكشتاينهناك فرصة كبيرة للتأكد من ذلك من خلالالقصة كما سندرسها بعد قليل، ولكن هاتهالقصة الخياليةالإنجليزية التيظهرتمع كثير منالكتاب والكاتبات ومن بينهم ماريا أيدجوورت في روايتها كاستلراكرأي قلعةراكر وطبعا هذه الرواية يدح فيها نقاد كثرنقد الروايةالانجليزيةالتمييز الذي وضعه سكوت ووضعه غيره أيضاأي ولترسكوتوالتمييز الذي وضعه بين جينسن وبين أيدجوورت فطبعا يقول على أن جينوس أكثر مهارةوأكثر دقةوأنها تحتسب في زمنها علىأنها روائية محدثة رغم أنهازامنتْ ولتر سكوت كما قلت قبل قليل وزامنتْعددًا من الكتاب المهمين في أوروبا خاصةفي الدولة المجاورة في فرنساوهذه الجوستين رغم أهميتهاوحداثتها وإبداعها في الكتابة الروائيةعلى مستوى المفهوم أي أنها كانت أقرب إلىمفهوم الرواية كما هو متداولحاليا في كمفهوم أدبيوكمفورتجنأو تمتلكهذه المكانة فلا ينبغي أن ننسى أننضع أيدج وورتفيالأهمية في تطور الرواية الإنجليزية خاصةفيهذه المرحلة وإن كانت روايتها طبعا كماسأشير، تأخذ من القرن الثامن عشر ميزةمن أهم ميزاته وأيضاتشارفعلى القرن التاسع عشر وتحاول أن تجسد منخلاله، رغم أنها رواية قصيرة جدا،تباشر الموضوع الذي كان أكثر أهميةوأكثر إقبالاوأكثر تعبيرا عنالمرحلة في ذلك الوقت والأسئلة المرتبطة بهذا الموضوع لذلك فبالإضافةإلى أن هذه الرواية هيرواية تنتمي إلىالخيال ويمكن أن نضيف إلى هذا الخيالالبعد العجائبي من خلالالشخصية التيابتكرهافيكتور فرانكشتاينوأيضا من خلال نفس الموضوع يمكن أن نتحدثعن السؤال الكبير الذي كان يجول في ذهنالكاتبة وفيأذهان معاصريها من الكتاب ومن غير الكتابوهو سؤالحول سؤال وجودي في الحقيقة؛ سؤال حولالموت وحول الحياة، إذا كنا نقف مشدوهينومنبهرين وعاجزين أمام الموت في تفسيرهكحالة أونطولوجية وأيضا في تفسيره كحالةوجودية، وفي حالة فلسفية فإننا على الأقليجب أن نتساءل هل يمكن إن نفكر في الحياة، بمعنى آخر كان فيكتور فرانكشتاينيتساءل وقد اهتم كماأبرززميله وصديقه ورفيقه في هذه الرواية وساردهذه الرواية التي ظهر فيما بعد على أنه لميكن فقط ساردا إنما تحول بعد ذلك إلى سارد مشارك. أي إلى شخصية مشاركة في بناءهذا العمل وفي ترميم وتطوير هذاالمتخيلإذا فالسؤال الذي كان يراود فيكتورفرانكشتاين الذي كان قلنا يهتم بالعلوممنذ طفولته ويهتمبالطبيعةوقدتغنت هذه الروايةبالطبيعة في مدينه جنيف وفي الجبال المجاورة لها سواء التي ارتبطتبسويسرا أو التي ارتبطتبفرنسا في منطقة حدودية بأنهارها وجبالهاوجليدها وغاباتها الكثيفة، وهذا ملمح منالملامح التيسأوردها بعد قليل وهو من ملامح المهمة في كتابة الرواية خاصة عندما نتعرفعلى شخصيةبالزاك وفلوبيروأيضاإذا بالإضافة إلى إميلزولا.وهذهالإشارة بعدفرغهفرانكشتاين بالطبيعة والعلوم فإنه سيفكر فيالشيء النقيض والذي يحير العالم حتىالآن وهو: هل يمكن ،وهو سؤال مطروح علىالعلم لان في القرن التاسع عشر يجب أن ننتبه إلىأنهورث ما نتج عن الاكتشافات الجغرافية وعنالثروات التي تم تحصيلها كما ذكرنا أكثرمن مرة بعد اكتشاف البحر واكتشاف أهموأخطر وهوأنه لا يمكن الصراع فقط على الأرض وعلىخيراتها فقط إنما تم اكتشاف أن البحر هوأيضا مجال قابل للسيطرة و للتقسيم وأنالسيطرة على البحار وعلى المحيطات ستمكنهذه الدولمن مراكمة الثروات ومن اكتساب السلطة ومنتطويرموقعها وترسيخ موقعها ضمنالدول الرائدةوالدول المهيمنة اقتصاديا وسياسيا وقلناكان على رأس هذه الدول الأسطول البرتغاليالذي اكتشف عددًا من المناطق حتى وصل إلىأسيا، و يمكن أن نضيف إليه أن هذهاكتشافات هذه المجالاتالبحرية نتج عنه تطور في المجالالعلمي والمعرفي فنضجت فكرة الكنيسة وهيالتبشيربالمسيحية وإنقاذ شعوب العالم في أفريقياوفي أمريكا اللاتينية وحتى في الشرقالأوسط أو في البلاد العربية من الضَّلالكما تسميه وأن تنجدهذه الشعوب البدائية (les indigènes)الذين يعيشون على الطبيعة وعلى الفطرة ولايعرفون شيئا عن العلوم ولا عن الدينطبعا الدين هنابالمعنى الكنسي أو بالمعنى التبشيريوبمعنى الفكرة البابويةلاكتساح العالموبالتالي السيطرة والهيمنة عليه إذا السيطرةعلى الأراضي والسيطرة على البحار هي فكرة غايتهاإنتاج الثروة وبالتالي فهي فكرة إمبرياليةتغذيها الروح الاستعمارية التوسعية في تلك المرحلةلابد أن اختلاط هذه الشعوب وتعرف على هذهالثقافات والتعرف على اختلاف أنماط العيشوسلوك البشر.