راهن النقد الشعري الآن/ محمد معتصم
محمد معتصم
/image%2F0940860%2F20240730%2Fob_4c6dbe_van-gogh-069.jpg)
1/ يقول مارتن هايدجر:" الشعر موقظ لظهور الحلم، وما وراء الواقع، في مواجهة الواقع الصاخب الملموس الذي نعتقد إننا مطمئنون إليه. ومع ذلك فإن ما يقوله الشاعر وما يفترضه موجودا هو الواقع...".
طبيعي جدا أن يجد القارئ هنا هذه النقلة الجبارة في تحديد معنى الشعر، وليس الشعر. أي الجنس الأدبي التعبيري. فتلك طريقة هايدجر في تعليل الأشياء والواقع عموما. فالواقع المادي، الذي يشبه واقعنا الحالي، ليس إلا خدعة توهم بالاطمئنان. بينما الشعر، التعبير الشعري عن الواقع هو الحقيقة المثالية التي تخلق الاطمئنان الداخلي. الاطمئنان الضافي. أو كما يقول هايدجر:" تلك الطمأنينة الضافية التي يصحبها نشاط في جميع القوى والعلاقات" عكس الطمأنينة الوهمية المتولدة من البطالة وفراغ الفكر.
وطبيعي أن يجد الشاعر المعاصر ضالته في هذا القول. فالواقع تعقد أكثر، وأصبح ملتبسا. والمشاكل المحلية ذوبتها القضايا الكبرى والخارجية، في ظل الثورة الإعلامية. واجتاح الفتور القرائح عندما تحولت المفاهيم والقيم وأصبحت المقولات الكبرى خالية فارغة وبلا معنى محدد. فأين سيقيم الشاعر؟ سيقيم في المفترض، في الفراغ الخارجي الهائل، اللا محدد واللا محدود، في العدم، ما قبل الكلام. وكيف سيقال العدم؟ سيقال بلغة شعرية تنتمي لما يمكن تسميته ما تحت الحداثة، كما يقول هشام فهمي. لغة لا تقول شيئا، لا ترغب في الإفصاح. لا تحتاج إلى الوضوح، ولا إلى الوزن، أو القافية، ولا تحتاج إلى المعاني. مجرد أصوات مبهمة تخالج الداخل، ولا تعني شيئا محددا.
وسيجد النقد دعما قويا في مقولة هايدجر، حتى يتخلص من أساليب النقد التقليدية، التي لم تعد قادرة على فهم أو شرح أو استيعاب النص الجديد، ولا إدراك فلسفته العميقة وبواعثه الذاتية والموضوعية. لتلجأ إلى التأويل. والخوض في أراضي الماوراء. البحث عن اللا معنى. عن الحلم الذي لا يفسر بل تؤول رموزه. والخوض في الشعور والحس الباطني. فالناقد الأدبي هنا واليوم لا يحلل، ولا يقارن، ولا يدرس الأساليب. ولا يوازن بين الشعراء وقولهم الشعري، ولا يقف عند الجيد من الشعر ويفرزه عن الرديء، كما هي وظيفة نقد الشعر، كما حددها منذ البداية قدامة بن جعفر في كتابه المؤسس للمفهوم والمجال"نقد الشعر"، حيث يقول:" وقد عنى الناس بوضع الكتب في القسم الأول ما يليه إلى الرابع عناية تامة، فاستقصوا أمر العروض والوزن، وأمر القوافي والمقاطع، وأمر الغريب والنحو، وتكلموا في المعاني الدال عليها الشعر، وما الذي يريد بها الشاعر.
ولم أجد أحدا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابا، وكان الكلام عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة..." ص (15).
