محمد معتصم

 

 

مكون الشخصية الروائية

السجال الثقافي في رواية "من يبكي النوارس؟"

 

 

1/ من الفرد إلى الجماعة:

في رواية أسمهان الزعيم "ما قيل همسا" توصلنا على طرح أسئلة حول الرواية النسائية المغربية المعاصرة، من حيث جرأتها على اقتحام الموضوعات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي يمور بها الواقع الحالي. ورأينا كيف أنها – الرواية النسائية المغربية – تحاول الابتعاد عن الهموم الشخصية والذاتية بالانفتاح على القضايا العربية والدولية. وما يمثل هذه الطفرة بصورة جيدة وموسعة رواية "من يبكي النوارس ؟" للروائية المغربية زهرة المنصوري الحائزة على جائزة المغرب للكتاب، صنف الإبداع للعام 2006م عن روايتها "البوار". والروايتان معا صدرتا على نفقة الكاتبة وفي السنة ذاتها.

 

تمتاز الرواية بحجمها الذي يفوق الثلاثمائة صفحة. مرة أخرى يكون الحجم لافتا للانتباه مقارنة بين الروايات النسائية المغربية السابقة. وهو ما يعطي الانطباع الأولي باختيار المرأة الكتابة في جنس الرواية لأنه الأقدر على احتواء المقول الروائي، ولأنه القادر على خلق المساحة الممكنة للسجال والحجاج. وهذه ميزة لافتة أيضا في رواية "من يبكي النوارس؟". أي أنها رواية سجال وحجاج. وهو ما يبرر العنوان الذي اخترته مدخلا لدراسة الرواية.

 

لقد اتهمت الرواية النسائية المغربية وغير المغربية بالذاتية والاهتمام بقضايا شخصية وذاتية، لكن رواية زهرة المنصوري تأتي لتبين، كما فعلت خناثة بنونة منذ روايتها الأولى "النار والاختيار"، أن المرأة المغربية المعاصرة لا تختلف في المواطنة عن الرجل، وبالتالي فهي قادرة على الاهتمام بالقضايا الكبرى الوطنية والقومية والدولية، وقادرة على الإسهام في النقاش العام واقتراح الحلول الممكنة وإبداء الرأي سواء أكان ذلك في صيغة المقال السياسي أو الإبداع الأدبي.

 

وتبدو الذاتية أو الانشغال بالقضايا والهموم الفردية، على الرغم من أهميتها، خافتة في رواية "من يبكي النوارس؟" وتبرز عكس ذلك الهموم الوطنية والقومية والدولية. وهذه أول رواية نسائية مغربية تتطرق لقضايا جد حساسة في وقت واحد، وتعد من قضايا المرحلة التي ما تزال طور النقاش والمداولة، وهي:

 

  • فكرة التعايش والتسامح، وهي فكرة انفرد بها المجال الفكري والسياسي والمقال الصحافي.
  • أحداث 11 سبتمبر بنيويورك، وآثارها على العالمين الغربي والعربي الإسلامي.
  • فكرة الوحدة بين الشعوب العربية.
  • فكرة الدفاع عن الأوطان ضد الهجمات التي تقلل من دورها الثقافي والحضاري اليوم.
  • تعرية الفكر الفلكلوري الذي يغازل الغرب على حساب الوطنية والعروبة.
  • مكانة التقاليد والعادات في النفس البشرية والسلوك الإنساني.
  • كيف يمكن تذويب الفوارق الاجتماعية والثقافية والحضارية بين الشعوب والأمم؟

 

لذلك تتأسس الرواية على فكرة الجماعة بدلا من فكرة الفرد. وهذا ما ستبينه القصة المحورية، وميثاق الشرف الذي ستعلن عنه الجماعة في لقائها الجماعي بعد تعافي جسيكا دو بوا من مرضها، في مفتتح الرواية (الفصل الأول).

 

فالرواية النسائية العربية المعاصرة كما بينا في الكتابين السابقين لا تقوم فقط على البكائية وعلى الهموم الشخصية، بل تقوم على فكرة الانخراط الفاعل والجاد في البحث عن الحلول للقضايا الكبرى التي تتخبط في حبالها الأمة. وهي البداية التي انطلقت منها الرواية المغربية المعاصرة مع الكاتبة المغربية خناثة بنونة كما أسلفنا في رواية "النار والاختيار". ومن هنا ينبغي دراسة الرواية المغربية دراسة علمية ومنصفة في آن. دراسة لا تقوم على التمييز الجنسي، ولا تستند على الكليشيهات (الصور الثابتة) في الأذهان التي تروم شيئا واحدا هو التقليل من إسهام المرأة المغربية في التنوير والتوعية والتنمية والخلف الجمالي.

 

وهذه الخلاصة تبين أن المرأة المغربية والعربية أيضا قادرة على أن تحلل الوضع بعين حادة مستوعبة لكل ما يجري في الواقع، وبعين مستشرفة تستشعر الآتي وتخوض فيه. وهذه الرواية لزهرة المنصوري " من يبكي النوارس؟" دليلنا على ذلك.  