إناكتشافهذه الثقافات المتنوعةوالمختلفة جعل عددًا كبيرًا منالمفكرين يعترفون بأن هذه الشعوب التي كانينظر إليها على أنها شعوب بدائية ليست كذلكإنما لها ثقافات وهذه الثقافات تختلفبطبيعة الحال عن الثقافة الغربية التيأخذت أصولهامن الثقافة العربية الإسلاميةومن الثقافة اليونانية واللاتينية والرومانية التي جددتها طبعا الأفكارومفكرو العالم العربي الإسلامي وبنتتصورها الجديد للعالم الجديد وأنتجت هذهالثورة العلمية والثورة الصناعية لذلكففيكتور فرانكشتاين كانت تراودهفكرة هي إذا وقفنا نحن عاجزين أمام الموتفهل يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي أمامالحياة ونحن نمتلك هذه العلوم التي بلغتمداها فيزمني في القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشروطبعا تحولت إلى صناعات ثقيلة وإلى غزوالفضاء وإلى غيره من الأمور التيستعرف فيما بعد تحت مسمى الثورة التقنية أوالتكنولوجية بمراحلها المتعددة فطبعاالثورةالصناعية نتيجة الإيمان القويبالعلم وعندما نقول الإيمان القوي بالعلمنقول أيضا الإيمان القوي بالعقل و طبعاكلمه إيمان هنا تصبح مجرد لفظة فارغة لأنهذه الثورة لم تحدث إلابتراجع الهيمنة والسيطرة للإيمان الدينيوالمعتقد الديني الذي أخذ يتقلص وينكمشبعد أن أصبح الأمير (بداية ظهور السياسة كسلطة بديلة)ينصب نفسه، بل أصبح الأمير فيما بعد أيرجل السياسة هو الذي ينصب البابا وهو الذي يتحكمفي الكنيسة عكس ما كان الحال في القرون الوسطىكانت الكنيسة هي التي تتحكم أي الباباوالذي يتحكم أو الباباوات بشكل عام الذينيتحكمون في تنصيب الأمير ولابد من مباركةالكنيسة للأمير حتى يستطيع أنيتسلمزمام الحكموأنيتولى العرش وهكذا دواليك إذافالمرحلة مهمة جدا. أي القرن الثامن عشر لماذالأن هذه الرواية لا يمكن أننفهم أبعادها ومقاصدها دون أن نتعرف علىالإطار الزمني والتاريخي والمرحلةالتاريخية وأبعادها الاجتماعيةوالثقافية التي نشأت فيها، لذلك فهي كماقلنا أخذت عن القرن الثامن عشروأخذت عنه هذاالبعد المكاني إذا شئت وطبعا كلنا يعرفعلى أن هذه المرحلة كانت طبيعية وكانتأيضا واقعيةوكان الكثير فكانت الروايات تحتفي بكثرةوبوفرة بالطبيعة وتتحدث عن هذه الطبيعةفي نوع من مناجاة الذات ونوع من الوصفالأمكنةالتي بنوع من الرومانسية التي استمدت أيضاكثورة علىهذه الواقعية وعلى هذه المرحلة الطبيعيةو هذا الجزء قلت نجدهفي رواية ماري شيلي فرانكشتاينالتيتحتفي كما قلت بجنيفوبجزء المرتبط ب بفرنسا ومون بلون مثلاكمدينة وكجبل وكم مكان مشهور طبعاومعروفبجليده ولوجه وبشدة البرودة وهي منطقةسياحية حاليا مهمة جدا وطبعا معروفه قديماأيضا أنها كانت مقرًا للباباوات لأنهاتحتوي على قلع قلاعو كنائس طبعا كان يختلي فيها هؤلاءالرهبانللتعبد نظرا لأن نفس ما نجده في البلادالعربية الإسلامية في المغرب مثلا فكثيرمن أضرحة والأولياء نجدها بعيدةجدا عن الناس في ذلك الزمان مثلا في اعليقمم الجبال وفي كهوف هته الجبال وفيالغاباتأيضا وعلى ضفاف وشواطئ المحيطات والبحارنجدهؤلاء المتصوفةوهؤلاء الأولياءالصالحين يختارون الابتعاد والعزلة عنالحياة العامة ليختاروا بنفسزاهدين في متع الحياة وفي صراعاتهاوفي مغريات من سلطه ومن جاهومن نساء وأطفالوحياه يراها هؤلاء أنها تشغلهم عن قصدهمالأخرويةوطبعا في هذا حديث قد يطول...
فرانكشتاين..ماري شيلي القسم الأول من دراسة مطوَّلة
ماذا يحدث عندما ينفرد الشخص بالرأي والحكم ويدير ظهره لصوت العقل والحكمة ويستسلم لأهوائه وصراخ جراحه الداخلية؟ ماذا يحدث عندما يحتقر الفرد الآخرين (الإنسان)، ويمقت الجمال والفن ويزدري الثقافة والمثقفين؟ ماذا يحدث عندما يتخذ الفرد المستبد بالرأي الواحد ويتبع مذهبهُ الواحديَّ الذي لا يرى غير ذاته أهلا للتقييم وغير القتل وسيلة للتقويم؟ ماذا يحدث لمن يرغب في تطويع المستحيل؟ ماذا يحدث لمن يرغب في امتلاك القمر؟ ...
يحدث أن يراكم حوله الحاقدين ويستعدي عليه المقربين ويطمع فيه الغاوين، فيكون بطشه وبالا عليه. هذا هو "كاليجولا/Caligula" الإمبراطور الذي حكم روما بالسيف وسير شؤونها بأهوائه. إنه الطاغية الذي عاث في روما فسادا وفي الرومانيين قتلا وفتكا، لأنهم رعاياه وخدمه وعبيده يفعل بهم ما يشاء، ولم يسمح لهم بأي حق غير حق "الموت" تقتيلا وتنكيلا وتلك مهمة صعبة لا ينهض بها إلا من درب قلبه على القسوة، وتعلم القسوة كما يرى "كاليجولا" معاناة شديدة، فَلَيْس من السهل أن يكون الفرد "قاسيا" مجردا من المشاعر الإنسانية والعواطف. لقد اعتاد الناس على تمجيد "العفو" إلا أن "كاليجولا" لم يجد فيه إلا ضعفا فاستبدله بتمجيد "القتل"، واعتاد الناس عبر التاريخ على تمجيد "كرامة" الإنسان إلا أن "كاليجولا" لم يجد في الإنسان (رعاياه) غير الذل والحقارة فمجد "الازدراء".
