محمد معتصم

 

السرد والكتابة النسائية

numérisation0010

 

  1/ تقديم:

 

   يتوزع هذا المدخل محوران: الأول أطرح فيه مجموعة من القضايا الخاصة بالكتابة وبالكتابة الإبداعية لدى المرأة؛ وظائفها، وصيغها، ومغايرتها. والثاني محاولة لقراءة الإبداع النسائي من خلال كاتبة مغربية رائدة في الكتابة السردية (قصة قصيرة، ورواية)، أقصد خناتة بنونة إلى جانب نساء مغربيات توقفن عن الكتابة لأسباب لا نعرف حقيقتها كالكاتبة مليكة الفاسي (المرأة الوحيدة الموقعة على وثيقة الاستقلال)، وآمنة اللوه، ورفيقة الطبيعة.

 

   2/ الكتابة والكتابة النسائية المغربية.

 

   لعل التفكير في وضع حد موضوعي ونهائي للكتابة في ظل متغيرات الوضع الحالي، يبدو ضربا من الخيال، ونوعا من المستحيل. إذ كيف يمكن الإمساك بالمتعدد اللامتجانس وحصره ضمن الواحد المنفرد المنسجم. وأقصد المفهوم والمصطلح.

 

   بهذا السبب أفسر الاختلافات الكبيرة والكثيرة في تحديد مصطلح الكتابة عند العديد من الكتاب. لكن ما لا يمكن الإمساك بجوهره يمكن إدراكه من خلال مظاهره وتجلياته. والكتابة تنتمي لهذه الكائنات المتغيرة والمختلفة. والكتابة تنتمي لهذه الكائنات التي تبدو بدون جوهر أو حقيقة باطنية ومجردة. بل هي كائن جوهره في عرضه. مثلها في ذلك مثل الإنسان. الكائن الذي تجهل حقيقته وتدرك فقط تجلياته عبر العصور: أفعاله وأقواله. أفعاله التي غيرت المحيط وسيطر بها على قواه وكوارثه. وأقواله التي غيرت الوعي وحولت كل الماديات إلى مجردات. وحولت كل "الكليات" إلى "جزئيات" حتى يتسنى للجميع، على اختلاف إرادتهم وأوعائهم، فهمَ ما يجري على البسيطة. وحتى تجعل من الإنسان سيدا.

 

   والكتابة قضية شائكة. مثلها في ذلك مثل المرأة العربية. لا يمكن إدراك جوهرها الباطن إلا من خلال تجلياتها ومظاهرها السلوكية.

 

   وهذا ما ينبغي أن تضطلع به المرأة المعاصرة. وهذا ما يجب تجذيره في كتاباتها بوعي. وهذا أيضا ما يبحث عنه القارئ والناقد في الكتابة النسائية على اختلافها وتنوعها.

 

   وإذا كان التعبير التالي:" كتابة نسائية" يثير الكثير من القضايا، من مثل: هل هناك معايير خاصة، نقدية تميز في الكتابة بين ما هو نسائي وبين ما هو رجالي؟ هل نطلق هذا التعبير على كل كتابة صارة عن امرأة كاتبة؟ ألا يمكن اعتبار بعض كتابات الرجال كتابة نسائية، لما تركز عليه من أدوار وظيفية هامة للمرأة؟ سواء أ كانت المرأة شخصية محورية أم شخصية ثانوية وهامشية..

 

   أقول، إذا كان هذا التعبير "الكتابة النسائية" يحتاج في حد ذاته إلى تحديد حتى يصبح إجرائيا، فإنني أرجح إرساله على كل أنماط الكتابة الصادرة عن المرأة سلوكا فاعلا أو منفعلا أو متفاعلا. وذلك من خلال الكتابة النقدية والإبداعية أو الاجتماعية والحقوقية ... إلى آخره.

 

   يتوزع الكتابة النسائية ثلاثة محاور عامة نصنفها كالتالي:

 

   الكتابة كإقرار بوضع قائم.

 

   يندرج في هذا المحور كل الكتابات التي اعتمدت على الدراسة والبحث الميدانيين اعتمادا على (في تحليلاتها ومقارناتها ومقارباتها) الدرس السوسيولوجي، والدرس النفساني أو التحليل النفسي. وهي دراسات مفيدة ومهمة تحاول أن تنقل بصدق الوضعية العامة للمرأة. ونشيد هنا بمجموعة من الفعاليات النسائية والذكورية المغربية خاضت في مياه مائجة ورياض بكر من العوالم المنسية في تاريخ الكتابة والفكر. وهي كتابات غالبيتها باللغة الفرنسية.

