Canalblog Tous les blogs Top blogs Littérature, BD & Poésie
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
محمد معتصم
Publicité
Derniers commentaires
Newsletter
Catégories
محمد معتصم
  • تتضمن المدونة عددا من المقالات والدراسات، والأخبار الثقافية والآراء حول المقروء والمنشور والمتداول في الساحة الثقافية. مع بعض الصور
  • Accueil du blog
  • Créer un blog avec CanalBlog
29 juillet 2024

الشعور بالزمن وإمكانية استرجاع أحداثه/ محمد معتصم

محمد معتصم

 

تصنف أعمال السردية الكاتبة الفرنسية الحاصلة على جائزة نوبل للآداب للعام 2022م أني إيرنو (Annie Ernaux) على أنها كتابة سير ذاتية (Autobiographique) وتؤكد الكاتبة الأمر ذاته في كثير من حواراتها . أي أنها تتمحور حول (الأنا)، من أجل سرد وقائع الحياة الشخصية في عمومها أو في أجزاء من حياة الكاتبة الساردة والشخصية الروائية، فتكون الكاتبة هي ذاتها السارد في العمل الروائي والشخصية المتحدَّثِ عنها. أني إيرنو أستاذة جامعية، أي أنها على علم ودراية بمفهوم الأدب ومراحل تطور الرواية ومشاكل السيرة الذاتية والنظريات النقدية الأدبية وتاريخ الأدب عامة، وهي حمولة معرفية مهمة تؤطر فكرة "السيرة الذاتية" وتجليها بين المعاني التي تمنحها إياها النظريات النقدية الأدبية والسردية وبين المنجز الفعلي، أي عملية الكتابة في حد ذاتها، الكتابة التي تعد المعادل الموضوعي، تقريبا، للواقع في قربه أو بعده عن لحظة الكتابة، بالإضافة إلى كيمياء الكتابة ذاتها، التي تتعقد بالعودة إلى الذاكرة وهفواتها والثقوب السوداء التي تعتريها مع مرور الزمان، ولكن لا ينبغي الوقوف جديا ونقديا أمام المفهوم الذي تعتمده الكاتبة أني إيرنو الكتابة السير ذاتية الاجتماعية، ذات البعد الاجتماعي (Auto-Socio-biographie). هذا التوصيف النوعي للعمل السردي عند أني إيرنو مهم جدا في إبراز طبيعة التحايل على مفهوم السيرة الذاتية، وفي الآن ذاته طريقة للتعبير عن صعوبة التذكر وصعوبة التعامل مع الزمن وحركاته المنطقية الخطية، ثم إن البعد الاجتماعي الذي تعتمده الكاتبة يقوم بوظائف سردية هامة، من بينها توسيع فضاء المتن السردي من جهة ومن جهة أخرى تأطير المتخيل السردي ورسم حدوده الخارج نصية، وهي الحالة التي نجدها عند كثير من الكتاب من بينهم ما بينته في سيرة توماس مان في "حقبة سابقة"، وفي الدراسة النقدية التي خصصتها لكتاب الشاعر والباحث المغربي محمد بنيس "شطحات لمنتصف النهار"، وهي المتمثلة عند الكاتبة أني إيرنو ربط بعض الأحداث الشخصية بأحداث عالمية شدت اهتمام وانتباه العالم ومنها هذا المجتزأ في روايتها القصيرة جدا "الشاب" [Le jeune Homme] حيث تقول الساردة:" كانت ذاكرتي تعيد إليَّ، بسلاسة، صور الحرب.. الدبابات الأمريكية بـ"لافالي" و"ليلبون"..ملصقات الجنرال "دوغول" معتمرا قبعته "الكيبي"..مظاهرات ماي/أيار 1968. كنت برفقة شخص أقصى ما يمكن أن تعود إليه ذاكرته وبصعوبة بالغة، هو انتخاب "جيسكار ديستان"." ص (39)، تقول كذلك:" استحضرتُ الحي الجامعي الخاص بالبنات في "روان"، وبحثي المحموم، في شارع "أو-دو-روبيك" وميدان "سان-مارك"، عن لافتة طبيب يقبل أن يجري لي عملية إجهاض، في تشرين الثاني 1963. كان "كينيدي" قد قُتِلَ للتو." ص (43). يقوم السرد (المحكي السردي) على حدث الإجهاض قبل تاريخ ترخيصه وتشريعه في فرنسا، وعلى البحث عن طبيب يمكنه إنجاز العملية سريا بعيدا عن الصرامة القانونية، ولكن الكاتبة الساردة تضع الحدث بين قطبين سيتجاذبان السرد والتلقي كذلك، القطب الأول يتعلق بصعوبة التذكر خاصة تذكر التفاصيل من مشاعر وأحاسيس تمنح صور الذاكرة الحياة وتبعثها من السكون والموت، إن صورنا عن الماضي لا تعني شيئا ذا قيمة في الكتابة ما لم تمنح الحياة، وهنا يتم الاصطدام بجدار الصمت والموت، الموت الذي يحتل موضعا مهما في متخيل أني إيرنو، بصورة باطولوجيَّةٍ، إنه الوجه الأول لصعوبة التذكر وصعوبة كتابة الحدث الشخصي، وصعوبة التحكم في الزمن والشعور بقوته وجبروته، والقطب الثاني يتعلق بالحل، الحل الذي يغني المتخيل ويساعد الكتابة على الاستمرار، والتحول من متوالية سردية إلى متواليات سردية أخرى دون أن يشعر المتلقي (القارئ) بالفجوات التي يفرضها الواقع الحي وثقوب الذاكرة ومستلزمات الكتابة وشروطها، من خلال استدعاء الأحداث الموازية التي نسميها خارج نصية أو المعينات غير اللسانية ، يمثلها الاسم العلم للشخصيات السياسية المؤثرة التي يعمل تلفظها وكتابتها في المتن السردي على امتصاص الفجوات وتلافي الشعور بعدم الترابط وبعدم الانسجام المنطقي للسرد في حال عدم توافقه مع الواقع الذي يعتبر الحلقة الأساس في كتابة السيرة الذاتية، أي تطابق الوقائع الحية مع المحكيات السردية والوقائع المروية والمتخيلة، ويطلق عليها في العربية خاصة "الصدق"، الصدق في رواية الأحداث، التي تشير إلى "الميثاق الأطوبيوغرافي" عند فيليب لوجون (Philippe Lejeune)، فيربط القارئ الحدث السرديَّ بالحدث السياسي والتاريخي والواقعة الاجتماعية. ومن الوقائع الاجتماعية تذكر أو حث ذاكرة القارئ على التذكر لتجاوز تلك الهفوات خاصة الزمانية الاعتماد على الأغاني وعلى الأمكنة وإعادة التذكير بالأمكنة التي خربها الزمن أو خربها الزحف العمراني وكل ذلك للشعور بالزمن وأثره في الواقع كما الذاكرة والشخص وبالتالي من الطبيعي جدا تأثر الكتابة السير ذاتية بهذه الظاهرة الطبيعية التي تتجلى على مستوى السرد.