فكيف يستقيم اليوم الحديث عن جيد الشعر ورديئه؟ وبتعبير قدامة ابن جعفر، كيف يمكن تخليص جيد الشعر من رديئه؟ وهل هناك مقاييس وحدود متعارف عليها ومتفق حولها يمكن الاستناد إليها لإقناع المتلقي، والشاعر، بالأحكام الصادرة حول النصوص الشعرية المتداولة اليوم؟ حدود تختلف عن الحدود التقليدية، كالغرض الشعري، الذي زال أو كاد، ولم يعوض. أو الوزن الذي تم الاستخفاف به، أمام نشار الواقع والحياة اليوم. وهل يمكن اعتبار الإيقاع، تعويضا عن هذه الخسارة. الإيقاع الداخلي طبعا. وهل للنصوص الشعرية اليوم إيقاعها الموحد، أمام غياب الموضوع، وقول الفراغ، وغربة الفرد؟ وهل يمكن الاستناد إلى البلاغة القديمة لفهم، أو تأويل اللغة الشعرية اليوم، اللغة التي تكتفي بذاتها وتقول ذاتها؟ هل يمكن خلق مفاهيم ثابتة، أو مناهج نقدية (أعني مناهج لنقد الشعر وتمييز جيده عن رديئه) في ظل الشتات الشعري؟ هل يمكن ذلك في ظل خرائط الشعر المتنوعة والمتباعدة المختلفة اليوم؟ تجاور الشعر التقليدي، والشعر التفعيلي، وقصيدة النثر، والنص الشعري، واللا نص...؟
تتوالد الأسئلة كلما توغلنا في فهم ظاهرة الشعر اليوم، وكلما توغلنا في البحث عن معنى جديد لنقد الشعر اليوم. فهل يعني نقد الشعر اليوم "تخليص جيد الشعر من رديئه؟" يصعب ذلك، أمام تنوع المراجع الثقافية التي يمتح منها الشعراء. وأمام التجارب الجزئية التي قام بها النقاد المعاصرون، والتي أصبح فيها النص الشعري، أو الجملة الشعرية، أو الصورة الشعرية منفصلين عن الكل، عن بنية النص الشعري، من أجل تأكيد فرضية منهجية أو دحضها. وأمام غياب حد متعارف عليه للنص الشعري اليوم، وأمام تبريرات وتأويلات الفلاسفة للظاهرة الشعرية اليوم، ازدادت مهمة النقد صعوبة.
2/ لفهم طبيعة الإشكالية التي ينم عنها عنوان الندوة ينبغي الاقتراب من طبيعة النقد الأدبي اليوم، خاصة الزوايا التي منها ينظر إلى النص الشعري الآن. وفي هذا السياق لابد من التذكير بالحركة النشيطة التي يعيشها مجال النقد الأدبي. وبالتنوع المعرفي، وغنى الأدوات التي يستعملها النقد الأدبي في تفكيك أو وصف أو تحليل أو مقاربة النص الأدبي عموما والنص الشعري خصوصا. وفي هذا الإطار الأولي لابد من تحديد أنماط عامة من النقد الأدبي الآن. ونسرد بعضها على التوالي وحسب طبيعة معالجة النص الشعري، والزاوية التي ينظر منها الناقد إلى الإبداع:
النقد الأدبي الكلي: وهو النقد الذي يهتم به النقاد الفلاسفة الذين لا يدرسون النص الشعري في معزل عن الحركة الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والكونية. لأن النص الشعري ليس في النهاية إلا وسيلة تعبير عن الذات في مجابهتها لإشكالات الخارج في تطوره وتحوله، وفي صراعها (الذات) مع الخارج الذي تحاول استيعابه من أجل صوغه في متخيل جمالي ولغوي.
إن الشعر عند هؤلاء النقاد جزء من بنية كلية شمولية متكاملة. وبالتالي يكون النص الشعري محكوما بالسياق العام، يتأثر بالتحولات العميقة التي تطرأ على الإنسان وعلى العالم المحيط به، وعلى الأدوات التي تتحكم فيها وبواسطتها يفك رموز الوجود برمته.
ينحو نقد هؤلاء الكليين نحو النظر والتنظير الشمولي للنص الشعري كظاهرة لغوية تعبر عن حالة ذاتية، في صراعها مع المتغيرات الجديدة.