 

   الكتابة كتخطيب لوعي قائم ومظاهر سائدة.

 

   هنا نخوض في نمط آخر من الكتابات. كتابة ترى في التفكير والبوح النسائيين خطرا. بل يمكن أن نطلق على ذلك بالقياس والتشبيه اسم ومعنى "العورة". فالمرأة إذا باحت بتفكيرها وبما يزخر به مكنونها من أماني وهواجس ورغبات وتذمر وإحباط ... تكون قد كشفت عما لا يمكن الكشف عنه. وهذا الفعل إباحية مرفوضة.

 

   وفي هذا المحور ندرجُ نمطا آخر من الكتابات، وإن بدا مناقضا للأول في ظاهره، ففي عمقه وقصده، يبدو مماثلا له. لأنهما معا ينظران إلى المرأة كمعطي أنثوي. الأول؛ أي الكتابة التي تحظر على المرأة البوح بأنوثتها وإبرازها وتحبذ كتمانها وإقبارها وقمعها. وتأمرها بالعودة إلى حظيرة الحريم.

 

   الثاني؛ الكتابة التي تغيب المرأة ككينونة اجتماعية. وتجهر، عكس الأولى، بمظاهرها ومفاتنها. والتركيز عليها كسلطة قاهرة. يمكن بها إخضاع الآخر: الرجل. وهذا النوع من الخطابات ساد في بدايات التاريخ عندما استيقظ في ذهن الرجل ما قام به من إقصاء للمرأة وعزلها عن أدوارها. فمنحها سلطة الجسد. ومنحها إمكانية الخروج به من شيْئِيَّتِهِ وجموده إلى الحيوية والدينامية. ولا ننكر أن الجسد قد اكتسب ذاكرته الخاصة على مدى سنين طويلة. وهذه الذاكرة هي التي تستغلها الكتابات التخطيبية ضمن لغة جديدة في الإشهار التجاري، والملصقات الإعلانية والإخبارية، والمجلات النسائية التي ترقص على محوري الفحولة والأنوثة.

 

   3/ الكتابة كإنتاج وعي مغاير.

 

   في هذا المحور يتركز اهتمامنا. لأن أي وعي مغاير ومختلف ينطلق من معطيات سابقة، هي ذاتها المتحدث عنها في المحورين السالفين. فيقوض بنيتهما ويستخلص ما يمده بالاستمرار وقوة الإبداع والخلق.

 

   إلا أن السؤال المفترض طرحه الآن هو، هل هذا النوع من الكتابة وجد سبيله وعمَّقها بين سبيلي النمطين السالفين؟

 

   لا شك أن بعض الدراسات المستقبلية حفرت في هذا الاتجاه. فأوضحت تصورها الدقيق والمحدد لوضعيات المرأة. داخل السياق الثقافي وداخل التركيبة المجتمعية. لأنهما المجرى الشرعي لسلوك المرأة: أقوالها وأفعالها.

 

   لكن يبقى الإبداع أكثر قدرة على ارتياد المناطق البكر والخوض في مجاهل عديدة نفسانية ومعرفية. أي أنماط العلاقات الداخلية، من مشاعر وأحاسيس وهواجس.

 

   وفي هذا المجال هناك خصوصيات العمل التي تحدد بدورها مواقف المرأة من ذاتها وتصوراتها لوظائفها. ففي مجال الشعر يتصاعد صوت البوح حينا يعلن عن التذمر والاندحار عندما تختنق الذات وتحاصرها هموم الداخل والخارج. وحينا يعلن الارتياح والتواطؤ والاستكانة. وهو صوت يعبر بطريقة عكسية عن تخاذل الذات والموضوع، وعدم التواصل بينهما. وهو الذي يصلح تسميته هنا ب "الاستلاب". وحينا يصعد الصوت متفائلا مزهوا بذاته.

 

   يبدو أن قضية المرأة قضية استيطان. فكيف للمرأة تحرير ذاتها واستخلاص كينونتها الحق؟ هل بتدخل الآخر؟ هل بالجلوس معه على مائدة المفاوضات؟ هل تقبل بأنصاف الحلول؟ إذا كيف تستطيع المرأة أن تحرر جسدها من الميول التي ترسبت به منذ أزمنة غابرة؟ كيف تشذب الروح وتقلمها؟ هل يجب قتل الأنثوي بالضرورة؟

 

   وهذا السؤال يبدو مركزيا في إبداع قاصة وروائية مغربية، هي: خناثة بنونة.

