Canalblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
محمد معتصم
Publicité
Derniers commentaires
Newsletter
Catégories
محمد معتصم
  • تتضمن المدونة عددا من المقالات والدراسات، والأخبار الثقافية والآراء حول المقروء والمنشور والمتداول في الساحة الثقافية. مع بعض الصور
  • Accueil du blog
  • Créer un blog avec CanalBlog
22 août 2024

الفصل 13

محمد معتصم

الفصل 13 من "حياتي" لأنطون تشيكوف

جاء بلاغوفو (Blagovo) على دراجة هوائية، وعادت أختي لزيارتنا باستمرار، كما عاودت المحادثات والمناقشات حول العمل اليدوي والتطور والمجهول الذي ينتظر الإنسانية في المستقبل البعيد عاودت الظهور مجددا. لا يحب الدكتور اهتماماتنا وانشغالاتنا الزراعية لأنها تمنعنا من المناقشة. يقول؛ بأن الحرث والحصاد ورعاية العجول لا تليق برجل حر، وسيتخلص الناس منها في المستقبل وإن الآلات ستقوم بتلك الأعمال المشينة لتحقيق وجود أفضل، وسيهتم الناس خاصة بالأبحاث العلمية. تطلب أختي دائما العودة إلى البيت باكرا، وإذا تأخرت في المساء أو أقامت عندنا، فسيكون قلق والدها عليها بلا حدود. 

ـ يا إلهي أي فتاة أنت حتى الآن، قالت ماشا مؤنبة.. إنه لأمر سخيف. 

ـ نعم إنه أمر سخيف، تؤكد أختي، أعترف بذلك، ولكن ما العمل وأنا ضعيفة بلا قوة ولا أستطيع أن أكون متسلطة. يبدو أنني أتصرف بسوء دائما. 

أثناء الحصاد يكون جسدي منهكا ومتعبا عادة، في المساء في السطيحة وأنا أتحدث إلى الجميع نمت فجأة فضحك علي الجميع بشدة. وعندما أيقظوني للعشاء كان النعاس قد تملكني فتراقصت أمامي الأضواء والوجوه والصحون، أسمع الأصوات ولا أفهمها، وحين أستيقظ صباحا أعود مسرعا إلى العمل أو أذهب إلى الورشة وأعمل طِوَالَ النهار. 

في عطله أيام الأعياد، عندما بقيتُ في البيت لاحظت بأن زوجتي ماشا وأختي كليوباترا تخفيان عني شيئا وتحاولاني تجنبي. تُظهر زوجتي لطفها معي كالسابق، ولكنَّ لها أفكارا لا تناقشها معي، تعتقد أن صلتي بالفلاحين تتقوى وتتصاعد باستمرار. لقد أصبحتِ الحياة في القرية قاسية بالنسبة، لها لا تشكو إليَّ ذلك، لكنها بالمقابل تتحدث تلقائيا مع بلاغوفو. ولم أفهم السبب. 

في ضيعتنا اعتاد العمال القرويون أثناء حصاد المحصول الحضور مساء إلى الساحة، وكنا نقدم لهم الفودكا حتى الفتيات الشابات يشربن كأسًا حينئذ. نتركهم ويبقى النساء والحصادون حتى وقت المتأخر من الليل في الساحة في شرب وانتظار المزيد من الفودكا. ثم يغادرون ساخطين. أثناء ذلك تزفر ما شاء بصعوبة ثم تهدأ، لكنها تظل غاضبة وتهمس للدكتور بصوت خفيض: 

ـ المتوحشون ! الغجر ! 

