محمد معتصم من الكتاب المخطوط "القصة المغربية الحديثة"/ 1987م

hqdefault

نسخ النص ومسخ الشخصيات

عند محمد غرناط

 

 

+ استثمار الموروث:

   1/ تتأسس الكتابة على كتابات سابقة عليها، لكن بمستويات مختلفة. فبعضهم ينسخ القول السابق وقد ينسبه إلى قائله وقد يهمل تلك الإحالة. ومع ذلك يكون سارقا كما قال نقاد الشعر القدماء. وهناك من يُسْقطُ التركيب واللفظ ويبقي على المعنى ويسمى ذلك تضمينا قد يصل إليه ذهن القارئ وقد لا يدركه. وهو الغالب في الإبداعات الشعرية والقصصية (الرواية والقصة القصيرة).

 

   وإذا عاب الناقد القديم على المبدع أخذ معاني غيره من المبدعين، فإن الناقد الحديث "رخص" للمبدع البناء على نصوص وأقوال سابقيه. وهذا ليس عيبا إذا ما وجد المبدع الحق الذي يذهب بالقول السابق إلى حدوده القصوى. فيشتغل على مستويين معا للقول فيغير في التركيب وفي الدلالة.

 

   ونرى اليوم في الكتابات الروائية والقصصية وحتى الشعرية عدم تحرج الكاتب من إقحام بعض الأقوال دون التأشير عليها أو الإحالة على مراجعها وأصحابها المبتكرين. وهنا يكمن الخطأ والخطر في آن واحد. لأن الكتابة تعني تحويلها وتغيرها كليا. وليس العكس. أي محو القول السابق لدلالة وعمق القول اللاحق. ومفهوم التناص أو تداخل النصوص في هذه الحالة يعني محو القول اللاحق لدلالة وتركيب القول السابق في الإبداع. لأن ظروف إنتاج القول السابق تختلف حتما عن ظروف إنتاج القول اللاحق.

 

 

   2/ في بعض الكتابات نجد المؤلف المبدع يتعامل مع الإنتاج السابق والمقروء السابق تعاملا مبدعا وذكيا. حتى لا نكاد نلاحظه. وفي بعض الكتابات الأخرى التي توظف الموروث والمقروء توظيفا جماليا ودلاليا، نجدها قد أدركت الغاية من مفهوم التناص ومفهوم التداخل النصي ومعمارية النصوص. كما تم تحديدها في الدراسات النقدية الغربية والشرقية عند ميخائيل باخثين، وجوليا كريستيفا، وتزيفطان تودوروف، وجيرار جنيت. وإن اختلفت منطلقات كل واحد منهم وكذلك مقاصدهم.

 

   لكن نجد من يوظف مخزون الذاكرة أيضا. أي كل المحكيات الشفوية المتواترة والمتداولة على ألسنة الناس. وبالتالي يخصب الذاكرة القارئة؛ ذاكرة المتلقين المتشبعين بهذا النوع أو ذاك – الموظف في النص – من الثقافات الشعبية الشفوية. ونجد كذلك من يوظف فقط أسماء الأماكن والشخصيات التاريخية والشعبية والبطولية. وهنا نجد أمامنا الإشكاليات ذاتها: التوظيف الفاعل، والتوظيف المهدم والمسطِّح للقول.

 

 

   3/ في مجموعة محمد غرناط الثالثة "داء الذئب" نجده يوظف الموروث الثقافي ومخزون الذاكرة والأسماء التاريخية والأدبية والمتخيلة المبتدَعَة توظيفا جميلا. أعني توظيفا فاعلا.

 

   والتوظيف الفاعل لا يعني ذكر الأسماء والأماكن أو مخزون وموروث ثقافي لأمة ما فقط من أجل إبراز ثقافة المبدع. بل الغاية منه خلق بناءات متوازية، ودلالات متقابلة، تجعل القول المحكي مضاعفا. كما ننظر إلى المرآة فتفاجئنا وجوهنا إلى حد السؤال عن الجوهري والعرضي، عن الوجه الحقيقي والوجه المزيف. والسؤال عن الوجه المادي الملموس والضوء الخادع. لذلك نجد القاص في إحدى قصص المجموعة يصرخ في الشخصية القصصية (بقوة وغضب وعنف) أن تنظر إلى وجهها الحقيقي. وكأن الألفة التي تربطنا بوجوهنا المزيفة الخادعة (خدعة الضوء) أصبحت سلطتها لا تقاوم. وأن إغفالنا لوجوهنا الحقيقية خفف عنا هم السؤال. والسؤال وعي باللحظة المتحدث فيها وعنها. وعي بما يحدث في المكان وأبعاده. وعي تام بالمتحدِّثِ. كذاتٍ متحدِّثَةٍ وكموضوع متحدَّثٍ عنه. ولعل مواضعات المجتمع سارت بالإدراك جهة الوعي بالظاهر وبالمزيف وتغييب الجوهري أو الحقيقي في نسبيته الحسية...