استعان "كاليجولا" بالازدراء لتفريغ الكائن من محتواه الإنساني، واستعان بتمريغ كرامة الإنسان في الوحل، وباستعباد الإنسان وتسخيره كما تسخر الدواب والأشياء ليوصله إلى الدرجات الدنيا من الإنسانية. لماذا يزدري "كاليجولا" الإنسان إلى هذا الحد؟ وما هي الخطة التي اعتمدها "كاليجولا" لتفريغ الكائن من حقيقته الوجودية، من كينونته الحق؟
لكي يفرغ الطاغيةُ الإنسانَ من محتواه وإخراجه عن طبيعته الوجودية اعتمد على تحقير الفن والثقافة والسخرية من المثقفين واعتبر الفن والجمال والأدب كذبا مجافيا للحقيقة الوجودية، ويقصد طبعا حقيقة الأشياء كما يراه هو في عزلته ويمليها عليه حقده وكراهيته و"مرضه" المُضْني الذي تسبب فيه موت أخته وعشيقته "دروسيلا/Drusilla" (زنا المحارم). لذلك فحقيقة الكائن تكمن في قدرته على "التخييل" وعلى "الإبداع" لأنهمَا "المرآة" الكاشفة عن الوجود الحقيقي للكائن، فالأدب والفن هما الوجه الآخر للوجود، وهما المقياس الحقيقي كذلك لدرجة تحقق الكائن وتحضره ومدنيته، وهما الخزَّان الذي يُحْفَظُ فيه "جوهر" الكائن قبل أن تطمسه الأعمال الدنيا والبسيطة التي دفعت أفلاطون إلى اعتبار أصحابها مجرد "ثيران" تجر خلفها المحراث وتأتمر يأوامر الكائنات المتمدنة والمتحضرة التي تملي عليها وتوجهها وفق ما تتصوره بقدراتها التخييلية والإبداعية (التنظيرية). و"كاليجولا" يرى نفسه بحسب خياله المريض ونفسه المكلومة أنه الوحيد القادر على "التخيل" وعلى "الإبداع" و"سنِّ القوانينَ"، إنه الإنسان الوحيد والأعلى المتفوق المنحدر من سلالة الآلهة المنبوذة هنالك في قمة جَبَلِ "الأولمب" تقرر وتتلاعب بمصائر الكائنات الدنيا الضعيفة والحقيرة.
إن للأدبِ دَوْرًا مهما في تشكيل شخصية الكائن الفرد والجماعة، وإن للفن أيضا دورا مهما في تجلية حقيقة الكائن وله قدرة على التوعية. إن الكائن الجاهل كائن مفرغ من المحتوى، إنه مجرد كيان وأداة جوفاء لهذا يعتمد كل طاغية مستبد لإخضاع الإنسان (الرعية) بتحقير الفنون الحق وتقزيم المبدعين والمثقفين الحقيقيين وإهمالهم وتهميشهم وطمس معالم حضورهم بشتى الطرائق كالدعاية المغرضة والازدراء وخلق الأشباه والظلال الهشة الفارغة من كل قيمة (الفزاعات والأبواق والطبول والمدَّاحون والهجَّاؤون والمدَّعون...)، أوكالنفي والسجن ثم القتل والتشنيع ... إلى غير ذلك من فنون قهر الكائن وتفرغ الكينونة من حقيقة وجودها التي دَوَّنَهَا التاريخ قديما وحديثا.
تندرج مسرحية "كاليجولا" ضمن ما كان يسميه ألبير كامو (1913-1960) "دائرة العبث"، لكن النقاد اعتبروها نموذجا للأدب "الوجودي" لأن بحث "كاليجولا" عن المستحيل يقابل عندهم بحث الإنسان عن "هويته" و"حقيقته الوجودية"، لم يكن الطاغية كذلك، لكنه بعد وفاة أخته وعشيقته "دروسيلا" خرج من القصر في حالة غريبة ومرعبة كما شهد مَنْ رأوه، مِمَّا كان هاربا وما الذي أفزعه؟ هل حقا كان خائفا من الموت؟ هل كان هاربا من نفسه؟ هل أدرك حقيقة خطيئته (زنا المحارم)؟ هل كان يبحث حقا عن القمر أم أن القمر لم يكن إلا استعارة عن جوهر حقيقته؟ هل هي النظر الرهيبة إلى عمق الذات والفَرَقُ من هول الهوة التي تحفرها الأيام والعادة والطمأنينة والنسيان والجهل داخل ذات الكائن؟
إن نظرةَ الرعب تلك ليست إلا أثرًا من آثار ما شاهدته الذات عند مواجهتها لحقيقتها، والفراغ الذي يحفها ويشملها، فماذا كان اختيار "كاليجولا" ليملأ هوة وفراغ ذاته؟ وماذا كان اختياره ليسكت رهبته؟ لقد اختار "نقيض المنطق" المتعارف عليه، والقلق بدل الطمأنينة والاستبداد بدل الحكمة، اختار الوجه المظلم والمرعب، اختار أن يكون صادقا هذه المرة مع حقيقته الداخلية، اختار أن يكون بلون العتمة، اختار أن يفغر فم أهوائه عن أخره حتى يتمكن من ابتلاع العالم لردم الحفرة "قَبْرِهِ" في داخله، وهل يمكن لكل تلك الشرور أن تسد جوعه وأن تضيء عوالمه الداخلية المظلمة وأن تسكت صراخ آلامه النابحة كذئاب الجحيم، وأن تكسبه وجودا جديدا ذا قيمة؟
من خلال مواجهة الذات لهول فراغها نشأت الشخصية الثانية للطاغية "كاليجولا"، لكن الشر لا يلد غير الشر، والقتل لا يلد غير القتل، والازدراء لا يلد غير الأحقاد والخديعة والدسيسة، ويوحد الأعداء ويُجْفيِ الأصدقاء، فالشر يدمر ذاته بذاته، ذلك الذي حدث لشخصية "كاليجولا" وقدِ اتخذ القتل سبيلا لقهر الآخرين فتحول القتل عنده إلى طبيعة وسلوك لا يمكن الفكاك من سلطته، يقول "كاليجولا":" أشعر بالوحدة حين لا أمارس القتل"، وحين ينفض من حوله الجميع تمتد يده إلى عُنُقِ عشيقته ومساعدته وحليفته "كايسونا/Caesonia". إن شهوة القتل بلا حدود وأكبر من إرادة كاليجولا، فالقتل يبعث في روحه المرحَ والسعادةَ وقد لا يحرك فيه ساكنا عادةً لأنه بلا عواطف أجوفَ بلا قرارٍ أو رواءٍ، فقد شوهد وهو يتثاءب بعد كل إعدام، والقتل في رأيه المُخْتَلِّ الضامر يحقق رغبةَ الرعية لأنهم غير سعداء، وهو يحقق لهم هذه السعادة ويسرع لقاءهم بالموت بقهرهم وتحقيرهم وامتهان كرامتهم، يقول:" يموت الناس لأنهم غير سعداء" يا لها من معادلة! تقلب المنطق السائد مثلها مثل مقابلة الثقافة بالكذب، والتقدير بالازدراء، والحياة بالموت، والبراءة بالإدانة، يقول:" لا أحد بريء، ولا وجود لقاض"...
