Canalblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
محمد معتصم
Publicité
Derniers commentaires
Newsletter
Catégories
محمد معتصم
  • تتضمن المدونة عددا من المقالات والدراسات، والأخبار الثقافية والآراء حول المقروء والمنشور والمتداول في الساحة الثقافية. مع بعض الصور
  • Accueil du blog
  • Créer un blog avec CanalBlog
28 août 2024

كاليجولا: هروب الطاغية نحو حتفه

محمد معتصم

كاليجولا: هروب الطاغية نحو حتفه

 

تقديم:

ماذا يحدث عندما ينفرد الشخص بالرأي والحكم ويدير ظهره لصوت العقل والحكمة ويستسلم لأهوائه وصراخ جراحه الداخلية؟ ماذا يحدث عندما يحتقر الفرد الآخرين (الإنسان)، ويمقت الجمال والفن ويزدري الثقافة والمثقفين؟ ماذا يحدث عندما يتخذ الفرد المستبد بالرأي الواحد ويتبع مذهبهُ الواحديَّ الذي لا يرى غير ذاته أهلا للتقييم وغير القتل وسيلة للتقويم؟ ماذا يحدث لمن يرغب في تطويع المستحيل؟ ماذا يحدث لمن يرغب في امتلاك القمر؟ ...

يحدث أن يراكم حوله الحاقدين ويستعدي عليه المقربين ويطمع فيه الغاوين، فيكون بطشه وبالا عليه. هذا هو "كاليجولا/Caligula" الإمبراطور الذي حكم روما بالسيف وسير شؤونها بأهوائه. إنه الطاغية الذي عاث في روما فسادا وفي الرومانيين قتلا وفتكا، لأنهم رعاياه وخدمه وعبيده يفعل بهم ما يشاء، ولم يسمح لهم بأي حق غير حق "الموت" تقتيلا وتنكيلا وتلك مهمة صعبة لا ينهض بها إلا من درب قلبه على القسوة، وتعلم القسوة كما يرى "كاليجولا" معاناة شديدة، فَلَيْس من السهل أن يكون الفرد "قاسيا" مجردا من المشاعر الإنسانية والعواطف. لقد اعتاد الناس على تمجيد "العفو" إلا أن "كاليجولا" لم يجد فيه إلا ضعفا فاستبدله بتمجيد "القتل"، واعتاد الناس عبر التاريخ على تمجيد "كرامة" الإنسان إلا أن "كاليجولا" لم يجد في الإنسان (رعاياه) غير الذل والحقارة فمجد "الازدراء".

استعان "كاليجولا" بالازدراء لتفريغ الكائن من محتواه الإنساني، واستعان بتمريغ كرامة الإنسان في الوحل، وباستعباد الإنسان وتسخيره كما تسخر الدواب والأشياء ليوصله إلى الدرجات الدنيا من الإنسانية. لماذا يزدري "كاليجولا" الإنسان إلى هذا الحد؟ وما هي الخطة التي اعتمدها "كاليجولا" لتفريغ الكائن من حقيقته الوجودية، من كينونته الحق؟

لكي يفرغ الطاغيةُ الإنسانَ من محتواه وإخراجه عن طبيعته الوجودية اعتمد على تحقير الفن والثقافة والسخرية من المثقفين واعتبر الفن والجمال والأدب كذبا مجافيا للحقيقة الوجودية، ويقصد طبعا حقيقة الأشياء كما يراه هو في عزلته ويمليها عليه حقده وكراهيته و"مرضه" المُضْني الذي تسبب فيه موت أخته وعشيقته "دروسيلا/Drusilla" (زنا المحارم). لذلك فحقيقة الكائن تكمن في قدرته على "التخييل" وعلى "الإبداع" لأنهمَا "المرآة" الكاشفة عن الوجود الحقيقي للكائن، فالأدب والفن هما الوجه الآخر للوجود، وهما المقياس الحقيقي كذلك لدرجة تحقق الكائن وتحضره ومدنيته، وهما الخزَّان الذي يُحْفَظُ فيه "جوهر" الكائن قبل أن تطمسه الأعمال الدنيا والبسيطة التي دفعت أفلاطون إلى اعتبار أصحابها مجرد "ثيران" تجر خلفها المحراث وتأتمر يأوامر الكائنات المتمدنة والمتحضرة التي تملي عليها وتوجهها وفق ما تتصوره بقدراتها التخييلية والإبداعية (التنظيرية). و"كاليجولا" يرى نفسه بحسب خياله المريض ونفسه المكلومة أنه الوحيد القادر على "التخيل" وعلى "الإبداع" و"سنِّ القوانينَ"، إنه الإنسان الوحيد والأعلى المتفوق المنحدر من سلالة الآلهة المنبوذة هنالك في قمة جَبَلِ "الأولمب" تقرر وتتلاعب بمصائر الكائنات الدنيا الضعيفة والحقيرة.