 

   يقول النص:" ها هو وجهك. أخيرا ها أنت تراه بدون توقع. ثابت كنجم صغير مضيء. صاف. وديع. باسم. يناديك كما يناديك ابنك "كبوت". فتقدم نحوه. اضبط خطواتك ونبضات قلبك. رتب أنفاسك وتقدم. خذه بيدك وضعه بحكمتك المعهودة بمكانه لماذا أنت خائف؟ مضطرب؟ تسكنك حيرة شنيعة، ويغطي عينيك سحاب دنيء. شق عليك أن ترى ما حولك. وتتخيل أن شيئا ما رهيبا قد حدث. هو الآن أمامك يطفح بقدر كبير من المرح والخفة. لم يخترق كما قيل لك. فمد يديك نحوه وتقدم بنصف بصرك لتأخذ النصف الآخر وتعيده إلى مكانه. افعل. لا تتردد لا تخف. لا ترتبك. اضبط نفسك وتقدم". (قصة الوجه. ص 85).

 

   إن القول الموظف توظيفا فاعلا وإيجابيا في العمل الإبداعي يجعل الدلالة مضاعفة تماما كما هو الحال بالنسبة للوجه وانعكاسه على المرآة. وقد لا نهتم كثيرا لأيهما الجوهر وأيهما العرض. لأن الجوهري والعرضي وجهان لعملة واحدة. فقط ينبغي أن تكون العملة سليمة غير مزيفة. وأن يكون المبدع فنانا حقيقيا، وصانعا ماهرا، دَرِبا ومحترفا. يصوغ من الألفاظ والتراكيب والمعاني المستعملة حِليا لها سلطة الخداع الجميل. لأن العين والأذن وباقي الحواس يلذُّ لها الخداع. وتجد فيه متعة وغرابة سعيدة.

 

   4/ يستند القاص محمد غرناط في قصصه الأولى من المجموعة على الموروث وعلى مخزون الذاكرة الثقافية من أسماء شعراء عرب ومفسرين ومؤرخين، ومن شخصيات ولدتها الذاكرة والمخيلة الشعرية والإبداعية. مثل: عروة بن الورد، والشنفرى، وهما من الشعراء الصعاليك، أغربة العرب الذين اضطهدتهم قبائلهم أو ثاروا على الأعراف السائدة. وهم شعراء إلى جانب أنهم فرسان ولصوص ولهم رؤيتهم الخاصة إلى العالم من حولهم. ونجده يستعمل كذلك أسماء الشعراء العشاق، كصريع الوجد والحب قيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلى العامرية. كما يردُ ذكر الطبري وهو يفسر بداية الخلق وأيضا ابن ماء السماء.

 

   5/ فهل لهذا التوظيف الفاعل من دلالة في التركيب وبناء قصص محمد غرناط؟

 

   من خلال كتابة محمد غرناط يمكن استخلاص خاصيات يمكن تعميمها على الكتابات القصصية والشعرية التي توظف النصوص الموروثة ومخزون الذاكرة الثقافية والمكتوبة والشفاهية توظيفا جماليا ودلاليا متفاعلا. لهذا نجد الملامح التالية تبرز في مجموعة "داء الذئب"، خاصة القصص الأولى من العمل:

 

   = التفاعل والمشاركة.

 

   نرى أن توظيف المخزون الثقافي له وظيفة أساسية. وتتعلق بنمط العلاقة بين العمل وقارئه. فالمشكلة الأساسية التي (تحلُّها) أو (تقاربها) النصوص السابقة والأسماء (أسماء الشخصيات وأسماء الأماكن) المبثوثة في العمل هي إشراك القارئ في فكِّ رموز العمل، وإجلاء غوامضه، وفتح مستغلقاته. لأن أهم الأسباب التي تفشل العمل الأدبي غياب الصلة بين العمل وقارئه. خصوصا إذا ما كان القارئ متوسط الثقافة أو كانت ثقافته شفوية. وأظن أن هنا يكمن مشكل النصوص التجريبية التي تقوم على البوح أو تدفق معرفي مجرد. لا يهتم إلا باللغة في سيلانها وانهمار الذاكرة وتدفق المشاعر دون ربطها بأسباب أسلوبية وبنائية تحفل بها ذاكرات القارئين المختلفة والمتعددة.

 

   واستثمار المخزون الثقافي والذاكرة الشعبية والثقافة الشفوية لا يسلم من المثالب والمطبات. فإذا كان هذا التوظيف يساعد على تأثيث فضاء القراءة وبالتالي فضاء العمل الإبداعي. فإنه أيضا قد يجلب إلى العمل بعض القضايا الجانبية، كهيمنة الموروث على المبتدع الذي يدل أكثر على صاحبه (المؤلِّف). من هنا يأتي تركيزنا على أهمية التوظيف الفاعل والمتفاعل الذي يتأثر ويؤثر في النصوص السابقة.

 

   = المرآة، الدلالة المضاعفة.

 

   في هذا المستوى نكون بصدد متقابلتين بينهما مشترك يصل إلى المتلقي. وهي صورة موسعة وشاسعة للتشبيهات والاستعارات البلاغية التي تنبني على العلاقة الرابطة بين طرفين الأول مذكور أو موحى به والطرف الثاني مذكور بغاية إيضاح العلاقة وإضفاء بعض الصفات المقصودة من الربط والمشاركة.

