محمد معتصم

numérisation0016

سؤال الوجود وبناء الواقعية التاريخية.

 

 

1/ الترابط والتطور:

   كغيرها، استطاعت الرواية المغربية أن تحقق لنفسها تراكما كميا ونوعيا، واستطاعت أن تؤسس استمرارها وتحولها، أي تبني تاريخها. فبعد محاولات الاقتباس والترجمة الخجولين والمتعثرين، وبعد محاولات الاستناد إلى الأشكال التعبيرية التقليدية كالمقامة والمقالة، خرجت الرواية المغربية إلى مرحلة التحقق الفعلي، متى كان ذلك؟ يرى الأستاذ أحمد اليابوري(1) أن ذلك بدأ مع الرواية السيرة للتهامي الوزاني "الزاوية"، إلا أن الرواية، في رأيي وهو لا يختلف عن آراء أخرى، قد بدأت خطواتها الثابتة والناضجة مع تجربتين مختلفتين: الأولى لعبد المجيد بن جلون في سيرته الذاتية "في الطفولة"(2)، والثانية لعبد الكريم غلاب في روايته "دفنا الماضي"(3).

 

  1.1/ أول صلة لي برواية "دفنا الماضي" تعود إلى مرحلة الدراسة الثانوية، وقتها كانت صلتنا–نحن الطلاب- بالرواية متقطعة ومختزلة، لأن الدروس كانت تركز على بعض الجوانب وتهمل أخرى، ولأن المناهج المتبعة وقتها لم تكن بالغنى الذي تعرفه الدراسة النقدية اليوم؛ دراسة السرد عموما. ولأن المدرسة المغربية لم تكن قد انفتحت على الدرس النقدي الحديث كما في الجامعة وظلت في الغالب تقليدية. وتكاد لا تدرس الأدب المغربي المعاصر والحديث لأسباب ذاتية ولمواقف شخصية ولاختلافات فكرية، وضمن ذلك الرواية.

 

   وتباعدت صلتنا بها لأن بعض الدراسات الموازية لرواية "دفنا الماضي" ركزت على بعض الجوانب التي لا علاقة لها بجمالية السرد، ولا بالفتوحات التي ابتدرتها هذه الرواية، وركزت على الخلاف الإيديولوجي الخارج نصي(4).

 

   لكن الصلة الحقيقية مع هذا العمل جاءت فيما بعد، عندما بدأ تفكيري في الرواية المغربية والبحث في مكوناتها وخصائصها الجمالية والبحث لها عن ثوابت وركائز تجنسها وتبحث في تربتها الأصيلة، وعن جذورها الممكنة في ذاتها. ولم يكن ممكنا إغفال روايتي المبدع عبد الكريم غلاب "دفنا الماضي" و"المعلم علي"، وأخرى كرواية "الطيبون" لمبارك ربيع، وروايتي "الغربة واليتيم" لعبد الله العروي، و"الزاوية" للتهامي الوزاني، و"النار والاختيار" لخناثة بنونة، ورواية "جيل الظمأ" لمحمد عزيز الحبابي... وروايات أخرى تختلف أيضا من حيث الشكل والهدف والأسلوب والمضامين، مثل روايات محمد زفزاف وأحمد المديني، ومحمد عز الدين التازي، ومحمد برادة، والميلودي شغموم، وإدريس بلمليح، ثم روايات أحمد التوفيق، ومن جيل الشباب وقتها شعيب حليفي، وعبد الكريم الجويطي، وعبد السلام الطويل...

 

   أعلنت الرواية المغربية عن منطلقها الحقيقي والفعلي مع رواية "دفنا الماضي"، ومن خلال الرواية نفسها أعلن المبدع عبد الكريم غلاب عن قدراته الإبداعية وطاقته التخييلية، وعن إمكانياته في رصد التحولات الاجتماعية وسبر أغوار الإنسان المغربي لفترة الاستقلال وما قبلها، وتحديد طبائعه وميوله.

