Canalblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
محمد معتصم
Publicité
Derniers commentaires
Newsletter
Catégories
محمد معتصم
  • تتضمن المدونة عددا من المقالات والدراسات، والأخبار الثقافية والآراء حول المقروء والمنشور والمتداول في الساحة الثقافية. مع بعض الصور
  • Accueil du blog
  • Créer un blog avec CanalBlog
30 juillet 2024

جمال الفنون الجميلة/ محمد معتصم

محمد معتصم

 

 

مثل الإنسان القديم، بدأ اهتمامي بالرسم سواءٌ تعلق الأمر برسم الكلمات من خلال تجويد الخط وتشكيله وإعادة تشكيل الحروف لتظهر في حلة جديدة بديعة. وكان من لفت انتباهي واهتمامي بذلك، إلحاح أبي وزميله في العمل النقابي عليَّ في كتابة التقارير النقابية، بدعوى جودة خط يدي وجماله ومقروئيته، والإضافات المشرقة التي أضفيها على العبارات، فصدَّقتُ ذلك يومئذ، أو تعلق الأمر برسم الحيوانات والنباتات (الطبيعة) والأشياء ووجوه الكائنات، التي نجدها في الأفلام والقصص المصورة. ومن حسن حظي أن أبي لم يكبت هذه الرغبة في نفسي، بل كان أوَّلَ من اشترى لي عُدَّةَ الرسم والصباغة وسمح لي برسم نسْرٍ كبير الحجم على جدار غرفتي التي اتخذتها مكتبا لي وأنا تلميذٌ، وكتب أحب كتابة تعليق تحت ذلك النسر العبارة العربية الآتية:" النسر ملكُ الفضاء" وترجمتها باللغة الفرنسية:"L’aigle roi des airs"ن وكن الرسم قد استغرق مني وقتا طويلا وجهدا، لأنني كنت أعتبر الدقة مهمة جدا في تصفيف ريشه مختلف الحجم على ظاهر جناحه، كنت أرسم النسر والنمر الذي كتبت فيه شعرا كثيرا كذلك، مادحا صفاته الظاهرة والباطنية وعلى رأسها القوة والجمال، مأخوذا بشغفي بفنون الحرب "الكاراتيه" في تلك المرحلة من عمري. بقي النسر فتر طويلة، حتى ابتليتُ بالكتابة، كتابة الرسائل العاطفية والنصوص الشعرية (تجاوزا).

في المراهقة اكتشفتُ الكتبَ في ظل العزلة التي بدأت أطلبها، والابتعاد عن رفاق الحي والدراسة شيئا فشيئا، وقعتُ في سحر الكلمةِ، وكان لكتاب دانيال ديفو (Daniel Defoe) "روبانسون كروزوي" (Robinson Crusoé) أثر عميقٌ، لأسبابٍ لم أكن أعي حقيقتها، أولا، عندما انتبهت مُدرسة اللغة الفرنسية واسمها الشخصي الذي كنا نناديها به "ألويت" (Alouette)، إلى اهتمامي بالكتاب وطريقة لمسه وهو على مكتبها، فأعطتنيه، كدتُ أطير فرحا، وبقيت فترة أشم ورق الكتاب، والآن ما أزال أجدُ عرها في ذاكرتي. وثانيا، قد أتيت على كل المجلات النقابية التي كان أبي يأتيني بها، فألتهمها، لكن ما حفزني على الكتابة فعلا الدواوين الشعرية التي كان يسلمها لي أستاذي في مادة اللغة العربية وآدابها الباحث والناقد المعروف اليوم في العالم العربي بكتاباته وإسهامه في السرديات (La narratologie) الدكتور سعيد يقطين، وتعرفت من خلاله على الشاعر بلند الحيدري، محمود درويش، والشاعر السوري السجالي والجدلي أدونيس، وفي السنة ذاتها كلفني بتقديم عرضٍ أمام التلاميذ رفقة صديقي وزميلي حسن الرضي، وكان العرض تلخيصا لكتاب مهم جدا في ذلك الوقت للكاتب والمفكر حسين مروة تحت عنوان "النزعات المادية" وهذا كان عنوانه المختصر المتداول بيننا تلاميذ اللغة العربية وآدابها، وعنوانه الأصلي كالآتي "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، وأذكر أنه اندهش يوم العرض عندما وجدني كتبت دفترا يتكون من ثمان وأربعين صفحة، وأثبتت على السبورة السوداء، عناصر ومحاور المداخلة.