 

   فإذا أردنا التمثيل الجزئي لهذه الحالة/الظاهرة الكتابية نجتزئ ما يلي من النص القصصي الأول من المجموعة وهو بعنوان "العداء". يقول النص:" غمرني إحساس غريب بالهلع، فتأبطت جرابي وتقدمت نحو ضوء يضطرب بعيدا في فراغ ليلي مغلق، كتمت خوفي، واندفعت بجلد عروة، وحركة الريح تملأني من كل الجهات". ص (5).

 

   بالنسبة لقصص مجموعة محمد غرناط "داء الذئب" فإنها تفرض علينا نمطا محددا من القراءة وهو التأويل للإشارات والعلامات اللغوية عوض التحليل الذي يشمل مستوى آخر أعم وأوسع وأقصد بناء القصص.

 

   وذكر اسم عروة بن الورد سيجعل النص مندرجا ضمن فضاء قرائي محدد. مرتبط بظروف وطريقة حياة الشاعر الصعلوك. المنحاز إلى الفقراء. وخصال "روبن هود" في المتخيل الشعبي الشفوي ومتخيل القارئ والمشاهد للأفلام الواسعة الانتشار اليوم. وسينعكس ذلك على الألفاظ المستعملة في الفقرة المجتزأة. سواء بالنسبة للقارئ أو المبدع. وبذلك تصبح لفظة "تأبطتُ جرابي" تحمل دلالات واضحة في الذاكرة. وهو فعل قام به شاعر صعلوك آخر له صلة قرابة بالشنفرى الشاعر الصعلوك أيضا، والذي سيرد ذكره في القصة ذاتها. يقول النص:" أنت في حي من أخطر أحياء العرب. بيوته مصقولة وليس فيها شائبة. وأنت إذا طلع عليك الصبح هنا جمعت ذباب الدنيا. وفي هذه الحالة تخرج من هنا كما خرج الشنفرى من قبيلة بني سلامان. هل تعرف الحكاية؟". ص (7).

 

   هذه الإحالات والألفاظ المزروعة في النص تحدد مسار التأويل والقراءة في آن واحد. و "تأبطتُ جِرابي" تحيل على الشاعر تأبط شرا. ويقال أنه تأبط سيفا وهو الشائع. كما يقال أنه تأبط جرابا به عدد من الأفاعي السامة.

 

   = شرح الحالة بالحالة.

 

   وفي النص الثاني المجتزَأ من القصة نفسها يرد ذكر "أحياء العرب" بذات العبارة المستعملة في كتب تاريخ الأدب وكتب الأخبار والتاريخ. وهو ما يؤكد على تقابل الفضاء القرائي والإبداعي لكل من المتلقي والمبدع.

 

   إذا فالمرآوية والدلالة المضاعفة في القصة تقدم للقارئ بناء متوازيا. يحكي عن عالمين واقعيين أو متخيلين، وهما: حياة الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي شعراء التمرد على نظام القبيلة الذي يلغي الاعتراف بأبناء الإماء ويقصي كل من لا يخضع لعرفه السائد وقانونه القائم على سند المال أو النسب. ونستثني هنا عنترة بن شداد الذي قبل الخضوع أولا لنظام القبيلة. أي قبل بتنكر والده له، وقبل بالعبودية إلى أن تقوى وأحب فثار على القبيلة وإخضاعها لرغبته وسلطته. وهذه طريقة "طاكتيكية" أخرى مغايرة في مواجهة نظام القبيلة. وحياة الإنسان المعاصر المضطهد في عيشه وحياته. والدائم البحث عن شيء ما ضاع منه. كما بحث الملك الضليل "امرؤ القيس" عن ملك أبيه فلاقى حتفه، وأكسبته الرحلة شعرا خلده. يقول النص:" فأنا أبحث عن حق ضاع مني منذ زمن طويل". ص (6).

 

   وإذا كان امرؤ القيس قد جنى من بحثه عن ملك أبيه: الموت. وإذا كان المثل السائر يقول:" ما ضاع حق وراءه طالب" فإن الشخصية القصصية في النص الأول من المجموعة ستقضي ردحا من الزمان في الانتظار، انتظار تحقيق أمل الحصول على الإرث المفقود/المسلوب. يقول النص:" تتالت الأزمنة بملل، وفي كل مرة يرتفع وجه علاء، ويردد وعده. ووجهه يشمخ شيئا فشيئا نحو السماء إلى أن اختفى، ولم يعدْ يسمع إلا صوته يأتي من موضع شاهق يملأ الساحة المكتظة. وكنا مثل النمل نجتمع لنتفرق، ثم نجتمع لنتفرق ... غير أن رؤوسنا تزداد كل يوم ضخامة، وعيوننا تزداد صفرة". ص (12). أ ليست بداية للتحول والمسخ؟ ضخامة الرأس واصفرار العيون؟!