 

   ما يمكن الانتباه إليه في هذه التجربة والتي أراها شكلت خطوات المبدع عبد الكريم غلاب في درب الإبداع؛ الواقعية التاريخية والحياتية. وتتجلى في رصد حركة الواقع العام واليومي المعيش، والقدرة على وصف الشخصية الروائية والتحكم في طبائعها وميولها وغرائزها، والتحكم في تسلسل الأفعال والأحداث وتماسكها وترابطها.

 

وهي واقعية تلتقي مع التجارب السابق دراستها في هذا الكتاب عند يوسف القعيد، وبهاء طاهر، وفتحي غانم...وتزيد عنها ببعدها المحلي والتاريخي والسياسي الذي فرضته على المغرب المرحلة السياسية والتاريخية التي رصدتها الرواية وصدرت فيها؛ أي مرحلة الاستعمار وبداية الاستقلال.

 

  2.1/ إن واقعية الرواية التاريخية تظهر بمعنى آخر في اعتماد البناء على مفهومين نقديين وإجرائيين هما: الترابط والتطور.

 

   . الترابــط:

   يُقْصَدُ من الترابط إجلاء العلاقة القائمة بين الأفعال والأحداث سواء في تسلسلها المتعاقب من البسيط إلى المركب (المعقد) ثم العودة إلى البسيط. أي من البداية إلى الذروة إلى النهاية والحل، أو في تركيباتها المختلفة والمتعددة كالتراجع والتقدم المتعثر والبناءات المنكسرة. ولابدَّ في الترابط من تحقيق انسجام بين أجزاء الرواية وأحداثها، حتى لا يبدو أي أثر للتفكك والخلل. لأن في هذه الحالة إثبات لإمكانات المبدع وقدراته على خلق عوالم متخيلة أو محاكية للواقع، لأن الرواية تمثيل للحياة اليومية المعيشة.

 

   . التطــور:

   تحافظ رواية "دفنا الماضي" على البناء الأول للرواية بحيث تتقدم الأحداث انطلاقا من مبدأ التطور والتنامي، من خلال تتبُّعِ الشخصية الروائية في مراحل متنوعة؛ مراحلها الحياتية وتطورها على مستوى الحالات النفسية والوضعية الاجتماعية.

 

 3.1/ تعتبر رواية "المعلم علي"(5) نموذجا دالا على الواقعية الحياتية. فإذا كانت الرواية السابقة "دفنا الماضي" تتمثل "جيل القنطرة" باسترجاع الأحداث التاريخية وبناء القصة عليها، فإن رواية "المعلم علي" انتقلت إلى الواقعية الحياتية والعملية، فظهر بها مفهوم النقابة والعمل النقابي ومفهوم القانون والحقوق الخاصة بالعمال والحقوق العامة التي تشمل بقية الفئات في المجتمع، وظهرت مفاهيم أخرى كالربح والإنتاج والعامل ورب العمل/المعمل والإضراب والصراع، والدفاع عن العمال والخروج بالعمل النقابي إلى العمل السياسي المناهض للمستعمر والمستغِلِّ. وهو ما سيدفع عبد العزيز (شخصية روائية) إلى أن يشرح ويبين:" مهمة النقابة الدفاع عن مصالح العمال.. هكذا يفهمها زملاؤكم الأجانب، ولكنها عندكم رسالة لإنقاذ إنسانية الإنسان فيكم"(6).

إلا أن مفهوم النقابة يستأثر بالأحداث الصاخبة ويفرض تصوره المخالف لما هو عليه في الغرب وينخرط في عملية التحرير والمقاومة.بذلك تكون رواية "المعلم علي" قد انخرطت في بناء الحياة العمالية، وفي وضع تصور اجتماعي ووطني (سياسي) للنقابة. إنها رواية واقعية اجتماعية.