Canalblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
محمد معتصم
Publicité
Derniers commentaires
Newsletter
Catégories
محمد معتصم
  • تتضمن المدونة عددا من المقالات والدراسات، والأخبار الثقافية والآراء حول المقروء والمنشور والمتداول في الساحة الثقافية. مع بعض الصور
  • Accueil du blog
  • Créer un blog avec CanalBlog
18 septembre 2024

هلوسات ترشيش.. سؤال المصير

من كتابي "الرؤية الفجائعية" الحائز على جائزة المغرب للكتاب في عام 2005م، ونشر عام 2004م

سؤال المصير.

1/ سؤال المصير:

   تروم هذه الدراسة الحفر في مفهوم "الرؤية الفجائعية" لدى جيل سبعينيات القرن الماضي، والتي تظهر الآن في بعض كتابات التسعينيات كرؤية تتأسى على ما فات وتتأسف لما هو آتٍ. وأيضا لاستنباط تجلياته-المفهوم-على مستوى المكونات السردية الأساسية، وللوقوف على أثره في (القصة) و(الخطاب) بناءً ومحتوىً.

   نريد أن يكون مفهوم الرؤية الفجائعية مفهوما إجرائيا.

   الرؤية الفجائعية مفهوم إجرائي خاصة أن الروايات العربية التي اختارت الحديث عن الصدمات المتتالية التي تلقتها الذات العربية في المنتصف الثاني من القرن الماضي، كان يوحدها سؤال:" أين نسير؟  وكيف سنصير ؟".

   والحق أن "سؤال المصير" سؤال مأساوي وفجائعي خاصة إذا ما كان الحاضر موشحا بالسواد والفرد فيه أعزل ووحيدا. كان حظ العرب من الخيبات في النصف الثاني من القرن الماضي كبيرا. وسؤال المصير وجد ما يدعمه في المعطيات الفكرية والنظرية، وفي النتائج المتحقِّقَةِ في الواقع. لقد استعادت الشعوب العربية شموخها بعد حصول دولها على الاستقلال العسكري والسياسي. وصادف ذلك ظهور نوايا سياسية ناهضة وموحِّدة وطموحة. لكن تلك النوايا لم تتحقق في الممارسة الفعلية مما أدَّى إلى ظهور بوادر الشك. وقد وُوجهت تلك النزعات بالقمع، وأصحابها بالتنكيل.

   والكاتب العربي الراصد لهذه المرحلة ولذلك الصراع المرير بين الحكومات العربية والهيئات السياسية والنقابية والطاقات المبدعة والمفكرة لم يَخلُق بينه وبين ما حدث مسافةً حسية ونفسية بل انخرط فيها بكل عصب ووريد. وبالتالي كان إبداعه الفكري والشعري والقصصي والنقدي،،، مأساويا. من مظاهر ذلك استبداد الحس العبثي واللاَّيقين الفكري واللاَّانسجام الخطابي (تفكك الصيغ وأشكال القول). وأصبحت الموضوعة الأثيرة لديه:" الهزيمة".

   إن الرؤية الفجائعية موقف فكري وإبداعيٌّ من مرحلة زمانية كان فيها النهوض كحَملٍ كاذب زاد من ثقل الشعور باليأس في الذات/الذوات العربية. ولتجاوز الهزيمة تداولت الكتابات حَلَّي "التغيير الثوري" و "إصلاح ما يمكنه إصلاحه".

   إنَّ هذه الرؤية تحتاج اليوم إلى قراءات جذرية على ضوء ما جدَّ في العالم من تكتلات اقتصادية (أروبا) ومن تفككات سياسية (الكتلة الشرقية) ومن حروب وحصارات اقتصادية، ودسائس جاسوسية (مخابراتية)... إلخ.

   2/ هلوسات ترشيش(1):

   روايةٌ اختارت لنفسها عالما متأزما مكتظاً بالآلام والأحزان، عالما أفراحه قصار ومسروقة. "هلوسات ترشيش" نص روائيٌّ مضغوط بين الحنين والاشتياق لذكريات الطفولة والصبا وأيام الدراسة، واللهفة إلى الأصدقاء، وبين التيه والألم المضني. هلوسات ترشيش رواية تكتبُ الإحباط الذي يستشري في أوصال الذات العربية. وإن كان فضاؤها (تونس) بعد الاستقلال، بعد، حسب النص، تحول الانتصار إلى هزيمة والأحلام إلى كوابيس ضاغطة، والآمال إلى اختناقات قاتلة مزهقة للأرواح.

