المرأة والرواية والسيرة الذاتية
محمد معتصم
/image%2F0940860%2F20240725%2Fob_029c7d_new2edt.jpg)
المرأة والرواية والسيرة الذاتية
ما ينبغي التنبيه إليه هو الاختلاف النوعي والأجناسي بين الرواية والسيرة الذاتية، فهما معا ينتميان نوعيا إلى النصوص (السردية)، أمَّا ما يخالط الشعر والمقالة والخاطرة من كتابة الذات وحضور الأنا وضمير المتكلم (التاء المتحركة وياء المتكلم و"نا" الدالة على الفاعل)، ليس سيرا ذاتية، بل كتابات تستحضر من جهة الذات وتجاربها الشخصية أو الواقعية الاجتماعية والسياسية كآخر من خلاله يتم التعبير عن مواقف جمعية حينا أو عن مواقف ومشاعر شخصية كما هي الحال في الشعر.
تجد المرأة في كتابة الرواية، كونها خطابا سرديا ووصفيا مركبا وشاملا لمختلف الأنواع النصية والأجناس الأدبية، فرصا شتى للتعبير عن ذاتها بحرية، وذلك على مستويات متعددة، أي بأساليب كثيرة:
1.قد تكتب ما لم تكن قادرة على كتابته والإفصاح عنه حول تجربة شخصية خوفا من ردة فعل وسطها الاجتماعي الضيق (العائلة والأسرة وزملاء العمل والجيران)، فيتم التعبير عبر وسيط لغوي (ضمائر المتكلمين) أو عبر مكون سردي مهم (السارد أو الشخصية الروائية).
2.قد تعبر المرأة عن موقف سياسي أو فكري شخصيين من خلال بناء سياقات سردية متخيلة تضمينية، أي أن الكاتبة تقوم بتضمين أفكارها ومواقفها الخاصة من قضية اجتماعية وفكرية وسياسية وعقدية بضمير المتكلم إلا أن تلك السياقات الجدلية والحوارية والسجالية بين عدد من الشخوص والشخصيات في المتن السردي الروائي تقوم بتعميم المحتوى وتفتح أمام التأويل إمكانيات التعدد والاختلاف والابتعاد عن ذات الكاتبة.
بينما في الخطاب السير ذاتي الذي تحرص الكاتبة على تجنيسه كذلك، فإنه يتحكم، أي التجنيس الخارجي للنص، يكون القارئ ناقدا وباحثا خاصة أو جمهور القراء عامة على إحالة محتوى النص من أفكار ومواقف ومحكيات سردية متضمنة أو صريحة على أنها تعود على الكاتبة، لأن السيرة الذاتية يتميز خطابها بالإحالة المباشرة على الكاتب الموضوعي، فإذا كان الخطاب الروائي متعددا ومركبا ومنفتحا فإن خطاب السيرة الذاتية خطيٌّ ومنغلق على الذات الكاتبة، فتأتي الوقائع في السرد على أنها:
1.تحيل على تجربة شخصية الفاعل فيها والمفعول معا هم؛ الكاتبة والسارد(ة) والشخصية.
2.تحيل على تجربة غيرية الفاعل فيها الكاتبة التي تنتج الخطاب، والمفعول غيرها الذي وقع عليه فعل الفاعل. أي أن الخطاب في السيرة الذاتية شخصيٌّ بينما القصة والمحتوى الكلامي متعلِّقٌ بغير ذات الكاتبة، كأننا أمام خطاب سيرذاتي غيري، أو ما يطلق عليه السيرة الغيرية
3.تكون الإحالة ثالثا على سارد وشخصية من الخيال (متخيل)، بضمير المتكلم.