هو الوحيد المستبد الأعلى والمتفوق على غيره من الناس، الساعي إلى دماره ودمار مملكته ورعاياه، لقد اختار "كالجيولا" في الحقيقة موته، اختار أن يستعدي عليه الجميع ويؤلبهم ضده، ولأنه عاجز عن إسكات آلامه الداخلية دفع الحاقدين المتربصين به إلى التآمر عليه ومن ثمة قتله، لقد أنضجه الألم، وأفرغه الاستبداد والبطش والتسلط والشطط من كل قيمة ولم يملأ جوفه وهول قبره الداخلي غير "اللاجدوى"، اللاجدوى من الإمساك بالقمر واللاجدوى من تطويع المستحيل واللاجدوى من تحقيق الذات ولحم شظاياها وترميم جدرانها المتآكلة.
إن مسرحية "كاليجولا" تشريح لنفس الطاغية المستبد، وهي أيضا تشريح لنفس الكائن القلق والمكلوم الذي فقد كل قيمة وهدف من الحياة، إن "كاليجولا" هو كذلك ذلك الكائن المتحير العاجز عن التعرف على ذاته وعلى حقيقة وجوده، من ثمة فهي مسرحية ذات نفحة "وجودية" بطلها بلا إيمان أو يقين، حجر مقذوف في الفراغ بلا هدف.
تَجِدُ مسرحية "كاليجولا" اليوم أكثر من سبب لنشرها في اللغة العربية، سواء تعلق الأمر بالربيع العربي والثورات والانتفاضات الشعبية التي تروم التحرر من كل السيادات الطوطاليتارية المستبدة والمهينة لكرامة المواطن والتي تسخره كما تسخر الدواب وسُخِّرَ العبيد من الإنسان فقط لاختلافهم في اللون أو الوضع الاجتماعي أو العادات والسلوك والعقيدة، ولأن الشرط التاريخي الحالي يوافق الشرط التاريخي الذي أنتج فيه ألبير كامو مسرحيته هاته (1938/1944) وهي الفترة التاريخية السوداء التي لَفَّ فيها العالمَ رداء نزوات حكام "النازية" و"الفاشية" المستبدين والمتعطشين للسلطة والقوة وقهر الإنسان المختلف.
*تقديم كنت وضعته قبل سنوات لترجمة أحد الأصدقاء من ليبيا لكتاب ألبير كامو. ولا علم لي بما آل إليه الكتاب والتقديم
1/ ما كان في نيتي، هذا الوقت بالذات، وضع كتاب "ديداكتكي" بعد كتابي السابق "الشخصية، والقول، والحكي في لعبة النسيان لمحمد برادة". والسبب أنني وجدت في النقد الأدبي المنفتح على التجربة المعرفية والحياتية خصوبة وخصوصية محببتين إلى نفسي. ففيه أسترجع خبراتي التي حصلتها من الحياة، ومن معاشرتي للكتاب المغاربة، وصداقتي مع كتاب عرب ومراسلاتي الثقافية والحميمة معهم. فأستثمرها عند الكتابة، وتمدني تلك المعرفة القريبة بالكاتب إمكانية الانفتاح على البعد الإنساني في التجربة الإبداعية. وتسمح لي باختراق مجالات غير مطروقة. وفيه أسمح لنفسي بأن تراكم المعرفة، وبأن أكون فاعلا لا ناقلا، أو متمرنا على منهج، أو مجترا لخطاب متسيد. إيمانا مني بأن النقد الأدبي إبداع على إبداع. وإن اختلفت سبل وصيغ التعبير.
ولكن عددا من الأصدقاء وخصوصا الزملاء المدرسين استحسنوا التجربة السابقة ووجدوها مفيدة، واقترحوا علي الكتابة بعدما قررت الوزارة الوصية على التعليم تلبية مطلب مهم كان ما يزال هدف المربين والمدرسين، وهو تقرير دراسة المؤلفات الإبداعية في شتى الأنواع الأدبية والتعبيرية بالأقسام الثانوية الإعدادية. وهذا الذي حصل.
2/ وتكمن صعوبة الكتابة الديداكتيكية في تمحيصها الدقة المعرفية، والوضوح، واليسر في معالجة النصوص والمؤلفات المقترحة. فالتلميذ المقبل على هذه المؤلفات، هذا الوقت بالذات، يفتقد إلى أبسط الأدوات في التحليل. ومعرفته تظل بسيطة نظرا للمنهجية التعليمية المتداولة، وهي تلقينية، تركز على الاستذكار، والحفظ. وتخاطب الذاكرة، ولا تحفز الذهن على تشغيل طاقته المكبوتة. طاقته التحليلية والتفكيكية التي تسائل النصوص وتبحث في بنياتها الظاهرة والباطنية. وفي قصدية المؤلف، وفي التقنيات التي تنشئ النص الأدبي.
وما دامت الأسباب التي تحد من إمكانيات المدرسين في إنجاز ما هو مطلوب منهم، وخصوصا توظيف معرفتهم التي حصلوها في الجامعات المغربية وغير المغربية، واضحة. فإن الوزارة اقترحت تدريس المؤلفات في الأقسام الثانوية الإعدادية على المستوى النهائي. ولعل الغاية من ذلك تأهيل التلميذ المقبل على التعليم الثانوي التأهيلي للتأقلم مع التغييرات الجديدة. وهذا مفيد.
لكن الأهم هو أن التلميذ عندما يتعلم منهجية التحليل النصي، فإنه سيدرك حقيقة العمل الأدبي. كيف يبنى، مكوناته الأساس، مضامينه...