 

   في مجموعتها القصصية "الكتابة خارج النص" تميز بين امرأتين:

 

        · امرأة بقضية.

        · امرأة بدون قضية.

 

   وتميل القاصة إلى النمط الأول وتتعاطف معه. أي المرأة ذات القضية التي تناضل على الواجهة السياسية وتتصرف وفق تصورات جميعها تتحرك نحو التغيير. وكأن الصراع خارج الدائرة السياسية لا يمكنه أن يؤدي بالمرأة إلى التحرر من المكبوتات التاريخية التي تسيجها وتكبل فعلها. والقاصة تنطلق من مرحلة دقيقة في المغرب.

 

   وفي هذا الباب نجد تصورا مختلفا تماما عند الروائية الفلسطينية "سحر خليفة" التي تجعل من العمل الاجتماعي واجهة أساسية للنضال من أجل التحرر. لأن القضايا السياسية ونظرا لعمومياتها وشموليتها تجعل من القضايا الخاصة محورا ثانويا. فالذي يجب على المرأة القيام به هو تفكيك وعي وتقويض بنية نفسانية وفكرية ومعرفية وسلوكية متجذرة في لا وعي المرأة وأطراف الصراع الأخرى: الرجل، والذات، والمؤسسة الاجتماعية/المدنية.

 

   من هذا المنطلق يصبح السياسي خاضعا للاجتماعي. أي أنماط العلاقات المغايرة. وتغيُّر رؤية أطراف الصراع وشد اهتمامها إلى ما تعتبره المرأة قضيتها المركزية. لأن الوعي السياسي وعي تقريري، وأكثر من ذلك وعي طاكتيكي متحول باستمرار. بينما النمط العلائقي سلوك قائم وراسخ في اللاوعي. وإذا كان السلوك غير مشوش ساعد على تصحيح الوضع.

 

   وإذا كانت "خناتة بنونة" قد اعتبرت المرأة بدون قضية امرأة زائدة عن الحاجة. وفضلة يجب استئصالها أو تهميشها لأنها تزيد وضعية المرأة تأزما. فإن المرأة بدون قضية عند "سحر خليفة" هي التي يجب التركيز عليها وتقويمها. ليس بحشوها بالأفكار والمواقف بل بتربية سلوكها وتهذيبه، كيف؟

 

   للجواب على هذا السؤال وضعت "سحر خليفة" روايتها "باب الساحة". وركزت فيها على شخصية "نزهة". وجعلت من الدفء الاجتماعي حافزا قويا على تفجير وطنيتها التي كُبِتتْ بفعل الجفاء والجمود العلائقي: الجمود الاجتماعي والإهمال، الذي يعتبر مصدر قلق وضيق وضجر عند روائية أخرى من لبنان، هي: "حنان الشيخ".

 

   ترى حنان الشيخ في الوظيفة (العمل) ، وهو سلوك اجتماعي، إمكانية يحقق من خلالها الفرد استقلاله وحريته، وينمي به مهاراته وقدراته الفكرية والجسدية. ترى في الوظيفة الاجتماعية واجهة أخرى للنضال من أجل التحرر والانعتاق.

 

   4/ أطراف الصراع في الكتابة النسائية.

 

   يمكن حصر توجهات الكتابة النسائية موضوعاتيا وفق ما يلي:

 

        · كتابات موجهة نحو الرجل.

        · كتابات موجهة نحو المؤسسات المجتمعية/المدنية.

        · كتابات موجهة نحو الذات.

 

   هذه التوجهات الثلاثة تحدد لدى المتلقي والناقد خصوصا الزاوية التي يصدر عنها الخطاب وبالتالي تحديد الدوافع المتحكمة في الرؤية والمشكلة للمقاصد.

 

   والكتابة الموجهة  نحو الرجل كثيرة جدا. تقوم بنياتها على نمط خاص من الصراع. فالرجل يمثل السلطة القاهرة والعائق الحقيقي أمام المرأة. ولكي تنطلق المرأة بكل حرية عليها أن تجتاز عقبة الرجل. لذلك نجد شخصية الرجل مشوهة ومبتورة ومهزوزة مثلا كما في رواية "ليلى الأطرش" "صهيل المسافات". يقول النص:"مهزوز أنا حتى أخال أني أنكسر، ووحيد أنا ما زلت ألوب على الطريق خارج العاصمة في درب متعرج رملي..". ص (34). في مقابل صورة المرأة القوية الحنون المتزنة والجذابة. يقول النص مادحا:" كم تغيرت زهرة!