   هناك روايات عربية كثيرة تغذت من دماء هذه الفضاءات وجعلت من الإحباط عصبا قويا يلحم عالمها المتخيَّل والعضوي في آن. لكن ما يمكن ملاحظته عن هذه الكتابات أنها تقترب من الإنسان (القارئ) بهدهدة أو باستفزاز الجانب الفجائعي فيه. خاصة أن الذات العربية تختزن في تاريخها المعاصر الكثير من الخيبات، والكثير من الكبوات. فقد ظهرت فُرَصٌ كثيرة في تاريخ الذات العربية ألهبت شغاف الفؤاد العربي وأدفأت جناحيه. لكن كل ذلك انقلب إلى خيبة كبيرة.

   هلوسات ترشيش تكتب من خلال منطقة زمانية مغناطيسية جاذبة. إنها مرحلة الحلم الكبير بالوحدة. إنها الحلم الكبير بالثورة، إنها الحلم الكبير بسيادة دولة "البروليطاريا". إنها مرحلة تطاحنت فيها المذاهب. مرحلة كان فيها النضال منبنيا على الأحلام أكثر من الأفعال. هلوسات، هلوسات ترشيش تَسِمُ تلك المرحلة بآلامها وبأحلامها بالهلوسة. إنها مسٌّ وخلط وخبط. طوباوية لذيذة قاتلة. تحلم بسحق الطواحين تحت أقدامها الحافية اللينة.

   "هلوسات ترشيش" كتابة فجائعية تبكي خراب مرحلة، وضياع جيل بكامله، ولعنة كبرى تخبط في حياضها بلد عربي/تونس.

   إن الكتابات الروائية التي اختارت الاشتغال على محتويات من هذا النوع كانت تراهن على يقينيات خارجية متخيلة؛ أي وقائع معادة الصياغة في الفكر. وكانت تراهن كذلك على الخط التراجيدي المتمثل في اللوعة والألم والعذاب. هذه الرهانات العامة لها دور كبير في إنشاء رؤية موحَّدَةٍ لدى هؤلاء الكتاب، وفي تقارب تقنيات الكتابة لديهم.

   3/ الرؤية الفجائعية:

   1.3/ تعتبر مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم مرجلا تغلي بالتناقضات على مستوى الحياة العامة للبلاد العربية، وعلى مستوى الوعي والفكر الفئوي أو الخاص. ففي هذه المرحلة من تطور الذات العربية تصادمت الكثير من التيارات الثورية التي تغذت على مخلفات تفاعلات عنيفة في آسيا وأربا خصوصا. وكان لزاما ومنطقيا تأثر الوعي العربي بهذه التيارات الناهضة. لأن الذات العربية المفجوعة على ماضيها، وفي حاضرها كانت تحتاج إلى سند يذكي عزيمتها. إلا أن الأفكار وحدها لا يمكن أن تفعل ما لم تنتقل من حضورها القوي في الذهن والأوراق إلى الحضور الفعلي والفاعل في الحياة العامة وسلوك الأفراد والجماعات. ومن نتائج التصادم بين الحضور الفعلي والقوي للتيارات المذهبية الثورية، إصابة الذوات الفردية المفكرة والمبدعة والناقدة بالخيبة، وبفقدان الثقة وبالشك والريبة. إنه الشعور الذي يؤدي إلى "الرؤية الفجائعية".

   يقول النص:" أيُّ لعنة حلت بجيلنا"(2). يأتي هذا القول في سياق رواية "هلوسات ترشيش". وترشيش اسم كان يطلق قديما على تونس. كما جاء في العتبة التي وضعها المؤَلِّفُ لروايته، تقول العتبة:" واسم مدينة تونس في الأول ترشيش"(3). وهو ماثمَّ تأكيده في سياقات متعددة ومختلفة من فصول الرواية.