إن للأدبِ دَوْرًا مهما في تشكيل شخصية الكائن الفرد والجماعة، وإن للفن أيضا دورا مهما في تجلية حقيقة الكائن وله قدرة على التوعية. إن الكائن الجاهل كائن مفرغ من المحتوى، إنه مجرد كيان وأداة جوفاء لهذا يعتمد كل طاغية مستبد لإخضاع الإنسان (الرعية) بتحقير الفنون الحق وتقزيم المبدعين والمثقفين الحقيقيين وإهمالهم وتهميشهم وطمس معالم حضورهم بشتى الطرائق كالدعاية المغرضة والازدراء وخلق الأشباه والظلال الهشة الفارغة من كل قيمة (الفزاعات والأبواق والطبول والمدَّاحون والهجَّاؤون والمدَّعون...)، أوكالنفي والسجن ثم القتل والتشنيع ... إلى غير ذلك من فنون قهر الكائن وتفرغ الكينونة من حقيقة وجودها التي دَوَّنَهَا التاريخ قديما وحديثا.

 تندرج مسرحية "كاليجولا" ضمن ما كان يسميه ألبير كامو (1913-1960) "دائرة العبث"، لكن النقاد اعتبروها نموذجا للأدب "الوجودي" لأن بحث "كاليجولا" عن المستحيل يقابل عندهم بحث الإنسان عن "هويته" و"حقيقته الوجودية"، لم يكن الطاغية كذلك، لكنه بعد وفاة أخته وعشيقته "دروسيلا" خرج من القصر في حالة غريبة ومرعبة كما شهد مَنْ رأوه، مِمَّا كان هاربا وما الذي أفزعه؟ هل حقا كان خائفا من الموت؟ هل كان هاربا من نفسه؟ هل أدرك حقيقة خطيئته (زنا المحارم)؟ هل كان يبحث حقا عن القمر أم أن القمر لم يكن إلا استعارة عن جوهر حقيقته؟ هل هي النظر الرهيبة إلى عمق الذات والفَرَقُ من هول الهوة التي تحفرها الأيام والعادة والطمأنينة والنسيان والجهل داخل ذات الكائن؟

إن نظرةَ الرعب تلك ليست إلا أثرًا من آثار ما شاهدته الذات عند مواجهتها لحقيقتها، والفراغ الذي يحفها ويشملها، فماذا كان اختيار "كاليجولا" ليملأ هوة وفراغ ذاته؟ وماذا كان اختياره ليسكت رهبته؟ لقد اختار "نقيض المنطق" المتعارف عليه، والقلق بدل الطمأنينة والاستبداد بدل الحكمة، اختار الوجه المظلم والمرعب، اختار أن يكون صادقا هذه المرة مع حقيقته الداخلية، اختار أن يكون بلون العتمة، اختار أن يفغر فم أهوائه عن أخره حتى يتمكن من ابتلاع العالم لردم الحفرة "قَبْرِهِ" في داخله، وهل يمكن لكل تلك الشرور أن تسد جوعه وأن تضيء عوالمه الداخلية المظلمة وأن تسكت صراخ آلامه النابحة كذئاب الجحيم، وأن تكسبه وجودا جديدا ذا قيمة؟