ماذا نستفيد من هذه المقابلة بين الرواية والسيرة الذاتية؟
نستفيد أن الرواية وإن استعملت ضمائر المتكلمين المختلفة فهي لا تقوم بتشخيص المرجع الذي تحيل عليه، وهذا يسمح للرجل والمرأة معا، بحرية أوسع في التعبير عن ذاتيهما ومشاعرهما ومواقفهما الذاتية، ولذلك ظهرت أنواع سردية كثيرة متعلقة بهذا السرد الروائي الذاتي. من قبيل السيرة الروائية والرواية السير ذاتية والرواية بضمير المتكلم. بينما السيرة الذاتية التقليدية ذات البعد الخطي في السرد والتعليمي في المحتوى وحتى تلك التي اعتمدت على البعدين الاجتماعي والسياسي فإنها لم تدفع المرأة الكاتبة إلى التحرُّج من كتابة موقفها وإبداء رأيها كما فعلت مثلا هدى شعراوي، لكن المرأة لم تعد ترغب فقط في الكتابة عن غيرها وعما هو خارج ذاتها، الخاصة، أي تجربتها الشخصية وما يسمح به متخيلها الذاتي، فوجب كسر ذلك الطابو القائم على الخوف من أحكام قيمة المجتمع الضيق (العائلي والأسري) والواسع (المتلقين). فهل كان ذلك سهلا سيرا؟ أبدا، لقد واجهت صعوبات كثيرة بعضها أدبي والآخر شخصي وكثير منها مرتبط بالموروث الثقافي والعرفي والعادات والتقاليد، فلجأت كما فعل كثير من الكتاب الرجال الاحتماء بالتخييل السردي الروائي، من خلال كتابة الرواية والرواية السير ذاتية والرواية بضمير المتكلم والسرد التخييل ذاتي (َAutofiction)أو السرد التخييل ذاتي الاجتماعي كما أطلقت آني إرنو على مجمل كتاباتها الذاتية والتي تحيل على وقائع شخصية كما تصرح في حواراتها وما تقدمه من شهادات شخصية حول أعماله، ولكن تلك الوقائع التي قام عليها العالم السردي التخييلي والأدبي تحيل على وقائع عاشتها الكاتبة. إن هذا الالتباس في الخطاب المكتوب والتعبير الشفهي (الاعتراف) الإعلامي هو ما يدفع كثيرا من الكاتبات والكتاب إلى التحرج من تجنيس كتاباتهم تحت مسمى "سيرة ذاتية".
لقد عبرت الكاتبة المغربية ليلى أبو زيد في مقدمة سيرتها الذاتية "رجوع إلى الطفولة" عن خوفها من وضع اسمها الحقيقي على منشوراتها الأدبية، لأن القارئ لإبداع المرأة يذهب بطريقة لا واعية نحو ربط محتوى العمل الأدبي الإبداعي بالحياة الشخصية للمرأة الكاتبة، فاعتمدت اسما "مستعارا"، وهو ما فعلتها كاتبات عربيات وكتاب عرب كذلك، ولم تجرؤ على وضع اسمها الحقيقي إلا بعد أن تطور الوعي نسبيا واتسعت وتعددت وسائل التواصل والتعبير وتطورت مناهج النقد والدراسات الأدبية في الجامعات وفي مختلف المنابر الثقافية. لذلك، وجدنا أصنافا من كاتبات السير الذاتية:
1.من تكتب ذاتها عبر الكتابة عن الواقع والقضايا العامة، يكون المحتوى خارجي والتعبير (الأسلوب) ذاتي.
2.من تكتب ذاتها عبر الكتابة الغيرية، أي الكتابة عن ذوات أخرى خارجية، يكون المحتوى غيري والتعبير ذاتي.
3من تكتب ذاتها عبر الأدب والإبداع، أي تخييل عوالم وفضاءات متنوعة ومفتوحة يكون المحتوى موضوعي والتعبير ذاتي.
4. من تكتب ذاتها عبر التخييل الذاتي، فتجمع بين الأدب والذات، يكون المحتوى ذاتي والتعبير موضوعي.
5.من تكتب ذاتها عبر السيرة الذاتية التقليدية ذات البعد التعليمي التي تقدم التوجيهات والنصائح وتقترح ذاتها نموذجا ومثالا يحتذى.
6.من تكتب ذاتها عبر التخييل الذاتي الاجتماعي، الذي يعيد التفكير والنظر وتقيم الحادثة الواقعية من زاوية الأدب وإمكانيات السرد.
إن الخوف من كتابة الذات لا يرتبط فقط بالمرأة الكاتبة، بل يرتبط بالكاتب أيضا، فمواجهة الذات يعبر عن مواجهة الحقيقة، لكن في الأدب عامة، لا يمكن كتابة الواقع في صلابته ولا الحقيقة كما هي كما وقعت في لحظتها الزمانية، بل يتم استرجاعها من الذاكرة ملونة بالحنين أو بالألم وهو ما يعلي من قيمتها ويحرفها عن حقيقتها ثم يأتي دور اللغة، لغة الكاتب أو الكاتبة وسلطتها التعبيرية وقوانينها، لذلك مرة أخرى يكون الخوف من كتابة الذات مجرد شعور داخلي ووعي قبلي في ذات الكاتب والكاتبة معا، وهما الحاجز الفاصل بين تحقق الذات في الكتابة وعدم تحققها. لكن هذا الخوف النفسي وثقوب الذاكرة هما ما سمح للنقد وعبره الإبداع، بتعدد الأنواع والأجناس السير ذاتية، التي ذكرت بعضها وبعضها الآخر لم أذكره مثل كتابة الذات من خلال كتابة المكان أو مثل استرجاع تاريخ العائلة أو محن الأسرة وتقلبات أجيالها... وهكذا دواليك.