   الملاحظُ أن هذه العبارة اكتست صفة المقولة ودلالتها، لأن انتشارها في الكتابات الإبداعية والنقدية والفكرية العربية وَسَمَ العقدين السادس والسابع من القرن الماضي في البلاد العربية. وأصبحت تلك العبارة عنوانا يختزل كل قول آخر. يلاحظ أيضا أن جيل السبعينيات صعَّدَ الصورة إلى حدٍ باتت الأجيال بعده تنظر إليه كمسيح صغير مصلوب نداء لآلام الأجيال السابقة عليه والأجيال اللاَّحقة.

   2.3/ يقول النص:" كل شيء يوحي بالخراب والدمار والسقوط"(4).

   التهبت شغاف (عبد الفتاح خليل) العائد إلى أرض الوطن (تونس) بعد غيبة طالت عشر سنوات بالاسترجاعات والاستذكارات. استرجاع ذكريات الطفولة والصبا. ذكريات "الزيتونة" ومسقط الرأس، والأم، والبدو في الشعاب القاحلة المقفرة، وحب الجغرافيا، وحب الشعر. استذكار الأحلام الجميلة بتجاوز الحدود الضيقة للبادية، والرغبة في اكتشاف ما خَلفَ الجبال. وتعلق القلب والروح بصورة البحر، والولع بالحكايات والأغاني الشعبية.

   عاد عبد الفتاح خليل ليستريح في حِضنِ الوطن وليُضَمِّدَ جروح الغربة والتيه في بلاد أروبا، وليستدفئ بحرارة الأصدقاء القدامى محتميا من برد الجليد الصَّاقع. لكن لم يجد غير الآلام. وبدا كل شيء آيلاً إلى السقوط في هوة الضياع. وأن كل تلك الأحلام والآمال التي أثقلت القلب وأنضجت ثمار الروح قد فسدت وتساقطت على أطراف الطريق. كل الأصدقاء سقطوا في الإهمال أو في الخذلان والخيانة أو في حمأَةِ الانتحار، أو في زوايا الاضطهاد النفسي والفكري والجسدي.

   عاد عبد الفتاح إلى حضن الوطن ليرضع جرعات أخرى من الآلام. وكانت الأشدَّ على قلبه جرعة (ياسين) رفيق الدراسة والصعلكة والتيه الجميل في الخمرة المُزَّةِ والأدب الرفيع والفكر الثوري المتنور.

   وتبدأ الأصنام والأقنعة في التساقط. لتنكشف الحقيقة على خواء عدمي ويتبدد الفضول المحفزُ. ولم تعد هنالك أية فائدة في البقاء على أرض غير الأرض، وعلى واقع غير المتوقَّعِ. ويستبدُّ الفشل بالجسد وتتخدر الروح، يقول النص:" ما الفائدة ؟ كل شيء غدا الآن واضحا، وفضولك نضب تماما ولم يعد له وجود"(5). وكأن الشخصية الروائية تُسائلُ نفسها عن سبب هذه الفاجعة، والفجائع المتتالية على البلاد والعباد والصحاب. وكأن الشخصية الروائية تبحث عن منفذ، وعن إمكانية للتغيير أو لإصلاح ما فسد. وماذا تستطيع ؟ إنه الطاعون يكتسح المجال ! ولا فائدة في البقاء. ولا قدرة على الإصلاح. يقول النص:" الخراب اكتمل الآن، ولم يعد بالإمكان إصلاح أيِّ شيء"(6).

   3.3/ في هذا السياق نلاحظ تعارضا بين فكرتين مؤطرتين للرؤية الفجائعية في رواية "هلوسات ترشيش"، وهما؛ فكرة التغيير أو التثوير، وفكرة الإصلاح.

   تقوم فكرة التغيير أو التثوير على استئصال دابر التخلف على مستوى الوعي والفكر والثقافة وسلوك الحياة العام وسلوك الأفراد الخاص. ويستمد الفكر التثويري الذي يمثله (ياسين والأستاذ وعمار وعبد الفتاح خليل) على مخلفات النظريات الثورية التي لقيت في مرحلة السبعينيات خصوصا وقبلها- تربة خصبة في البلاد العربية، حيث الذات المزهوة الشامخة المفجوعة تأسف على ماضٍ راح وأُقبِرَ تحت تراب الانتكاسات والخيبات، وتَأنَفُ من الحاضر.