3/ وأولى المشكلات في النقد الديداكتيكي تتمثل في تعدد مناهج التحليل النصي. وهي مختلفة من حيث زوايا النظر إلى النص، والغاية المتوخاة منه، وبالتالي اختلاف أدوات التحليل وفهم النص. وهي كلها تصلح كمدخل لفهم النصوص المقررة على التلاميذ في جل مستويات التعليم بالمدارس والجامعات المغربية.
لقد ازدهر في الفترات السابق المنهج التكاملي في دراسة المؤلفات الأدبية، وكذلك المنهج التاريخي التعاقبي الذي يربط النصوص بمحيطها العام وخارج النصي، وبسيرة الكاتب المؤلف. لكن المناهج الجديدة التي تطورت مع الثورة اللسانية والبنيوية والسيميائية، كشفت خبايا عديدة لم تكن المناهج العامة قادرة على كشفها. ثم إنها تتميز بالوضوح والدقة. وهما مطلبان أساسيان في كل نقد ديداكتيكي تعليمي وتربوي.
ولا ينبغي إغفال المناهج التحليلية الأخرى لأهميتها، كالمنهج النفسي، والاجتماعي، والمعرفي أو الثقافي، والمقارن. فالأول يساعد على الوقوف على تكون الشخصية، ولا وعي النص الأدبي، وقيمة اللغة. والثاني يساعد على فهم شروط نشأة النص الأدبي، وغاياته، ووظائفه المتنوعة والمختلفة. والثالث قيمته تكمن في انفتاحه على تجارب وخبرات خارجية. أما الرابع فأهميته تكمن في مقابلة النصوص مع بعضها ومن ثمة الوقوف على حقيقة الأدب، ووظيفته في نقل الثقافات والتقاليد والفروق اللغوية بين الشعوب المتزامنة، أو الشعوب المتعاقبة.
4/ لكن بالنسبة للمستوى التعليمي الذي يهمنا هنا، وهو مستوى الثانوي الإعدادي، فإن مسألة اختيار منهج التحليل أو طريقة دراسة المؤلفات الأدبية (السردية) تستفحل. لأن التجربة جديدة، ولم يعتدها المدرسون والتلاميذ على حد سواء. ولأن المخزون الثقافي، والاستعداد النفسي والأدبي باهتان. ولأن المعوقات التربوية كبيرة جدا في هذا المستوى، كنضوب المخزون اللغوي، وقلة الخبرة القرائية، وضعف عادة المطالعة الحرة، في البيت أو في المكتبات العمومية، أو مكتبات المدرسة (إن وجدت)، وناهيك عن الأسباب الاجتماعية والمادية، والمعلوماتية.
فهل ستقتصر دراسة وتحليل المؤلفات المقترحة على تفسير وشرح المضامين؟ أو دراسة خرج النص، كسيرة الكاتب المؤلف، أو الشروط التاريخية والاجتماعية التي نشأ فيها المؤلف؟ أو الدراسة المجتزأة؟
كل هذه الطرائق لم تعد تجدي نفعا. بل الدراسة المقترحة هنا تمس التقنيات والأدوات والمفاهيم وأساليب التعبير والقول الأدبي. وخصوصا طرائق بناء المضامين، وبناء الشخصيات، وتحليل الخطاب.
ولهذه الغاية وضعت معجما بسيطا (ديداكتيكيا) أوضح فيه للتلميذ والمدرس بعض المفاهيم التي اعتمدتها نظريات السرد. وكثير منها تم توظيفه في الدراسات التحليلية ضمن هذا الكتيب.
5/ لقد اقترحت الوزارة الوصية على تلامذة مستوى الثالثة من التعليم الثانوي التأهيلي، ثلاثة مؤلفات أدبية (سردية) لكتاب مغاربة، وهذا مطلب ثان مهم يتحقق اليوم، بعدما كانت المؤلفات والنصوص المعتمدة مشرقية، وكان حقا " مطرب الحي لا يطرب" كما يقال. وهي على التوالي:
"رجوع إلى الطفولة" للكاتبة ليلى أبو زيد.
"الساحة الشرفية" للكاتب عبد القادر الشاوي.
"محاولة عيش" للكاتب الراحل محمد زفزاف.
6/ في مؤلف "رجوع إلى الطفولة" سيتعرف التلميذ على "السيرة الذاتية"، وعلى نوع من الأنواع المختلفة "للكتابة النسائية" المغربية، وبالتالي سيتعرف على تقنيات كتابة السيرة الذاتية التي تناسب تماما ما تقترحه عليه المقررات الوزارية والمناهج التربوية بخصوص في الدورة السادسة من مرحلة التعليم الثانوي الإعدادي ضمن ما سمي محور "التخيل والإبداع: التدريب على كتابة السيرة الذاتية أو الغيرية".
ليس هذا فحسب بل سيتعرف من خلال مضمون السيرة الذاتية لليلى أبو زيد على المجال الوطني والإنساني. لأن الكاتبة كما سيتضح من خلال التحليل لبناء المضامين ودراسة المحتوى، تتعرض لمرحلة تاريخية مهمة من مراحل تطور المغرب المعاصر. أي مرحلة المقاومة، ونشوء الحركة الوطنية، وجيش التحرير بعد نفي ملك المغرب المغفور له محمد الخامس والأسرة الملكية خارج البلاد لإضعاف حماس الوطنيين المغاربة. وستصف بدقة الكاتبة عادات المغاربة، ووضعية المرأة المغربية، لأن السيرة الذاتية كتبت أصلا للقارئ غير المغربي، أو العربي. إنها فعلا متن يخزن الكثير من الفائدة المعرفية والاجتماعية. ويمكن القول كذلك "الأنثروبولوجية".
7/ ورواية الكاتب عبد القادر الشاوي مهمة كذلك، لأنها تتعرض لمرحلة مظلمة من تاريخ المغرب. عانى فيها المغاربة من سوء الفهم. واشتد فيها الصراع قويا بين الواقع والأحلام. وكما قال الكاتب والناقد الأدبي أحمد المديني أن عبد القادر الشاوي كان سباقا لتعرية هذه التجربة المرة. تجربة الاعتقال. والكشف عن المعاناة النفسية والجسدية والفكرية كذلك لمعتقلي الرأي، قبل استشراء حمى الاعتراف والمصالحة بعد اعتلاء الملك محمد السادس العرش، نصره الله. وبداية تصفية وتشذيب عوالق العهد السالف. وبناء المغرب الحر والجديد.