إذن، هناك إشكال آخر، يتعلق بصيغة الكتابة، حيث نجد عددا من النقاد يشير إلى أن كتابات أني إيرنو تندرج ضمن "التخييل الذاتي" [Autofiction]، وهي صيغة يعتمدها الكاتب لجعل الذات شيئا آخر، أي يكون الكاتب واعيا بالتغيير الذي يلحقه بالشخصية، من حذف وإضافات حتى تتمكن الشخصية الروائية من مناسبة الصورة المتخيلة والشخصية المبتدعة التي يريدها حاملا لفكرة أو حالة نفسية وذهنية أو موقف يقوم عليه العمل الروائي. بينما أني إيرنو، لا تنفي حقيقة الشخصية بقدر ما تعالج مشكلات:

  • النسيان والسهو والهفوات والثقوب السوداء للذاكرة.
  • صعوبة استرجاع المشاعر والأحاسيس في الوقت ذاته الذي يتم فيه يسر وسهولة استرجاع الوقائع، بعض الوقائع.
  • معالجة مشكلة الزمان، ليس من منظور الفكر والفلسفة، على اعتبار أن الزمان والمكان شغلا حيزا كبير في التفكير الفلسفي.  
  • مساءلة الكتابة عامة كمتخيل ونصوص لغوية وعلامات ورموز (حروف) في علاقتها بالمقول السردي والإحالة المرجعية.