   لكن فكرة التغيير باءت بالفشل لأنها لقيت أمامها الآلات الحاقدة. وبذلك أهملت شخصية عبد الفتاح الروائية طرح سؤال الإصلاح. هل هو إصلاح يخص الواقع الذي كان يراد تغييره وتثويره ؟ هل هو إصلاح في بنية الفكر التغييري الثوري ؟

   سؤال فكرة الإصلاح يبقى مشروعا سواء تعلق بالواقع السابق على فكرة التغيير أو تعلق الأمر بإصلاح داخل المتوقع والممكن. إلا أن شخصية عبد الفتاح الروائية ارتأتْ أن تجعل الأفق مسدودا، حتى تكون الفاجعة أكثر وقعا.

   يبدو أن فكرة التغيير الثوري وفكرة الإصلاح متناقضتان، لأن الأولى تنطلق من خط فاصل بين الواقع والمتوقع، بين الكائن والممكن. وأن تواجد الحقيقتين (=الوجودين) وتعايشهما مستحيل. فلا يحتمل الوجودان التماس.

   ولأن الثانية (فكرة الإصلاح) لا ترفض الوجود السابق (الواقع/الكائن) بل تأخذ عليه صيغة معالجة الأمور العامة والخاصة، اعتمادا على المعطيات والنتائج. والنص الروائي "هلوسات ترشيش" جاء ليعرض النتائج من خلال سقوط الأصدقاء ونضوب معين الفضول وانطفاء الحنين والشوق واشتعال رغبة التيه وجنون الانتحار. لهذا ينتهي النص الروائي بالهروب من الدمار والخراب والسقوط إلى التيه في الصحراء وفي سواد الليل. يقول النص:" من الصحراء جئت وإلى الصحراء تعود!" يقول-عبد الفتاح خليل، ثم يلفُّهُ الليل"(7).

   4/ أثر الرؤية الفجائعية على القصة والخطاب:

   إن الكتابة الفجائعية صيغة خطابية في حد ذاتها. لذلك فمن خصائصها المميزة للقصة (المحتوى) تصعيد الحس الزماني والارتقاء به تدريجيا إلى الذروة حيث تعاني الشخصية القصصية من اختناق وهزات داخلية تبدأ بعدها في الاندحار إلى الدرك الأسفل.

   1.4/ الحس الزماني:

   تتعرض الشخصية المحورية (عبد الفتاح خليل) في النص الروائي لصدمات داخلية متتالية تلقي بها في جحيم الضياع. ويمكن تحديد درجات رقي الشخصية المحورية في:

  • اللهفة والشوق: أي الرغبة التي قادت الشخصية نحو موطنها الأصلي (تونس) طلبا للدفء الإنساني ونشدانا للراحة والاستقرار بعد تيه طويل في الغربة.
  • التذكر والاسترجاع: عادة ما يكون الشوق واللهفة مصحوبين بذكريات الماضي. لقد عمدت الشخصية الروائية إلى تقنية الاسترجاع في صورة حميمة فرحة. وهو ما حدث في رواية "هلوسات ترشيش" ثم في صورة الفجيعة: (تذكر أيام الطفولة).
  • البحث عن الماضي: أقصد بداية البحث عن الأصدقاء. هنا يبدأ التصعيد في الأحاسيس. وتبدأ الخلخلة إلى مستوى التوقعات. وتتسرب إلى الذات (ذات الشخصية الروائية المحورية) نزعات تشكيكية مصحوبة بعدم الفهم، وعدم وضوح ما يجري. إنها اللحظة التي تصطدم فيها رغبة الاكتشاف والاسترجاع والتذكر بالواقع. أي تصادم المتوقع بالواقع.
  • اليقين: تأكُّدُ الشخصية الروائية من أن العودة إلى مسقط الرأس وموطن الذكريات خطوات خاطئة، وأن استرجاع ما فات شبه مستحيل، بل مستحيل تماما ولا فائدة من السعي وراء سراب خادع.
  • التيه: إنه البديل عن الانتحار والإهمال والخذلان والخيانة والسقوط.

   2.4/ البناء المتواتر:

   من الخصائص المميزة للخطاب "البناء المتواتر". تكاد تلتقي جميع الأعمال الروائية المنبنية على الرؤية الفجائعية للجيل أو الأمة أو الفرد في صيغة التواتر الحكائي. وفي ذلك تلتقي مع الكتابات الروائية التقليدية التي تحافظ على سيرورة الزمان الخارجي. وتُسْقِطُهُ على سيرورتها الداخلية.