وتدخل التجربة الروائية للكاتب عبد القادر الشاوي ضمن ما يعرف في الأدب برواية السجن أو رواية الاعتقال. وقد كتب فيها عبد الكريم غلاب روايته "سبعة أبواب"، كما كتب عبد اللطيف اللعبي روايته "مجنون الأمل"، وكتب عبد القادر الشاوي، مستوحيا أجواء الاعتقال في عدد آخر من رواياته سيرد ذكرها في حينه. وكتب الشاعر صلاح الوديع روايته السيرة "العريس". كما كتبت خديجة مروازي روايتها "سيرة الرماد"، كتبت زين العابدين ...وغيرهم.
إن من حق المغاربة التعرف على تاريخهم لتقوية إيمانهم بوطنيته، ولتحسيسهم بحقهم في مواطنة سليمة وكريمة حتى ينخرطوا فعليا في مشروع التنمية الكبير والبعيد المدى.
8/ وثالثة الأثافي الراحل محمد زفزاف. ولعالم زفزاف الروائي والقصصي خصوصيته التي ميزته في الكتابة عن غيره من الكتاب ليس في المغرب بل في العالم العربي. وقد ترجمت جل مؤلفاته الإبداعية إلى لغات العالم الحية، وتدرس في جامعاتها. مما يدل على القيمة التعليمية، والمعرفية، والأدبية لكل ما أنتجه. لكن النظرة السطحية للموضوعات التي اشتغل عليها الكاتب الراحل محمد زفزاف ستجعل الكثيرين يتحاشون تدريسها، لكن قراءتها سرا وخفية، وهي نظرة قاصرة. ولا تراعي التطور النفسي والمعرفي للتلميذ اليوم. ولا تراعي القفزة النوعية في الفكر والتلقي الأدبيين التي ساهمت فيها كتابات كثيرة منها كتابات الراحل محمد زفزاف.
وعالم الكاتب كما بينا الدراسة ينحصر في العوالم السفلي للمدن والهوامش المغربية. وتلك كانت فضاءات مغيبة عن الكتابة الإبداعية، لأن الكثيرين كانوا وقتها ينظرون إليها خارج القيمة الاجتماعية،ويصلونها بالوضع المنحط للهامش عموما. وكأن الأدب تضيق به، وبهم. ولا يمكنه التعبير سوى عن العالم النقي الطاهر المليء بالأحلام الوردية والمفارقة للواقع والحياة.
ولكن تفاديا لكل تقييم خارج نصي، قدمتُ قراءة تفيد التلميذ في التعرف على طريقة اشتغال وكتابة محمد زفزاف للنص السردي. كبناء القصة (المتن الحكائي) وبناء الخطاب (الصيغة الخارجية). مع التركيز على المؤشرات اللغوية والأسلوبية في التعبير عن الهامش. وقد اخترت تحديد تقنية كتابية مهمة استعملها الراحل محمد زفزاف في التعبير وهي الوصف.
9/ تفيد دراسة المؤلفات التلميذ في فهم بدقة المحاور التالية المقررة عليه:
خطاب السرد والوصف (التدريب على كتابة اليوميات، وصف رحلة، وصف شخوص، بطاقة بريدية...).
خطاب الحجاج (التدريب على التعقيب والتعليق. الدفاع عن وجهة نظر).
التخييل والإبداع (التدريب على كتابة سيرة ذاتية أو غيرية. التدريب على تخيل حكاية عجيبة أو قصة من الخيال العلمي).
النقد والحكم (التدريب على إصدار أحكام قيمية بسيطة على أعمال إبداعية متنوعة).
وهذه المحاور الخاصة بالمستوى الثالث النهائي من المرحلة التعليمية للأقسام الثانوية الإعدادية. وهي فعلا ستسهم في إعداد التلميذ لاستقبال التعليم الثانوي التأهيلي، الذي سيعده بدوره للتعليم العالي الجامعي.
لكن القيمة الأهم بالنسبة لي تتمثل في ترسيخ ملكة المطالعة في البيت عند التلميذ، وتأهيله لمعرفة طرائق الكتابة. ولأن المواضيع في الطريق يعلمها العالم وغير العالم،فإن القيمة الخطابية وتشكيل النص بناء الخارجي والداخلي للنصوص سيكونان أهم.
* مقدمة كتابي "الذاكرة القصوى" الصادر عام 2006م بالدار البيضاء- المغرب
جاء بلاغوفو (Blagovo) على دراجة هوائية، وعادت أختي لزيارتنا باستمرار، كما عاودت المحادثات والمناقشات حول العمل اليدوي والتطور والمجهول الذي ينتظر الإنسانية في المستقبل البعيد عاودت الظهور مجددا. لا يحب الدكتور اهتماماتنا وانشغالاتنا الزراعية لأنها تمنعنا من المناقشة. يقول؛ بأن الحرث والحصاد ورعاية العجول لا تليق برجل حر، وسيتخلص الناس منها في المستقبل وإن الآلات ستقوم بتلك الأعمال المشينة لتحقيق وجود أفضل، وسيهتم الناس خاصة بالأبحاث العلمية. تطلب أختي دائما العودة إلى البيت باكرا، وإذا تأخرت في المساء أو أقامت عندنا، فسيكون قلق والدها عليها بلا حدود.
ـ يا إلهي أي فتاة أنت حتى الآن، قالت ماشا مؤنبة.. إنه لأمر سخيف.
ـ نعم إنه أمر سخيف، تؤكد أختي، أعترف بذلك، ولكن ما العمل وأنا ضعيفة بلا قوة ولا أستطيع أن أكون متسلطة. يبدو أنني أتصرف بسوء دائما.
أثناء الحصاد يكون جسدي منهكا ومتعبا عادة، في المساء في السطيحة وأنا أتحدث إلى الجميع نمت فجأة فضحك علي الجميع بشدة. وعندما أيقظوني للعشاء كان النعاس قد تملكني فتراقصت أمامي الأضواء والوجوه والصحون، أسمع الأصوات ولا أفهمها، وحين أستيقظ صباحا أعود مسرعا إلى العمل أو أذهب إلى الورشة وأعمل طِوَالَ النهار.