في القرية كما في المدرسة نستقبل القادمين الجدد دائما دون تدمر وبطريقة محترمة، وليس العكس. في البداية كانوا يظنوننا أناسا بسطاء وأغبياء اشتروا أرضا لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون بأموالهم، كانوا يسخرون منا، في غابتنا وفي حقولنا يرسل القرويون ماشيتهم ويدفعون بخيولنا وأبقارنا نحو القرية ثم يأتون إلينا لنؤدي ثمن الخسائر، يأتون إلى ساحتنا جماعات ويطالبوننا بما حصدناه في حقول بوشييفكا أو سيميونيكا. لم نكن نحتج ما دمنا لا نعرف حدود أراضينا بعد، فنقدم لهم ثمن الخسائر. لاحقا، بدا أننا كنا نحصد ما هو ملك لنا. 

في غابتنا ننزع لحاء أشجار الليموني، وقد قام أحد القرويين من دوبيتشنيا وهو بائع الفودكا دون ترخيص وأحد مستغلي للفلاحين، وقد رشاهم، كما كان يغشنا أيضا، وقد قام بالتواطئ معهم للقيام بأخبث الطرائق مثلا، نزع عجلات عربتنا الجديدة واستبدلها بعجلات قديمة وسرق معدات الحرث منا ليعيد بيعها لنا مجددا. ولكن الأخطر ما وقع في كوريلوفكا، في ورشة بناء المدرسة، أثناء الليل سرقتِ النساء الألواح الخشبية والزجاج والقضبان الحديدية، وقد قام ستاروتس (starotse) بحملة تفتيش عندهن مرفَقًا بشهود عيان، فحُكم على كل واحدة منهن بأداء روبلين ضريبة على أفعالهن تلك، ثم بعد ذلك تم الاستحواذ على جميع الأموال من قِبَلِ المجمَّع الزراعي. 

ـ يا لهم من حيوانات ! كم هو مقرف ! مقرف حقا ! وسمعتها [ماشا] تكرر مرات عدة أسفها على فكرة بناء المدرسة. 

ـ افهمي، قال لها الطبيب بصوت مقنع. افهمي، فبإنشاء هذه المدرسة، وعندما تفعلين خيرا هنا، عموما، فليس من أجل القرويين الروس الماجيك (Moujik)، بل من أجل الثقافة ومن أجل المستقبل، ثم إن هؤلاء القرويين أجلاف، وهذا سبب من أسباب بناء المدرسة. لا نشعر في صوته بإدانة القرويين، رغم أنهما يكرهان الموجيك على حد سواء. 

تذهب ماشا كثيرا إلى الطاحونة وتأخذ معها أختي كليوباترا، تقولان معا ضاحكتين بأنهما ذاهبتان للقاء استبان الجميل، إنه مع الرجال بطيء وقليل الكلام، لكنه في مجمع النساء يصبح ثرثارا وجريئا. في يوم ذهبت للسباحة في النهر فسمعت صدفة محادثة كانت ماشا وكليوباترا في لباسهن الأبيض، تجلسان على الضفة على امتداد ظل شجر الصفصاف وكان استبان واقفا بجوارهما ويداه خلف ظهره. 

هل الموجيك آدميون قال، ليسوا، اعذراني، إنهم حيوانات ودجالون. فما هي حياه الموجيك؟

الأكل والشرب وتبقى المعجنات الأفضل لديه وسلخ المريء في الملاهي، والصراخ بأعلى صوت وإطلاق الكلام النابي. لا يقدر الموجيك أحدا، لا يقول غير السخافات. يعيش الموجيك في الأوساخ زوجته كذلك وأبناؤه أيضا، ينام في ملابسه كلها ويلتقط البطاطس بأصابعه مباشرة من صحن الشربة ويشرب الكفاس (Kvass) حيث تغرق الصراصير، لو أنه فقط ينفخ عليها بفيه ليبعدها. 

ـ إنه الفقر، هو الذي يدفعه إلى ذلك، قالت أختي مدافعه عن الموجيك.

