محمد معتصم

scan0006

استهلال

 

   تطرح علينا الكتابة اليوم أسئلة معرفية جادة شأنها في ذلك شأن المفاهيم الأخرى المتداولة، وهذه الأسئلة تستند إلى موقف، في نظري، يمتد بجذوره إلى آماد بعيدة مارس الإنسان فيها الكتابة بشكل بسيط جدا وما لبث أن تصاعد اهتمامه بها إلى أن بلغ بها موضعا من التعقيد والتجريد، مسايرا في ذلك تطور مراحل نشوء الكتابة وارتقائها. ونظرا لارتباط الكتابة بالمدينة من حيث كون المدينة تجمع سكاني لا يقوم على العصبية ولكنه يقوم على أمور أخرى تتمثل في العلاقات والتعاملات؛ وهي تعاملات إنسانية واجتماعية وعلاقات اقتصادية وفكرية وثقافية، نظرا لترابطهما العضوي والحميم تم تشاكلهما في الرقي والتطور.

 

   ما يهمنا في هذا الافتراض الذي تقوم عليه الدراسة الحالية لشعر مريد البرغوثي في قصيدة (عكا وهدير البحر)، الذي يهمنا أن الكتابة بنية موحدة أي أنها بنية لها مكوناتها الداخلية ، ثم هي تحتل موقعا هاما إلى جانب البنيات الفوقية التي تنظر للحياة الواقعية أو الفعلية الممارسة.

 

   وقد توجهت في هذه الدراسة نحو القراءة الداخلية للكتابة فحصرت من مكوناتها : النص واللغة والرؤية. ووزعتها عموديا وأفقيا. أما الجانب الأفقي فيضم المكونات المتفاعلة داخل بنية كبيرة هي؛ بنية الكتابة. وفي الجانب العمودي تستقل المكونات بذاتها فتتفاعل كقيم جمالية.

 

   يندرج في هذا السياق العام موضوع دراستي (البنيات الدلالية في شعر مريد البرغوثي). وهو ركن أساسي في ما وصلت إليه من أمر بنية الكتابة ويخص الرؤية أكثر من العناصر الباقية .وهو أساسي لأنه  تناول بالقراءة والتحليل نصا شعريا متميزا (قصيدة ، عكا وهدير البحر)، فاستخرج منه العناصر المكونة لبنية الكتابة الثلاثة:  النص واللغة والرؤية.

 

   فيما يخص المكون الأول فقد اتخذ طابعا شموليا في بداية الأمر فعدت القصيدة نصا أي أنها بنية شمولية. لكن في مرحلة التحليل اتسع المفهوم ليصبح (بنية التضاد). فدرست فيه بناء القصيدة الفني مركزا على المثيرات المباشرة.فتطرقت للتكرار بشكل عام فحددت قيمه الجمالية/الأسلوبية في موضوعة (المواجهة والصمود) وكذلك في (بنية الدياليكتيك وتشكيل المعنى العميق)؛ وهما يكونان الجزء الأول من بنية التضاد، على الأصح فهما البنية السطحية التي سيتبلور فيها عنصر اللغة. وتطرقت للمقطع على اعتبار أنه تكرار صوتي يأتي في آخر الأسطر. وتبين أنه لا يخضع لحركة واحدة وانما اكتفى بالاختلاف من قطعة إلى أخرى في القصيدة. وتنوع موضوع القطعة فجاء صادعا ومجلجلا في مواقف المواجهة معبرا عن الصدامية والمأساوية. يعني ذلك التعبير عن (فضاء القصيدة).وأشرت إلى علاقة الشعر بالغناء واعتبرت القصيدة (ملحمة) حين نظرت إليها من وجهة السرد ، واعتبرتها (مقطوعة غنائية) حين نظرت إليها من وجهة بنائها الفني . فكان تكرار الصوت والكلمة والجملة وأحيانا القطعة (المقطع)  إضافات تنمي الدلالة. كان التكرار دلالة على وجود وزن وإيقاع معينين خاصة أن القصيدة تنشد ليوم الأرض وعيدها الذي يحتفل به الفلسطينيون كامتداد لعادات أهل حوض البحر المتوسط، لكن الفلسطينيين يعطونه نكهة مغايرة لما كان عليه في السابق نظرا لاغتصاب أرضهم وحرياتهم وتشريدهم عن منازلهم.

 

   أما فيما يتعلق باللغة فقد تطرقت للتراكيب وضبطتها في جدول وأضفتها إلى آخر البنيات التي تقسم حسب القصيدة، وهو تقسيم يعتمد على الرؤية الباطنية للنص. واستعنت بالجدول حتى أبين خاصية التكرار ذات الملمح الطقوسي الذي ترتئيه الكتابات الملحمية الشعرية.

 

   لقد شملت الرؤية حيزا كبيرا في هذه الدراسة و من التحليل وكان ذلك نتيجة لطبيعة هذه الدراسة التي كتبت في العام 1986م، وقد جرى ماء كثير بينها وبين ما يحدث الآن على أرض الواقع إلاأننا نرى أن الكتابة الفلسطينية قد حافظت على بنياتها المستخلصة في هذه الدراسة لأننا أردنا لها أن تكون دراسة في الأساسيات لافي الأمور العرضية الزائلة والقارئ المتتبع للشعر الفلسطيني وكذا الرواية والقصة القصيرة  سيقف حتما على البنيات الدلالية التالية: بنية المواجهة والصمود في وجه العدو، وبنية التجاوز والتخطي التي تتضمن معنى المقاومة من أجل تخطي كل المعوقات الفكرية والسياسية والعسكرية والأدبية في آن واحد.وأخيرا بنية الإصرار والاستمرارية ، وطبعا لا نصر بدون استمرار في المواجهة والصمود.وقد تركت بعض القيم الجمالية والفنية حتى أحافظ للدراسة على وحدتها