  

   ما بين طفلة تحمل ضفيرتين سوداوين تناسبان سمرة وجهها واتساع عينيها.. وامرأة اليوم.. مسافة النضج والخبرة وقدرة الرفض.. وجامحة هي ظلت منذ البدايات الأولى". ص (35). يأتي القول في الرواية على لسان الزوج صالح أيوب. لكن صوت المرأة الكاتبة أقوى.

 

   هنا يتحول معنى الرجل من مجرد شخص بسيط عادي إلى مستوى الصراع مع نظام معرفي وتركيبة نفسية وذهنية سادت فيما يطلق عليه "المجتمع الأبوي". حيث تتبوأ المرأة الهامش والأدوار الثانوية المكملة لنشاطات الرجل الأ ساسية. والصراع هنا يقوم على أساس واحد هو: التملك. فما دام الرجل يملك المرأة والمجتمع يثمن ملكيته تلك، فعلى المرأة أن تعكس هذا النظام (Systeme) أو تقوم بتبديل الأدوار داخله. وهذا يعني تحويل المجتمع الرجالي إلى مجتمع نسائي. وصراع من هذا النوع لا يمكن إلا أن يكون عملية انتحار واندحار جماعية. لأن تطاحن الجنسين يغيب من حسابه، ويسقط من الاعتبار ضرورة التعايش من أجل خوض صراعات التقدم والتغيير نحو الأفضل والأحسن.

 

   إذا فموضوعة التملك تقوم على التصفية الدموية والعرقية للجنسين معا. لأن في تنحية الجنس الرجالي تنحية للجنس النسائي. ولأن تنحية الخصائص والخصوصيات الأساسية للنسائي تجعل من المرأة أداة طيعة وسهلة بيد مستويات أخرى أو سلط أخرى اجتماعية وسياسية وثقافية ومعرفية.

 

   هذا الذي حدث فعلا عندما اكتشف الرجل وكذلك المرأة أنهما يتخبطان في حبال شرك المؤسسة، التي تؤكد الآن خطابات تعزف على الأنثوي في المرأة، وعلى الفحولة عند الرجل.

 

   وقد استفادت هذه الكتابات من الصراع الدموي والعنيف الذي تحقق فعلا وقولا، واقعا وكتابة بين الجنسين. وطعنت الوعي الأبوي والوعي الأمومي في عمقيهما وولدت خطابها الجديد. في تصورها ينبغي أن ينحصر وعي الرجل وتفكيره في إثبات الفحولة من خلال مؤهلاته التي منحتها الطبيعة إياه ورسختها في ذهنه الثقافات وأنماط المعرفة التي أرخت لمسيرته الطويلة. وينبغي أن ينحصر وعي المرأة في الأنوثة واستعمالها كسلطة للإكراه والإرغام والإذعان.

 

  في هذا السياق يمكن العودة إلى كتابات "خناتة بنونة" التي اعتبرت المرأة بدون قضية امرأة مستلبة الإرادة. والذي سلبها إرادتها هو الخطاب المؤسساتي الذي عزز الهوة بين الجنسين. فرأت المرأة التي بدون قضية تتخلى عن قضايا المرأة عامة وبذلك طلبها الحماية من الجماعة (المؤسسة بكل معانيها كفعل وكخطاب).

 

   من قصة "فصل من العذاب" نسوق هذا الحوار بين شخصيتين:

 

   " وتقول مليكة:

  

-         أنت سارحة، لقد أخذتك المدينة مني؟ أليس لي أن أسمعك؟ كما حاولت وفشلت ألا تأخذك المهنة، ألا يسرقك الرصيد البنكي، ألا تلغي صوتك المواصفات الاجتماعية، لكن…

 

-         كما تعرفين، فأنا لست توابل موسمية.

 

   اندهشت مليكة وكانت بها رغبة للمزيد:

 

-         ولكني محتاجة لصوتك، لك بالخصوص، حيث يتكسر التبلد المحيط بي في المهنة، حينما أحاصر بالحيثيات والفصول والبنود والأحكام.