   من خلال تفاعل الأحداث وبنائها نلاحظ تحكم السيرورة الفيزيقية فيها. فالحكي المسترجع فضل التوحيد في البداية بين بداية الخطاب وبداية القصة المروية. تبدأ القصة بالحديث عن الأم وعن مسقط الرأس اللامحدد بين امتدادات واسعة، وعجز ذاكرة الأم على تحديد المكان بدقة. ومنه يستوحي الكاتب بداية خطابه الروائي؛ أي الحديث عن التيه الذي هو وحدة أساسية ناظمة للخطاب. فهي المنطلق والمنتهى. يبدأ الخطاب بالحديث عن التيه وتنتهي بالحديث عن التيه في الصحراء وفي سواد الليل.

   إن لهذا التلاقي بين الخطاب والقصة دلالة هامة ومؤثرة على الرؤية والزمان والسرد. إنهما يسيران سيرا متوازيا.

   لقد تأثرت الرؤية الفجائعية بالخطاب الدائري المغلق على نفسه بين التيه في أوروبا (الرحيل والمنفى)، وبين التيه في الصحراء والليل (صحراء وليل تونس النص). والخطابات الدائرية المغلقة تشكِّلُ صورة حلقةٍ فارغة تماما من الوسط. تعاني فيها الشخصيات الروائية من الخواء الروحي وتلاشي الهدف وغيابه. فالشخصية الروائية في رواية "هلوسات ترشيش" بدون هدف، مادامت أهدافها قد باءتْ بالفشل. وأنها لم تجد الأرض الخصبة التي تساعدها على النمو السليم. والخطاب الدائري خلق حلقة ممغنطة تجذب بقوةٍ العناصرَ المتفاعلة داخلها كلعنة. لهذا فشخصيات "هلوسات ترشيش" منحصرة في فضاء مشحون ومأزوم يتجسد في هذه العناوين الرئيسية:

   1/ الاضطهاد النفسي والفكري والجسدي:

   يعبِّرُ (ياسين) في دفتره عن الحصار الذي عانى منه كثيرا في الفترة السابقة على انتحاره. فقد تعرض للمضايقات النفسية عندما تلقى من الملتحين رسائل التهديد بالتصفية الجسدية إن هو لم يتراجع عن مواقفه وأفعاله وسلوكه (كشاعر عدمي فاقد كل الثقة في الحاضر والمستقبل معا). وقد تعرض للتعذيب الجسدي عندما أُلقيَ عليه القبض وسُجِنَ لمدة خرج بعدها منهارا وشديد التذمر والاضطراب. يقول ياسين في دفتره:" مضى الآن شهران على أُسْبوعِ الاعتقال التعس، ومع ذلك يمكن القول أني لازلت أعيش أقصى حالات التوتر والانفعال، فبالأمس مثلا، كسرت، حال نهوضي من النوم، صحنا وكأسين، ودلقت القهوة على بنطلوني الأبيض، في الساعة الواحدة بالضبط حرقت قميصي المفضل بسجارة... "(8).

   إن الاضطهاد النفسي امتداد للاضطهاد الفكري والجسدي واحتواء لهما. لقد تعرض ياسين للاضطهاد الجسدي وعُذِّبَ. وقد تعرض للاضطهاد الفكري أيضا. وتمَثَّلَ ذلك في الالْتزامِ الذي وقعه بعد الاعتقال، يقول نص الالتزام:" ألتزم بألاَّ أنشر في المستقبل أي إنتاج أدبي خارج البلاد"(9).

   إن هذا الاضطهاد المباشر والضغط الخانق للحرية؛ حرية الفرد والإبداع والفكر ينتهي بانتهاء توقيع الالتزام! لكن ما يستمر في أعماق (ياسين) من تفاعلات مضطربة هو ما يخلق الاضطهاد النفسي.