 أي فقر! صحيح إنهم فقراء، لكنْ هناك أنواع مختلفة من الفقر، آنستي، إذا كان هناك أناس بالسجن أو عميان ومقعدون، فهؤلاء تعساء، وقد يقدر الله لنا مثلهم، ولكن إذا كانوا أحرارا ويمتلكون عقولهم أي كانوا عقولا، وإذا كانت لهم عيون وأيادي وكانت لهم القوة، والله يحميهم، فماذا ينقصهم؟ إنهم مراؤون، آنستي، إنه نقص في المعرفة إنها الفظاظة والسخافة، وليس الفقر. إنكم مثلا استثناء لأنكم أرباب عمل وتربيتم تربية حسنة، وهذا يعني أنكم مشفقون عليهم ولذلك تأتون لمساعدتهم، ومع ذلك فإنهم سيمتصون أموالكم كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا والأقسى إنهم سيفتحون لأنفسهم ملاهي بأموالكم ثم سيشرعون في استنزاف الفقراء من أقربائهم. تتحدثان عن الفقر، ولكن هل الموجيك الغني يعيش أفضل من الموجيك الفقير؟ إنه يعيش، معذرة، كخنزير في صخب وحمق، إنه سمين وعريض خطمه متورم وأحمر. تشعر برغبة قوية في صفعه؛ هذا الحقير الدنيء. لاريون من دوبيتشنيا غني، ومع هذا اقتلع لحاء من غاباتكم كما يفعل الفقراء، ويقسم وأبناءه يحلفون كذلك وعندما يفرط في السكر يسقط على وجهه وأنفه في الوحل وينام. لا يساوي شيئا، آنستي، الإقامة بينهم في القرية كالعيش في الجحيم، وأشكر الله رب السماوات، أنني شبعان كاس وأقضي وقتي في مغازلة النساء، وقد اخترت ثلاث مرات ستاروتس (starotse) [أي رئيس إدارة الأملاك الأميرية في عصر روسيا القيصرية] وأنا الآن قوقازي حر، أقيم حيث أشاء، ولا رغبة عندي في العيش في قريتي، ولا سلطة لأحد لإجباري على فعل ذلك. يقولون لأن في القرية زوجتي بين قوسين "عليك أن تعيش مع زوجتك في (Isba). لماذا؟ إنني لست خادما عندها. 

  • سالت ماشا استبان: هل تزوجت عن حب؟ 

أي حب. أي حب سيكون عندنا نحن القرويين، أجاب استبان ضاحكا. وبما أنك ترغبين في معرفة ذلك الأمر، فقد تزوجت مرتين، وأنا لست من كوريلوكا، بل أنا من زاليغوشتش، جئت لاحقا إلى كوريلوكا صهرا، لم يرغب أبي في توزيع ممتلكاته بيننا نحن أبناءه الخمسة، فتركت له كل شيء وخرجت إلى قرية أخرى. ماتت زوجتي الأولى في ريعان شبابها. 

  • ما كان سبب موتها؟ 

أشياء تافهة، كانت تبكي وتبكي دون انقطاع وبغير سبب. وبدأت صحتها تتدهور، لم تفعل شيئا غير تناول الأعشاب كي تتحسن. قد تكون داخليا تفسخت وتعفنت أحشاؤها. زوجتي الثانية من كوريلوفكا فما الشيء الحسن فيها. إنها امرأة قروية مزارعة، لا أقل ولا أكثر، عندما اقترحوها عليَّ للزواج ضحكت من الأمر، ثم فكرتُ، إنها شابة وجهها أبيض وأسرتها تعيش في نقاء، يبدو أن أمها سكرتيره، تشرب القهوة ويظهر بأنهم أسرة تعيش في نظافة، هكذا تزوجتها. وبعد الغد جلسنا للعشاء، طلبت من حماتي ملعقة فأعطتني واحدة، ورأيتها تمسحها بأصابعها، يا لها من قذارة، فكرتُ. قضيت معها سنة واحدة ثم رحلت كان ينبغي أن أتزوج من فتاة من المدينة، بكل تأكيد، تابع، يقال بأن الزوجة تساعد زوجها على شؤون الحياة، ولكن فيمَ سأحتاجها؟ يمكنني مشاعدة نفسي بنفسي. فأنا في حاجة إلى امرأة تحادثني وليس إلى زوجة ثرثارة، في حاجة إلى من يكلمني برزانة ويعي ما يقول. بدون محادثة جيدة كيف تكون هناك حياه؟ 

توقف استبان فجأة عن الكلام وسمعت غماماته المنغَّمَة: (أو ليو ليو ليو). لقد رآني بكل تأكيد. 