لم يكن الشعر فقط الفن الأدبي الوحيد الذي غير وجهتي من الرسم، بل كانت الترجمة على اعتبار أنها فنا كذلك، أُغرمتُ بعد التعرف على الكتب بالمكتبات العتيقة، وكانت فعلا متعة لا توصف، لم أستطع التخلص من سحرها حتى اليوم، رغم ولوجي وانخراطي في عدد من المكتبات الكبرى والمنظمة، لكن سحر المكتبات القديمة والتي تبيع الكتب المستعملة والقديمة تغريني وأتجول فيها كما يتجول عاشق في حديقة غناء أو على امتداد شواطئ المحيط الأطلسي المغربية. بين ذلك كان انجذابي مثل أقراني إلى الأغاني الفرنسية ذات الإيقاع والكلمات الرومانسية وكذلك الإيقاعات الصاخبة الراقصة والملتزمة بقضايا الشعوب المقهورة العربية والإفريقية وفي المستعمرات، هذا الفن الراقي الذي هذب كثيرا من مشاعرنا، وفتح أمامنا آفاقا جديدة وممتعة وجميلة، ومن خلال الموسيقى تشكلت عندي وأقراني أذن موسيقية خاصة عبارة عن متخيل أنتجته فترة السبعينيات، ومنحتني الموسيقى والغناء فرصة ذهبية اكتشفت فيها الحاجة إلى العزلة، أو على الأصح تقليص مجال اهتمامي وصداقاتي، فانغمست في القراءة خاصة الشعر في العربية والفرنسية، وترجمت عددا منه إلى العربية، وأذكر أنني كنت ترجمتُ عددا من القصص التي كتبها ماكسيم غوركي في كتاب اقتنيته من المكتبات العتيقة تحت عنوان "في السجن" (En prison)، وكانت هناك مقالة قصصية تأثرت بها بقوة وقمت بترجمتها رغم طولها وكثرة صفحاتها لما تتضمنه من صورة، رأيت وقتها، أنها تمثل حالة البؤس الذي تعيشه فئة المعلمين في المغرب، وكأن ما تحدث عنه تشيخوف في بلده، وقع بالتمام والكمال في بلدي المغرب، كان عنوان المقال القصصي "الذي كان يفكر فيه تشيخوف"، إن بؤس حال المعلمين في روسيا يماثل كما بدا لي، حال المعلمين في المغرب، خاصة أولئك الين فرض عليم العمل في المناطق النائية، بعيدا عن المجال الحضري، كالقرى والأرياف والبوادي، وتأثرت كثيرا بالنفسية المقهورة لهؤلاء المعلمين والتي برع تشيخوف في رسمها وتجليتها.

للأسف الشديد هذه الأعمال كتبت بعناية بخط اليد، وقضيت في تنقيحها وإعادة كتابتها وصياغتها مرات عدة، وعندما كنت أرسلها إلى الملاحق الثقافية الأسبوعية لبعض الجرائد الوطنية كانت ترفض لطولها أو لأسباب أخرى لا أعلمها، وأغلب الظن أن لجرائد لم تكن ثقافية مستقلة، في ذلك الحين، بل كانت جرائد تنتسب للأحزاب الأكثر حضورا في الساحة، ومن المقالات المهمة التي آسف على ضياعها، مقالة كانت بعنوان "أنطولوجيا القراءة" وكانت قراءة تأويلية في كتاب مارتن هايدغر المهم والصعب في آن "الكينونة والزمان". لم تكن في الثمانيات حواسيب ولا وسائل حفظ المخطوطات، ولا حتى وجود وسائل إلكترونية لتبادل الرسائل على شبكة الإنترنيت، وكانت الوسيلة الوحيدة البريد العادي، وقد تسبب لي في ضياع كثير من الأعمال التي أراها مهمة، في سياق المرحلة الاجتماعية والسياسية والعُمرية التي أنتيجت فيها.