النقد الإبداعي: طبعا أقصد نقد الشعراء، أولئك الذين يمتحون مفاهيمهم من حالة التباس المعنى. التباس القدرة على فهم العلاقة بين الشعر كحالة شعورية وبين الشعر كضرورة، وكتعبير لغوي وخيالي وجمالي. لذلك نجدهم يستعملون في دراساتهم النقدية (العاشقة) الآن مفاهيم كلها ترتبط إما بالسر. أي أن الشعر سر محجوب على الدارسين والنقاد، مكشوف للشعراء. ولا يفهمه غيرهم. ولا يعلم تأويله إلا الشعراء. والسر هنا التباس المعنى وغموضه، غموض قصديته. أو كما كان يقول بوتور "المعنى في بطن الشاعر" لا يفهمه إلا هو. ولذلك يتحول عندهم الحديث من دراسة الظاهرة اللغوية والجمالية على السقوط في (النهيللية). وهي نظر نيتشه:" مفهوم يعني ضرورة رفض وإقالة كل القيم المعروفة". وهذا ما ينهجه الشعر الآن. عندما يدع شعراؤه إلى الغموض والالتباس أو إلى الصمت، والمحو، والبياض، والسرد الكامن، والتأويل المستحيل، والكتابة المستحيلة...إلخ. وهذا ما يلح عليه دارسون ونقاد شعراء فرنسيون، في تعريفهم للشعر المعاصر، وأهم ما يميزه طبعا: سيولة المعنى التي يدل عليها غياب علامات الترقيم، والصمت الذي يدل عليه غياب الترابط المنطقي والزمني بين الملفوظات، والالتباس. وهم (الشعراء) في ذلك يتمثلون مفهوم (النهيللية) عند (جورجياس) الذي يرى:" أن الشيء حتى إن وُجِدَ، فإنه سيكون من الصعب على الإنسان معرفته". وصعوبة معرفة الشيء الموجود، تنجم عنها صعوبة التعبير عنه، وصعوبة تحديده. أي إعطائه حدا، اسما. ومن هنا الحديث عن البياض واللا معنى، والالتباس، وسر الأسرار الذي لا يدركه إلا الشعراء، ولا يستطيع تأويله غيرهم. ويكون إدراكهم وتفسيرهم وتأويلهم لما يقال باطنيا. وحتى في حال وجود المعنى فعلى الناقد الشاعر أن يتجاهله، وكأنه غير موجود. أي عليه الاجتهاد في تعمية المعنى الفاضح والفصيح، والاعتماد على إمكانيات المحو، بالتكرير، وملء الصفحة بالبياضات، وتمجيد الالتباس، بحذف علامات الترقيم، ليصبح النص الشعري مماثلا للنهر في جريانه، أو الصحراء في تيهها، وخلوها من علامات الطريق. وإن حادي النص الشعري سيكون الشاعر فقط الشاعر. ويعمق هايدجر هذا المعنى عندما يعتبر بقوة على الحالة، حالة الالتباس التي نجمت عن تحول كبير في القيم، وفي معايير المعرفة عندما تحول الإنسان من قيمة إنسانية إلى مجرد شيء مع الثورة الصناعية، ثم إلى مجرد لا شيء في عصر التقنية. يقول هايدجر في تعريفه للنهيللية (Nihilisme) :" تعني النسيان المطلق لسؤال الكينونة (L'être) وسيادة عالم تستبد به التقنية".
نقد استكشافي: وهو نقد يبحث في مكونات النص الشعري، وأشكال تعبيره عن الظواهر النفسية أو الاجتماعية والواقعية (الخارجية). ويمكن أن نطلق عليه النقد التطبيقي الذي لا يعتمد على النظرية كما في النقد الكلي بل يحتكم إلى النصوص أي إلى المنجز النصي. وهو نقد سائد الآن. لأن لديه أدوات كافية لفهم الظواهر الشعرية؛ على مستويات متعددة: المستوى اللفظي، والتركيبي، والدلالي...وينشط في هذا المجال نقاد يجربون إما جزئيا أو كليا بعض المناهج العلمية أو بعض مفاهيمها الجوهرية. وهم من يطلق عليهم في المغرب النقاد الباحثون الذين يستندون في مجال دراسة النص الأدبي عموما وليس الشعر فحسب، كاللسانيات والسيميائيات...أو الأشكال البلاغية القديمة أو بعض مفاهيمها.
ومن بين هؤلاء نجد الفلاسفة الذين يبحثون مثلا في مفاهيم مثل الإدراك الجمالي للعالم، والإدراك اللفظي للغوي للعالم. أو مثل مفهوم التأويل الذي اعتمد كثيرا بول ريكور في دراسته للنص الأدبي سردا وشعرا، وركز على السرد أكثر لأنه تتجلى فيه القيمة الزمانية. التعاقب الخطي أو الارتكاسي...واعتمد كذلك المحللون النفسانيون في فرع هام جدا يسمونه"البعد الرمزي للكلام". ومن بين مَنْ اهتم بهذا البعد وعمقه إريك فروم، في كتابه الهام "اللغة المنسية". وهنا يصبح النص الشعري عبارة عن معادل للحلم، للغة الأحلام. وينبغي تفسيرها، أو تأويلها حسب فرويد. بينما إريك فروم فيدعونا إلى فهمها. وهناك طبعا فرق بين تفسير الأحلام (ابن سيرين)، وتأويل الأحلام (فرويد)، وفهم الأحلام (فروم). وهذا المسار مهم جدا في فهم النص الشعري. فالأول يدرسه من زاوية اليقين والوضوح بينما الثاني يدرسه من زاوية الرمز والعلامة التي تلمح وتُكَنِّي على الشيء ولا تفصح عنه، والثالث يدعو إلى دراسته كبنية متكاملة وموحدة لها معنى ووظيفة وقصد.