في عطله أيام الأعياد، عندما بقيتُ في البيت لاحظت بأن زوجتي ماشا وأختي كليوباترا تخفيان عني شيئا وتحاولاني تجنبي. تُظهر زوجتي لطفها معي كالسابق، ولكنَّ لها أفكارا لا تناقشها معي، تعتقد أن صلتي بالفلاحين تتقوى وتتصاعد باستمرار. لقد أصبحتِ الحياة في القرية قاسية بالنسبة، لها لا تشكو إليَّ ذلك، لكنها بالمقابل تتحدث تلقائيا مع بلاغوفو. ولم أفهم السبب.
في ضيعتنا اعتاد العمال القرويون أثناء حصاد المحصول الحضور مساء إلى الساحة، وكنا نقدم لهم الفودكا حتى الفتيات الشابات يشربن كأسًا حينئذ. نتركهم ويبقى النساء والحصادون حتى وقت المتأخر من الليل في الساحة في شرب وانتظار المزيد من الفودكا. ثم يغادرون ساخطين. أثناء ذلك تزفر ما شاء بصعوبة ثم تهدأ، لكنها تظل غاضبة وتهمس للدكتور بصوت خفيض:
ـ المتوحشون ! الغجر !
في القرية كما في المدرسة نستقبل القادمين الجدد دائما دون تدمر وبطريقة محترمة، وليس العكس. في البداية كانوا يظنوننا أناسا بسطاء وأغبياء اشتروا أرضا لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون بأموالهم، كانوا يسخرون منا، في غابتنا وفي حقولنا يرسل القرويون ماشيتهم ويدفعون بخيولنا وأبقارنا نحو القرية ثم يأتون إلينا لنؤدي ثمن الخسائر، يأتون إلى ساحتنا جماعات ويطالبوننا بما حصدناه في حقول بوشييفكا أو سيميونيكا. لم نكن نحتج ما دمنا لا نعرف حدود أراضينا بعد، فنقدم لهم ثمن الخسائر. لاحقا، بدا أننا كنا نحصد ما هو ملك لنا.
في غابتنا ننزع لحاء أشجار الليموني، وقد قام أحد القرويين من دوبيتشنيا وهو بائع الفودكا دون ترخيص وأحد مستغلي للفلاحين، وقد رشاهم، كما كان يغشنا أيضا، وقد قام بالتواطئ معهم للقيام بأخبث الطرائق مثلا، نزع عجلات عربتنا الجديدة واستبدلها بعجلات قديمة وسرق معدات الحرث منا ليعيد بيعها لنا مجددا. ولكن الأخطر ما وقع في كوريلوفكا، في ورشة بناء المدرسة، أثناء الليل سرقتِ النساء الألواح الخشبية والزجاج والقضبان الحديدية، وقد قام ستاروتس (starotse) بحملة تفتيش عندهن مرفَقًا بشهود عيان، فحُكم على كل واحدة منهن بأداء روبلين ضريبة على أفعالهن تلك، ثم بعد ذلك تم الاستحواذ على جميع الأموال من قِبَلِ المجمَّع الزراعي.
ـ يا لهم من حيوانات ! كم هو مقرف ! مقرف حقا ! وسمعتها [ماشا] تكرر مرات عدة أسفها على فكرة بناء المدرسة.
ـ افهمي، قال لها الطبيب بصوت مقنع. افهمي، فبإنشاء هذه المدرسة، وعندما تفعلين خيرا هنا، عموما، فليس من أجل القرويين الروس الماجيك (Moujik)، بل من أجل الثقافة ومن أجل المستقبل، ثم إن هؤلاء القرويين أجلاف، وهذا سبب من أسباب بناء المدرسة. لا نشعر في صوته بإدانة القرويين، رغم أنهما يكرهان الموجيك على حد سواء.
تذهب ماشا كثيرا إلى الطاحونة وتأخذ معها أختي كليوباترا، تقولان معا ضاحكتين بأنهما ذاهبتان للقاء استبان الجميل، إنه مع الرجال بطيء وقليل الكلام، لكنه في مجمع النساء يصبح ثرثارا وجريئا. في يوم ذهبت للسباحة في النهر فسمعت صدفة محادثة كانت ماشا وكليوباترا في لباسهن الأبيض، تجلسان على الضفة على امتداد ظل شجر الصفصاف وكان استبان واقفا بجوارهما ويداه خلف ظهره.
هل الموجيك آدميون قال، ليسوا، اعذراني، إنهم حيوانات ودجالون. فما هي حياه الموجيك؟
الأكل والشرب وتبقى المعجنات الأفضل لديه وسلخ المريء في الملاهي، والصراخ بأعلى صوت وإطلاق الكلام النابي. لا يقدر الموجيك أحدا، لا يقول غير السخافات. يعيش الموجيك في الأوساخ زوجته كذلك وأبناؤه أيضا، ينام في ملابسه كلها ويلتقط البطاطس بأصابعه مباشرة من صحن الشربة ويشرب الكفاس (Kvass) حيث تغرق الصراصير، لو أنه فقط ينفخ عليها بفيه ليبعدها.
ـ إنه الفقر، هو الذي يدفعه إلى ذلك، قالت أختي مدافعه عن الموجيك.
أي فقر! صحيح إنهم فقراء، لكنْ هناك أنواع مختلفة من الفقر، آنستي، إذا كان هناك أناس بالسجن أو عميان ومقعدون، فهؤلاء تعساء، وقد يقدر الله لنا مثلهم، ولكن إذا كانوا أحرارا ويمتلكون عقولهم أي كانوا عقولا، وإذا كانت لهم عيون وأيادي وكانت لهم القوة، والله يحميهم، فماذا ينقصهم؟ إنهم مراؤون، آنستي، إنه نقص في المعرفة إنها الفظاظة والسخافة، وليس الفقر. إنكم مثلا استثناء لأنكم أرباب عمل وتربيتم تربية حسنة، وهذا يعني أنكم مشفقون عليهم ولذلك تأتون لمساعدتهم، ومع ذلك فإنهم سيمتصون أموالكم كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا والأقسى إنهم سيفتحون لأنفسهم ملاهي بأموالكم ثم سيشرعون في استنزاف الفقراء من أقربائهم. تتحدثان عن الفقر، ولكن هل الموجيك الغني يعيش أفضل من الموجيك الفقير؟ إنه يعيش، معذرة، كخنزير في صخب وحمق، إنه سمين وعريض خطمه متورم وأحمر. تشعر برغبة قوية في صفعه؛ هذا الحقير الدنيء. لاريون من دوبيتشنيا غني، ومع هذا اقتلع لحاء من غاباتكم كما يفعل الفقراء، ويقسم وأبناءه يحلفون كذلك وعندما يفرط في السكر يسقط على وجهه وأنفه في الوحل وينام. لا يساوي شيئا، آنستي، الإقامة بينهم في القرية كالعيش في الجحيم، وأشكر الله رب السماوات، أنني شبعان كاس وأقضي وقتي في مغازلة النساء، وقد اخترت ثلاث مرات ستاروتس (starotse) [أي رئيس إدارة الأملاك الأميرية في عصر روسيا القيصرية] وأنا الآن قوقازي حر، أقيم حيث أشاء، ولا رغبة عندي في العيش في قريتي، ولا سلطة لأحد لإجباري على فعل ذلك. يقولون لأن في القرية زوجتي بين قوسين "عليك أن تعيش مع زوجتك في (Isba). لماذا؟ إنني لست خادما عندها.