تذهب ماشا إلى الطاحونة دائما تجد متعة في محادثة استبان. صاحبة الطاحونة تكره الموجيك بشدة مع كثير من الحقد. عندما تكون عائدة من الطاحونة يصرخ حارس أشجار الفواكه الموجيك البسيط الغبي في وجهها كل مرة: 

  • أيتها الفتاة بالاشكا (Palachka)، أهلا بالفتاة بالاشكا

وينبح خلفها مثل كلب هاو هاو هاو. 

تتوقف وتنظر إليه ممعنة، كأنها تجد في نباحه الغبي جوابا عن كل أفكارها ويجذبها ذلك فعلا، كما تجذبها محادثات استبان. وعند وصولها إلى المنزل تجد في انتظارها بعض الأخبار: إوزاتُ أهل القرية عاتت في الخص في حقلنا، وأن لاريون قد سرق توجيهاتنا، فتقول وهي تهزُّ كتفيها باحتقار: 

  • ماذا تنتظر من هؤلاء القوم ! 

تغضب منهم، وفي قلبها يتراكم الحقد، بينما أنا تآلفت مع الموجيك وأشعر أنني منجذب إليهم. 

إنهم بالنسبة للقوم المتعصبين والمضطربين مهِينيهم، أناس ضيقو الخيال وجهلة وآفاقهم محدودة، ملتبسون ولهم دائما الأفكار نفسها: الأرض السوداء والأيام السود والخبز الأسود. أناس محتالون وماكرون، وهم كالطيور لا يُخْفون غير رؤوسهم خلف الأشجار، ولا يعرفون العد والحساب، لا يقبلون بالعمل عندنا مقابل عشرين روبلا، ويأتون إلينا من أجل نصف دلو من الفودكا (Vodka) في حين يمكنهم بعشرين روبلا شراءه أربعة دلاء. حقا، يتميزون بالوساخة والسكر والغباء والخداع، ورغم ذلك نشعر بأن حياة الموجيكِ تقوم على قاعدة صلبة وواضحة. 

أي حيوان غريب هو الموجيك خلف عربته، إنه يعب ماء الحياة، ونحس رغم ذلك عند تفحصه عن قرب بأنه يملك داخله شيئا مهما ومفيدا لا نجده عند ماشا (Mâcha)، مثلا، ولا عند بلاغوفو (Blagovo) وهما يعتقدان بأن المبدأ الأهم في الأرض: الحقيقة، وبأن خلاصهما وخلاص الشعب برمته يوجد في الحقيقة. من أجل ذلك فالموجيك يحب العدالة أكثر من أي شخص آخر في العالم. 

قلتُ لزوجتي إنها ترى اللطخة على الزجاج ولا ترى الزجاج. عند كل جواب تصمت أو تغمغم مثل استبان (Stépane). عندما تكون هذه المرأة الفاضلة الذكية تشجب ساخطة، وعندما تتكلم بصوت مضطرب مع بلاغوفو عن السكر والخيانة، فإنها تثير دهشتي وتصعقني ببساطتها ونسيانها، كيف لها أن تنسى أن والدها المهندس يثمل أيضا أكثر من اللازم، وبأن الأموال التي اشترى بها (Doubètchnia) جمعها من الخداع والخيانة المذلة وبصفاقة أيضا، كيف لها نسيان ذلك؟

 

*(Moujik): فلاح روسي.

Anton Tchekhov ; Ma vie, Récit d’un provincial, Biblio Classique, 2014. P :92-99

 

Publicité
Commentaires
Publicité
محمد معتصم
Archives
Publicité
Publicité