   2/ الهروبية:

   الهروبية نزعة رافضة للواقع في صورته كمعطى وكنتيجة وكممارسة يومية. وإذا كان الشاعر المهجري الرومانسي عموما يهرب إلى الغاب حيث الحرية والمطلق والطبيعة الحية والانطلاق، فإن الكتابات الفجائعية تهرب شخصياتها في الخمر والنساء والأحلام والتسكع (أربعة محاور أساسية محيطة بالرؤية الفجائعية). لكن هل الهروب يؤدي إلى النجاة والخلاص ؟

   نلاحظ من خلال "هلوسات ترشيش" أن الهروب من الفاجعة يؤدي إلى الكارثة. أي أن الرؤية الفجائعية رؤية مغلقة وخانقة وشاملة لا ترى أملا في الأفق. لذا فالشخصية القصصية (ياسين) تنتهي إلى الانتحار بعد أن لاقت من التفسخ والاندحار الشيء الكثير..

   الخمرة موضوعة رئيسية في الكتابات المعاصرة، وكذلك المرأة، سواء تجلت في صورة الحبيبة أو الزوجة أو بائعة الهوى فإنها لا تشبع الذات ولا تطفئ غلواء الشهوات والغرائز، بل تحولها إلى ألم ممزق وفظيع يعلن عن الفشل المطلق والفراغ التام الشامل.

   يُعَبِّرُ ياسين في دفتره عن هذا الموقف الكارثي المُفْجِعِ فيقول:" وأنا أتأمل فتاة تنشر الغسيل على السطح المقابل [...] انتبهت إلى أني لم أجامع امرأة منذ ما يقارب نصف عام. وفي الحين هرعت إلى الماخور، رغم أن جميع التجارب السابقة أثبتت لي أن حظي مع صاحباته عاثر دائما [...] دخلت نزعت ثيابي، وحين هممت بها، أبى أن ينتصب اضطربت اضطرابا شديدا [...] دفعت، ثم انسحبت كالهارب"(10).

   تبدو كل ركائز الهروبية نوافذ مطلة على الآمال لكنها في الحقيقة تأكيد على الفاجعة، وأنها نوافذ مشرعة على السواد. ظلمة عزلة (الأستاذ)، وظلمة ضياع (عمَّار)، وظلمة انتحار (ياسين)، وظلمة سقوط (جمعة)، وظلمة خيبة (عبد الرحمان)، وظلمة القرار السحيق (جموع المتظاهرين).

   5/ تجليات الرؤية الفجائعية:

   الواقع المتحدث عنه في "هلوسات ترشيش" متأزم مخنوق. الفرد فيه ملاحق ومضطهد، والإنسان البسيط مقهور مردوم في يأسه وفقره. والمثقف مراقب في سكونه وحركاته-كما سنوضح جيدا في دراسة "سيدة المقام"- تحسب عليه أنفاسه وأحلامه وآماله. تراقب مناطق الوعي فيه واللاَّوعي. الإنسان في هذا الواقع المخنوق يموت بالتقسيط، ينفُقُ ببطءٍ.

   تصور الرواية الواقع من خلال الحكي المباشر الذي يجعل موضوعته الأساسية ما يجري في الواقع المحكي في القصة. ومن خلال الحكي غير المباشر الذي يصاغ في قالب الأحلام الكابوسية أو الوقائع العجيبة. هاتان التقنيتان تعبران عن حالة ذهول الشخصية الروائية والحصار المضروب عليها.

  • الحكي المباشر:

   يؤطر الحكي المباشر بالحديث عن قضية قومية آمنَ بها كل عربي من المحيط إلى الخليج، ولعب فيها الإعلام دورا حاسما وخطيرا. فقد سَمَا بعاطفة وبهجة الإنسان التواق إلى الحرية، إلى أعلى الدرجات ثم هوى إلى أسفل درك ليعلن هزيمة العرب. يقول النص على لسان ياسين:" صورة الهزيمة البشعة تمر بطيئة في ذهني، وأنا أسبح في العرق"(11).

   كما أن الحكي المباشر يُؤَطَّرُ بالحديث عن الخميس الدموي [قضية وطنية/تونسية] الذي صاغه ياسين كالتالي:" أبدا لم أكن أتوقع أن يكون هذا الخميس مضرجا بالدم، إلى هذا الحد! وأبدا لم أكن أتصور أنْ تفضي المواجهة بين الحكومة واتحاد النقابات إلى هذه المأساة التي سوف توشح البلاد بالسواد لأعوام طويلة! والآن يصبح السؤال عما سيؤول إليه المصير أكثر هولا وأشد وطأة على نفسي من أي وقت مضى"(12).

