محمد معتصم

محمد زفزاف وروح الإبداع

 

تميز العصر الحديث في الأدب المغربي، خاصة بعد الاستقلال، بروح المبادروحماسة المساهمة في بناء صورة ثقافية جديدة تساير روح المغرب الجديد وقد تخلص من قيد الحماية الفرنسية وتبعاتها، كما أن كتاب المرحلة كانوا عقدوا العزم على تجاوز مرحلة التقليد والاقتباس، لما شعروا به في داخلهم من شعلة متوقدة نحو آفاق جديدة لمغرب جديد.

محمد زفزاف واحد من كوكبة الكتاب المبدعين الذين وسموا المرحلة وساهموا في إعطاء الأدب المغربي روحا جديدا، انتقل فيه الأدب عامة والسرد خاصة إلى ما يمكن تسميته بمغربة الأدب، وهي مرحلة ترتبط بفترة تأصيل الأدب المغربي. لقد اختار الكتاب المغاربة والكاتبات كذلك هدفا واحدا لكن بطرائق مختلفة، نظرا للتنوع الثقافي المغربي، واختلاف الرؤى الفنية والجمالية؛ لقد اختارت جماعة نهج تطوير الأدب انطلاقا من فكرة الامتداد وتطوير وتطويع الموروث السردي والشعري العربي المشترك، في الوقت الذي اختار فيه جماعة أخرى مسايرة ما استجد في الساحة العالمية والفرنسية تحديدا، إبان انفتاح النقد الأدبي والفكري على المووث الشكلاني الروسي، وظهور النزعة التجريبية والعلمية للأدب، فاجتهد الكتاب كل بحسب فهمه وإدراكه لأبعاد التجربة.

وقد اختار محمد زفزاف المسار الثالث مع المجموعة الثالثة التي أثرت الساحة الثقافية والفكرية، ومن أهم معالمها:

1.التوجه بالأدب نحو المجتمع الجديد.

2.الوقوف عند الظواهر الاجتماعية الطارئة.

3.خيبة الأحلام واتساع الفوارق الاجتماعية.

4.ظهور أدب الأحياء الخلفية.

5. ظهور شعرية اليومي والتفاصيل الهامشية...

لقد تميز الكاتب محمد زفزاف ضمن هذه المجموعة بخصائص فكرية وأسلوبية يمكن أن نجمل بعضها كذلك في الآتي:

1.الحساسية اللغوية: لقد استطاع محمد زفزاف الجمع بين الأفق التنظيري والممارسة الكتابية، أي أنه مارس الكتابة بوعي نظري، كان سائدا في تلك الفترة عالميا، وهو الفكر الذي أنتجته الحرب العالمية، والذي عرف بالوجودية والتزام الأدب، وهي طبعا معادلة صعبة التحقق؛ كيف تبدع فنا جميلا من خلال الاشتغال على موضوعات هامشية أو قضايا اجتماعية لفئات محرومة وكل همها تدبير يومها لأجل البقاء على قيد الحياة. والصعوبة تكمن في محتوى مفهوم الأب عامة والفن خاصة. ومشتركهما "الجمال". وبالفعل استطاع محمد زفزاف بقدراته الإبداعية وحساسيته الجمالية واللغوية تحقيق المعادلة. فجعل من القبيح جمالا ومن الهامشي مركزا.وحول فكرة "النقاء" من مستوى المثالية الأستقاطية إلى مستوى الموضوعية الواقعية، وهو ما عرفته بالأدب المختلف الذي وقف بعد تساقط الأحلام والأقنعة في وجه الأدب "الرفيع" الذي يترفع عن الواقع وقضاياه اليومية. لذلك كان من اللازم تأثر اللغة السردية بهذا التحول فجاءت لغة السرد عند محمد زفزاف وسطية تمتاح من الفصيح والعامي، خاصة الألفاظ والأساليب (التراكيب) الفصيحة المصحفة سواء بالحذف أو القلب في حوفها لتوافق الموضوعات التي تعالجها وتناسب مسويات إدراك الشخوص الواقعية والشخصيات المتخيلة في القصة والرواية.