 

 

2/ العتبات النصية:

لقد بينا في الفصل السابق كيف اهتمت أسمهان الزعيم بالعتبات النصية (المتعاليات النصية)، بل أضافت إليها من عندها ما يميزها عن كاتبات وكتاب آخرين. والأهم أن العتبات النصية كانت تشتغل في وفاق مع مضمون الرواية، تحيل عليه، وتلخص محتواه وفكرته في آن. لكن رواية زهرة المنصوري تبدو غير معتمة بالقدر ذاته بالعتبات النصية، فجاءت مختزلة عندما اكتفت بالرسم الكاليغرافي الموحد على امتداد الرواية، وعندما جاء العنوان في صيغة السؤال عن العاقل بدلا من غير العاقل، وجاء الإهداء مختصرا. لكن أرضية الغلاف الأول وصورته كانا موحيين وقويين، وأكثر دلالة على محتوى الرواية وفكرتها الجوهرية. وسنقوم بقراءة في هذه العتبات محاولين استخراج دلالاتها التي تضيء النص الروائي، وتحدد أبعاده الفكرية والمعرفية.

 

1.2/ العنوان:

اختارت الكاتبة زهرة المنصوري العنوان التالي لروايتها :" من يبكي النوارس؟"، وهو سؤال عن العاقل. أي أن شخصا ما قام بفعل جعل النوارس تبكي. ولفظ النوارس غير واضح تماما ولا موح بمحتوى النص الروائي، سوى إذا اعتبرنا، وهذا هو المعنى القائم والمتداول، النوارس كناية على المهاجرين المغاربة والعرب، البعيدين عن أوطانهم، والمكتوين بصقيع الغربة والوحدة.

 

في المعجم العربي الأساسي، نجد شرح النورس (ن و ر س)، مقتضبا كالتالي: " طير من مجموعة النوارس ريشه رمادي فاتح من أعلى وأبيض ناصع من أسفل." العمود (2)، الصفحة (1241). لكن في المعجم الموسوعي الفرنسي لهاشيت ( Hachette) نجد بعض الإضافة كالتالي:" طائر كبير يعيش في البحار..." العمود (3)، الصفحة (40). وقد تغنى الشاعر الفرنسي شار بودلير بالنورس "الطائر البحري" الذي يكون سيدا في الفضاء، لكنه يصبح مثيرا للسخرية على الأرض. وهو ما حدث لشخصيات الرواية؛ تحمل في داخلها مجدا تليدا وثقافيا وحضاريا، لكنها في الواقع، واقع الغربة والعزلة تصبح هدفا سهلا يصطاده الآخر ويوقع به (مروان الصحافي نموذجا). وتغنى به الشاعر العربي والفلسطيني خصوصا، لأنه رأى فيه بعضا من وضعيته. كما وظفته شخصيا في ديوان شعري " كتاب السفر" صدر تباعا على صفحات جريدة البيان المغربية بداية التسعينيات بالحمولة ذاتها، أي الغربة والوحدة والعزلة على شواطئ البحار. (علميا هناك اختلاف بين أنواع عديدة من النوارس من حيث حجمها ونسلها).

 

من خلال هذه الدلالة يمكن اعتبار العنوان مرتبطا بمحتوى النص الروائي، ويتساءل عن السباب التي جعلت الأحداث في الرواية تنحدر نحو المأساة، ونحو الفاجعة: قتل شخصية الصحافي مروان الذي عاد متذمرا منهارا مما شاهده خلال تغطيته أحداث الحرب على أفغانستان والمأساة الإنسانية هنالك. هروب نجوى إلى صديقتها لمياء بسويسرا لإنجاب ابنتها بعيدا عن جماعة الأصدقاء، وعن الأب الذي تنكر لهوية نجوى خوفا من والده. انعزال كرستفر عن الأصدقاء بعد اختفاء نجوى ودخوله في حال من اليأس والعزلة...لكن رغم كل ذلك فالرواية لا تنتهي نهاية مأساوية بل تركت الكاتبة الباب مواربا أمام فسحة الأمل من خلال تراجع ميسون رامي عن نشر كتابها المسيء للعرب والمسلمين، واختيار لمياء تبني مولودة (براء) نجوى في حال وفاتها بعد الإنجاب وتعقيد مضاعفاته، واختيار لمياء إخبار الأصدقاء وكرستفر بما حدث وسيحدث لنجوى؛ الشخصية المحورية في القصة المركزية الكبرى.

 

فالنوارس إذا هي تلك الذوات المهاجرة بعيدا عن أوطانها، وتعاني الغربة والعزلة والوحدة، وعليها في الآن ذاته الدفاع عن أوطانها وعن ثقافتها وحضارتها، كما عليها التصدي لصقيع الغربة والوحدة والعزلة في المهجر.