سالت ماشااستبان: هل تزوجت عن حب؟
أي حب. أي حب سيكون عندنا نحن القرويين، أجاب استبان ضاحكا. وبما أنك ترغبين في معرفة ذلك الأمر، فقد تزوجت مرتين، وأنا لست من كوريلوكا، بل أنا من زاليغوشتش، جئت لاحقا إلى كوريلوكا صهرا، لم يرغب أبي في توزيع ممتلكاته بيننا نحن أبناءه الخمسة، فتركت له كل شيء وخرجت إلى قرية أخرى. ماتت زوجتي الأولى في ريعان شبابها.
ما كان سبب موتها؟
أشياء تافهة، كانت تبكي وتبكي دون انقطاع وبغير سبب. وبدأت صحتها تتدهور، لم تفعل شيئا غير تناول الأعشاب كي تتحسن. قد تكون داخليا تفسخت وتعفنت أحشاؤها. زوجتي الثانية من كوريلوفكا فما الشيء الحسن فيها. إنها امرأة قروية مزارعة، لا أقل ولا أكثر، عندما اقترحوها عليَّ للزواج ضحكت من الأمر، ثم فكرتُ، إنها شابة وجهها أبيض وأسرتها تعيش في نقاء، يبدو أن أمها سكرتيره، تشرب القهوة ويظهر بأنهم أسرة تعيش في نظافة، هكذا تزوجتها. وبعد الغد جلسنا للعشاء، طلبت من حماتي ملعقة فأعطتني واحدة، ورأيتها تمسحها بأصابعها، يا لها من قذارة، فكرتُ. قضيت معها سنة واحدة ثم رحلت كان ينبغي أن أتزوج من فتاة من المدينة، بكل تأكيد، تابع، يقال بأن الزوجة تساعد زوجها على شؤون الحياة، ولكن فيمَ سأحتاجها؟ يمكنني مشاعدة نفسي بنفسي. فأنا في حاجة إلى امرأة تحادثني وليس إلى زوجة ثرثارة، في حاجة إلى من يكلمني برزانة ويعي ما يقول. بدون محادثة جيدة كيف تكون هناك حياه؟
توقف استبان فجأة عن الكلام وسمعت غماماته المنغَّمَة: (أو ليو ليو ليو). لقد رآني بكل تأكيد.
تذهب ماشا إلى الطاحونة دائما تجد متعة في محادثة استبان. صاحبة الطاحونة تكره الموجيك بشدة مع كثير من الحقد. عندما تكون عائدة من الطاحونة يصرخ حارس أشجار الفواكه الموجيك البسيط الغبي في وجهها كل مرة:
تتوقف وتنظر إليه ممعنة، كأنها تجد في نباحه الغبي جوابا عن كل أفكارها ويجذبها ذلك فعلا، كما تجذبها محادثات استبان. وعند وصولها إلى المنزل تجد في انتظارها بعض الأخبار: إوزاتُ أهل القرية عاتت في الخص في حقلنا، وأن لاريون قد سرق توجيهاتنا، فتقول وهي تهزُّ كتفيها باحتقار:
ماذا تنتظر من هؤلاء القوم !
تغضب منهم، وفي قلبها يتراكم الحقد، بينما أنا تآلفت مع الموجيك وأشعر أنني منجذب إليهم.
إنهم بالنسبة للقوم المتعصبين والمضطربين مهِينيهم، أناس ضيقو الخيال وجهلة وآفاقهم محدودة، ملتبسون ولهم دائما الأفكار نفسها: الأرض السوداء والأيام السود والخبز الأسود. أناس محتالون وماكرون، وهم كالطيور لا يُخْفون غير رؤوسهم خلف الأشجار، ولا يعرفون العد والحساب، لا يقبلون بالعمل عندنا مقابل عشرين روبلا، ويأتون إلينا من أجل نصف دلو من الفودكا (Vodka) في حين يمكنهم بعشرين روبلا شراءه أربعة دلاء. حقا، يتميزون بالوساخة والسكر والغباء والخداع، ورغم ذلك نشعر بأن حياة الموجيكِ تقوم على قاعدة صلبة وواضحة.
أي حيوان غريب هو الموجيك خلف عربته، إنه يعب ماء الحياة، ونحس رغم ذلك عند تفحصه عن قرب بأنه يملك داخله شيئا مهما ومفيدا لا نجده عند ماشا (Mâcha)، مثلا، ولا عند بلاغوفو (Blagovo) وهما يعتقدان بأن المبدأ الأهم في الأرض: الحقيقة، وبأن خلاصهما وخلاص الشعب برمته يوجد في الحقيقة. من أجل ذلك فالموجيك يحب العدالة أكثر من أي شخص آخر في العالم.
قلتُ لزوجتي إنها ترى اللطخة على الزجاج ولا ترى الزجاج. عند كل جواب تصمت أو تغمغم مثل استبان (Stépane). عندما تكون هذه المرأة الفاضلة الذكية تشجب ساخطة، وعندما تتكلم بصوت مضطرب مع بلاغوفو عن السكر والخيانة، فإنها تثير دهشتي وتصعقني ببساطتها ونسيانها، كيف لها أن تنسى أن والدها المهندس يثمل أيضا أكثر من اللازم، وبأن الأموال التي اشترى بها (Doubètchnia) جمعها من الخداع والخيانة المذلة وبصفاقة أيضا، كيف لها نسيان ذلك؟
*(Moujik): فلاح روسي.
Anton Tchekhov ; Ma vie, Récit d’un provincial, Biblio Classique, 2014. P :92-99