لذلك يمكن اعتبار الأدب عامة والسيرة الذاتية النسائية بعدا آخر من أبعاد تدوين التاريخ العام من خلال تدوين التاريخ الخاص اعتمادا على اللغة الأدبية والتخييل السردي، هذا إذا تحقق شرطا الإبداع والصدق في نقل الأحداث والوقائع موضوعيا من جهة ودون غلو ذاتي أو تحريف وانحراف في زاوية النظر، يصدق هذان الشرطان على كتابة المرأة والرجل في السيرة الذاتية والرواية وغيرهما أشكال التعبير الفني والأدبي والجمالي.
لا يمكننا إنكار معاناة المرأة في العالم والعالم العربي اجتماعيا وسياسيا، وأنها قاومت هذا الحصار والتهميش لعقود وسنوات كثيرة من أجل الظفر بالاستحقاقات السياسية مثل حقها في ممارسة العمل السياسية وبالترشح لمناصب إدارية عليا ولنيل الحظوة في زعامات حزبية وعلى رأس مؤسسات ثقافية ومساهمتها في التنمية البشرية عبر انخراطها في مختلف جمعيات المجتمع المدني التي تنشُط في مجالات متنوعة ومتعددة، وهذا ما تحقق لها مع بداية الألفية الثالثة وخلال العقدين الأخيرين من الألفية الثانية.
هذه الوضعية على عمومها تفسر الخلفية الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية التي كانت وراء تخفي المرأة الكاتبة في بدايات خروجها لعالم العمل، بعد نهاية الحربين العالميتين، وبداية استقلال بعض الدول العربية التي كانت تحت نير الاستعمار الفرنسي والانجليزي والإسباني البرتغالي والإيطالي، لقد تخفت المرأة الكاتبة وراء القضايا الكبرى السياسية والاجتماعية تدون ملاحظاتها ومذكراتها مثلما فعلت الكاتبة المصرية هدى شعرواي وهي تكتب ذاتها من خلال التركيز على موضوعات سياسية عامة، لأن المذكرات ليست سوى نوع آخر من التعبير عن الذات الذي تميزت به كتابة السيرة الذاتية، والتي تحولت مع فيليب لوجون بعد "الميثاق الذاتي" إلى "كتابة الذات"، وتخفت المرأة مرة أخرى وراء الاسم المستعار مثال بنت الشاطئ، بنت البحر، وقد عبرت عن هذا الاختيار القصري الكاتبة المغربية ليلى أبوزيد في مقدمة سيرتها الذاتية "رجوع إلى الطفولة" خوفا من الوسط الاجتماعي العائلي والأسري وزملاء العمل، الذي تتحكم فيه أحكام القيمة المميزة بالتعميم والتعتيم، والقائمة على حكم ثابت جَمْعي، أي (تمثل ذهني) راسخ في اللاوعي التقليدي الموروث، حول قصور عقل المرأة عن التفكير وبالتالي عن الإبداع والابتكار، لكنها مع ذلك كتبت ذاتها بصور شتى وبأساليب مختلفة ومن بينها تضمين مواقفها وآرائها وحتى تجاربها الشخصية والميدانية في الخطاب الروائي المميز بقابلية امتصاص كل أنواع الخطابات المتواجدة في الساحة الثقافية، كالخطاب الشعري والسياسي والحقوقي والإعلامي والسجال الفكري والشهادات والتحقيقات...وقد سمح هذا التعدد في أشكال التعبير وكذلك تضمين الكتابة الذات ضمن المتن السردي الروائي للنقاد والباحثين في آن واحد، من العثور على بنيات ثقافية وفكرية تحيل على الواقع المعيش وتدوين لكثير من الحالات الاجتماعية وكثير من القضايا السياسية والفكرية والعقدية التي شغلت الناس في مختلف المراحل التاريخية الحديثة والمعاصرة التي شكلت وجه العالم العربي وخطت رسومه وحدوده التي هو عليها اليوم. أما الآن فكثير من الكاتبات والكتاب في العالم العربي اعتادوا على تجنيس أعمالهم دون رعب تحت مسمى "السيرة الذاتية" العامة أو الجزئية.