 

   ضربت عائشة حافة المائدة، كأنها تستشهدها على الواقع ولم تسامح:

 

   بل حينما تحاصرين نفسك في الوضع الجديد الذي فضلته: الاسم ولائحة الاسم والواجهة والرصيد البنكي، ثم تساءلت بالصمت:

 

   هل ذلك هو مداها، بعدها النهائي الذي تستطيع أن ترحل إليه؟ أن تكسب من خلاله اسما وأبهة ومركبا فاخرا.

 

   ودافعت مليكة:

 

-         ولكنها مهنتي.

 

   فأوضحت عائشة:

 

-         المهنة قد تكون معك أو ضدك، فاختاري منها ما تشائين.

 

   فتعجبت مليكة بألم، هي تغرس بصرها في الأخرى:

 

-         لكن كيف؟

 

-         أ لست محاصرة بجماعة لا تتحدث سوى عما استطاعت جلبه من أوروبا، عن نوع الديكور الذي غيرن به القديم في بيوتها، عن أنواع الماسات وأثمانها، عن…

 

   وصاحت مليكة:

 

-         ولكنهم رفقاء ورفيقات المهنة.

 

   حين ذاك وقفت عائشة. كان ذلك حدها الذي تقف عنده في الحديث، حينما تجد أبوابا مقفلة عن قصد لا عن ضرورة". ص (71،72،73).

 

   ليست المهنة فقط الحاجز، والوضع الاجتماعي للمرأة، بينها وبين الرجل، الذي تغذيه بوعي الخطابات المؤسساتية. ولكن هناك أشكال أخرى توغلت حتى عمق المرأة ذات القضية.

 

   ولكي لا نجعل من هذا المدخل العام دراسة تحليلية، لأنها ستأتي فيما سيلي، نشير إلى بعض الحواجز المستنبطة من المجموعة القصصية "الكتابة خارج النص". كالحاجز النفسي في قصة "العزلة الموقوتة" بين أحمد وبطلة القصة. فالشعور بالتخاذل والانكسار والإحباط حطموا الطموح في التواصل والاتصال بين الجنسين. فتحوَّل الرابط بينهما إلى مجرد الشوق والحنين. وهي مشاعر لا يمكنها أن تخترق حاجز الهزيمة (الشعور بالهزيمة). الشعور ذاته والإحساس نفسه يسودان قصة "السهرة اليتيمة". وفي كلا القصتين يكون السجن سببا في القهر والانكسار.

 

   في قصة "فصل من العذاب" يصبح الحاجز اجتماعيا. فالمهنة تحتم على الشخصية – بقصد – مجاراة الوعي الذي تنتجه المؤسسة. وفي قصة "الانتماء المؤجل" يصبح الوضع الظرفي والنسبي سببا في الحيلولة بين الأم وابنها، بالإضافة إلى جموح الأم وتوقها إلى الرحيل الدائم.

 

   إذا أصبح الخطاب في الكتابات النسائية تقويضا لمفهوم التملك وحل محله مفهوم التوحد أو التكتل من أجل تقويض الخطابات السائدة. وهنا يصعد إلى الذهن بجلاء خطاب "سحر خليفة" المشار إليه. فالتغيير الحقيقي يبدأ نتغيير الأنماط العلائقية بين الجنسين ضمن تركيبة مجتمعية جديدة تقوم على التعايش حتى يحمي الإنسان بقاءه ولا يتحول إلى شيء.

 

   5/ التركيب.

 

   لقد أسهمت المرأة عموما في بلورة الفكر الإنساني بطرحها موضوعات جديدة على الإنسان. سواء في مجال الفكر السياسي، أو القضايا الحقوقية، أو القضايا الاجتماعية. وخصوصا التفكير والإبداع الأدبي والنقدي. وما حصرنا للتوجهات العامة الموضوعاتية للكتابة النسائية إلا محاولة منا لتلمس الجرح الذي ينزف عند هذا الكائن الجميل والصامد. وكذلك رصد مقارباته لقضاياه الجوهرية والوقوف عند الزوايا المختلفة والمتعددة التي تُموضِعُ المرأة نفسها فيها خلال صراعها الأبدي من أجل تحقيق الكينونة الحقة. ولأجل المساهمة في التعريف بالمرأة الكاتبة العربية والمغربية يأتي هذا العمل.

 

محمد معتصم. الدار البيضاء.