2.مغربة السرد: لقد انتقل محمد زفزاف (والتيار الذي صاحبه) بالأدب من الالتباس في الهوية إلى الأدب المغربي المحلي، ومن مظاهر المحلية المغربية التوظيف السليم (الأسلبة) للألفاظ العامية المغربية والأمثال السائرة والحوارات التي تجعل من الفصيح عاميا ومن العامي فصيحا (اللغة التواصلية الوسطى) وهو ما جعل الحدس اللغوي عند محمد زفزاف مقتربا من معنى "التداولية" وهو كذلك من ميز اللغة السردية عنده عند الجمع بين وظيفتي الوصف الخارجي للأشياء والشخصيات والوقائع والتعبير الوظيفي الذي ينتج متخيلا جديدا يتناسب الموضوعات والقضايا المطوقة في القصص كما في الروايات.

ومن أهم الملامح الدالة على مغبة السرد من سلف ووقفت عنده في قصة "السابع" التي وثق فيها محمد زفزاف لعادة انقرضت من عادات الاحتفال عند المغاربة والمعروفة باسمى "جوقة العميان"، وكان الرجل يأتي بهم عى تلك الصفة حتى لا تحرج النساء من المرح والرقص، وفلا حرج على الأعمى،وهنا تأتي الميزة الأسلوبية في كتابات محمد زفزاف؛ المفارقة والسخرية. وهذه القصة من أمتع وأجمل القصص التي قرأتها في القصة المغربية، والسخرية والمفارقة ظاهرة بلاغية تتفرع عنها كثير من المستويات بلاغية أخرى وعلى رأسها "الباروديا" أو المفارقة الساخرة.

في هذه القصة ذكر وتوثيق للعادات المغربية في الاحتفال وتأكيد على النميمة ومماحكات النساء والضرائر والتنابز في الأوصاف بين أهل المدن والقرويين والوافدين إليها بحثا عن الرزق والعمل والاستقرار.

3.العمق الفلسفي: لم ينخدع محمد زفزاف بالكليشيهات التي رافقت كتاباته، ولم يقبل أن تكون كتاباته مجرد وصف لوقائع حياة عادية لفئات اجتماعية تميزت بالهشاشة وقضت عمرها في صراع من أجل التكاثر ولقمة العيش، ولم ينجرف نحو الأي الذي جعل من كتاباته كتابة جنسية (بورنوغرافية) يقرأها المراهقون في الخفاء. لقد وعى محمد زفزاف قدراته الإبداعية وصنع لنفسه عالما متخيلا وجماليا عبرهنقل تصوه للحياة وللأدب كما ينبغي أن يكون عليه في حينه أو على الأقل تيارا من تيارات الأدب المعاصر الاجتماعي، فلا يعدم القارئ النبيه أو الباحث والناقد العثور على نماذج من الأفكا والمقولات الفلسفية والفكرية المتمحورة حول تجربته الشخصية التي استوحاها من الحياة أو تشكلت فو الكتابة والعثو كذلك على أفكار وجودية تعمق السؤال حول الوجود والكينونة وسؤال الذات وسؤال الموت وحقيقة البعث وهذا الملمح الفكري والفلسفي من بين أهم ما جعل كتابات محمد زفزاف تخترق حدود المغرب لتجد صدى طيبا في العالم العربي وحتى في بلدان غربية.

4.النوفيلا أو الرواية القصيرة: لن أفوت الفرصة هنا للحديث عن ملمح مائز كذلك للكاتب المرحوم المغربي محمد زفزاف وهو في عمومه يجيب عن إشكال معرفي ونقدي: حول كم العمل الروائي. لقد اختار محمد زفزاف كتابة الرواية القصيرة "النوفيلا الإيطالية" التي تراوح في عدد كلماتها ما بين 10000 و20000 كلمة وهي مساحة كافية لبناء عالم متخيل متكامل، يتضمن كل مكونات السرد الروائي، والسر في ذلك متعلق بثقافة وخبرة الكاتب وموهبته.         

  

MZafzaf