إذن، بدأت بالاهتمام بالرسم والتخطيط، ثم كتابة الشعر، الذي ما أزال أكتب منه مقاطع وشذرات حتى اليوم على الفيسبوك، وعلى مدونتي الشخصية، وانتقي منه ما يصلح دواوين ورقية، كما أنني نشرتُ ديوانا شعرا تحت عنوان "كتاب السفر"، يتضمن قصيدتين طويلتين، تتكونان من مقاطع و(لوحات شعرية) هكذا كنت أطلق عليها، نشرتها بجريدة "البيان" المغربية، وقد قام بذلك مشكورا صديقي القاص والمترجم المغربي محمد صوف أوائل التسعينيات، ثم استغرقتِ الترجمة وقتا من اهتمامي، وترجمت من الشعر ديوان "أناشيد البراءة" (Les Chants de l’Innocence) للشاعر وليام بليك، وقد نشرت قصائده في صفحات جريدة الاتحاد الاشتراكي على التوالي في صفحة كانت تسمى وقتئذ "فسحة الصيف"، دون إغفال ترجمة ديوان الشاعر الغرناطي العالمي فديريكو غارسيا لوركا تحت عنوان "المتواليات" (Poésies IV, Suites, Sonnets de l’amour obscur)، ونشرتُ مختارات منها على صفحات جريدة الاتحاد الاشتراكي كذلك، والديوانان نشرا لاحقا في كتابين إلكترونيين. ووضعت منذ مدة أي خلال الحجر الصحي في زمان كورونا كتابا لدى إحدى دور النشر، ولم يظهر حتى الآن، يتضمن حوارات مهمة يتحدث فبها أوكتافيو باث عن تجربته الشخصية في الحياة والشعر والعمل الدبلوماسي. إن الترجمة فن من الفنون الجميلة كذلك، رغم ما نلصقه بها من علمية وخيانة وما إلى ذلك من الصفات.

هذه الفنون: الرسم والشعر والموسيقى والكاراتيه والترجمة، كان له تأثير كبير وتجل في مجال اهتمامي وتخصصي، ألا وهو النقد الأدبي الذي صدر لي فيه حتى الآن عددا مهما من الكتب المؤلفة والجماعية والإلكترونية، ولولا تلك الفنون التي هذبت ذائقتي وحمتني من الانصياع لما لحق جيلي من حالات اليأس السياسي والاجتماعي ووجهت اختياراتي، لولاها لكنت كائنا آخر. ولا أتصور أن يكون الكاتب؛ شاعرا أو روائيا أو قاصا ومسرحيا أو باحثا أكاديميا، مبدعا ومبتكرا ومؤثرا ما لم يكن مهتما ببعض الفنون الجميلة، فلنلاحظ العلاقة المتينة بين الإبداع السردي لنجيب محفوظ والسينما (الفن السابع)، وكيف أن سرديات (روايات وقصص) نجيب محفوظ أثرت السينما وقامت بتوجيهها وبتغيير سلوك المواطنين/ المشاهدين والقراء (المتلقين)، وقس على ذلك الروايات العالمية الشهيرة التي زادت قيمتها الجمالية عندما تحولت إلى أفلام سينمائية، والكتب والسير التي تحولت إلى أفلام وثائقية وتاريخية ومذكرات وشهادات، إلى غير ذلك، والروايات والقصص والقصائد الشعرية التي تحولت إلى مسرحيات تعرض على خشبة المسرح المحلية والعالمية. وكيف أن السينما ساهمت في انتشار وبقاء وإعادة قرءة واكتشاف كتاب وروايات يطلق عليها اليوم أعمال "خالدة".