والحقيقة أ، اختزال أعمال أني إيرنو في كتابة "التخييل الذاتي" يُعدُّ في نظري تبخيسا لمنتجها السردي ولإسهامها في تطوير السرد الروائي (الذاتي والشخصي) العالمي المعاصر، فالكاتبة لا تسترجع وقائع حياتها كما هي الحال في كثير من الكتابات السير ذاتية ذات البعد التعليمي أو تلك التي يكتبها أصحابها للقول بأنهم أصحاب تجربة أو تجارب مميزة في الحياة، تختلف عن تجارب الناس عامة، لذلك وجب نقلها إليهم للتعلم والعبرة واستخلاص الفائدة والمصلحة النافعة في ميادين شتى: كسير رجال السياسة، وسير رجال ونساء الأعمال الذين نجحوا في مراكمة الثروات ولفتوا إليهم الأنظار، كما حصل اليوم مع عدد مهم من المستفيدين من الحروب المنتشرة في أنحاء العالم، والمستفيدين من الاضطرابات الصحية والكوارث البشرية، وهم الآن يقدموا خبراتهم وتجاربهم على شبكة الإنترنيت ومن خلال منصات ومواقع التواصل الاجتماعي يقدمون الدروس وطرائف الاغتناء وتكوين الثروة باستغلال الوسائط الحديثة. والخلاصة التي تعلمتها وتعلمها كثيرون: أن الثروات تنمو في الأزمات الاجتماعية الصحية والمالية والاقتصادية. ومن ثمة فما تعلمنا إياه هذه السيرة الذاتية هو الجواب عن السؤال الإشكالي: لماذا وكيف تنشأ الحروب والثروات؟

ما تدونه أني إيرنو ليس كله للخبرة والتعليم وإن كانت روايتها "مذكرة فتاة" [Mémoire de fille] في بُعْدٍ من أبعادها تعليمية، لأن موضوع الرواية السير ذاتية يعالج حالة ووضعية فتاة قروية كثيرة المعرفة النظرية قليلة الخبرة الناجمة عن مراقبة واليها خاصة والدتها وفرحتها بمغادرة مرحلة كونها "قاصر" وولوج عالم الكبار، الثامنة عشرة، للتخلص من التعاليم الدينية الكاثوليكية الصارمة التي عاشت تحت تأثيرها في أسرتها وقريتها الصغيرة، لكنها اصطدمت بحالة من التصادم مع الذات والواقع الذي لم تكن تعرفه. وترى أن هذه الرواية تصلح مادة للتعليم خاصة للأطفال والمراهقين، والحقيقة أن الرواية لا تروم هذه الدعوة التي مالت إليها الكاتبة بعد التقدم في العمر وتحت تأثير الإعلام الثقافي والمجتمع بشكل عام. لأن الإشكال الذي تطرحه الكاتبة من خلال الخطاب الروائي الذي تنتجه، يتمثل في وعيها بنقصان الصورة الذهنية ونقصان السيرة التي تكتبها، ففتاة الثامنة عشرة في "مذكرة فتاة" في العام 1958م، ليست هي ذاتها تماما في المتن السردي، لأن الزمان عمل فعله العميق، ولأن الكتابة لا تصف المشاعر والأحاسيس، بل تعيد كتابتها [La réécriture] وفق ما تسمح به اللغة أولا وما تسمح به الذاكرة المثقوبة، وما يسمح به العقل من قدرات على تمثل المشاعر التي كانت تعيشها الفتاة في اندفاعها النفسي والذهني والجنسي والجسدي، تقول الكاتبة مثلا في "مذكرة فتاة" الآتي:" وأنا أتقدم في مسار الكتابة. أخذتْ تلك السهولة التي تصورت بها الحكاية في ذاكرتي تتلاشى. فالذهاب إلى أقصى ما جرى في 1958 يعني القبول بتفتيت كل التأويلات المتراكمة عبر السنين. لا يجب التخفيف من قسوة أي شيء. لست هنا بصدد بناء شخصية خيالية. أنا بصدد تفكيك الفتاة التي كنتُ." ص (58)، وهنا تختلف أسلوب كتابة أني إيرنو عن التخييل الذاتي، فكاتب التخييل الذاتي يعي جيدا التغييرات أو "التحريفات" التي يقوم بها من حذف وتشويه أو تلميع صورة ووضعية الشخصية الروائية خدمة للمقاصد المتنوعة والمتعددة للكاتب.

ملاحظة: قسم من دراسة مطولة ضمن كتاب قيد الإنجاز

Publicité
Commentaires
Publicité
محمد معتصم
Archives
Publicité
Publicité