طبعا الفئة البارزة في هذا المجال هي التي تقوم بتطبيق المناهج النقدية العامة اللسانيات والسيميائيات...على النص الشعري، وتخضعه بالقوة إلى مقاصد المنهج لا غاياته الذاتية الخاصة.
المقاربة النقدية: ( L'approche critique) ويندرج ضمن هذا التيار من النقد الشعري الآن نقاد يعتمدون على حقول مختلفة منها؛ التحليل النفسي، والسوسيولوجيا، والإيديولوجيا، والأنتروبولوجيا... وهو تيار يقوم بتأويل النص الشعري وإخضاعه لمعايير خارج نصية. خارج البعد الأساس في الشعر" التعبير الجميل؛ خيالا ولفظا ومعنى، وصورا وتراكيب، وموسيقى"وتعتمد المقاربة النقدية للنص الشعري على حقول مختلفة من العلوم الإنسانية والخالصة. ومن هنا يأتي الحديث مثلا عند المقاربة الاجتماعية (السوسيولوجية) والإيديولوجية عن الأبعاد الوظيفية للنص الشعري (النص الأدبي) عموما. فالشعر وجد لوظيفة اجتماعية؛ معرفية وتربوية وتعليمية وأخلاقية مثلا. ووجد لوظيفة إيديولوجية فعلية أن يحرض الناس، ويغير ما بأنفسهم من استكانة وخمول واستسلام. وهنا يصبح التأثير السياسي "تغيير العالم" واضحا في حكم الناقد الذي يرى في الشعر "تغيير الحياة" كما يرى أندري بروتون. ووجد أيضا لحصر الناس في منطقة الوضوح والانتساب القبلي والعرق السياسي...الخ. يقول في هذا السياق إدغار موران :" تعلمون أن بروتون أراد دمج التركيبة السياسية الثورية "تغيير العالم" في التركيبة الشعرية السريالية "تغيير الحياة". لكن هذه المغامرة، هذه المغامرة ذاتها قادت نحو متاهات وأخطاء، وأستطيع القول، أدت إلى تدمير ذاتي للشعراء. عندما قام هؤلاء بربط الشعر بحزب سياسي. هنا يكمن واحد من متناقضات الشعر. لا يليق بالشاعر الانغلاق في مجال مستقيم، في مجال اللعب بالكلمات، ومجال اللعب بالرموز. الشاعر له مقدرة تامة، متعددة الأبعاد، تلك التي تحتوى الإنسانية والسياسة، لكن ليس له الحق في أن يُسْتَخْدم من قِبَلِ التنظيم السياسي، فالرسالة السياسية للشاعر أن يتجاوز السياسة."
وهذا البعد الوظيفي لم يخب إلا لفترة لينهض من جديد على إيقاع المتغيرات الجديدة في الساحة الثقافية والاجتماعية والسياسية الآن. وهذا الصوت في الشعر وفي نقد الشعر أعلى من غيره من المقاربات النقدية في الوطن العربي.
النقد التأريخي: وهو ضرورة تعليمية. ومن مهام النقد الأدبي الآن. لكن يعترض هذا التيار إشكال مرتبط بمفهوم الجيل الشعري. وما يفصح عنه هذا الإشكال مهم جدا، وهو أن النقد التاريخي والحقبي ينبغي له أن يستعين بالدراسات النقدية التطبيقية، وعلى تاريخ الأدب، وسير الشعراء، والأنطولوجيات أو البيبلوغرافيات المبثوثة هنا وهناك. ليس هذا فحسب بل عليه أيضا أن يستعين بالنقد الاستكشافي الذي يبحث في المكونات البنيوية للنص الشعري حتى يستخلص الفروق الفارزة بين تجربة شعرية وأخرى، أو بين نص شعري وآخر. وإن كان العمل في هذا التيار النقدي الآن مهتما أكثر بالتجارب المتكاملة والمنتهية، أو بالتجارب التي ترسخت في تربة الشعر بفعل الزمن والاستمرار والتراكم الكمي والكيفي.
* مختصر الورقة التي تم تقديمها بالمهرجان الشعري السنوي لمدينة شفشاون. 30 يونيو و الأول والثاني من شهر يوليوز 2006م. صور المدينة بمدونتي الشخصية.