تتجلى أهمية الفنون في الشرط الأساسي الذي اشترطه أفلاطون على الراغبين في الدخول والانتساب إلى الأكاديمية، والمتمثل في إتقان المنتسب إليها لفنيْنِ هامين، هما: الموسيقى والرياضيات. والعلاقة بين الشعر والرسم عتيقة وعميقة وتتجلى في الملاحم والشعر العربي القديم (الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي والأندلسي) من خلال مفهومَيِ المحاكاة والوصف، كما أن الرياضيات تعتبر فنًا من الفنون، لأنها تقوم على تجريد الظواهر وترميزها، والفنون لا تتعدى فعل ذلك، من خلال ترميز العالم وظواهره، واختزالها من خلال الرسم، والرسم في العربية يعني الكلمة، أو أن الكلمة في العربية تعني "الرسم"، العلامة المادية التي تختزل الظواهر وتقوم بترميزها أو بمحاكاتها محاكاة ساخرة أو بصورة أليغورية.

والرياضيات من أهم الفنون التي تأثرت بها وأتقنتها، وأكسبتني ميلا نحو النقد الأدبي، وهو ليس فقط، في نظري وممارستي، واحدا من العلوم الإنسانية فحسب، بل هو فن من الفنون الجميلة.

ومن أكثر الأفلام التي تأثرت بها وبأحداثها وترميزها لظاهرة الحرب وإبراز أبعادها الإنسانية وويلاتها، ولا شك أنها كان وراء كتابات شعرية كثيرة مما نشرته ولم أنشره، الفيلم السوفيتي بالأبيض والأسود "عندما تمر اللقالق" (Quand passent les cigognes)، لأن تأثير الفنون الجميلة لا يكون دائما مباشرًا، بل يكون ثاويا خلف ابتكار متخيل معين، أو بناء عمل إبداعيٍّ نقيضٍ من أجل إبراز فكرة ونقيضها في الحياة. ولا يمكني في سياق الحديث عن السينما الحديث عن المسلسلات التلفزيونية والبرامج الثقافية التي كان يَبثها التلفزيون المغربي، ومن أهمها مسلسل "الأيام" لطه حسين، وهو العلَمُ لذي صنع التحدي وتجاوز المعوقات الجسدية والاجتماعية وغيرها لكي يتحول إلى نموذج يقتفى أثره لبناء الإرادة القوية والثقة بالنفس، كما أن كثيرا من الأعلام ومؤلفات العالمية قدمتها فرق مسرحية وإعلاميون مثقفون من لبنان والعراق ومصر.

وكم أحببت تعلم الموسيقى وإتقان (اللعب) على آلة من الآلات، وأذكر وأهلي، أنني في طفولتي صنعتُ آلة عزف تشبه الكمان، كنا نتقن في تلك المرحلة صناعتها، أعني جيلي، لكن جدتي رحمة الله عليها، غضبت مني غضبا شديدا، وكسرتها على رأسي، بدعوى أن العائلة لا تقبل من الرجال تعلم وممارسة الرقص علنا والعزف والغناء، فالرجال منذورون لمهام أخرى كبيرة.

إذن، من أهم الفنون الجميلة التي مارستها وتعلمت منها ولا شك تأثرت بها فيما أكتبه، الرسم والتخطيط، كما أنني أحببت الموسيقى وفنون الحرب والرياضيات التي حببت إلي المنطق والفلسفة والنقد الأدبي.

  

 

محمد معتصم

سلا- المملكة المغربية

30/06/2022م   

Publicité
Commentaires
Publicité
محمد معتصم
Archives
Publicité
Publicité