من خلال مواجهة الذات لهول فراغها نشأت الشخصية الثانية للطاغية "كاليجولا"، لكن الشر لا يلد غير الشر، والقتل لا يلد غير القتل، والازدراء لا يلد غير الأحقاد والخديعة والدسيسة، ويوحد الأعداء ويُجْفيِ الأصدقاء، فالشر يدمر ذاته بذاته، ذلك الذي حدث لشخصية "كاليجولا" وقدِ اتخذ القتل سبيلا لقهر الآخرين فتحول القتل عنده إلى طبيعة وسلوك لا يمكن الفكاك من سلطته، يقول "كاليجولا":" أشعر بالوحدة حين لا أمارس القتل"، وحين ينفض من حوله الجميع تمتد يده إلى عُنُقِ عشيقته ومساعدته وحليفته "كايسونا/Caesonia". إن شهوة القتل بلا حدود وأكبر من إرادة كاليجولا، فالقتل يبعث في روحه المرحَ والسعادةَ وقد لا يحرك فيه ساكنا عادةً لأنه بلا عواطف أجوفَ بلا قرارٍ أو رواءٍ، فقد شوهد وهو يتثاءب بعد كل إعدام، والقتل في رأيه المُخْتَلِّ الضامر يحقق رغبةَ الرعية لأنهم غير سعداء، وهو يحقق لهم هذه السعادة ويسرع لقاءهم بالموت بقهرهم وتحقيرهم وامتهان كرامتهم، يقول:" يموت الناس لأنهم غير سعداء" يا لها من معادلة! تقلب المنطق السائد مثلها مثل مقابلة الثقافة بالكذب، والتقدير بالازدراء، والحياة بالموت، والبراءة بالإدانة، يقول:" لا أحد بريء، ولا وجود لقاض"...

هو الوحيد المستبد الأعلى والمتفوق على غيره من الناس، الساعي إلى دماره ودمار مملكته ورعاياه، لقد اختار "كالجيولا" في الحقيقة موته، اختار أن يستعدي عليه الجميع ويؤلبهم ضده، ولأنه عاجز عن إسكات آلامه الداخلية دفع الحاقدين المتربصين به إلى التآمر عليه ومن ثمة قتله، لقد أنضجه الألم، وأفرغه الاستبداد والبطش والتسلط والشطط من كل قيمة ولم يملأ جوفه وهول قبره الداخلي غير "اللاجدوى"، اللاجدوى من الإمساك بالقمر واللاجدوى من تطويع المستحيل واللاجدوى من تحقيق الذات ولحم شظاياها وترميم جدرانها المتآكلة.

إن مسرحية "كاليجولا" تشريح لنفس الطاغية المستبد، وهي أيضا تشريح لنفس الكائن القلق والمكلوم الذي فقد كل قيمة وهدف من الحياة، إن "كاليجولا" هو كذلك ذلك الكائن المتحير العاجز عن التعرف على ذاته وعلى حقيقة وجوده، من ثمة فهي مسرحية ذات نفحة "وجودية" بطلها بلا إيمان أو يقين، حجر مقذوف في الفراغ بلا هدف.

تَجِدُ مسرحية "كاليجولا" اليوم أكثر من سبب لنشرها في اللغة العربية، سواء تعلق الأمر بالربيع العربي والثورات والانتفاضات الشعبية التي تروم التحرر من كل السيادات الطوطاليتارية المستبدة والمهينة لكرامة المواطن والتي تسخره كما تسخر الدواب وسُخِّرَ العبيد من الإنسان فقط لاختلافهم في اللون أو الوضع الاجتماعي أو العادات والسلوك والعقيدة، ولأن الشرط التاريخي الحالي يوافق الشرط التاريخي الذي أنتج فيه ألبير كامو مسرحيته هاته (1938/1944) وهي الفترة التاريخية السوداء التي لَفَّ فيها العالمَ رداء نزوات حكام "النازية" و"الفاشية" المستبدين والمتعطشين للسلطة والقوة وقهر الإنسان المختلف.

 

*تقديم كنت وضعته قبل سنوات لترجمة أحد الأصدقاء من ليبيا لكتاب ألبير كامو. ولا علم لي بما آل إليه الكتاب والتقديم    

 

 

 

Publicité
Commentaires
Publicité
محمد معتصم
Archives
Publicité
Publicité