  • الحكي غير المباشر:

   تعتبر الحكايات الصغرى المتفرقة في دفتر ياسين حكيا غير مباشر، لأنها تخص حالات خاصة فردية. وهي حكايات ترمم البناء العام للحكاية الأساس في رواية "هلوسات ترشيش". من تلك الحكايات الصغرى المؤثثة للحكاية الأساس نذكر حكاية (غسان) الذي:" يحب أفلام الكاوبوي وكتب المغامرات وحكايات الجدة الهرمة.. ويحب الحرية والانطلاق"(13)، أيام العطل.

   غسان ذاك سيخدره هول ما رأى. وهذه الحكاية الصغيرة تفصح عن الواقع المخنوق الوأزوم الذي قام المتخيل (الأفلام والكتب وحكايات الجدة) عليه.

   والحكايات الصغرى الثانية الدالة عن الحكي غير المباشر للواقع المروي في الحكاية يمثلها (الطيب الدعبازي) الذي قاوم مخاوفه وحدوسه الملتبسة حول العاصمة، ونزل لعرض ابنته على الطبيب، لكن الجموع النافرة والرصاص الملعلع سيفصل بينهما. دون أن يحدد الراوي هل وجدا بعضهما أم أنهما سقطا في هوة لا قرار لها. أو هل هذه الواقعة حقيقية ضمنها الكاتب روايته أم أنها واقعة رمزية تدل على الشرخ الذي عمقه الرصاص بين الجموع والسلطة. لكن الفصل بين الأب وابنته يبقى له كبير دلالة وتأويلات عديدة كلها تعكس حالة الذهول وهول ما يجري في الواقع الذي فاق كل خيال.

   الحكاية الثالثة المعبرة عن تحول الواقع إلى كابوس، ما ينقله ياسين في صيغة حكاية عجيبة عن جماعة من القتلة يتسلون بتدمير كل الكائنات الطبيعية، وكل عمران، ويَتَسَلَّوْنَ بتقتيل الأحياء. إنها عبثية مطلقة ستعبر عنها أغلب الروايات المدروسة في هذا الكتاب، تعكس إحساس الكاتب العربي المعاصر بواقعه وثقل الخيبات على نفسه وذهنيته، وتعكس صورة متخيلةً عما وصلته المأساة.

   تلك الصور والحكايات الصغرى المباشرة وغير المباشرة تظهر تجليات الرؤية الفجائعية في تأطير الرواية وتحديد فضائها المشحون بالغرائبي، وهول الذات أمام تحطمها وأمام شروخ صورتها في المرآة.

   هذه الرواية التونسية لا تختلف عن الروايات الأخرى المختارة من عدد من الدول العربية الشقيقة في الحس الفجائعي وتكاد تعطي الانطباع بأن القرن الماضي في الأدب العربي لا يرى أفقا مفتوحا على التغيير إلى الأفضل، وأن الحال يتردى ويتقهقر منتكسا. لكن لكل رواية جماليتها التي لا يجب إهمالها وهي جزء أساس في المنتوج المتخيل العربي المعاصر الذي ينتمي إلينا وننتمي إليه. وهي ركن أساس كذلك في إثبات المكانة الهامة للأدب العربي بين آداب الأمم الأخرى. وما الحس الفجائعي إلا إشارة قوية على يقظة الوعي العربي ورهافة حسه وانشداد حباله الحساسة المنتبهة لما يحدث في العالم الآخر (أوروبا وأمريكا) خصوصا والعالم العربي (الوطن والأوطان الشقيقة) عموما.

   هوامش:

  1. حسونة المصباحي. هلوسات ترشيش. دار توبقال. ط1. 1995م.
  2. المرجع نفسه. ص(93).
  3. المرجع نفسه. ص(6).
  4. المرجع نفسه. ص(146).
  5. المرجع نفسه. ص(146).
  6. المرجع نفسه. ص(147).
  7. المرجع نفسه. ص(150).
  8. المرجع نفسه. ص(134).
  9. المرجع نفسه. ص(133).
  10. المرجع نفسه. ص(103).
  11. المرجع نفسه. ص(99).
  12. المرجع نفسه. ص(118).
  13. المرجع نفسه. ص(120).

 

 

 

Publicité
Commentaires
Publicité
محمد معتصم
Archives
Publicité
Publicité